قال: أَبُو مخنف وغيره، مكث عُمَر بْن الخطاب ﵁ سنة لا يذكر العراق لمصاب أَبِي عُبَيْد وسليط، وكان المثنى بْن حارثة مقيما بناحية أليس يدعو العرب إِلَى الجهاد، ثُمّ أن عُمَر ﵁ ندب الناس إِلَى العراق فجعلوا يتحامونه ويتثاقلون عنه حَتَّى هم أن يغزو بنفسه، وقدم عَلَيْهِ خلق منَ الأزد يريدون غزو الشام فدعاهم إِلَى العراق ورغبهم في غنائم آل كسرى فردوا الاختيار إليه فأمرهم بالشخوص، وقدم جرير بْن عَبْد اللَّهِ منَ السراة في بجيلة فسأل أن يأتي العراق عَلَى أن يعطى وقومه ربع ما غلبوا عَلَيْهِ فأجابه عُمَر إِلَى ذلك فسار نحو العراق. وقوم يزعمون أنه مر عَلَى طريق البصرة وواقع
[ ٢٤٩ ]
مرزبان المذار فهزمه، وآخرون يزعمون أنه واقع المرزبان وهو مع خَالِد بْن الوليد، وقوم يقولون أنه سلك الطريق عَلَى فيد والثعلبة إِلَى العذيب.
حدثني عَفَّان بْن مُسْلِم قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سلمة، قَالَ: حَدَّثَنَا داود بْن أَبِي هند، قَالَ أَخْبَرَنِي الشعبي أن عُمَر وجه جرير بْن عَبْد اللَّهِ إِلَى الكوفة بعد قتل أَبِي عُبَيْد أول من وجه قَالَ هل لك في العراق وأنفلك الثلث بعد الخمس؟
قَالَ نعم، قالوا واجتمع المسلمون بدير هند في سنة أربع عشرة وقد هلك شيرويه وملكت بوران بنت كسرى إِلَى أن يبلغ يزدجرد بْن شهريار فبعث إليهم مهران بْن مهر بنداذ الهمذاني في اثني عشر ألفا فأمهل المسلمون له حَتَّى عبر الجسر وصار مما يلي دير الأعور، وروى سيف أن مهران صار عند عبور الجسر إِلَى موضع يقال له البويب وهذا الموضع الَّذِي قتل به، ويقال أن جنبتي البويب أفعمت عظاما حَتَّى استوى وعفا عليها التراب زمان الفتنة وأنه بإيثار هناك وذلك ما بَيْنَ السكون وبني سليم فكان مغيضا للفرات زمن الأكاسرة يصب في الجوف، وعسكر المسلمين بالنخيلة.
وكان عَلَى الناس فيما تزعم بجيلة جرير بْن عَبْد اللَّهِ، وفيما تقول ربيعة المثنى بْن حارثة، وقد قيل: أنهم كانوا متسايدين عَلَى كل قوم رئيسهم فالتقى المسلمون وعدوهم فأبلى شرحبيل بْن السمط الكندي يومئذ بلاء حسنا، وقتل مَسْعُود بْن حارثة أخو المثنى بْن حارثة، فقال المثنى: يا معشر المسلمين لا يرعكم مصرع أخي فإن مصارع خياركم هكذا، فحملوا حملة رجل واحد محققين صابرين حَتَّى قتل اللَّه مهران وهزم الكفرة فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فقتل من نجا منهم، وضارب قرط بْن جماح العبدي يومئذ حَتَّى انثنى سيفه وجاء الليل فتناموا إِلَى عسكرهم وذلك في سنة أربع عشرة فتولى قتل مهران جرير بْن عَبْد اللَّهِ، والمنذر بْن حسان بْن ضرار الضبي، فقال: هَذَا أنا قتلته، وقال هَذَا أنا قتلته وتنازعا نزاعا شديدا
[ ٢٥٠ ]
فأخذ المنذر منطقته وأخذ جرير سائر سلبه، ويقال: أن الحصن بْن معبد ابن زرارة بْن عدس التميمي كان ممن قتله.
ثُمَّ لم يزل المسلمون يشنون الغارات ويتابعونها فيما بَيْنَ الحيرة وكسكر وفيما بَيْنَ كسكر وسورا وبربيسما وصراة جاماسب وما بَيْنَ الفلوجتين والنهرين وعين التمر، وأتوا حصن مليقيا وكان منظرة ففتحوه وأجلوا العجم عن مناظر كانت بالطف وكانوا منخوبين قَدْ وهن سلطانهم وضعف أمرهم وعبر بعض المسلمين نهر سورا فأتوا كوثى، ونهر الملك، وبادوريا، وبلغ بعضهم كلواذى، وكانوا يعيشون بما ينالون منَ الغارات، ويقال: أن ما بَيْنَ مهران والقادسية ثمانية عشر شهرا.