قالوا: كان سويد بن قطبة الذهلي، وبعضهم يقول قطبة بْن قتادة يغير في ناحية الخريبة منَ البصرة عَلَى العجم كما كان المثنى بْن حارثة الشيباني يغير بناحية الحيرة، فلما قدم خَالِد بْن الوليد البصرة يريد الكوفة سنة اثنتي عشرة أعانه عَلَى حرب أهل الأبلة وخلف سويدا، ويقال أن خالدا لم يسر منَ البصرة حَتَّى فتح الخريبة وكانت مسلحة للأعاجم فقتل وسبى وخلف بها رجلا من بني سَعْد بْن بكر بْن هوازن يقال له شريح بْن عَامِر، ويقال
[ ٣٣١ ]
أنه أتى نهر المرأة ففتح القصر صلحا صالحه عنه النوشجان بن جسنسما والمرأة صاحبة القصر كامن دار بنت نرسى وهي ابنة عم النوشجان، وإنما سميت المرأة لأن أَبَا موسى الأشعري كان نزل بها فزودته خبيصا فجعل يقول: أطعمونا من دقيق المرأة، وكان مُحَمَّد بْن عُمَر الواقدي ينكر أن يكون خَالِد بْن الوليد أتى البصرة حين فرغ منَ أمر أهل اليمامة والبحرين ويقول:
قدم المدينة ثُمَّ سار منها إِلَى العراق عَلَى طريق فيد والثعلبية والله أعلم.
قَالُوا: فلما بلغ عُمَر بْن الخطاب خبر سويد بْن قطبة وما يصنع بالبصرة رأى أن يوليها رجلا من قبله، فولاها عتبة بْن غزوان بْن جابر ابن وهب بْن نسيب أحد بني مازن بْن مَنْصُور بْن عكرمة بْن خصفة وهو حليف بني نوفل بْن عَبْد مناف، وكان منَ المهاجرين الأولين، وقال له:
أن الحيرة قَدْ فتحت وقتل عظيم منَ العجم يعني مهران ووطئت خيل المسلمين أرض بابل فصر إِلَى ناحية البصرة وأشغل من هناك من أهل الأهواز وفارس وميسان عن إمداد إخوانهم عَلَى إخوانك، فأتاها عتبة وانضم إليه سويد بْن قطبة ومن معه من بكر بْن وائل وبني تميم، وكانت بالبصرة سبع دساكر اثنتان بالخريبة واثنتان بالزابوقة، وثلاث في موضع دار الأزد اليوم، ففرق عتبة أصحابه فيها ونزل هُوَ بالخريبة وكانت مسلحة للأعاجم ففتحها خَالِد بْن الوليد فخلت منهم وكتب عتبة إِلَى عُمَر يعلمه نزوله وأصحابه بحيث نزلوا، فكتب إليه يأمره بأن ينزلهم موضعا قريبا منَ الماء والمرعى فأقبل إِلَى موضع البصرة، قَالَ أَبُو مخنف وكانت ذات حصى وحجارة سود فقيل أنها بصرة، وقيل أنهم إنما سموها بصرة لرخاوة أرضها.
قَالُوا: وضربوا بها الخيام والقباب والفساطيط ولم يكن لهم بناء وأمد
[ ٣٣٢ ]
عُمَر عتبة بهرثمة بْن عرفجة البارقي وكان بالبحرين، ثُمَّ أنه صار بعد إِلَى الموصل قَالُوا: فغزا عتبة بْن غزوان الأبلة ففتحها عنوة، وكتب إِلَى عُمَر يعلمه ذلك ويخبره أن الأبلة فرضة البحرين وعمان والهند والصين وأنفذ الكتاب مع نافع بْن الحارث الثقفي.
وحدثني الوليد بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا مرحوم العطار عن أبيه عن شويس العدوي، قَالَ: خرجنا مع أمير الابلة فطفرنا بها ثُمَّ عبرنا الفرات فخرج إلينا أهل الفرات بمساحيهم فظفرنا بهم وفتحنا الفرات.
وحدثني عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا حماد بْن سلمة عن أبيه عن حميري بْن كراثة الربعي، قَالَ: لما دخلوا الأبلة وجدوا خبيز الحواري فقالوا هَذَا الَّذِي كان يقال أنه يسمن، فلما أكلوا منه جعلوا ينظرون إِلَى سواعدهم ويقولون والله ما نرى سمنا، قَالَ: وأصبت قميصا مجيبا من قبل صدره أخضر فكنت أحضر فيه الجمعة.
وحدثني المدائني عن جهم بْن حسان، قَالَ: فتح عتبة الأبلة ووجه مجاشع ابن مَسْعُود عَلَى الفرات وأمر المغيرة بالصلاة وشخص إِلَى عُمَر وحدثني المدائني عن أشياخه: أن ما بَيْنَ الفهرج إِلَى الفرات صلح وسائر الأبلة عنوة.
وحدثني عَبْد اللَّهِ بْن صالح المقري، قَالَ: حدثني عبدة بْن سُلَيْمَان عن مُحَمَّد ابن إِسْحَاق بْن يسار قَالَ: وجه عُمَر بْن الخطاب عتبة بْن غزوان حليف بني نوفل في ثمانمائة إِلَى البصرة وأمده بالرجال فنزل بالناس في خيم، فلما كثروا بنى رهط منهم سبع دساكر من لبن منها بالخريبة اثنتان: وبالزابوقة واحدة، وفي الأزد اثنتان، وفي تميم اثنتان، ثُمَّ أنه خرج إِلَى الأبلة فقاتل أهلها ففتحها عنوة، وأتى الفرات وعلى مقدمته مجاشع بْن مَسْعُود السلمي ففتحه
[ ٣٣٣ ]
عنوة، وأتى المذار فخرج إليه مرزبانها فقاتله فهزمه اللَّه وغرق عامة من معه وأخذ سلما فضرب عتبة عنقه، وسار عتبة إِلَى دستميسان وقد جمع أهلها للمسلمين وأرادوا المسير إليهم فرأى أن يعالجهم بالغزو ليكون ذلك أفت في أعضادهم وأملأ لقلوبهم فلقيهم فهزمهم اللَّه وقتل دهاقينهم وانصرف عتبة من فوره إِلَى أبرقباذ ففتحها اللَّه عَلَيْهِ.
قَالُوا ثُمَّ استأذن عتبة عُمَر بْن الخطاب في الوفادة عَلَيْهِ والحج فأذن له فاستخلف مجامع بْن مَسْعُود السلمي، وكان غائبا عَنِ البصرة وأمر المغيرة بْن شعبة أن يقوم مقامه إِلَى قدومه، فقال: أتولي رجلا من أهل الوبر عَلَى رجل من أهل المدر واستعفى عتبة من ولاية البصرة فلم يعفه وشخص فمات في الطريق فولى عُمَر البصرة المغيرة بْن شعبة، وقد كان الناس سألوا عتبة عَنِ البصرة فأخبرهم بخصبها فسار إليها خلق منَ الناس.
وحدثني عَبَّاس بْن هِشَام عن أبيه عن عوانة، قَالَ: كانت عند عتبة بْن غزوان أزدة بنت الحارث بْن كلدة، فلما استعمل عُمَر عتبة بْن غزوان قدم معه نافع وأبو بكرة وزياد، ثُمَّ إن عتبة قاتل أهل مدينة الفرات فجعلت امرأته أزدة تحرض الناس عَلَى القتال وهي تقول:
إن يهزموكم تولجوا فينا الغلف
ففتح اللَّه عَلَى المسلمين تلك المدينة، وأصابوا غنائم كثيرة، ولم يكن فيهم أحد يكتب ويحسب إلا زياد، فولى قسم ذلك المغنم، وجعل له كل يوم درهمان وهو غلام في رأسه ذؤابة، ثُمَّ أن عتبة شخص إِلَى عُمَر، وكتب إِلَى مجاشع بْن مَسْعُود يعلمه أنه قَدْ خلفه وكان غائبا، وأمر المغيرة بْن شعبة أن يصلي بالناس إِلَى قدوم مجاشع، ثُمَّ أن دهقان ميسان كفر ورجع عَنِ الإِسْلام، فلقيه المغيرة بالمنعرج، فقتله وكتب المغيرة إِلَى عُمَر بالفتح منه فدعا عُمَر عتبة فقال ألم تعلمني
[ ٣٣٤ ]
انك استخلفت مجاشعا، قَالَ نعم، قَالَ فإن المغيرة كتب إلي بكذا فقال أن مجاشعا كان غائبا فأمرت المغيرة أن يخلفه ويصلي بالناس إِلَى قدومه، فقال عُمَر: لعمري لأهل المدر كانوا أولى بأن يستعملوا من أهل الوبر، ثُمَّ كتب إِلَى المغيرة بعهده عَلَى البصرة وبعث به إليه، فأقام المغيرة ما شاء اللَّه، ثُمَّ أنه هوى المرأة.
وحدثني عَبْد اللَّهِ بْن صالح عن عبدة عن مُحَمَّد بْن إِسْحَاق قَالَ: غزا المغيرة ميسان ففتحها عنوة بعد قتال شديد وغلب عَلَى أرضها، ثُمَّ أن أهل أبرقباذ غدروا ففتحها المغيرة عنوة.
