قال الواقدي: حدثني رافع بن عميرة الطائي قال حدثني يونس بن عبد الأعلى وقد قرأت عليه بجامع الكوفة قال حدثني عبد الله بن سالم الثقفي عن أشياخه الثقات قال لما كانت الليلة التي مات فيها أبو بكر الصديق ﵁ رأى عبد الرحمن بن عوف الزهري ﵁ رؤيا قصها على عمر ﵁ وكانت تلك الليلة بعينها قال رأيت دمشق والمسلمون حولها وكأني أسمع تكبيرهم في أذني وعند تكبيرهم وزحفهم رأيت حصنا قد ساخ في الأرض حنى لم أر منه شيئا ورأيت خالدا وقد دخلها بالسيف وكأن نارا أمامه وكأنه وقع على النار فانطفأت فقال الإمام علي كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنهم اجمعين أبشر فقد فتح الشام هذه الليلة أو قال يومك هذا أن شاء الله تعالى فبعد أيام قدم عقبة ابن عامر الجهني صاحب رسول الله ﷺ ومعه كتاب الفتح فلما رآه قال: يا ابن عامر كم عهدك قال قلت يوم الجمعة: قال: ما معك من الخبر فقلت: خير وبشارة وإني سأذكرها بين يدي الصديق ﵁ فقال قبض والله حميدا وصار إلى رب كريم وقلدها عمر الضعيف في جسمه فإن عدل فيها نجا وأن ترك أو خلط هلك قال عقبة بن عامر: فبكيت وترحمت على أبي بكر الصديق ﵁ وأخرجت الكتاب فدفعته إليه فلما قرأه نظر فيه وكتم الأمر إلى وقت صلاة الجمعة فلما خطب وصلى ورقى المنبر واجتمع المسلمون إليه وقرأ عليهم كتاب الفتح فضج المسلمون بالتهليل والتكبير وفرحوا ثم نزل عن المنبر وكتب إلى أبي عبيدة رضي الله عليه بتوليته وعزل خالد ثم سلمني الكتاب وأمرني بالرجوع قال فرجعت إلى دمشق فوجدت خالدا قد سار خلف توما وهربيس فدفعت الكتاب إلى ابي عبيدة فقرأه سرا ولم يخبر أحدا بموت ابي بكر الصديق ﵁ ثم كتم أمره وكتم عزل خالد وتوليته على المسلمين حتى ورد خالد من السرية فكتب الكتاب بفتح دمشق ونصرهم على عدوهم وبما ملكوا من مرج الديباج واطلاق بنت الملك هرقل وسلم الكتاب إلى عبد الله بن قرط فلما ورد به إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقرأ عنوان الكتاب من خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق ﵁ إنكر الأمر ورجعت حمرته إلى البياض وقال: يا بن قرط أما علم الناس بموت أبي بكر ﵁ وتوليتي أبا عبيدة بن الجراح قال عبد الله بن قرط قلت: لا فغضب وجمع الناس إليه وقام على المنبر ثم قال: يا معاشر الناس إني أمرت أبا عبيدة الرجل الأمين وقد رأيته لذلك أهلا وقد عزلت خالدا عن امارته فقال رجل من بني مخزوم أتعزل رجلا قد أشهر الله بيده سيفا قاطعا ونصربه دينه وأن الله لا يعذرك في ذلك ولا المسلمين أن أنت أغمدت سيفا وعزلت أميرا أمره الله لقد قطعت الرحم ثم سكت الرجل فنظر عمر ﵁ إلى الرجل المخزومي فرآه غلاما حدث السن فقال شاب حدث السن.
[ ١ / ٨٦ ]
غضب لابن عمه ثم نزل على المنبر وأخذ الكتاب وجعله تحت رأسه وجعل يؤامر نفسه في عزل خالد فلما كان من الغد صلى صلاة الفجر وقام فرقى المنبر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وذكر الرسول ﷺ فصلى عليه وترحم على أبي بكر الصديق ﵁ ثم قال: أيها الناس إني حملت امانة عظيمة وإني راع وكل راع مسؤول عن رعيته وقد جئت لاصلاحكم والنظر في معايشكم وما يقربكم إلى ربكم أنتم ومن حضر في هذا البلد فاني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صبر على أذاها وشرها كنت له شفيعا يوم القيامة" وبلادكم بلاد لا زرع فيها ولا ضرع ولا ماء أوقر به الإبل لآمن مسيرة شهر وقد وعدنا الله مغانم كثيرة وإني أريدها للخاصة والعامة لأؤدي الأمانة والتوقير للمسلمين وما كرهت ولاية خالد على المسلمين إلا لأن خالدا فيه تبذير المال يعطي الشاعر إذا مدحه ويعطي للمجد والفارس بين يديه فوق ما يستحقه من حقه ولا يبقى لفقراء المسلمين ولا لضعافهم شيئا وإني أريد عزله وولاية أبي عبيدة مكانه والله يعلم إني ما وليته إلا أمينا فلا يقول: قائلكم عزل الرجل الشديد وولى الأمين اللين للمسلمين فإن الله معه يسدده ويعينه ثم نزل عن المنبر وأخذ جلد أدم منشور وكتب إلى أبي عبيدة كتابا فيه.
