وكان خالد في المقدمة وأبو عبيده يمشي مع الأموال والأغنام والجمال إذ نظر رجل من أصحابه وهو يتأمل الغبرة من ورائهم فسأله أبو عبيدة عن ذلك فقال أظنها غبرة القوم فقال أبو عبيدة: أن أهل الشام قد طمعوا فينا وهذا العدو قاصد إلينا قال فما استتم كلامه حتى بدت الخيل كأنها السيل وبولص في أوائلهم فلما نظر إلى أبي عبيدة قصده ومعه الفرسان وأخوه بطرس قصد الحريم والماس فاقتطعوا منها قطعة فلما احتوى عليها رجع بها بطرس نحو دمشق فلما بعد جلس هناك لنظر ما يكون من أمر أخيه وأما أبو عبيدة فإنه لما نظر إلى ما فاجأه من الروم قال: والله لقد كان الصواب مع خالد لما قال دعني في الساقة فلم أدعه وانه قد وصل إليه بولص وقصده والأعلام.
[ ١ / ٤٥ ]
والصلبان على رأسه مشتبكة والنساء يولولن والصبيان يصيحون والألف من المسلمين قد اشتغلوا بالقتال وقد قصد عدو الله بولص أبا عبيدة واشتد بينهم الحرب ووقع القتال من أصحابه والروم وارتفعت الغبرة عليهم وهم في كر وفر على أرض سحورا قال: وقد بلى أبو عبيدة بالقتال وصبر صبر الكرام قال سهيل بن صباح وكان تحتي الجواد محجل من خيل اليمن شهدت عليه اليمامة فقومت السنان وأطلقت العنان فخرج كأنه الريح العاصف فما كان غير بعيد حتى لحقت بخالد بن الوليد والمسلمين فأقبلت إليهم صارخا وقلت: أيها الأمير أدرك الأموال والحريم فقال خالد: ما وراءك يا ابن الصباح فقلت: أيها الأمير الحق أبا عبيدة والحريم فإن نفير دمشق قد لحق بهم وقد اقتطعوا قطعة من النسوان والولدان وقد بلى أبو عبيدة بما لا طاقة لنا به قال فلما سمع خالد ذلك الكلام من سهل بن صباح قال أنا لله وأنا إليه راجعون قد قلت لأبي عبيدة: دعني أكون على الساقة فما طاوعني ليقضي الله أمرا كان مفعولا ثم أمر رافع بن عميرة على ألف من الخيل وقال له: كن في المقدمة وأمر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق على ألفين وقال له: ادرك العدو وسار خالد في أثره ببقية الجيش.
قال فبينما أبو عبيدة في القتال مع بولص لعنه الله إذ تلاحقت به جيوش المسلمين وحملوا على اعداء الله وداروا بهم من كل مكان فعند ذلك تنكست الصلبان وأيقن الروم بالهوان وتقدم الأمير ضرار بن الأزور كأنه شعلة نار وقصد نحو بولص فلما رآه عدو الله تبلبل خاطره ووقعت الرعدة في فرائصه وقال لأبي عبيدة: يا عربي وحق دينك إلا ما قلت لهذا الشيطان: يبعد عني وكان بولص قد سمع به ورآه من سور دمشق وما صنع بعسكر كلوس عزازير وسمع بفعاله في بيت لهيا فلما رآه مقبلا إليه عرفه فقال لأبي عبيدة: قل لهذا الشيطان: لا يقربني فسمعه ضرار ﵁ فقال له: أنا شيطان أن قصرت عن طلبك ثم إنه فاجأه وطعنه فلما رأى بولص أن الطعنة واصلة إليه رمى نفسه عن جواده وطلب الهرب نحو أصحابه فسار ضرار في طلبه وقال له: أين تروح من الشيطان وهو في طلبك ولحقه وهم أن يعلوه بسيفه فقال بولص يا بدوي ابق علي ففي بقائي بقاء أولادكم وأموالكم قال فلما سمع ضرار قوله أمسك عن قتله وأخذه أسير هذا والمسلمون قد قتلوا من الروم مقتلة عظيمة.
