قال سبيع بن ضمرة الحراني كنت مع عمرو بن العاص حين سار إلى قيسارية فدخلنا قرية من قرى الشام وكان البرد شديدا ونظرنا إلى كرومها ونظرت إلى كرمة في دار من دور القرية وفيها عناقيد مدلاة أكبر ما يكون فأخذنا منها وأكلنا فبردنا ولحقنا البرد الشديد من شدة برد ذلك العنقود فقلت قبح الله هؤلاء الملاعين بلدهم بارد وعنبهم بارد وماؤهم بارد وأنا أخاف الهلاك من شدة برد بلادهم قال فسمعنى رجل من أهل البلد فأراد أن يقرب الي لاداعبه فقال لي: يا أخا العرب أن كنت تجد البرد من العنب فاشرب من مائه قال سبيع ثم إنه دلنا على دن كبير فيه خمر فشربت أنا وجماعة من عرب اليمن فسكرنا فجعلنا نتمايل سكرا فأخبر بذلك عمرو ابن العاص فكتب إلى أبي عبيدة يعلمه بذلك فكتب إليه أبو عبيدة أما بعد فمن شربها فحده عليها وأقم حدود الله كما أمر ولا تخش لومة لائم فلما وصل الكتاب إلى عمرو دعا بسبيع ابن ضمرة وأصحابه فجلدهم بالسياط قال سبيع فلما ضربني عمرو وأوجعني قلت والله لأقتلن العلج الذي دلنا على الخمر حتى شربناها وأكلنا الحد فأخذت سيفي ودخلت القرية أطلب العلج فلما رأيته ووقعت عيني عليه أردت قتله فولى هاربا فتبعته وهو يقول ما ذنبي عندك فقلت أنت دللتني على ما يغضب الله حتى أكلت الضرب فقال: والله ما علمت أنه محرم عليكم قال فناداني عبادة بن الصامت وقال: يا سبيع إياك أن تقتله فإنه تحت الذمة قال فتركته ومضى العلج وأتى الي بتين وجوز وزبيب وقال كل هذا بذاك فإنه يدفئك قال فاكلته فوجدته طيبا فقلت لحاك الله أين هذا كان قبل أن أضرب بالسياط.
قال الواقدي: ثم أن عمرا ارتحل فنزل بموضع ي قال له: محل وبلغ الخبر فلسطين بن هرقل وكان قد أتاه المنهزمون من عسكر أبيه ولجئوا إليه واكتمل جيشه في ثمانين ألف ثم إنه دعا برجل من المتنصرة وقال له: امض واحزر لي عسكر العرب واكشف لي أخبارهم فوصل إليهم لجأ إلى قوم من اليمن وهم يصطلون حول النار فجلس بينهم يسمع حديثهم فلما أراد القيام عثر في ذيله فقال باسم الصليب كلمة أجراها الله على لسانه فلما سمعوا قوله علموا أنه متنصر جاسوس للروم فوثبوا إليه
[ ٢ / ١٤ ]
وقتلوه ووقع الصائح في العسكر فسمع عمرو الضجة فقال: ما الخبر قيل أن قوما من اليمن وقعوا بجاسوس من الروم فقتلوه قال فغضب عمرو وطلبهم وقال: ما حملكم على قتل الجاسوس وهلا أتيتموني به لأستخبره فكم من عين تكون علينا ثم إنها ترجع فتصير لنا لأن القلوب بيد الله يقلبها كيف شاء ثم إنه نادى في جيشه من وقع بغريب أو جاسوس فليات به إلى قال: وإن فلسطين استبطأ الجاسوس فعلم بقتله فأرسل غيره فأشرف على القوم من فوق شرف عال وحزرهم وعاد إليه فأخبره أنهم في خمسة آلاف إلا انهم كالأسود الضارية أو كالعقبان الكاسرة يرون الموت مغنما والحياة مغرما فلما سمع ذلك قال: وحق المسيح والقربان لا بد من قتالهم فأما أن أبلغ المراد أو أموت صبرا ثم إنه جمع عسكره واختار منهم عشرة آلاف فارس شدادا وولى عليهم بطريقا اسمه بكلاكون وهو صاحب جيشه وقال سر بهؤلاء فأنت طليعة جيشي فسار من ساعته ثم إنه عقد صليبا آخر وسلمه إلى دمستق العسكر واسمه جرجيس بن باكور وضم إليه عشرة آلاف وقال له: الحق بصاحبك فسار في أثره فلما كان في اليوم الثاني خرج فلسطين ببقية الجيش وترك ابن عمه قسطاس في قيسارية يحفظها وترك عنده عشرة آلاف قال بشار بن عوف فبينما نحن نازلون إذ أشرف علينا البطريق الأول في عشرة آلاف فارس فلما قربوا منا رأيناهم فحزرناهم فإذا هم عشرة آلاف قال ففرحنا وقلنا نحن خمسة الاف وعدونا في عشرة آلاف فكل رجل منا يقاتل اثنين فبينما نحن كذلك إذ أشرف علينا البطريق الثاني في عشرة آلاف فقال عمرو ﵁ اعلموا أن من أراد الله واليوم الآخر فلا يرتاع من كثرة العدو ولو تزايد المدد فإن الجهاد أوفر متجر وأعز قدرا وأي فخر عند الله ممن يقتل في سبيل الله وصفوف الكفار ويكون حيا عند الله يرتع في مروج الجنة وينال من الله سابغ النعمة والمنة فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ*فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ﴾ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠] الآية ولو أن الجاسوس الذي قتلتموه لم تعجلوا عليه لأخبرنا بمسير هذا الجيش الينا وكثرته وكنا قد أخذنا حذرنا على أنفسنا واحتطنا ولكن أمر الله لا يرد ثم إنه جمع أبطال الموحدين وقال: قد رأيت أن تنفذ إلى أبي عبيدة نعلمه ليمدنا بالخيل والرجال فإن هذا جيش عظيم ثم قال: أيها الناس من يركب ويسير إلى الأمير أبي عبيدة ويعلمه بما قد صرنا إليه فلعله أن ينجدنا كما أنجد يزيد بن أبي سفيان وهو محاصر قنسرين وأجره على الله.
[ ٢ / ١٥ ]