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح سلام عليك فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد ﷺ وبعد فقد وليتك أمور المسلمين فلا تستحي فإن الله لا يستحي من الحق وإني أوصيك بتقوى الله الذي يبقي ويفني ما سواه والذي استخرجك من الكفر إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى وقد استعملتك على جند ما هنالك مع خالد فاقبض جنده واعزله عن امارته ولا تنفذ المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة ولا تنفذ سرية إلى جمع كثير ولا تقل إني أرجو لكم النصر فإن النصر انما يكون مع اليقين والثقة بالله وإياك والتغرير بالقاء المسلمين إلى الهلكة وغض عن الدنيا عينيك واله عنها قلبك وإياك أن تهلك كما هلك من كان قبلك فقد رأيت مصارعهم وخبرت سرائرهم وإنما بينك وبين الآخرة ستر الخمار وقد تقدم فيها سلفك وأنت كأنك منتظر سفرا ورحيلا من دار قد مضت نضرتها وهبت زهرتها فأحزم الناس فيها الراحل منها إلى غيرها ويكون زاده التقوى وراع المسلمين ما استطعت وما الحنطة والشعير الذي وجدت بدمشق وكثرت في ذلك مشاجرتكم فهو للمسلمين وأما الذهب والفضة ففيهما الخمس والسهام وأما اختصامك أنت وخالد في الصلح او القتال فأنت الولي وصاحب الأمر وأن صلحك جرى على الحقيقة إنها للروم فسلم إليهم ذلك والسلام ورحمة الله وبركاته عليك وعلى جميع المسلمين.
[ ١ / ٨٧ ]
وأما هديتك ابنة الملك هرقل فهديتها إلى ابيها بعد أسرها تفريط وقد كان يأخذ في فديتها مالا كثيرا يرجع به على الضعفاء من المسلمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطوى الكتاب وختمه بخاتمة ثم دعا بعامر بن أبي وقاص أخي سعد ودفع الكتاب إليه وقال له: انطلق إلى دمشق وسلم كتابي هذا إلى ابي عبيدة وامره أن يجمع الناس إليه واقرأه أنت على الناس يا عامر واخبره بموت ابي بكر الصديق ﵁ ثم دعا عمر ﵁ شداد بن أوس فصافحه وقال له: أمض أنت وعامر إلى الشام فإذا قرأ أبو عبيدة الكتاب فأمر الناس يبايعونك لتكون بيعتك بيعتي.
قال الواقدي: فانطلقا يجدان في السير إلى أن وصلا إلى دمشق والناس مقيمون بها ينتظرون ما يأتيهم من خبر أبي بكر الصديق ﵁ وما يأمرهم به فأشرف صاحبا عمر ﵁ على المسلمين وقد طالت اعناقهم إليهما وفرحوا بقدومهما فاقبلا حتى نزلا في خيمة خالد ﵁ وقال له عامر بن أبي وقاص: تركته يعني عمر بخير ومعي كتاب وانه أمرني أن اقرأه على الناس بالاجتماع فاستنكر خالد ذلك واستراب الأمر وجمع المسلمين إليه فقام عامر أبي وقاص فقرأ الكتاب فلما انتهى إلى وفاة أبي بكر الصديق ﵁ ارتفع للناس ضجة عظيمة بالبكاء والنحيب وبكى خالد ﵁ وقال أن كان أبو بكر قد قبض وقد استخلف عمر فالسمع والطاعة لعمر وما أمر به وقرأ عامر الكتاب إلى آخره فلما سمع الناس بما فيه من أمر المبايعة لشداد بن أوس بايعوه وكانت المبايعة بدمشق لثلاث خلت من شهر شعبان سنة ثلاث عشر من الهجرة.
قال الواقدي رحمه الله تعالى: قد بلغني إنه كان على العدو بعد عزله اشد فظاعة وأصعب جهادا لا سيما في حصن أبي القدس.
[ ١ / ٨٨ ]