قال حدثني أسلم بن مالك اليربوعي عن أبي رفاعة بن قيس قال كنت يوم وقعة سحورا مع المسلمين وكنت في خيل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ قال فدرنا بالروم من كل جانب وبذلنا اسيافنا في القوم وكانوا ستة كتائب في كل كتيبة ألف فارس قال رفاعة بن قيس فوالله لقد حملنا يوم فتح دمشق وانه ما رجع منهم فوق المائة ووجه خبر لضرار أن خولة مع النسوان المأسورات فعظم ذلك عليه وأقبل.
[ ١ / ٤٦ ]
على خالد وأعلمه بذلك فقال له خالد: لا تجزع فقد أسرنا منهم خلقا كثيرا وقد أسرت أنت بولص صاحبهم وسوف نخلص من اسر من حريمنا ولا بد لنا من دمشق في طلبهم ثم أمر خالد أن يسيروا بالناس على مهل حتى ننظر ما يكون من أمر حريمنا ثم إنه سار في ألف فارس جريدة وبعث العسكر كله إلى أبي عبيدة مخافة أن يلحقهم وردان بجيوشه فسار القوم وتوجه خالد بمن معه في طلب المأسورات وقد قدم أمامه رافع بن عميرة الطائي وميسرة بن مسروق العبسي وضرار بن الأزور.
قال حدثني سعيد بن عمر عن سنان بن عامر اليربوعي قال سمعت حبيب بن مصعب يقول: لما اقتطعوا من ذكرنا من نساء العرب سار بهم بطرس أخو بولص إلى أن نزل بهم إلى النهر الذي ذكرناه ثم قال بطرس أنا لا أبرح من ههنا حتى انظر ما يكون من أمر أخي ثم إنه عرض عليه النساء المأسورات فلم يعجبه منهن إلا خولة بنت الأزور أخت ضرار قال بطرس هذه لي وأنا لها لا يعارضني فيها أحد فقال له أصحابه: هي لك وانت لها قال: وكل من سبق إلى واحدة يقول: هي لي حتى قسموا الغنيمة على ذلك ووقفوا ينتظرون ما يكون من أمر بولص وأصحابه وكان في النساء عجائز من حمير وتبع من نسل العمالقة والتبابعة وكن قد اعتدن ركوب الخيل فقالت لهن خولة بنت الأزور: يا بنات حمير بقية تبع أترضين بأنفسكن علوج الروم ويكون أولادكن عبيدا لاهل الشرك فأين شجاعتكن وبراعتكن التي نتحدث بها عنكن فيأحياء العرب ومحاضر الحضر ولا أراكن إلا بمعزل عن ذلك وإني أرى القتل عليكن أهون من هذه المصائب وما نزل بكم من خدمة الروم الكلاب.
فقالت عفرة بنت غفار الحميرية: صدقت ووالله يا بنت الأزور نحن في الشجاعة كما ذكرت وفي البراعة كما وصفت لنا المشاهد العظام والمواقف الجسام ووالله لقد اعتدنا ركوب الخيل وهجوم الليل غير أن السيف يحسن فعله في مثل هذا الوقت وإنما دهمنا العدو على حين غفلة وما نحن إلا كالغنم فقالت خولة: يا بنات التبابعة والعمالقة خذوا أعمدة الخيام وأوتاد الأطناب ونحمل بها على هؤلاء اللئام فلعل الله ينصرنا عليهم أو نستريح من معرة العرب فقالت عفرة بنت غفار: والله ما دعوت إلا ما هوأحب إلينا مما ذكرت ثم تناولت كل واحدة عمودا من أعمدة الخيام وصحن صيحة واحدة وألقت خولة على عاتقها عمود الخيمة وسعت من ورائها عفرة وأم أبان بنت عتبة وسلمة بنت زراع ولبنى بنت حازم ومزروعة بنت عملوق وسلمة بنت النعمان ومثل هؤلاء ﵅ فقالت لهن خولة: لا ينفك بعضكن عن بعض وكن كالحلقة الدائرة ولا تتفرقن فتملكن فيقع بكن التشتيت وحطمن رماح القوم واكسرن سيوفهن قال فهجمت خولة امامهن فأول ما ضربت رجلا من القوم على هامته بالعمود فتجندل.
