قال الواقدي: ثم أن بطريق الروم كان اسمه جارس فلما رأى ما قد حل بأصحابه قال: وحق المسيح خاب ملك أنتم حماته فإن لم تقاتلوا بعزم وشدة والا قتلتكم قال فتحالفوا أن لا ينهزموا أو يقتلوا عن آخرهم فلما وثق منهم أمر أن تضرم الينران على شواهق الجبال وأمر أن ينفذ النفير إلى البلاد باسرها قال فأتت إليه الروم من كل جانب فأتى إليه عشرون ألفا ولكن المسلمين لم يكترثوا بذلك فلما كان الغد صلى ميسرة بالمسلمين صلاة الخوف وهو أول من صلاها داخل الدروب وأول راية دخلت كانت رايته فلما فرغ من صلاته قام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه وقال: أيها الناس اثبتوا لما نزال بكم فالصبر عند نزول المصائب وهذه رحمة من الله لنا إذ نحن في صدور الاعداء وقد دارت بنا هذه الجيوش ونحن لا نقاتل إلا بنصر الله لنا وإن الأمير أبا عبيدة كان قد أمرني أن لا أبعد بكم عنهم ولنا منهم الآن سبعة أيام وما يظن أبو عبيدة أننا نلاقي جيشا
[ ٢ / ٨ ]
فقال له سعيد بن زيد: يا ميسرة ما الذي تريد بهذا الكلام أن كنت تريد إنك تحرضنا فنحن أشوق إلى لقاء الله من الظمآن إلى الماء البارد فقال ميسرة ما أردت بذلك إلا مشورتكم وقد رايت أن ننفذ إلى أمير المسلمين رجلا نعلمه بما قد بلينا به وإن مدد القوم يزيد فلعله ينجدنا باخواننا فقال سعيد نعم ما قد أشرت به فدعا برجل من الاربعة المعاهدين ووعده بكل خير وأمره أن يأخذ معه آخر وإن يسير إلى أبي عبيدة ويعلمه أن نفير القوم قد لحقنا من الحصون والقرى وسائر البلاد وقد نزلوا بازائنا وإن يحدثه بما قد رأى قال فسار المعاهد والرجل إلى حلب وأجهدا نفسيهما في السير في طرق يعرفانها إلى أن وصلا جيش المسلمين فسقطا كأنهما البغال الهرمة من شدة السير والتعب فأمروا أن يرش عليهما الماء فلما افاقا قال لهما ما وراءكما أهلكت الكتيبة قالا لا والله ولكن نفر عليهم العدو من كل مكان وأخبراه بما كان من الحرب والقتال وكيف حطموا أجفرة سيوفهم وكيف أسر أبو الهول وكيف خلص وما هم فيه فقلق أبو عبيدة عند ذلك وقام مسرعا وأتى قبة خالد بن الوليد فوجده يصلح درعه فلما رآه قام إليه قائما وقال له: خيرا أيها الأمير فأخذ بيده وسار به إلى أن أتى رحله وقال للرجلين قوما فحدثا الأمير بما عاينتما فحدثاه بما كن من أمر المسلمين فقال خالد: أن الله ﷾ منذ نصرنا ما خذلنا فله الحمد على ذلك وقد أمرنا بالصبر على الشدائد فقال عز من قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وأما خالد فقال أحبس على الجهاد في سبيل الله ولا أبخل على الله ورسوله فلعل الله أن ينجيني من النار ويرزقني الشهادة.
ثم أسرع إلى خيمته ولبس لامته وقلنسوته المباركة وركب جواده فوقع النفير في الناس قال فاقبلوا من كل جانب فلولا أن منعهم أبو عبيدة كانوا ساروا بأجمعهم فانتخب منهم ثلاثة آلاف فارس واردفهم بألفين آخرين أخبرنا أحمد بن هشام عن عياض عمن حدثه قال: لما سار خالد بالجيش لمعونة ميسرة بن مسروق ومن معه رفع خالد يديه إلى السماء وقال: اللهم اجعل لنا إليهم سبيلا واطو لنا البعيد ويسر لنا كل صعب شديد وسار نحو الدروب قال: وأما ميسرة ومن معه فإنهم دارت بهم الروم من كل جانب وهم يقاتلون في كل يوم أشد القتال إلى أن يقبل الظلام فيفترقون وفي كل يوم يزيد عددهم ومددهم وقد لحق المسلمون من التعب والجراح ما لحقهم ولكن من غير فشل وكأنهم قوم قد حجب عنهم الموت بأذن الله تعالى.