وحدثني روح بْن عَبْد المؤمن، قَالَ: حدثني وهب بْن جرير بْن حازم عن أبيه، قَالَ: فتح عتبة بْن غزوان الأبلة والفرات وأبرقباذ ودستميسان وفتح المغيرة ميسان وغدو أهل أبر قباذ ففتحها المغيرة، وقال علي بْن مُحَمَّد المدائني: كان الناس يسمون ميسان ودستميسان والفرات وأبرقباذ ميسان قَالُوا: وكان من سبى ميسان أَبُو الْحَسَن البصري وسعيد بْن يسار أخوه وكان اسمه يسار فيروز، فصار أَبُو الْحَسَن لامرأة منَ الأنصار يقال لها الربيع بنت النضر عمة أنس بْن مَالِك، ويقال كان لامرأة من بني سلمة يقال لها جميلة امرأة أنس بْن مَالِك.
وروى الْحَسَن، قَالَ: كان أَبِي وأمي لرجل من بني النجار فتزوج امرأة من بن سلمة فساقهما إليها في صداقها فأعتقتهما تلك المرأة فولاؤنا لها، وكان مولد الْحَسَن بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عُمَر وخرج منها بعد صفين بسنة ومات بالبصرة سنة عشر ومائة وهو ابن تسع وثمانين.
قَالُوا: أن المغيرة جعل يختلف إِلَى امرأة من بني هلال يقال لها أم جميل بنت محجن بْن الأفقم بْن شعيثة بْن الهزن، وقد كان لها زوج من ثقيف يقال له الحجاج بْن عتيك فبلغ ذلك أَبَا بكرة بْن مسروح مولى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ
[ ٣٣٥ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مولدي ثقيف، وشبل بْن معبد بْن عُبَيْد البجلي، ونافع بْن الحارث بْن كلدة الثقفي، وزياد بْن عُبَيْد، فرصدوه حَتَّى إذا دخل عليها هجموا عَلَيْهِ فإذا هما عريانان وهو متبطنها، فخرجوا حَتَّى أتوا عُمَر بْن الخطاب فشهدوا عنده بما رأوا فقال عُمَر لأبي موسى الأشعري: إني أريد أن أبعثك إِلَى بلد قَدْ عشش فيه الشيطان، قَالَ: فأعني بعدة منَ الأنصار فبعث معه البراء ابن مَالِك، وعمران بْن الحصين أَبَا نجيد الخزاعي، وعوف بْن وهب الخزاعي فولاه البصرة وأمره بإشخاص المغيرة فأشخصه بعد قدومه بثلاث.
فلما صار إِلَى عُمَر جمع بينه وبين الشهود، فقال نافع بْن الحارث:
رأيته عَلَى بطن المرأة يحتفر عليها ورأيته يدخل ما معه ويخرجه كالميل في المكحلة، ثُمَّ شهد شبل بْن معبد عَلَى شهادته، ثُمَّ أَبُو بكرة، ثُمَّ أقبل زياد رابعا فلما نظر إليه عُمَر قَالَ: أما إني أرى وجه رجل أرجو أن لا يرجم رجل من أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى يده ولا يخزى بشهادته.
وكان المغيرة قدم من مصر فأسلم وشهد الحديبية مع رَسُول اللَّهِ ﷺ، فقال زياد رأيت منظرا قبيحا وسمعت نفسا عاليا وما أدري أخالطها أم لا، ويقال لم يشهد بشيء فأمر عُمَر بالثلاثة فجلدوا، فقال شبل أتجلد شهود الحق وتبطل الحد، فلما جلد أَبُو بكرة، قَالَ: أشهد أن المغيرة زان. فقال عُمَر، حدوه، فقال عَلَى أن جعلتها شهادة فارجم صاحبك، فحلف أَبُو بكرة أن لا يكلم زيادا أبدا، وكان أخاه لأمه سمية ثُمَّ أن عُمَر ردهم إِلَى مصرهم، وقد روى قوم أن أبا موسى كان بالبصرة فكتب إليه عُمَر بولايتها وإشخاص المغيرة، والأول أثبت، وروى أن عُمَر بْن الخطاب ﵁ كان أمر سَعْد بْن أَبِي وقاص ﵁ أن يبعث عتبة ابن غزوان إِلَى البصرة ففعل، وكان نائف من مكاتبته إياه فلذلك استعفى
[ ٣٣٦ ]
وأن عُمَر ﵁ رده واليا فمات في الطريق، وكانت ولاية أَبِي موسى البصرة في سنة ست عشرة ويقال سنة سبع عشرة فاستقرى كور دجلة فوجد أهلها مذعنين بالطاعة فأمر بمساحتها ووضع الخراج عليها عَلَى قدر احتمالها، والثبت أن أَبَا موسى ولى البصرة في سنة ست عشرة.
حدثني شيبان بْن فروخ الأبلي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هلال الراسبي، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي كثير أن كاتبا لأبي موسى كتب إِلَى عُمَر بْن الخطاب من أَبُو موسى فكتب إليه عُمَر إذا أتاك كتابي هَذَا فاضرب كاتبك سوطا وأعزله عن عملك.