قال الواقدي: ولقد بلغني أن خالدا ﵁ لما رجع من غزوته ومسيره غانما ظن أن الخليفة أبا بكر الصديق ﵁ حي لم يقبض فهم أن يكتب له كتابا بالفتح والبشارة وما غنم من الروم وابو عبيدة لا يخبره بذلك ولا يعلمه أن الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ فدعا خالد بدواة وبياض وكتب بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله خليفة رسول الله ﷺ من عامله على الشام خالد بن الوليد اما بعد سلام عليك فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد ﷺ ثم أنا لم نزل في مكايدة العدو على حرب دمشق حتى انزل الله علينا نصره وقهر عدوه وفتحت دمشق عنوة بالسيف من باب شرقي وكان أبو عبيدة على باب الجابية فخدعته الروم فصالحوه على الباب الأخر ومنعني أن اسبي واقتل ولقيناه على كنيسة يقال لها:
[ ١ / ٨٣ ]
كنيسة مريم وامامه القسس والرهبان ومعهم كتاب الصلح وأن صهر الملك توما واخر يقال له هربيس: خرجا من المدينة بمال عظيم واحمال جسيمة فسرت خلفها في عساكر الزحف وانتزعت الغنيمة من ايديهما وقتلت الملعونين واسرت ابنة الملك هرقل ثم اهديتها إليه ورجعت سالما وأنا منتظر امرك والسلام عليك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى إله وصحبه وسلم وطوى الكتاب وختمه بخاتمه ودعا برجل من العرب يقال له عبد الله بن قرط: فدفع إليه الكتاب وسار إلى مدينة رسول الله ﷺ فوردها والخليفة عمر بن الخطاب ﵁ فقرأ عنوان الكتاب وإذا هو من خالد إلى خليفة رسول الله ﷺ فقال عمر: أما عرف المسلمون وفاة ابي بكر ﵁ فقال: لا يا أمير المؤمنين فقال قد وجهت بذلك كتابا إلى ابي عبيدة وأمرته على المسلمين وعزلت خالدا وما اظن أبا عبيدة يريد الخلافة لنفسه فسكت وقرأ الكتاب قال أصحاب السير في حديثهم ممن تقدم ذكرهم واسنادهم في أول الكتاب ممن روى فتوح الشام ونقلوها عن الثقاب منهم محمد بن اسحق وسيف بن عمرو وابو عبد الله بن عمر الواقدي ﵁ كل حدث بما رواه وسمعه ثقة عن ثقة قالوا: جميعا في اخبارهم إنه لما قبض أبو بكر الصديق ﵁ وولى الأمر بعده عمر بن الخطاب ﵁ وله من العمر اثنتان وخمسون سنة بايعه الناس في مسجد رسول الله ﷺ بيعة تامة ولم يتخلف عن مبايعته أحد لا صغير ولا كبير وانقطع في امارته الشقاق والنفاق وانحسم الباطل وقام الحق وقوي السلطان في امارته وضعف كيد الشيطان وظهر أمر الله وهم كارهون ومن أمره إنه كان يجلس مع الفقير ويتلطف بالناس والمسلمين ويرحم الصغير ويوقر الكبير ويعطف على اليتيم وينصف المظلوم من الظالم حتى يرد الحق إلى اهله ولا تأخذه في الله لومة لائم وكان في امارته يدور في اسواق المدينة وعليه مرقعة وبيده درته وكانت درته أهيب من سيف الملوك وسيوفكم هذه وكان قوته في كل يوم خبز الشعير وادمه الملح الجريش وربما اكل خبزه بغير ملح تزهدا واحتباطا وترفقا على المسلمين ورأفة ورحمة لا يريد ذلك إلا الثواب من الله ﷾ ولا يشغله شاغل عن اداء الفريضة وما اوجب الله عليه من حقوقه وسنة نبيه محمد ﵊ قالت عائشة ﵂: ولقد تولى والله عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة فجد في التشمر وترك عن نفسه التكبر ولقد كان أحرقه خبز الشعير والملح واراد أكل الزيت واليابس من التمر وربما أخذ شيئا من السمن ويقول: أكلت الزيت وخبز الشعير والملح والجون اهون غدا من نار جهنم من حل بها لم يمت ولم يجد فيها راحة ابدا قرارها بعيد وعذابها شديد وشرابها الصديد لا يؤذن لهم فيعتذرون جند الجنود في امارته وبعث العساكر وفتح الفتوحات ومصر الأمصار وكان يخاف عذاب النار ﵁.
