قال: وارتحل عياض إلى الحصون وهي حصون الجبابرة وأنفذ إلى أهلها فاسلموا وأرسل النعمان بن معرف إلى أهل أنكل فاسلموا وسمت باليمانية لأنها فتحت على يد حذيفة بن اليمان ومضى عياض إلى الجابية ففتحها صلحا ونزل إلى أهل جبل الجودي والسيوان وذي الفرض فاخذوا من المسلمين صلحا وعهدا على تقرير بينهم وارتحل
[ ٢ / ١٥٢ ]
المسلمون حتى نزلوا على الهتاج فابى أهله أن يسلموا وعولوا على القتال ونصبوا الرعادات والمجانيق فنظر عياض إلى ذلك فعظم عليه وقال هذا حصن منيع ومتى تركناه ومضينا عنه اغاروا على أهل هذه البلاد وأذاقوهم الشر وقد لزمنا من أسلم ومن صالحنا الزم لنا فلا نحيد عنه حتى نفتحه أن شاء الله تعالى فقال خالد: انزلوا بنا عليه ولعل أن يأتي من عرضيات الأمور ما لم يكن في حساب.
قال الواقدي: وكان صاحب الهتاج شيطانا مريدا وجبارا عنيدا وكان اسمه يانس بن كليوس وكان قد تزوج بميرونة ابنة بريونة ابنة يريول بن كالوص صاحب قلب والحصن الحديد وكانت قد زفت إليه وأقامت عنده سنة ثم إنها مضت إلى زيارة أبيها وأمها وأقامت عندهما شهرا فلما خرجت من عندهما ومضت إلى الهتاج عند زوجها فبينما هي في نصف الطريق إذ بلغها أن المسلمين قد نزلوا على الهتاج فجلست في مكانها ولم تبرح وكان عدو الله يحبها ولا يجد له عنها صبرا فلما رأى المسلمين وقد نزلوا عليه علم أنه لا يقدر أن يجتمع بالجارية فاتفق رايه أن يصالح المسلمين حيلة منه ومكرا وخديعة حتى تحصل زوجته عنده ويغدر ولا يعطي أحدا طاعة فأرسل إلى عياض يقول له إنك لو اقمت علينا بقية عمرك لما قدرت علينا ولكن صالحنا سنة كاملة شمسية فإن أنت فتحت ما بقي من ديار بكر فنحن نرجع إلى طاعتك وإن لم تقدر على فتح البلاد فلا طاعة لك علينا والسلام وارسل إلى عياض رجلا من متنصرة العرب من ربيعة الفرس وكان ذلك الرجل مدبر بلاد الهتاج هو وبنو عمه وكان اسمه مرهف بن واقد وكان ميله إلى العرب أكثر من الروم فلما أدى الرسالة إلى عياض أجابه إلى الصلح لئلا يطول مقامهم فلما هم مرهف بالرجوع قال لعياض أما والله أيها الأمير ما كنت بالذي أدع النصيحة للعرب وأستعملها للعلوج وهذا العلج قد اتفق رأيه على كذا وكذا فإن كنت ترحل وتكمن لزوجته وتأخذها ومن معها وتطلب منه البلد فإنه يسلم لوقته فافعل فقال عياض ما كنا نقول قولا ولا نفي به ولعل الله ينظر إلى صدق نياتنا فيفتحه علينا.
حدثني مالك بن بشر بن عامر وكان ممن حضر فتوح الشام وديار بكر وديار ربيعة قال بينما مرهف يحدث عياضا إذا بغبرة قد اقبلت فقال عياض لميسرة بن مسروق اركب وانظر ما هذه الغبرة فركب ومضى هو وجماعة من الصحابة وعاد ميسرة وهو يقول أبشر أيها الأمير بالفتح قال: وما الخبر يا ابن مسروق قال هذا جيش ابن هبيرة المازني قد أغار على البلاد وأتى بالاموال والرجال قال فظهر البشر في وجه عياض وجعل يتطاول إلى قدوم ابن هبيرة المازني حتى وصل وسلم على عياض وعلى المسلمين وعرض عليه الغنائم ومرهف بن واقد يتأملها إلى أن عرضت عليه جارية رومية تخجل الشمس منها وعليها زي الملوك فأطرق المسلمون إلى الأرض يستعملون الأدب.
[ ٢ / ١٥٣ ]
مع الله في قوله: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ فلما نظر اليها مرهف قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وإن دينكم الحق وقولكم الصدق فقال له عياض: ما بالك أيها الرجل قال هذه زوجة يانس صاحب الهتاج وقد طرحها الله في أيديكم فسجد عياض شكرا لله فلما رفع رأسه قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] .
قال الواقدي: وكانت ميرونة قد خرجت من عند أهلها ومعها جماعة من بنات البطارقة فوافق طريق قيس بن هبيرة تلك الأرض فأخذها ومن معها وأتى بها إلى عياض فقال عياض لمرهف ارجع إلى يانس واكتم إسلامك وأخبره بما رايت واستعمل النصح للمسلمين وقل له أن اراد أهله فليسلم لنا هذه القلعة ومهما أردنا منه قال فرجع مرهف إلى يانس وحدثه بما جرى فعظم ذلك عليه وكبر لديه وقال لمرهف ما الذي ترى من الرأي قال اعلم أن هؤلاء القوم ما قالوا: إلا وفوا به وبذلك نصروا علينا ومن الرأي أن نسلم لهم القلعة ويعطوك زوجتك وجميع مالك وأنا الضامن لك منهم ذلك فقال: يانس انزل إليهم وائتني بعشرة رجال يحلفون لي على ما اريد فإن أجابوني إلى ذلك سلمت إليهم القلعة ولا تأتني إلا بمن يقبل قوله ويشكر فعله حتى أستوثق منهم لنفسي ولعله يكون الرجل الذي شاع ذكره بالشجاعة وفتح البلاد والشام يعني خالد بن الوليد وإنما أراد الملعون ذلك حتى يقبض عليهم ويخلص بهم زوجته قال فنزل إلى عياض وأخبره بذلك وبما قاله يانس فقال عياض يا مرهف يريد الملعون أن يخدعنا ونحن ثمرة الخداع ونرجو من الله أن يرجع مكره عليه ولديه ثم قرا: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] قال خالد: دعنا أيها الأمير نصعد إليه والله الموفق للصواب.
