قال الواقدي: وسار أبو عبيدة على طريق البقاع واللبوة فلما وصل إلى هناك بعث خالد بن الوليد ﵁ إلى حمص قال: يا أبا سليمان انهض على بركة الله تعالى وعونه ونازل القوم وشن الغارة على ارض العواصم وفنسرين وأنا اسير إلى بعلبك فلعل.
[ ١ / ٩٩ ]
الله أن يسهل علينا فتحها ثم ودعه وسار خالد ﵁ بمن معه إلى حمص وتوجه أبو عبيدة ﵁ إلى بعلبك إذ ورد بطريق جوسيه ومعه الهدايا والتحف وصالح المسلمين سنة كاملة وقال أن فتحتم بعلبك فانا بين ايديكم ولا نخالف لكم قولا فصالحهم أبو عبيدة ﵁ على أربعة آلاف درهم وخمسين ثوبا من الديباج فلما انبرم الصلح سار أبو عبيدة ﵁ يطلب بعلبك فما بعد من اللبوة إلا وقد اشرف عليه راكب نجيب فإذا هو اسامة بن زيد الطائي فقال: يا اسامة من اين اقبلت فأتاح نجيبه وسلم على ابي عبيدة ﵁ وعلى المسلمين وقال أتيت من المدينة وسلم إليه كتابا من عمر بن الخطاب ﵁ ففضه أبو عبيدة ﵁ وإذا فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى امين الأمة سلام عليك فاني أحمد الله لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد ﷺ اما بعد فلا مرد لقضاء الله وقدره ومن كتب في اللوح المحفوظ كافرا فلا ايمان له وذلك أن جبلة بن الأيهم الغساني كان قدم علينا ببني عمه وسراة قومه فأنزلتم واجسنت إليهم واسلموا على يدي وفرحت بذلك إذ شد الله عضد الإسلام والمسلمين بهم ولم اعلم ما كمن في الغيب وأنا سرنا إلى مكة حرسها الله تعالى وعظمها نطلب الحج فطاف جبلة بالبيت اسبوعا فوطىء رجل من فزارة ازاراه فسقط ازاره عن كتفه فالتفت إلى الفزاري وقال: يا ويلك كشفتني في حرم الله تعالى فقال والله ماتعمدتك فلطم جبلة بن الأيهم الفزاري لطمة هشم بها انفه وكسر ثناياه الأربع فأقبل الفزاري الي مستعيا على جبلة فأمرت باحضاره وقلت له: ما حملك على أن لطمت اخاك في الإسلام وكسرت ثناياه الأربع وهشمت انفه فقال جبلة إنه وطىء ازاري برجله فحله ووالله لولا حرمة هذا البيت لقتلته فقلت له: اقررت على نفسك فاما أن يعفو عنك واما أن أخذ له منك القصاص فقال: أيقتص وأنا ملك وهو من السوقة قلت: قد شملك وإياه الإسلام فما تفضله إلا بالعافية فقال أتتركني إلى غدا او تقتص مني فقلت للفزاري: اتتركه إلى غد قال: نعم فلما كان الليل ركب في بني عمه وتوجه إلى الشام إلى كلب الطاغية وأرجوا أن الله تعالى يظفرك به فانزل على حمص ولا تنفذ عنها فإن صالحك اهلها فصالحهم وأن أبو فقاتلهم وابعث عيونك إلى انطاكية وكن على حذر من المنتصرة والسلام عليك ورحمة الله وعلى جميع المسلمين.
قال الواقدي: فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب في سره جهر به مرة اخرى ثم لوى يطلب حمص وكان خالد ﵁ سبقه إليها بثلث الجيش فنزل عليها يوم الجمعة من شوال سنة أربع عشرة من الهجرة النبوية وكان عليها واليا بطريق من قبل هرقل اسمه لقيطا وكان قد مات قبل نزول خالد والمسلمين ﵃ اجمعين فاجتمع المشركون في كنيستهم العظمى وقال كبيرهم اعلموا أن صاحب الملك قد مات وليس.
[ ١ / ١٠٠ ]
عند الملك خبر من هؤلاء العرب وقد نزلوا علينا وما ظننا ذلك ولقد حسبنا إنهم لا ينزلون علينا حتى يفتحوا جوسيه وبعلبك وأن انتم قاتلتوهم وكاتبتم الملك أن يسير إليكم واليا جيشا فإن العرب لا تمكن أحدا من جنود الملك أن يسير إليكم ولا يصل لكم وليس عندكم طعام يقوم بكم للحصار فقالوا: أيها السيد فما الذي ترى قال تصالحون القوم على ما أرادوا وتقولون نحن لكم وبين ايديكم أن فتحتم حلب وقنسرين وهزمتهم جيش الملك فإذا توجه القوم عنا بعثنا إلى الملك أن يمدنا بجيش عرمرم ويولي من أراد علينا ويستوثق لنا من الطعام والعدد وبعد ذلك نقاتلهم فاستصوب القوم رأيه وقالوا: دبرنا بحسن رأيك وتدبيرك فبعث البطريق إلى ابي عبيدة ﵁ جاثليقا كان عندهم معظما ليعقد الصلح بينهم وبين المسلمين فخرج الجاثليق ووصل إلى ابي عبيدة ﵁ وتكلم في الصلح معه بما تحدث به البطريق من أمر سير المسلمين إلى حلب وقنسرين والعواصم وانطاكية فأجابهم أبو عبيدة ﵁ إلى ذلك وصالح القوم وهم أهل حمص على عشرة آلاف دينار ومائتي ثوب من الديباج وعقد الصلح مع القوم سنة كاملة اولها ذو القعدة واخرها شوال سنة أربع عشرة من الهجرة قال وانبرم الصلح وخرجت السوقة من حمص إلى عسكر المسلمين فباعوا واشتروا ورأى أهل حمص سماحة العرب من بيعهم وشرائهم وربحوا منهم ربحا وافيا.
[ ١ / ١٠١ ]