[ ١ / ٤٧ ]
صريعا والتفت الروم ينظرون ما الخبر فإذا هم بالنسوة وقد أقبلن والعمد بأيديهن فصاح بطريق يا ويلكن ما هذا فقالت عفرة: هذه فعالنا فلنضربن بالقوم بهذه الأعمدة ولا بد من قطع اعماركم وانصرام أجالكم يا أهل الكفر قال فجاء بطرس وقال تفرقوا عن النسوة ولا تبذلوا فيهن السيوف ولاأحد منكم يقتل واحدة منهن وخذوهن اسارى ومن وقع منكم بصاحبتي فلا ينلها بمكروه فتفرق القوم عليهن وحدقوا بهن من كل جانب وراموا الوصول إليهن فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا ولم تزل النساء لا يدنوا إليهن أحد من الروم إلا ضربن قوائم فرسه فإذا تنكس عن جواده بادرت النساء بالأعمدة فيقتلنه ويأخذن سلاحه.
قال الواقدي: ولقد بلغني أن النسوة قتلن ثلاثين فارسا من الروم فلما نظر بطرس إلى ذلك غضب غضبا شديدا وترجل وترجلت أصحابه نحو النساء والنساء يحرض بعضهن بعضا ويقلن متن كراما ولا تمتن لئاما وأظهر بطرس رأسه وتلهفه عندما نظر إلى فعلهن ونظر إلى خولة بنت الأزور وهي تجول كالاسد وتقول:
نحن بنات تبع وحمير
وضربنا في القوم ليس ينكر
لاننا في الحرب نار تسعر
اليوم تسقون العذاب الأكبر
قال فلما سمع بطرس ذلك من قولها ورأى حسنها وجمالها قال لها: يا عربية اقصري عن فعالك فاني مكرمك بكل ما يسرك أما ترضين أن أكون أنا مولاك وأنا الذي تهابني أهل النصرانية ولي ضياع ورساتيق وأموال ومواشي ومنزلة عند الملك هرقل وجميع ما أنا فيه مردود إليك أما ترضين أن تكوني سيدة أهل دمشق فلا تقتلي نفسك فقالت له: يا ملعون ويا ابن ألف ملعون والله لئن ظفرت بك لاقطعن رأسك والله ما أرضى بك أن ترعى لي الإبل فكيف ارضاك أن تكون لي كفؤا قال فلما سمع كلامها حرض أصحابه على القتال وقال أترون عارا أكبر من هذا في بلاد الشام أن النسوة غلبنكم فاتقوا غضب الملك قال فافترق القوم وحملوا حملة عظيمة وصبر النساء لهم صبر الكرام فبينما هم على ذلك إذ أقبل خالد بن الوليد ﵁ ومن معه من المسلمين ونظروا إلى الغبار وبريق السيوف فقال لأصحابه: من يأتيني بخبر القوم فقال رافع بن عميرة الطائي أنا آتيك به قال ثم أطلق جواده حتى أشرف على النسوة وهن يقاتلن قتال الموت قال فرجع وأخبر خالدا بما رأى فقال خالد: لا أعحب من ذلك انهن من بنات العمالقة ونسل التبابعة وما بينهن وبين تبع إلا قرن واحد وتبع بن بكر بن حسان الذي ذكر رسول الله ﷺ قبل ظهوره وشهد له بالرسالة قبل أن يبعث وقال:
شهدت بأحمد إنه رسول
من الله بارىء كل النسم
[ ١ / ٤٨ ]
وأمته سميت في الزبور
بأمة أحمد خير الأمم
فلو مد عمري إلى عصره
لكنت وزيرا له وابن عم
[ ١ / ٤٩ ]