فقال عياض اعزموا على بركة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فنهض خالد والمقداد وعمار وسعيد بن زيد وعمرو بن معد يكرب والمسيب بن نجيبة وقيس بن هبيرة وميسرة وضرار بن الأزور وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين وساروا ومرهف أمامهم إلى أن وصلوا باب القلعة وكان رتب عدو الله غلمانه في دركات القلعة وأمرهم أن يأخذوا منهم سلاحهم ففعلوا ذلك إلا خالدا وعبد الرحمن وضرار فقالوا: ما كنا نسلم عدتنا لغيرنا فإن اراد أن ندخل عليه بسلاحنا والا رجعنا من حيث أتينا فدخل مرهف عليه وقال أن هؤلاء الثلاثة امتنعوا من اعطاء السلاح وما الذي يقدرون على أن يفعلوه دعهم يدخلوا كيف شاءوا فلو كانوا نارا ما أحرقوا ولا ترهم الجزع فيطمعوا فقال: وحق المسيح لقد صدقت دعهم كلهم يدخلوا بعددهم حتى يعلموا اننا لا نخافهم ولا نرهبهم وايضا لئلا تنفر قلوبهم منا فرجع مرهف.
[ ٢ / ١٥٤ ]
وأمر الغلمان أن يردوا إليهم أسلحتهم ودخلوا فلما توسطوا القلعة إذا بيانس واقف فلما وقعت عينه عليهم دخل الرعب في قلبه لأن من خاف الله خاف منه كل شيء فجعل يهتز ويقع وكان قد قال لجماعته إذا رأيتموني قد قربت منهم وصافحتهم فدونكم وإياهم فنظر خالد إليهم فعلم ما في قلوبهم فقال له: أيها البطريق قف مكانك فانا قوم لا نؤتي بحيلة ولا مكر لانا قهرنا الملوك وأخذنا بلادهم بهذه الأشياء ثم إنه انتضى سيفه وزعق بيانس فادهشه وخيل له أن كل من في القلعة منهم وتقدم إليه وضربه على حبل عاتقه فأطلع السيف من علائقه فهجمت الصحابة علىأهل القلعة ووضعوا السيف فيهم وتكاثر عليهم العدو وتزايد المدد قال: وكان في داخل المدينة خلق من الرستاق من قرى الهتاج من فسطاس وقرساط وكان يانس قد جمعهم لقتال المسلمين قال فلما قتل خالد يانس ونظروا إلى صبر الصحابة على قتال أهل القلعة قالوا لبعضهم: أنتم تعلمون أن العرب ما يسكتون عن اصحابهم وقد فتحوا آمد والبلاد فلا يمتنع منهم الهتاج وغيرها فخذوا لكم عند المسلمين يدا وقاتلوا معهم أهل القلعة قال ففعلوا ذلك وجردوا سيوفهم وضربوا معهم من كان في القلعة وسمع عياض الصياح.
فقال أما والله أن خالدا ومن معه غدر بهم فبادروا إليهم أيها المجاهدون قال فبادر أبو الهول وأصحابه الاربعمائة وهم رجاله فتفرقوا في الجبل وقصدوا القلعة فمن انهزم من الكفار وضعوا فيهم السيوف فما نجا منهم أحد ما وصل ابو الهول إلى القلعة إلا وقد ملكها خالد واحتوى عليها وصعد عياض والمسلمون وأخذوا كل ما كان فيها وولى عليها مولاه سالما وجعل عنده مائة رجل وكتب إلى أهل فسطاس وفرساط ومن في القلعة أن لا يزنوا بامرأة أبدا وأشهد عليهم خالدا والمقداد وعمارا ومعاذا وشرحبيل وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وضرار وأطلق عياض الاسارى الذين أتى بهم قيس بن هبيرة وارتحل يطلب ميافارقين فلقيه في طريقه أهل تلك الجبال وأهل الجزيرة وقلب ومتنان وحزب الكلام فأعطاهم الأمان وضربت عليهم الجزية وردهم إلى بلاد وأتى إليهم أهل ميافارقين للقائهم وشكروهم على حسن سيرتهم وعدلهم وأخرجوا لهم الضيافات والعلوفات ونزل من جهة الميدان في سفح الجبل واقام بها عشرة ايام ثم جمع أصحاب رسول الله ﷺ واستشارهم وقال إني عولت على المسير إلى ديار أرمينية والى أرزن الروم فاشيروا علي يرحمكم الله أي طريق نسلك فقال رجل من المعاهدين ممن هو أعرف الناس بتلك البلاد أيها الأمير أتأذن لي أن أتكلم فقال من كان له راي فليتكلم فقال اعلم إنك إذا قصدت بلاد أرمينية يطول مكثك فيها واعلم أن بالقرب منك حصنا منيعا ي قال له: حصن لغوب وغلب عليه اسم صاحبه وهو يطالقون بن كنعان ابن عيديوس له جيش عرمرم يزيد على ثلاثة آلاف فارس.
[ ٢ / ١٥٥ ]