[ ١ / ٨٤ ]
قال الواقدي رحمه الله تعالى: ولقد بلغني أن هرقل لما بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ قد ولى الأمر من بعد ابي بكر الصديق ﵁ جمع الملوك والبطارقة وارباب دولته وقام فيهم خطيبا على منبر قد نصب له في كنيسة القسيسين وقال: يا بني الأصفر هذا الذي كنت أحذركم منه فلم تسمعوا مني وقد اشتد الأمر عليكم بولاية هذا الرجل الاسمر وقد دنا موعد صاحب الفتوح المشبه بنوح والله ثم والله لا بد أن يملك ما تحت سريري هذا الحذر ثم الحذر قبل وقوع الأمر ونزول الضرر وهدم القصور وقتل القسس وتبطيل الناقوس هذا صاحب الحرب والجالب على الروم والفرس الكرب هذا الزاهد في دنياه وهذا الغليظ على من أتبع في غير ملته هواه وإني ارجو لكم النصر أن امرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وتركتم الظلم واتبعتم المسيح في اداء المفروضات ولزوم الطاعات وترك الزنا وانواع الخطايا وأن ابيتم إلا الفساد والفسوق والعصيان والركون إلى شهوات الدنيا يسلط الله عليكم عدوكم ويبلوكم بما لا طاقة لكم به ولقد أعلم أن دين هؤلاء سيظهر على كل دين ولا يزال اهله بخير ما لم يغيروا ويبدلوا فاما أن ترجعوا إليه واما أن تصالحوا القوم على اداء الجزية فلما سمع القوم ذلك نفروا وبادروا إليه وهموا بقتله فسكن غضبهم بلين كلامه ولاطفهم وقال لهم: إنما أردت أن أرى حميتكم لدينكم وهل تمكن خوف العرب في قلوبكم أم لا.
ثم استدعى برجل من المتنصرة يقال له طليعة بن ماران وضمن له مالا وقال له: انطلق من وقتك هذا إلى يثرب وانظر كيف تقتل عمر بن الخطاب فقال له طليعة: نعم أيها الملك ثم تجهز وسار حتى ورد مدينة رسول الله ﷺ وكمن حولها وإذا بعمر بن الخطاب ﵁ خرج يشرف على أموال اليتامى ويفتقد حدائقهم فصعد المتنصر إلى شجرة ملتفة الأغصان فاستتر بأوراقها وإذا بعمر ﵁ قد اقبل إلى أن قرب من الشجرة التي عليها المتنصر ونام على ظهره وتوسد بحجر فلما نام هم المتنصر أن ينزل إليه ليقتله وإذا بسبع أقبل من البرية فطاف حوله وأقبل يلحس قدميه وإذا بهاتف يقول: يا عمر عدلت فأمنت فلما استيقظ عمر ﵁ ذهب السبع ونزل المتنصر وترامى على عمر ﵁ فقبل يديه وقال بأبي أنت وأمي أفدى من الكائنات من السباع تحرسه والملائكة تصفه والجن تعرفه ثم أعلمه بما كان منه وأسلم على يديه.
قال الواقدي: ثم أن عمر ﵁ كتب كتابا لابي عبيدة بن الجراح يقول فيه: قد وليتك على الشام وجعلتك أميرا على المسلمين وعزلت خالد بن الوليد والسلام ثم سلم الكتاب إلى عبد الله بن قرط وأقام قلقا على ما يرد عليه من أمور المسلمين وصرف همته إلى الشام.
[ ١ / ٨٥ ]