بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ اعلم وفقك الله أن مدينة البهنسا ذكر بعض المفسرين أن الله ﷾ ذكرها في كتابه العزيز بقوله ﷿ في حق عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٠] قال هي أرض البهنسا وكان من أمر عيسى ﵇ ما سنذكره أن شاء الله تعالى واستشهد بها زهاء من خمسة آلاف من أصحاب رسول الله ﷺ منهم من الأعيان والأمراء زهاء من أربعمائة ويتبعهم من الاشراف والصحابة نفر كثير منهم على بن عقيل بن أبي طالب والحسن بن صالح بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي عمر جامعا بها وكان من أمره ما سنذكره أن شاء الله تعالى وزياد بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب والفضل بن العباس عم رسول الله ﷺ وسنذكر من استشهد من الصحابة الاعيان بها أن شاء الله تعالى عند الفتوح وابنائهم وجماعة كثيرة وذكر جماعة من السادات الاخيار أن من زار جبانة البهنسا خاض في الرحمة حتى يعود ومن زارها خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وإنه لا يزورها مهموم إلا فرج الله همه ولا مغموم إلا أذهب الله غمه ولا صاحب حاجه إلا قضيت باذن الله ﷿ والاماكن المستجاب فيها الدعاء منها عند مجرى الحصى ومقطع السيل وإن هناك خلقا كثيرا من الشهداء ومشهد الحسن بن صالح بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعند قبر زياد بن أبي سفيان بن الحرث وعند قبر عبد الرزاق من داخل الباب وعند معبد عيسى بن مريم ﵉ وعند قبور الشهداء بسفح الجبل وقبليها مكان يعرف بالمراغة قبل الجبانة عندها قبور الشهداء هناك بسفح الجبل.
روى جماعة من الصالحين أنهم قد جاوروا الجبانة المذكورة وكانوا من أرض المشرق وجماعة من أكابر الصالحين من أرض المغرب من أقصى الاندلس وانهم رأوا هذه الفضائل وبانت لهم فضائل وأنوار وشاهدوا ذلك عيانا وروى أصحاب التاريخ ﵃ أنه لم يكن بأرض مصر من البحيرة مشهد أكثر من أرض البهنسا وإن مجرى الحصى عند منقطع السيل من الجهة الغربية قتل هناك خلق كثير واستشهد بها أربعمائة ﵃ أجمعين وسنذكر ذلك عند الفتح أن شاء الله تعالى أما فضائل البحر اليوسفي الذي المدينة على جانبه فهو أكثر عجائب منها أنه غزير البركة لانه يفيض حتى يروي ماحوله من القرى والبلدان مع قليل من زيادة النيل ومنها أنه إذا زاد النيل شيئا قليلا يزاد فيه شيء كثير ومنها أنه إذا انقطع عنه مدد النيل تفجرت من أصله عيون.
[ ٢ / ١٩٨ ]
فصارت نهرا جاريا وهذا لا يوجد بغيره أبدا من الانهار ومنها أنه ينقسم بأرض الفيوم ماء يسير فيروي زراعات وأراضي شتى وضياعا وهذا لا يوجد لغيره أبدا ومنها أنه دفن فيه يوسف الصديق ﵇ وأقام إلى زمن موسى ﵇ فازداد بذلك بركة ومنها أنه شقه جبريل ﵇ بخافقه من جناحه بأمر الله ﷿ للسيد يوسف ﵇ وحسدهم العمالقة على ذلك وقد ذكرت الرواة أنه كان بين يوسف ﵇ وبين صاحب مصر كلام بعد فراغ السنين المجدبة فإنه لما اجتمعت بنو اسرائيل عند يوسف ﵇ وحسدهم العمالقة على ذلك ذكروا ذلك لملك مصر.
فقال ملك مصر يا يوسف رد علي ملكي فاجتمع رايهم على الفرقة والقسمة فقسمت الأرض أي أرض مصر فوقع الجانب الغربي ليوسف ﵇ وكان قفرا رمالا وتلالا فأراد أن يجري له نهرا من النيل فجمع له مائة الف عبد ودفع لهم المساحى والزنابيل وأمرهم أن يحفروا من الجهة القبلية عند فمه الآن فحفروا ثلاث سنين وقد أجرى لهم مؤنة من خزائنه فكان كلما جاء الليل سد ما حفروا ففعل من الجهة الشرقية كذلك إلى سبع سنين حتى اعياه ذلك وقلق قلقا شديدا فاوحى الله إليه يا يوسف قد استعنت برجالك ومالك ولم تستعن بي وعزتي وجلالي لو استعنت بي لحفرته لك في أقل من طرفة عين فخر ساجدا لله تعالى وهو يقول سبحانك ما أعظم شأنك وأعز سلطانك ثم قام من سجوده ونزع أثوابه واغتسل ولبس المسوح وخرج إلى الربوة وخر ساجدا متضرعا إلى الله تعالى فأوحى الله إليه أرفع رأسك فقد قضيت حاجتك ثم أمر الله ﷾ جبريل ﵇ فخرقه بخافقه من جناحه وقال بعضهم بطرف ريشة من جناحه من فمه من الجهة القبلية إلى آخر الفيوم في اقل من طرفة عين بقدرة الله تعالى فعمر يوسف ﵇ قناطر وبنى مدينة الفيوم وقسم الأرض بينه وبين اخوته وبنيه فكانت أرض البهنسا لأفراثيم بن يوسف فشرع في عمارتها وقطعت الاحجار وعمرت الاسوار والقناطر وكان النهر يجري من وسطها من الجهة القبلية ثم يخرج من الجهة البحرية إلى زمن الإسلام وسنذكر ذلك في الفتح أن شاء الله تعالى وكان لها من الابراج والرساتيق ما لا يوصف وسكنها جماعة من بني اسرائيل واتخذوا دورا ومساكن وذلك جميعه غربي مصر وأرض البهنسا إلى آخر الصعيد من الجهة الغربية كلها مختصة ببني اسرائيل لا يشاركهم فيها أحد غيرهم وجعل يوسف ﵇ هؤلاء العبيد خولة فلاحين وزراعا بأرض البهنسا والفيوم وغيرها وشرع في عمارتها وغرست فيها الاشجار على جانب البحر اليوسفي من الجهة الشرقية والغربية وكانت المرأة تخرج بمكتلها ومغزلها في يدها والمكتل على رأسها فلا ترجع إلا وقد امتلأ من جميع الثمار من غير أن تمس شيئا بيدها فلما عصت بنو اسرائيل وجحدوا نعمة الله ﷿ وعملوا المعاصي نزع الله تلك النعمة من أيديهم وأعطاها لغيرهم فاحتووا.
[ ٢ / ١٩٩ ]
على الملك دونهم بجحودهم نعمة الله وقتلهم أنبياء الله الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر حتى اتخذوهم أذلة بعد أن كانوا سادات واستعملوهم خولة وفعلة وبنائين وحجارين ونجارين واستخدموا نساءهم وأبناءهم ولم يزل بنو اسرائيل في أضيق عيش وأعظم بلاء وأشد كربة وأعظم بلية من تكليف ما لا يطيقون حتى أنقذهم الله ﷿ بمبعث موسى ﵇ وليس هذا الكتاب مختصا بذلك واحتووا على المدائن والمزارع والبساتين.
[ ٢ / ٢٠٠ ]