قَالُوا: ثُمَّ اجتمعت الروم جمعا عظيما وأمدهم هرقل بمدد فلقيهم المسلمون بمرج الصفر وهم متوجهون إِلَى دمشق وذلك لهلال المحرم سنة أربع عشرة فاقتتلوا. قتالا شديدا حَتَّى جرت الدماء في الماء وطحنت بها الطاحونة وجرح منَ المسلمين زهاء أربعة آلاف ثُمَّ ولى الكفرة منهزمين مفلولين لا يلوون عَلَى شيء حَتَّى أتوا دمشق وبيت المقدس واستشهد يومئذ خَالِد بْن سَعِيد بْن العاصي بْن أمية، ويكنى أَبَا سَعِيد، وكان قَدْ أعرس في الليلة الَّتِي كانت الواقعة في صبيحتها بأم حكيم بنت الحارث بْن هِشَام المخزومي امرأة عكرمة ابن أَبِي جهل، فلما بلغها مصابه: انتزعت عمود الفسطاط فقاتلت به، فيقال: إنها قتلت يومئذ سبعة نفر وأن بها لردع الخلوق.
وفي رواية أَبِي مخنف أن وقعة المرج بعد أجنادين بعشرين ليلة وأن فتح مدينة دمشق بعدها ثُمَّ بعد فتح مدينة دمشق وقعة فحل، ورواية الواقدي أثبت، وفي يوم المرج يقول خالد بن سعيد بن العاصي:
من فارس كره الطعان يعيرني رمحا إذا نزلوا بمرج الصفر
وقال عَبْد اللَّهِ بْن كامل بْن حبيب بْن عميرة بْن خفاف بْن امرئ القيس بْن بهثة بْن سليم:
شهدت قبائل مَالِك وتغيبت عني عميرة يوم مرج الصفر
[ ١٢١ ]
يعنى مَالِك بْن خفاف، وقال هِشَام بْن مُحَمَّد الكلبي: استشهد خَالِد بْن سَعِيد يوم المرج وفي عنقه الصمصامة سيفه، وكان النَّبِيّ ﷺ وجهه إِلَى اليمن عاملا فمر برهط عَمْرو بْن معدي كرب الزبيدي من مذحج فأغار عليهم فسبى امرأة عَمْرو وعدة من قومه فعرض عَلَيْهِ عَمْرو أن يمن عليهم ويسلموا ففعل وفعلوا فوهب له عَمْرو سيفه الصمصامة وقال:
خليل لم أهبه من قلاه ولكن المواهب للكرام
خليل لم أخنه ولم يخني كذلك ما خلالي أو ندامى
حبوت به كريما من قريش فسر به وصين عَنِ اللئام
قَالَ: فأخذ معاوية السيف من عنق خَالِد يوم المرج حين استشهد فكان عنده، ثُمَّ نازعه فيه سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بْن أمية فقضى له به عُثْمَان فلم يزل عنده، فلما كان يوم الدار وضرب مروان عَلَى قفاه وضرب سَعِيد فسقط صريعا أخذ الصمصامة منه رجل من جهينة فكان عنده، ثم أنه دفعه إلى صيقل ليجلوه فأنكر الصيقل أن يكون للجهني مثله فأتى به مروان ابن الحكم وهو والي المدينة فسأل الجهني عنه فحدثه حديثه، فقال: أما والله لقد سلبت سيفي يوم الدار وسلب سعيد بن العاصي سيفه، فجاء سَعِيد فعرف السيف فأخذه وختم عَلَيْهِ وبعث به إِلَى عَمْرو بْن سَعِيد الأشدق وهو عَلَى مكة فهلك سَعِيد فبقي السيف عند عَمْرو بْن سَعِيد، ثُمَّ أصيب عَمْرو بْن سَعِيد بدمشق وانتهت متاعه فأخذ السيف مُحَمَّد بْن سَعِيد أخو عَمْرو لأبيه، ثم صار إلى يحيى ابن سَعِيد، ثُمَّ مات فصار إِلَى عنبسة بْن سعيد بن العاصي، ثُمَّ إِلَى سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَعِيد، ثُمَّ هلك فصار إِلَى مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن سَعِيد وولده ينزلون ببارق ثُمَّ صار إِلَى أبان بْن يَحْيَى بْن سَعِيد فحلاه بحلية ذهب فكان عند أم ولد له، ثُمَّ أن أيوب بْن أَبِي أيوب بْن سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَعِيد باعه منَ المهدي أمير الْمُؤْمِنِين بنيف وثمانين ألفا فرد المهدي حيلته عَلَيْهِ، ولما صار
[ ١٢٢ ]
الصمصامة إِلَى موسى الهادي أمير الْمُؤْمِنِين أعجب به وأمر الشاعر- وهو أَبُو الهول- أن ينعته فقال:
حاز صمصامة الزبيدي عَمْرو خير هَذَا الأنام موسى الأمين
سيف عَمْرو وكان فيما علمنا خير ما أطبقت عَلَيْهِ الجفون
أخضر اللون بَيْنَ حديه برد من زعاف تميس فيه المنون
فإذا ما سللته بهر الشم س ضياء فلم تكد تستبين
ما يبالى إذا الضريبة حانت أشمال سطت به أم يمين
نعم مخراق ذي الحفيظة في الهيجا يعصا به ونعم القرين ثُمَّ أن أمير الْمُؤْمِنِين الواثق بالله دعا له بصيقل وأمره أن يسقنه فلما فعل ذلك تغير.