أما مصادره فيما يتعلق بتاريخ مصر وأخبارها فقد اعتمد على مجموعة من
[ ٦ ]
مؤرخى مصر دون أن يذكر مؤلفاتهم، الأمر الذي جعل بعض الباحثين يزعم أن مؤلف ابن عبد الحكم جمع عن طرق الرواية الشفوية «١» . وهو أمر بعيد الاحتمال، فتاريخ مصر الإسلامية المبكر كتبت فيه مؤلفات لكل من: يزيد بن أبى حبيب، وعبيد الله بن أبى جعفر، وابن لهيعة والليث، وعثمان بن صالح، وابن عفير، ويحيى بن بكير.
وظلت مؤلفاتهم موجودة بعد ابن عبد الحكم لدى مؤرخى مصر يقتبسون منها.
وقد اعتمد على هذه المؤلفات الخاصة بتاريخ مصر وأخبارها المؤرخ المصرى ابن الكندى فى بداية النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى. ونقل عن نسخة منها فى كتابه عن مصر وأخبارها، المعروف بفضائل مصر «٢» .
ومهما يكن من أمر فقد أفاد ابن عبد الحكم من كتاب فى تاريخ مصر ليزيد بن أبى حبيب (ت ١٢٨ هـ) فقد أشار إلى ابن أبى حبيب فى بعض الاقتباسات الخاصة بأقباط مصر من السحرة فى عهد فرعون وإيمان جماعة كبيرة منهم فى ساعة واحدة «٣» .
وكذلك إلى بعض عادات القبط بمصر قبل دخول الإسلام إليها «٤» .
كما أشار إلى ابن أبى حبيب كذلك بمناسبة وصول كتاب الرسول الكريم إلى المقوقس، وكيف أن المقوقس ضم هذا الكتاب إلى صدره، وقال: «هذا زمان يخرج فيه النبي الذي نجد نعته وصفته فى كتاب الله «٥»» إلخ.
أما عبيد الله بن أبى جعفر (ت ١٣٥ هـ) فقد أشار إليه ابن عبد الحكم أثناء الحديث عن فتح مصر. وذلك بمناسبة ما عرضه عمرو على الخليفة عمر فى أن يأذن له بالمسير إلى مصر لفتحها لتكون قوة للمسلمين وعونا، باعتبارها أكثر الأرض أموالا، وكيف أن الخليفة تخوف فى البداية وكره ذلك. ولم يزل عمرو يعظم أمر مصر للخليفة حتى وافقه على فتحها «٦» .
[ ٧ ]
كما أفاد ابن عبد الحكم من تاريخ ابن لهيعة (ت ١٧٤ هـ)، فقد أشار إلى ابن لهيعة بمناسبة الحديث عن بناء الإسكندرية والإسكندر ذو القرنين «١» .
وكذلك بمناسبة الحديث عن الفتح الثانى للإسكندرية وهزيمة الروم. وكيف أن الخليفة عثمان أراد أن يكون عمرو بن العاص على الحرب، وعبد الله بن سعد على الخراج، وأن عمر ارفض ذلك «٢» .
ويأتى بعد ذلك ذكر الليث (ت ١٧٥ هـ) الذي أشار إليه ابن عبد الحكم بمناسبة ما كتبه الخليفة عمر لعمرو بن العاص حين استبطأ عمر الخراج من قبل عمرو «٣» .
وكذلك أفاد من ابن هشام (ت ٢١٣ هـ) فقد أشار إليه بمناسبة الحديث عن وصية رسول الله بالقبط «٤» . وكذلك بمناسبة الحديث عن ظفر العمالقة بمصر «٥» .
والحديث عن بناء الإسكندرية «٦» . وكتاب رسول الله إلى المقوقس «٧» . ومن شهد فتح مصر من الأنصار «٨» . وغير ذلك.
أما عثمان بن صالح (ت ٢١٩ هـ) فقد أشار إليه ابن عبد الحكم كثيرا، ويبدو أن أغلب الروايات فى كتاب ابن عبد الحكم كانت فى كتاب لعثمان فى الفتوح أيضا.
كما أفاد ابن عبد الحكم من تاريخ ابن عفير (ت ٢٢٦ هـ)، وقد أشار إلى ابن عفير أثناء الحديث عن فتح مصر، وذلك بمناسبة وجود عبد الله بن سعد على ميمنة جيش عمرو بن العاص منذ توجه من قيسارية إلى أن فرغ من حربه «٩» .
