قال الواقدي: وكان من قضاء الله وقدره أن ابن كسرى لما انهزم من المدائن مضى إلى حلوان وانضاف إليه كل من وصل إليه من المنهزمين من لأساورة والمرازبة والديلم وغيرهم فقام فيهم خطيبا وذكر زوال ملكه وأسر ابنته وخزائنه وأمواله وبكى وبكت أرباب دولته ثم قال: يا أهل فارس أن الدنيا دنية الفعال سريعة الزوال قريبة الارتحال وهذا ملككم قد زال وعزكم قد حال ودياركم قد سبيت والعرب قد استولت على العراق ولا بد لهم منكم ولا غنى لهم عنكم وستنظرون خيلهم وقد طلبت خراسان والري وهمذان وما بقي لكم جهة تتوجهون اليها إلا بلاد آبائكم وأجدادكم فانتبهوا وانتهزوا الفرصة وأزيلوا الغصة وأدركوا ما بقي من أيامكم ولا ترتدوا على أدباركم وقد بلغني أن الدنوس العادي بن هر بن كيقباذ بن يزدجرد التقى هو والاسكندر بن القليس الرومي.
[ ٢ / ١٩٤ ]
وما زالا يقاتلان ويقتتلان حتى قتل أحدهما فشمروا أنتم عن ساق الجد ودونكم والقوم هذه الكرة اما لكم واما عليكم فلعل النار والنور ينصرانكم وأنفق فيهم ما كان معه فاستعدوا للقاء وأخذوا على أنفسهم وضربوا خيامهم في مرج حلوان وجاء علماء دينهم وأوقدوا لهم النار وقربوا لها القربان وتحالفوا أن لا ينهزموا ولو ماتوا عن آخرهم قال: ومضت نساؤهم وبنات ملوكهم وأبطالهم الذين قتلوا في الثياب ملطخات بالدماء وهن يستفززن الجيوش والعساكر من بلاد العجم وغيرها قال: وإن الحجاب والمرازبة والاساورة تعاهدوا على أن لا يفروا أو يموتوا عن آخرهم.
قال الواقدي: حدثني محمد بن عاصم بالكوفة بعد ما أخذها المسلمون قال لما فتحت المدائن واتخذها المسلمون وطنا فما كان دأبهم إلا أن يحفروا دور الفرس ويخرجوا خباياهم وأموالهم قال عبد الله بن حجفة حضرت العرب وقد أخرجوا من ازاء القصر الابيض من مصنع هناك للفرس الاكاسرة تمثالا من الذهب على صفة الفارس وقد سكبوا عليه الماء حتى غار في الأرض وكانت ملوك الفرس يفتخرون بذلك على سائر الملوك فوالله لو قسم ذلك على عرب بكر بن وائل لكان يسد منهم مسدا وجاءت عيون المسلمين إلى سعد وأخبروه بما فعل القوم واجتماعهم في مرج حلوان في مائة ألف وقد وجهوا أثقالهم وما يعز عليهم إلى الجبل وهم يطلبون لقاءكم قال: واجتمع المسلمون في الايوان وقالوا: أيها الأمير أن العدو قد اجتمعوا بمرج حلوان وتعاهدوا على أن لا ينهزموا أبدا ويموتوا عن دم واحد يرويدن مدائنهم قال فكتب سعد إلى عمر بن الخطاب ﵁ يعلمه بذلك ويقول له أن أهل الموصل قد مات ملكهم الانطاق وقد تولى عليهم الشكان بن قالوص وارتدوا عن صلحنا وعول ملكهم على أن يكون عونا لاهل فارس علينا والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته فلما وصل الكتاب على عمر أرسل يقول له يا سعد اعلم أن الله منجز وعده وبعث إليه هاشم بن عتبة في اثنى عشر ألف فارس من المهاجرين والانصار ألفان والبقية من العرب.
قال: وإن ابن كسرى لما حصن حريمه وأمواله في الجبل أمر على عسكره مهران الداري ووصاه وسار مهران بالعسكر فركب معه ابن كسرى مقدار ميل وودعه ورجع إلى حلوان والمدد يأتي إليه من سائر بلاد العجم قال: ووصل مهران إلى مدينة نشاور ونزل بها في دار الولاية واقام بها فلما كان الغد ركب في وجوه قومه ودار بهم على اسوارها وأبوابها وأمر بتحصينها في علو سورها ونصب آلات الحصار بالعرادات والمجانيق وحفر خندقا عميقا وصنع حسكا من الحديد وجعله حول المدينة والخندق وما خلى من أهل البلد صغيرا ولا كبيرا حتى استعمله في السور والخندق وادخر القوت وعلف الخيل وما
[ ٢ / ١٩٥ ]
يحتاجه للحصار واستوثق من أهل البلد الكبير والصغير منهم وأخذ رهائنهم وحلفهم على أن لا ينهزموا أبدا قال فلما اتفق ذلك كله اقام ينتظر قدوم المسلمين قال: وأما هاشم بن عتبة فإنه سار في اثني عشر ألف مجاهد حتى أشرف على مدينة نشاور فوجدها محصنة بالعدد والعدو قد أظهر الزينة والسلاح على الابراج بالدروع والجواشن والمجانيق والعرادات والبيارق والاعلام ووضعوا في أركان المدينة على الابراج قباب حديدج ليضرموا فيها النار ويستنجدوا لها ويستنصروا بها على العرب فلما أشرف عليهم عسكر هاشم بن عتبة ضجوا بكلمة كفرهم واشاروا إلى الشمس والنيران يسجدون لهما قال: والأرض ترتج من تحتهم والسماء ترعد من فوقهم والاكوان تسترجع وتصيح في هلاكهم فنودوا من قبل الله أن اسكنوا عن اضطرابكم فأنا الحليم الذي لا أعجل على من عصاني ولا أخيب من دعاني أنا الذي تسبح لي السموات ومن فيها والارضون بنواحيها وقد سبق في علمي أن أطهر هذه الأرض من الارجاس وأبدلها بمن قلت فيهم كنتم خير أمة أخرجت للناس أنا الذي أمهل ولا أهمل وعزتي وجلالي لأطهرن هذه الأرض من الكفرة الملحدين والفئة المفارقين ولأبدلن بيوت النار بمساجد ذكر فيها آناء الليل وأطراف النهار يعمرها رجال قد أحسنوال الظنون وذكرتهم في الكتاب المكنون: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الانبياء:١٠٥] .
قال الواقدي: حدثنا عمرو بن ربيعة الشيباني قال أخبرنا أحمد الطويل قال لما نزل هاشم بن عتبة على مدينة نشاور بمن معه من المسلمين لم يلتفتوا إليهم ولم يكترثوا بهم وأروهم التجلد والشدة وجعلوا يطاولونهم ولا يخرجون إليهم فصعب ذلك على المسلمين والمدد واصل إليهم من عند يزدجرد بن كسرى فاشتدت قلوب أعداء الله فقالوا لمهران الداري: أيها الصاحب ما الذي تنتظر بنا في قعودنا ومقامنا من وراء السور وقد اشتقنا إلى القتال فاخرج بنا إلى هؤلاء القوم فقد ضاقت صدورنا وضاقت بنا المدينة وهذه الشمس المنيرة تنصرنا وتظفرنا على أعدائنا وكذلك النار والنور فلما رآهم معولين على القتال أمرهم بالخروج وجعل على خيله جوزان بن جهران وأمره أن يزحف بالجيش فلما فتح باب المدينة وخرج الفرس فرح المسلمون بذلك وتبادروا إليهم بأسرار صافية وهمم وافية يطلبون القتال في مرضاة الله ذي الجلال وأنفسهم لذلك مستبشرة نازحة وهممهم إلى الحرب مسرعة فادحة وقد سئموا من سكنى دار الغرور واشتاقوا إلى سكنى القصور ومعانقة الحور وقالوا: الهنا قد سئمنا من هذه الدار واشتقنا إلى دار القرار ومجاورة المختار فانجزنا ما وعدتنا وسامحنا إذا توفيتنا وأجرنا من عذاب النار واحشرنا مع الكرام الابرار الذين قلت في حقهم: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] .
[ ٢ / ١٩٦ ]
قال: ولما ركب المسلمون جعل على مقدمة الخيل طلحة بن خويلد وبقي هاشم على الساقة فقال: أيها الناس والله لا تنال الجنة إلا بحسن الاعمال فاتركوا من قلوبكم الميل إلى دار اللهو والاهوال والمقام في دار الزوال جاهدوا لتدخلوا جنة عرضها السموات والأرض فهذه نار الحرب قد فاض تيارها وعلا دخانها وصفقت أمواجها وبدا فجاجها فاركبوا فيها سفينة النجاة والانجاد واقطعوا بشراع الاجتهاد هذا الطريق وانشرونا أعلام الصدق قال: وقد اصطفت عساكر العجم ودقت بوقاتها ونشرت ازدهاراتها فهم كذلك إذ أقبل عليهم ملك الري في اثني عشر ألف فارس فلما رأى هاشم ذلك قال: يا فتيان العرب لا تنظروا إلى كثرتهم وقلتكم فقد كان المصطفى ﷺ يوم بدر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وخذل الكافرين وقد كانت قريش في حدها وحديدها وعددها وعديدها ونصر الله نبيه ورسوله قال الله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وإذا بالخيل قد حملت عليهم كأنهم السيل فقال هاشم أخلصوا النيات ولا تولوا الأدبار واعلموا أنه قد تولى عليكم الجبار قال: وأطبق الناس بعضهم ببعض وساروا بين البسط والقبض وازدحمت الامم وقامت الحرب على قدم وقاتلت أبطال العجم وضربت بحرابها ورمت بصفاحها وفوقت بسامها وأظلم الجو من الغبرة في تلك الآفاق واعتمدوا على الضرب بالاسياف الرقاق وطعنت العرب بالرماح الدقاق وقلعت عرب اليمن بنبالها الاحداق ودنت الاعمار إلى المحاق وبلغت الارواح التراق وعز الانين والزعاق وصبرت الاعاجم على ما لا يطاق وسقاهم العرب من أسنة رماحهم كأس الفراق ولم يزالوا في القتال إلى أن ذهبت الانوار وجاء الليل ومضى نور النهار وفي آخر يوم قدم القعقاع بن عمرو ومعه اثنا عشر ألف فارس فقويت قلوب المسلمين بقدوم عساكر الموحدين وأعلنوا بكلمة التوحيد فدوت من أصواتهم الجبال والتلال والرمال والحجر والشجر فلما سمع أعداء الله ما نطقوا به ارتعدت فرائصهم فاستقبلوهم بنيات صادقة وهمم متوافقة وأعلنوا بذكر كلمة الحق والصلاة على سيد الخلق فبذلوا صوارمهم في الاعداء وأوردهم شراب الردى وقصدوا نحو أعدائهم وطلبوا بجهادهم منازل الجنة وطلقوا الدنيا بتاتا وعلموا أنهم يصيرون أمواتا وصاروا بعد الالفة أشتاتا فوقعت الهزيمة على عسكر العجم وحمل المسلمون في آثارهم وخذلهم الله فقتلوا من قتلوا واسروا من أسروا وهرب الباقون واخذ المسلمون مدينة نشاور وغنموا ما فيها من الاموال وكان شيئا لا يقع عليه حصر وأقاموا فيها وبنوا الجامع وذكروا الله فيه ذكرا كثيرا وأكمل الله لهم فتوح العراق وكتبوا بذلك كتابا إلى أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ يعلمونه بذلك وبعثوا الخمس فوصل ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ فسر بذلك سرورا عظيما فحمد الله تعالى كثيرا وسرت المسلمون سرورا زائدا على ما فتح من بلاد كسرى وأعمالها على يد سعد بن وقاص واستوطنوا البلاد ﵃ أجمعين.
[ ٢ / ١٩٧ ]