قال الواقدي: حدثنا عمر بن راشد عن الزبيدي قال لما سار خالد ليلحق ميسرة وينجده إلى داخل الدروب سجد أبو عبيدة سجدة أطال فيها وقال: اللهم إني أسألك
[ ٢ / ٩ ]
بمن جعلت اسمه مع اسمك وعرفت فضله لانبيائك ورسلك إلا طويت لهم البعيد وسهلت لهم كل صعب شديد والحقتهم باصحابهم يا قريب يا مجيب قال: وميسرة ومن معه منتظرون من الله فرجا يأتيهم ونصرا ينزل عليهم قال عبد الله بن الوليد الانصاري حدثني ثابت بن عجلان عن سليمان بن عامر الانصاري قال كنت مع ميسرة في وقعة مرج القبائل ويوم حطمنا أغمدة السيوف والروم تقبل من كل جانب ومكان إلى المسلمين ونحن بناكر القتال ونروح رواحا قال سليمان ين عامر فخرج يوما من الايام بطريق من الروم قد لبس درعين وعليه سواعد من الحديد وعلى رأسه بيضة تلمع فوقها صليب من الجوهر وبيده عمود من الحديد كانه ذراع بعير فجال بين الصفوف وطلب البراز وكان أحد الثلاثة المقدمين على الثلاثين ألفا قال قال فجعل يدعو إلى البراز ويطمطم فقال ميسرة للترجمان ما يقول هذا الأغلف؟
قال انه يذكر انه فارس شديد ويطلب شجعانكم وأبطالكم فقال ميسرة من يبرز إليه فأسرع إليه رجل من المسلمين من قبيلة النخع وعليه درع من دروع الروم وثياب من ثيابهم فقلنا انه من المتنصرة وقد عاد إلى الإسلام فجعل العلج يتكلم وهو يظن أنه يفهم كلامه فلما رآه لا يبرز إليه حمل عليه وضربه بعموده فزاغ النخعي عنها وعطلها عليه فوقع العمود على رأس جواده فصرع الجواد براكبه وسار النخعي على قدميه فناداه ميسرة يا اخا النخع أرجع فرجع القهقري والعج يطلبه والنخعي راجل والعلج فارس فسار إليه عبد الله بن حذافة السهمي وصاح بالعلج فادهشه فالتفت إليه وسار النخعي إلى أن وصل عسكر المسلمين وحمل عبد الله بن حذافة على العلج وحمل العلج عليه وصعب بينهما المجال صار عبد الله كلما ضرب العلج لا يقطع فيه شيئا والعلج كلما ضرب عبد الله يأخذها بحجفته فتوهن ساعده من ثقل العمود وطال بينهما القتال والتقيا بضربتين فبادره عبد الله بالضربة تحت لحيته فطلب بها نحره فلحق رأس سيفه رقبة العلج فطار رأسه عن بدنه وأراد الفرس أن يرجع إلى عسكر الروم فاخذه عبد الله ونزل إليه وأخذ سلبه ورجع إلى المسلمين فعظم ذلك على الروم وكان عندهم معظما وعند الملك قال فبرز بطريق آخر وقال هذا صاحب الملك قد قتل ولا بد لي من أخذ ثأره من الذي قتله اما بقتله أو اسره وأبعث به إلى الملك يصنع به ما يريد ثم إنه أتى البطريق المقتول ورأسه طائح عن بدنه فبكى عليه وقال بلسان فصيح معاشر العرب لا شك أن الله سيهلككم ببغيكم علينا وفعالكم بنا فليبرز الي قاتل هذا البطريق حتى آخذ منه بثاره.
