قال الواقدي: واجتمع بالمدينة نحو تسعة آلاف فلما تم امرهم كتب أبو بكر كتابا إلى خالد بن الوليد يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى خالد بن الوليد ومن معه من المسلمين أما بعد فانيأحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد ﷺ وأوصيكم وآمركم بتقوى الله في السر والعلانية وقد فرحت بما أفاء الله على المسلمين من النصر وهلاك الكافرين وأخبرك أن تنزل إلى دمشق إلى أن يأذن الله بفتحها على يدك فإذا تم لك ذلك فسر إلى حمص وانطاكية والسلام عليك وعلى من معك من المسلمين ورحمة الله وبركاته وقد تقدم إليك ابطال اليمن وأبطال مكة ويكفيك بن معد يكرب الزبيدي ومالك بن الاشتر وانزل على المدينة العظمى انطاكية فإن بها الملك هرقل فإن صالحك فصالحه وأن حاربك فحاربه ولا تدخل الدروب وأقول هذا وأن الأجل قد قرب ثم كتب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ثم ختم الكتاب وطواه ودفعه إلى عبد الرحمن وقال له: أنت كنت الرسول من الشام وانت ترد الجواب فأخذه عبد الرحمن وسار على مطيته يطوي المنازل والمناهل إلى أن وصل إلى دمشق.
قال حدثني نافع بن عميرة قال لما بعث خالد بن الوليد الكتاب إلى أبي بكر الصديق ارتحل يريد دمشق وكان أهلها قد سمعوا بقتل بطريقهم وابطالهم وانهزام جيوشهم ومن أرسلهم الملك بأجنادين فخافوا وتحصنوا بدمشق واعدوا آلة الحصار ورفعوا السيوف والطوارق وعلوا على الاسوار ونشروا الأعلام والصلبان فلما أخذوا على أنفسهم اشرف عليهم الأمير خالد بن الوليد والجيش قد زاد عمرو بن العاص في تسعة.
[ ١ / ٦٢ ]
آلاف ويزيد بن أبي سفيان في الفين وشرحبيل بن حسنة وعامر بن ربيعة في ألفين وأقبل السواد من ورائهم معاذ بن جبل في الفين فلما رأى أهل دمشق عسكر المسلمين مثل البحر الزاخر ايقنوا بالهلاك وأقبل خالد في جيش الزحف فنزل على الدير المعروف به وبينه وبين المدينة أقل من ميل فلما نزل هناك دعا بالأمراء فاحضرهم فقال لأبي عبيدة: أنت تعلم ما ظهر لنا من غدر هؤلاء القوم عند انصرافنا عنهم وخروجهم في أثرنا فامض بمن معك من أصحابك وانزل بهم على باب الجابية ولا تسمح للقوم بالأمان فيأخذوك بمكرهم ولتكن متباعدا عن الباب وابعث إليهم فوجا بعد فوج واجعل قتال الناس دولا ولا يضق صدرك من كثرة المقام ولا تبرح من مكانك واحذر من القوم الكافرين فقال أبو عبيدة: حبا وكرامة ثم إنه خرج حتى نزل بباب الجابية ونصب له بيتا من الشعر بالبعد من الباب.
[ ١ / ٦٣ ]