كذلك أفاد ابن عبد الحكم من كتاب فى تاريخ مصر ليحيى بن بكير (ت ٢٣١ هـ) .
[ ٨ ]
وعلى الرغم من أن ابن الكندى لم يذكر كتاب يحيى فى تاريخ مصر بين مصادره فى كتاب فضائل مصر، فإنه يبدو أن كتاب يحيى كان معروفا لدى مؤرخى مصر فى هذه الفترة. وعلى رأسهم ابن عبد الحكم الذي يصرح باستخدامه كتابا ليحيى فى التاريخ، قال: إنه أعطاه إياه «١» .
وكيفما كان الأمر فقد استطاع ابن عبد الحكم أن يجمع أطراف الرواية التاريخية لدى المؤرخين السابقين ويسجلها فى مجموعة من الأخبار المنسقة.
ويعد صنيعه هذا أهم ما قدمه لمدرسة مصر وقتئذ ولمن بعده من المؤرخين حتى السيوطى.
هذا وقد كان العلامة تورى قام بتحقيق كتاب فتوح مصر سنة ١٩٢٢ م واعتمد على المخطوطات الآتية:
١- نسخة المتحف البريطانى بلندن رقم ٥٢٠ (شرقيات ٦) وتاريخ نسخها يعود إلى القرن السادس الهجرى. وقد رمز إليها بالحرف A.
٢- نسخة المكتبة الأهلية بباريس رقم ١٦٨٦. وتاريخ نسخها يعود إلى سنة ٥٨٥ هـ.
وقد رمز إليها بالحرف B.
٣- نسخة المكتبة الأهلية بباريس رقم ١٦٨٧، نسخت سنة ٧٧٦ هـ. وقد رمز إليها بالحرف C.
٤- نسخة ليدن رقم ٧٠٥، نسخت سنة ٩٧٣ هـ. وقد رمز إليها بالحرف D.
وقد بذل العلامة تورى جهدا عظيما فى صبر وأناة، مع دأب ومثابرة، ووشى حواشى الكتاب بمقابلات للنسخ دقيقة وتعليقات مستفيضة مفيدة. وستظل هذه النشرة من أمثل المطبوعات العربية وأدقها.
وفى سنة ١٩٦١، أصدر الأستاذ عبد المنعم عامر المجلد الأول من هذا الكتاب.
وهى طبعة يشيع فى معظمها التصحيف والتحريف كما لا تخلو من سقط فى كثير من صفحاتها- أشرت إليه فى موضعه من طبعتنا هذه.
[ ٩ ]
وسوف أترك الحديث عن طبعة الأستاذ عبد المنعم- للدكتور حسين نصار وهو من العلماء الأفاضل مؤلف وباحث ومحقق. فقد قارن بين طبعتى تورى وعامر مشيدا بالكتاب الذي أصدره تورى بأنه يمتاز بجمال الطبع ودقته. على حين خلا كتاب الأستاذ عبد المنعم عامر من ذلك خلوا تاما «١» .
ثم يستطرد الدكتور حسين نصار قائلا ويبرز التناقض جليا حين ينسى المحقق أن يلبس رداء النقد حيث يجب أن يلبسه. فقد أكثر ابن عبد الحكم من الاقتباس عن السيرة النبوية لابن هشام. والمنهج العلمى للتحقيق يلزمه عندئذ أن يرجع إلى السيرة ويقارن بين النصوص فيها وفى فتوح مصر.
وجميع ما ذكره ابن عبد الحكم موجود فعلا فيها. ولو كان المحقق فعل ذلك، لبرأ من سقطة وقع فيها. فقد جاء فى ص ٢٤٠ من الفتوح: «حدثنا عبد الملك بن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق قال: عتبة بن غزوان بن جابر ابن وهب.. حليف بنى وائل بن مناف»، والذي فى السيرة ١: ٣٤٧، ٢: ٤، ٣٣٦ حليف بنى نوفل بن عبد مناف. وليس لعبد مناف ابن اسمه وائل.
ولو رجع للسيرة لما سقط من العبارة التالية من ص ٥ ص ١٣ من الفتوح وأتممته من السيرة ١: ