قَالُوا: لما قاضى رَسُول اللَّهِ ﷺ قريشا عام الحديبية وكتب القضية عَلَى الهدنة، وأنه من أحب أن يدخل في عهد مُحَمَّد ﷺ دخل ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل وأنه من أتى قريشا من أصحاب رسول الله ﷺ لم يردوه ومن أتاه منهم ومن حلفائهم رده قام من كان من كنانة فقالوا ندخل في عهد قريش ومدتها وقامت خزاعة فقالت ندخل في عهد مُحَمَّد وعقده وقد كان بَيْنَ عَبْد المطلب وخزاعة حلف قديم فلذلك قَالَ عَمْرو بْن سالم بْن حصيرة الخزاعي.
لاهم اني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
ثم ان رجلا من خذاعة سمع رجلا من كنانة ينشد هجاء في رَسُول اللَّهِ ﷺ فوثب عَلَيْهِ فشجه فهاج ذلك بينهم الشر والقتال، وأعانت قريش بنى كنانة، وخرج منهم رجال معهم فبيتوا خزاعة فكان ذلك مما نقضوا العهد والقضية، وقدم عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَمْرو بْن سالم بْن حصيرة الخزاعي يستنصر رَسُول اللَّهِ ﷺ فدعاه ذلك إِلَى غزو مكة.
وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: حدثنا عثمان بن صالح، عن بْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ، قَالَ: فَهَادَنَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يَأْمَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى الأَغْلالِ وَالأَسْلالِ- أَوْ قَالَ أَرْسَالِ- فَمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ مُجْتَازًا إِلَى الْيَمَنِ وَالطَّائِفِ فَهُوَ آمن
[ ٤٥ ]
وَمَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَامِدًا إِلَى الشَّامِ وَالْمَشْرِقِ فَهُوَ آمِنٌ، قَالَ:
فَأَدْخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَهْدِهِ بنى كعب، وأدخلت قُرَيْشٌ فِي عَهْدِهَا حُلَفَاءَهَا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ بَنِي بَكْرٍ مِنْ كِنَانَةَ كَانُوا فِي صُلْحِ قُرَيْشٍ وَكَانَتْ خُزَاعَةُ فِي صُلْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاقْتَتَلَتْ بَنُو بَكْرٍ وَخُزَاعَةُ بِعَرَفَةَ، فَأَمَدَّتْ قُرَيْشٌ بَنِي بكر بالسلاح وسقوهم الماء وظللوهم، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: نَكَثْتُمُ الْعَهْدَ فَقَالُوا مَا نَكَثْنَا وَاللَّهِ مَا قَاتَلْنَا إِنَّمَا مَدَدْنَاهُمْ وَسَقَيْنَاهُمْ وَظَلَلْنَاهُمْ، فَقَالُوا لأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ: انْطَلِقْ فَأجد الْحِلْفَ وَأَصْلِحْ بَيْنَ النَّاسِ فَقَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَجِدَّ الْحِلْفَ وَأَصْلِحْ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ عُمَرُ: قَطَعَ اللَّهُ مِنْهُ مَا كَانَ مُتَّصِلا، وَأَبْلَى مَا كَانَ جَدِيدًا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ شَاهِدَ عَشِيرَةٍ شَرًّا مِنْكَ، فَانْطَلَقَ إِلَى فَاطِمَةَ فَقَالَتْ: الْقَ عَلِيًّا فَلَقِيَهُ فَذَكَرَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنْتَ شَيْخُ قُرْيَشٍ وَسِيِّدُهَا فَأَجِدَّ الْحِلْفَ وَأَصْلِحْ بَيْنَ النَّاسِ، فَضَرَبَ أَبُو سُفْيَانَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَقَالَ: قَدْ جَدَّدْتُ الْحِلْفَ وَأَصْلَحْتُ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، وقد كان رسول الله ﷺ قَالَ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَدْ أَقْبَلَ وَسَيَرْجِعُ رَاضِيًا بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَةٍ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَقَالُوا تَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا أَحْمَقَ مِنْكَ مَا جِئْتَنَا بِحَرْبٍ فنحذر ولا بسلم فتأمن، وَجَاءَتْ خُزَاعَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَكَوْا مَا أَصَابَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي قَدْ أَمَرْتُ بِإِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ أَوِ الطَّائِفِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَسِيرِ فَخَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ وَقَالَ «اللَّهُمَّ اضْرِبْ عَلَى آذَانِهِمْ فَلا يَسْمَعُوا حَتَّى نَبْغِتَهُمْ بَغْتَةً» وَأَغْذِ الْمَسِيرَ حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ قَالَتْ لأَبي سُفْيَانَ: ارْجِعْ، فَلَمَّا بَلَغَ مر الظَّهْرَانِ وَرَأَى النِّيرَانَ وَالأَخْبِيَةَ،
[ ٤٦ ]
قَالَ: مَا شَأْنُ النَّاسِ، كَأَنَّهُمْ أَهْلُ عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، وَغَشِيَتْهُ خُيُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ، وَجَاءَ عُمَرُ فَأَرَادَ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ العَبَّاسُ وَأَسْلَمَ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ تَحَشْحَشَ النَّاسُ وُضُوءًا لِلصَّلاةِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ: مَا شَأْنُهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلِي. قَالَ: لا وَلَكِنَّهُمْ قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ، فَلَمَّا دَخَلُوا فِي صَلاتِهِمْ رَآهُمْ إذا ركع رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ سَجَدُوا فَقَالَ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ طَوَاعِيَةً قَوْمٌ جاءوا من ههنا وههنا وَلا فَارِسَ الْكِرَامَ وَلا الرُّومَ ذَاتَ الْقُرُونِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْنِي إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ أَرْسَلَ فِي أَثَرِهِ وَقَالَ: رُدُّوا عَلَى عَمِّي لا يَقْتُلُهُ الْمُشْرِكُونَ، فَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى أتى مكة، فقال أى قوم اسلموا تسلموا أتيتم أتيتم وَاسْتَبْطَنْتُمُ بَأَشْهُبِ بَازِلٍ، هَذَا خَالِدٌ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، وَهَذَا الزُّبَيْرُ بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وخزاعة، فقال قُرَيْشٌ: وَمَا خُزَاعَةٌ الْمُجَدَّعَةُ الأَنُوفُ.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الواحد بن غياث، قال: حدثنا حماد بن سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ قَائِلَ خُزَاعَةَ، قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ:
لاهم اني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْرًا أَيِّدَا وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأَتُوا مَدَدَا
قَالَ حَمَّادٌ: فَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ نَادَوُا النَّبِيَّ ﷺ، وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَقَالَ لَبَّيْكُمْ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ، تَسَلَّحَ قَوْمٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَقَالُوا: لا يَدْخُلُهَا مُحَمَّدٌ إِلا عَنْوَةً، فَقَاتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَمَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدُّخَولِ،
[ ٤٧ ]
فَقَتَلَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلا مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَرْبَعَةَ نفرا مِنْ هُذَيْلٍ، وَيُقَالُ:
قَتَلَ يَوْمَئِذٍ ثَلاثَةً وَعِشْرِينَ رجلا من قريش، وانهزم الباقون فاعتصموا برؤوس الْجِبَالِ وَتَوَغَّلُوا فِيهَا وَاسْتُشْهِدَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ كَرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ، وَخَالِدٌ الأَشْعَرُ الْكَعْبِيُّ، وَقَالَ هشام ابن الكلبي: هو حبيشّ الأشعر ابن خالد الكعبي مِنْ خُزَاعَةَ.
وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الأُبَلِّيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، قَالَ، وَفَدْتُ إِلَى وُفُودِ مُعَاوِيَةَ وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ بَعْضُنَا يَصْنَعُ لِبَعْضٍ الطَّعَامَ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَى رَحْلِهِ، قَالَ: فَصَنَعْتُ لَهُمْ طَعَامًا وَدَعَوْتُهُمْ، فَقَالَ:
أَبُو هُرَيْرَةَ أَلا أُعْلِلُّكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرُ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنَّبَتَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدةَ بْنَ الْجَرَّاحِ عَلَى الحصر، فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي وَرَسُولُ اللَّه ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ فَرَآنِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: نَادِ الأَنْصَارَ فَلا يَأْتِ إِلا أَنْصَارِيٌّ، قَالَ: فَنَادَيْتُهُمْ فَأَطَافُوا بِهِ وَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشَهَا وَأَتْبَاعَهَا، وَقَالُوا نُقَدِّمُ هَؤُلاءِ، فَإِنْ أَصَابُوا ظُفْرًا كُنَّا مَعَهُمْ وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي يَسْأَلُ، فقال رسول الله ﷺ. أَتَرَوْنَا أَوْبَاشَ قُرْيَشٍ قَالُوا نَعَمْ فَقَالَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى يُشِيرُ. أَنِ اقْتِلُوهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَافُونِي بِالصَّفَا، قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَمَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلا يَقْتُلُهُ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَقَالَ رسول الله ﷺ من دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلاحَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَالَ بَعْضُ الأَنْصَارِ لِبَعْضٍ، أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرَابَتِهِ وَرَأَفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْوَحْيُ، وَكَانَ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا،
[ ٤٨ ]
فَقَالَ. يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا قَالُوا قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ،. كَلا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ، فَجَعَلُوا يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ، وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قلنا إلا للضن بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَغْلَقُوا أَبْوَابَهَا وَوَضَعُوا سِلاحَهُمْ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَأَتَى عَلَى صَنَمٍ كَانَ إِلَى جَنْبِ الْكَعْبَةِ وَفِي يَدِهِ قَوْسٌ قَدْ أَخَذَ بِسِيَتِهَا فَجَعَلَ يَطْعَنُ فِي عَيْنِ الصَّنَمِ وَيَقُولُ (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا) ١٧: ٨١ قَالَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلاهُ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ. أَخْبَرَنَا هَشِيمٌ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عن عبيد الله ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لا تُجْهِزَنَّ عَلَى جَرِيحٍ، وَلا يُتْبَعَنَّ مُدْبِرٌ. وَلا يُقْتَلَنَّ أَسِيرٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ. كَانَتْ غَزْوَةُ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ إِلَى الْفِطْرِ. ثُمَّ تَوَجَّهَ لِغَزْوَةِ حُنَيْنٍ. وَوَلَّى مَكَّةَ عتاب ابن أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأَمَر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَدْمِ الأَصْنَامِ وَمَحْوِ الصُّوَرِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْكَعْبَةِ وقال: اقتلوا بن خطل ولو كان متعلقا بأستار الْكَعْبَةِ، فَقَتَلَهُ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ. قَالَ أَبُو اليقظان. واسم ابْن خطل قيس، وقتله أَبُو شرياب الأنصاري، وكان لابن خطل قينتان تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ فقتلت احداهما وبقيت الأخرى حَتَّى كسرت لها ضلع أيام عُثْمَان فماتت، وقتل نميلة بْن عبد الله الكناني مقيس بن صبابة الكبانى، وكان رسول الله ﷺ قَدْ أمر من وجده أن يقتله
[ ٤٩ ]
وذلك لأن أخاه هاشم بْن صبابة بْن حزن أسلم وشهد غزوة المريسيع مع رَسُول اللَّهِ ﷺ فقتله رجل منَ الأنصار خطأ وهو يظنه مشركا فقدم مقيس عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ، فقضى له بالدية عَلَى عاقلة القاتل، فأخذها وأسلم، ثُمَّ عدا عَلَى قاتل أخيه فقتله وهرب مرتدا، وقال:
شفى النفس أن قَدْ بات بالقاع مسندا يضرج ثوبيه دماء الأخادع
ثأرت به قهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع
حالت به وترى وأدركت ثورتي وكنت عَنِ الإسلام أول راجع
وقتل علي بْن أَبِي طالب ﵁ الحويرث بْن نقيذ بْن بجير بْن عَبْد بْن قصي، وكان النَّبِيّ ﷺ أمر أن يقتله من وجده وحدثني بكر بن الهثيم، عن عبد الرزاق، عن مغمر، عَنِ الْكَلْبِيِّ، قَالَ:
جَاءَتْ قَيْنَةٌ لِهِلالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ خَطَلٍ الأَرْدَمِيُّ مِنْ بَنِي تَيْمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُتَنَكِّرَةٌ فَأَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ وَهُوَ لا يَعْرِفُهَا فَلَمْ يَعْرِضْ لَهَا وَقُتِلَتْ قَيْنَةٌ لَهُ أُخْرَى، وَكَانَتَا تُغَنِيَّانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: وَأَسْلَمَ ابْنُ الزَّعْبَرِيُّ السَّهْمِيُّ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، وَمَدَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ قَدْ أَبَاحَ دَمَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَّزَّارُ،، قَالَ: حَدَّثَنَا هَشِيمٌ، قَالَ أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ يَوْمَ مَكَّةَ فَقَالَ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ أَلا إِنَّ كُلَّ مَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكُلَّ دَمٍ وَدَعْوَى مَوْضُوعَةٌ تَحْتَ قَدَمِي إِلا سِدَانَةَ الْبَيْتِ، وَسِقَايَةَ الْحَاجِّ» . وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالُوا: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٥٠ ]
وَسَلَّمَ لِقُرَيْشٍ مَا تَظُنُّونَ، قَالُوا: نَظُنُّ خَيْرًا وَنَقُولُ خَيْرًا أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ وَقَدْ قَدَرْتَ قَالَ: فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ ﵇ (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ١٢: ٩٢ أَلا كُلُّ دَيْنٍ وَمَالٍ وَمَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الجاهلية فهي تحت قدمي الاسدانة الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ الْحَاجِّ» . حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن عبيد ابن عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ «أَلا إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ مَا بَيْنَ أَخْشَبَيْهَا لَمْ يَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَلا يَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِي إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لا يُخْتَلَى خلاها ولا تعضد عضاهها وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلا أَنْ يُعَرَّفَ- أَوْ يُعَرِّفُ- فَقَالَ الْعَبَّاسُ ﵀ إِلا الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِصَاغَتِنَا وَقُيُونِنَا وَطُهُورِ بُيُوتِنَا، فَقَالَ ﷺ إِلا الإِذْخِرَ» . حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لا يُخْتَلَى خَلا مَكَّةَ وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: الا الإذخر فإنه القيون وَطُهُورِ الْبُيُوتِ فَرُخِّصَ فِي ذَلِكَ» . حَدَّثَنَا شيبان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هلال الراسبي عَنِ الْحَسَن، قَالَ. أراد عُمَر أن يأخذ كنز الكعبة فينفقه في سبيل اللَّه، فقال له أُبَيُّ بْن كعب الأنصاري، يا أمير الْمُؤْمِنِين قَدْ سبقك صاحباك، ولو كان هَذَا فضلا لفعلاه وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَكَّةُ حَرَامٌ لا يَحِلُّ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَلا أُجُورُ بُيُوتِهَا» . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنِ إسْرَائِيلَ عَنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
[ ٥١ ]
قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ابْنِ لَكَ بِنَاءً يُظِلُّكَ مِنَ الشَّمْسِ بِمَكَّةَ، فَقَالَ، «إِنَّمَا هِيَ مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» . حَدَّثَنَا خلف بْن هِشَام البزار، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل عَنِ ابْن جريح، قَالَ قرأت كتاب عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ ينهى عن كراء بيوت مكة. حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْد حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنِ إسرائيل عن ثوير عن مجاهد عَنِ ابْن عُمَر، قَالَ الحرم كله مَسْجِد.
حَدَّثَنَا عَمْرو الناقد، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق الأزرق عن عَبْد الملك بْن أَبِي سُلَيْمَان، قَالَ. كتب عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ إِلَى أمير مكة أن لا تدع أهل مكة يأخذون عَلَى بيوت مكة أجرا فإنه لا يحل لهم.
حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَبِي شيبة، قَالَ. حَدَّثَنَا جرير عن يزيد بْن أَبِي زياد عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن سابط في قوله (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) ٢٢: ٢٥، قَالَ البادي من يخرج منَ الحجاج والمعتمرين، هم سواء في المنازل، ينزلون حيث شاءوا، غير ألا يخرج أحد من بيته.
حَدَّثَنَا عُثْمَان، قَالَ حَدَّثَنَا جرير، عن مَنْصُور عن مجاهد في هَذِهِ الآية، قَالَ أهل مكة وغيرهم في المنازل سواء. وَحَدَّثَنَا عُثْمَان وعمرو، قالا. حَدَّثَنَا وَكِيع عن سُفْيَان، عن مَنْصُور، عن مجاهد أن عُمَر بْن الخطاب، قَالَ لأهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء. وَحَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَبِي شيبة، وبكر بْن الهيثم، قالا. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن ضريس الرازي عن سُفْيَان، عن أَبِي حصين قَالَ قلت لسعيد بْن جبير وهو بمكة إني أريد أن أعتكف، فقال: أنت عاكف ثُمّ قرأ (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) ٢٢: ٢٥.
حَدَّثَنَا عُثْمَان، قَالَ: حَدَّثَنَا حفص بْن غياث عن عَبْد اللَّهِ بْن مُسْلِم عن سَعِيد بْن جبير في قوله (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) ٢٢: ٢٥ قَالَ: خلق اللَّه فيه سواء أهل مكة وغيرها، وحدثني مُحَمَّد بْن سَعِيد عَنِ الواقدي، قال. كان يتخاصم إلى أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حزم في أجور الدور بمكة فيقضي بها على من
[ ٥٢ ]
اكتراها وهو قول مَالِك وابن أَبِي ذئب، قَالَ وقال ربيعة، وأبو الزناد، لا بأس بأكل كراء بيوت مكة وبيع رباعها، وقال الواقدي، رأيت ابْن أَبِي ذئب يأتيه كراء داره بمكة بَيْنَ الصفا والمروة، وقال الليث بْن سَعِيد ما كان من دار فأجرها طيب لصاحبها، فأما القاعات، والسكك، والأفنية والخرابات، فمن سبق نزل ذلك بغير كراء وأخبرني عَبْد الرَّحْمَنِ الأودي، عَنِ الشافعي بمثل ذلك، وقال سفيان ابن سَعِيد الثوري، كراء بيوت مكة حرام، وكان يشدد في ذلك. وقال الأوزاعي وابن أَبِي ليلى. وأبو حنيفة إن كراها في ليالي الحج فالكراء باطل، وإن كان في غير ليالي الحج، وكان المكتري مجاورا أو غير ذلك فلا بأس، وقال بعض أصحاب أَبِي يوسف كراؤها حل طلق، وإنما يستوي العاكف والبادي في الطواف بالبيت.
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عَلي بْن الأسود، قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن موسى، عَنِ الْحَسَن بْن صالح عَنِ العلاء بْن المسيب، عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن الأسود، أنه كان لا يرى ببقل مكة ولا بالزرع الَّذِي يزرع فيها ولا بشيء مما أنبته الناس بها من شجر أو نخل بأسا أن تقطعه وتأكله وتصنع فيه ما شئت، قَالَ وإنما كره ما أنبتت الأرض بمكة من شجر وغيره مما لم يعمله الناس إلا الأذخر، قَالَ الْحَسَن بْن صالح. وقد رخص في الشجر البالي الَّذِي قَدْ يبس وتكسر. وقال مُحَمَّد بْن عُمَر الواقدي. قَالَ مَالِك. وابن أَبِي ذئب في محرم أو حلال قطع شجرا منَ الحرم أنه قَدْ أساء. فإن كان جاهلا علم ولا شيء عَلَيْهِ. وإن كان عالما خالعا عوقب ولا قيمة عَلَيْهِ. ومن قطع من ذلك شيئا فلا بأس أن ينتفع انه قَالَ وقال سُفْيَان الثوري وأبو يوسف. عَلَيْهِ في الشجرة لقطعها قيمة ولا ينتفع بذلك. وهو قول أَبِي حنيفة. وقال مَالِك بْن أَنَس. وابن أَبِي ذئب. لا بأس بالضغابيس. وأطراف السنا. تؤخذ منَ الحرم للدواء والسواك. وقال سُفْيَان بْن سَعِيد. وأبو حنيفة
[ ٥٣ ]
وأبو يوسف: كل شيء أنبته الناس في الحرم أو كان مما ينبتون فلا شيء عَلَى قاطعه وكل شيء مما لا ينبته الناس فعلى قاطعه قيمته، وقال الواقدي سألت الثوري، وأبا يوسف عن رجل أنبت في الحرم ما لا ينبته الناس، فقام عَلَيْهِ حَتَّى نبت له أله أن يقطعه، قالا نعم، قلت فان نبتت في بستانه شجرة مما لا ينبت الناس من غير أن يكون أنبتها، قالا يصنع بها ما شاء.
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد، عَنِ الواقدي، قَالَ: روى لنا أن ابْن عُمَر كان يأكل بمكة بقلا زرع في الحرم، وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد، قَالَ حدثني الواقدي، عن معاذ بْن مُحَمَّد، قَالَ رأيت عَلَى مائدة الزهري بقلا منَ الحرم، قَالَ أَبُو حنيفة لا يرعى الرجل المحرم بعيره في الحرم ولا يحتش له، وهو قول زفر، وقال مَالِك وابن أَبِي ذئب، وسُفْيَان، وأبو يوسف، وابن أَبِي سبرة. لا بأس بالرعي ولا يحتش، وقال ابْن أَبِي ليلى لا بأس بأن يحتش. وحدثني عَفَّان، والعَبَّاس بْن الوليد النرسي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الواحد بْن زياد، قَالَ: حَدَّثَنَا ليث، قَالَ كان عطاء لا يرى بأسا ببقل الحرم وما زرع فيه وبالقضيب والسواك، قَالَ وكان مجاهد يكرهه، قَالَ: ولم يكن للمسجد الحرام عَلَى عهد رَسُول اللَّهِ ﷺ وأبي بكر جدار يحيط به، فلما استخلف عُمَر بْن الخطاب وكثر الناس وسع المسجد واشترى دورا فهدمها وزادها فيه وهدم عَلَى قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا ووضع لهم الأثمان حَتَّى أخذوها بعد، واتخذ للمسجد جدارا قصيرا دون القامة. فكانت المصابيح توضع عَلَيْهِ. فلما استخلف عُثْمَان بْن عَفَّان ابتاع منازل وسع المسجد بها وأخذ منازل أقوام ووضع لهم الأثمان فضجوا به عند البيت فقال إنما جرأكم علي حلمي عنكم وليني لكم لقد فعل بكم عُمَر مثل هَذَا فأقررتم ورضيتم، ثُمَّ أمر بهم إِلَى الحبس حَتَّى كلمه فيهم عبد الله ابن خَالِد بْن أسيد بْن أَبِي العيص فخلى سبيلهم.
[ ٥٤ ]
ويقال: إن عُثْمَان أول منَ اتخذ للمسجد الأروقة، واتخذها حين وسعه قَالُوا: وكان باب الكعبة عَلَى عهد إِبْرَاهِيم ﵇ وجرهم والعماليق بالأرض حَتَّى بنته قريش، فقال أبو حذيفة ابن المغيرة يا قوم ارفعوا باب الكعبة حَتَّى لا يدخل إلا بسلم فإنه لا يدخلها حينئذ إلا من أردتم، فإن جاء أحد ممن تكرهون رميتم به فسقط فكان نكالا لمن وراءه، فعملت قريش بذلك.
قَالَ: ولما تحصن عَبْد اللَّهِ بْن الزبير بْن العوام في المسجد الحرام واستعاذ به- والحصين بْن نمير السكوني إذ ذاك يقاتله في أهل الشام- أخذ ذات يوم رجل من أصحابه نارا عَلَى ليفة في رأس رمح، وكانت الريح عاصفا، فطارت شرارة فتعلقت بأستار الكعبة فأحرقتها، فتصدعت حيطانها واسودت، وذلك في سنة أربع وستين حَتَّى إذا مات يزيد بْن معاوية، وانصرف الحصين بْن نمير إِلَى الشام أمر ابْن الزبير بما في المسجد منَ الحجارة الَّتِي رمى بها فأخرج، ثُمَّ هدم الكعبة وبناها عَلَى أساسها وأدخل الحجر فيها وجعل لها بابين موضوعين بالأرض شرقيا وغربيا يدخل من واحد ويخرج منَ الآخر، وكان قَدْ وجد أساس الكعبة متصلا بالحجر، وإنما التمس إعادتها إِلَى بناء إِبْرَاهِيم ﵇ عَلَى ما كانت عائشة أم الْمُؤْمِنِين أَخْبَرَته عَنِ النَّبِيّ ﷺ، وجعل عَلَى بابها صفائح الذهب وجعل مفاتيحها من ذهب، فلما حاربه الحجاج بْن يوسف من قبل عبد الملك ابن مروان وقتله كتب إليه عَبْد الملك يأمره ببناء الكعبة والمسجد الحرام، وقد كانت الحجارة حلحلت الكعبة فهدمها الحجاج وبناها فردها إِلَى بناء قريش وأخرج الحجر، فكان عَبْد الملك يقول بعد ذلك: وددت أني كنت حملت ابْن الزبير أمر الكعبة وبناءها ما تحمل.
قَالُوا: وَكَانَتْ كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الأَنْطَاعَ وَالْمَغَافِرَ فَكَسَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الثِّيَابَ الْيَمَانِيَّةَ، ثُمَّ كَسَاهَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵄
[ ٥٥ ]
الْقُبَاطِيَّ، ثُمَّ كَسَاهَا يَزْيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيبَاجَ الْخِسْرُوَانِيُّ، وَكَسَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْحَجَّاجُ بَعْدَهُ الدِّيبَاجَ، وَكَسَاهَا بَنُو أُمَيَّةَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِمُ الْحُلَلَ الَّتِي كَانَ أَهْلُ نَجْرَانَ يُؤَدُّونَهَا وَأَخَذُوهُمْ بِتَجْرِيدِهَا وَفَوْقَهَا الدِّيبَاجُ، ثُمَّ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَسَّعَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَحَمَلَ إِلَيْهِ عُمُدِ الحجارة والرخام والفيسفساء، قَالَ الواقدي فلما كانت خلافة أمير الْمُؤْمِنِين المَنْصُور ﵀ زاد في المسجد وبناه وذلك في سنة تسع وثلاثين ومائة. وقال على بن محمد ابن عَبْد اللَّهِ المدائني، ولى المهدي جَعْفَر بْن سُلَيْمَان بْن علي بْن عَبْد اللَّهِ بْن العَبَّاس مكة والمدينة واليمامة فوسع مسجدي مكة والمدينة وبناهما، وقد جدد أمير الْمُؤْمِنِين المتوكل عَلَى اللَّه جَعْفَر بْن أَبِي إِسْحَاق المعتصم بالله ابن الرشيد هارون بْن المهدي رضوان اللَّه عليهم رخام الكعبة وأزرها بفضة، وألبس سائر حيطانها وسقفها الذهب. ولم يفعل ذلك أحد قبله وكسا أساطينها الديباج.