فلما سمع عبد الله بن حذافة هم بالخروج فمنعه ميسرة شفقة عليه لأجل راحته فإنه قد تعب واراد ميسرة أن يلقاه بنفسه فقال عبد الله يدعوني ايها الأمير باسمي وأتخلف أنني إذا لعاجز فقال له ميسرة: انني أشفق عليك فقال عبد الله اتشفق علي
[ ٢ / ١٠ ]
من تعب الدنيا ولا تشفق علي من حر النار وعيش عاش فيه رسول الله ﷺ لا يبرز إليه غيري ثم برز إليه وتحته فرس المقتول وما غير من لامته شيئا وبيده سيفه وحجفته فلما التقيا ورأى البطريق فرس صاحبه علم أنه قاتله فما أمهله حتى نفد إليه وحمل عليه عبد الله كأنه جبل قد انهد من علو وتشبث به وجذبه فاخذه أسيرا وذهب به إلى قومه وقال أوثقوه بالحديد واحملوه على خيل البريد واذهبوا به إلى الملك في هذا الساعة قال ففعلوا ذلك وساروا به ورجع البطريق إلى الميدان وهو يفتخر بما صنع فاراده ثلاثة من المسلمين كل منهم يريد أن يخرج إليه فقال ميسرة ما يخرج لهذا اللعين غيري واستدعى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وسلم الراية إليه وقال له: كن للراية حافظا حتى أخرج إلى هذا اللعين فإن عدت أخذتها وإن قتلني فأجري على الله فأخذ سعيد الراية وخرج ميسرة إلى البطريق وهو يقول:
قد علم المهيمن الجبار
بأن قلبي قد كوي بالنار
على الفتى القائم بالاسحار
سيعلم العلج اخو الاشرار
أني منه آخذ بالثار
قال: وحمل عليه وتجاولا طويلا وعظم الأمر بينهما وتدانيا وتقاربا وتباعدا وغابا عن الابصار تحت الغبار وكل فرقة تنظر إلى صاحبها وتدعو له ثم انكشفا وهما للتفرق اقرب منهما للتقارب فقال العلج لميسرة بحق دينك ما هذه الراية التي طلعت من وراء عسكركم فلم يلتفت إلى كلامه بل قال له: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [ابراهيم:٢٠] فقال: وحق ديني ما قلت لك إلا حقا قال: وهو يحلف كاذبا فالتفت ميسرة لحرصه أن يأتي الله بالفرج وينظر لحقيق ما قاله اللعين فحمل البطريق عليه ومكن يده منه ليأخذه أسيرا وإذا قد طلعت راية خالد بن الوليد وهي مشرقة بالنور وهي في يد خالد ابن الوليد وكبر المسلمون يدا واحدة فمن عظم تكبيرهم ارتجت يد العلج عن ميسرة والتفت البطريق ليرى ما الخبر فقبض عليه ميسرة وهم أن يقلعه فلم يقدر لانه كان مرفلا في السرج فجعل يجذبه فلم يقدر وقرب خالد منهم فرفع سيفه يريد أن يضرب به ميسرة ليطلقه من يده فحاد السيف عن ميسرة ووقع على يد العلج الشمال فقطعها وانتخع ميسرة وانثنى البطريق إلى اصحابه ويده مقطوعة وهو يئن فالتقى به غلمانه فأخذوه وكووه وأما خالد فإنه التقى بميسرة وتسالما وحدثه بما وقع له مع الروم وكيف اسروا عبد الله بن حذافة السهمي فتاسف خالد واسترجع وقال يؤسر مثل عبد الله بن حذافة والله لا يفارقهم خالد أو يخلصه أن شاء الله تعالى وأقام خاد بقيد ذلك اليوم فلما كان من الغد أتاهم من جيش الروم شيخ وعليه مسوح السواد حتى وقف بازائهم وأومأ بالسجود فمنعه خالد وقال: ما الذي تريد؟
[ ٢ / ١١ ]
قال أن كبير هؤلاء القوم يريد صلحكم ويطلق اسيركم ويدفع ما تريدون وترجعون فقال: ما نرجع إلا على انفصال وأما الاسير فإذا لم تطلقوه طوعا أطلقتموه كرها قال أنت أمير هؤلاء قال: نعم قال أن رايت أن تؤخر القتال بقية يومنا هذا وليلتنا فافعل لندبر ما بيننا وبينكم ويبرد وجع هذا البطريق ونجيبكم إلى ما تريدون قال له: أجبناكم إلى ذلك فرجع الشيخ إلى قومه وقال البطريق قد أجابوا ووضعت الحرب أوزارها ونزل خالد والمسلمون بازائهم في أماكنهم وأضرم الروم النيران وزادوا فيها وحملوا أثقالهم وساروا من أول الليل فلما كان الغد ركب المسلمون فلم يجدوا للروم أثرا فعلموا أنهم قد ولوا الأدبار فتأسف خالد على ما فاته فأراد أن يتبعهم فمنعه ميسرة وقال له: أنها بلادهم وهي وعرة وإن الصواب رجوعنا إلى عسكر المسلمين قال فأخذوا ما تركه الروم ورجعوا منصورين ولكنهم حزينون على أسر عبد الله بن حذافة السهمي وساروا حتى أتوا حلب فلقيهم أبو عبيدة وفرح بسلامتهم وأقبل ميسرة يحدثه بما جرى لهم وكيف أسر عبد الله بن حذافة فتأسف عليه وقال: اللهم اجعل له من أمره فرجا ومخرجا وكتب إلى عمر بن الخطاب يخبره بما وقع له من أمر السرية إلى الدروب وما كان من المسلمين وأخبره بأسر عبد الله بن حذافة وبعث الكتاب.
[ ٢ / ١٢ ]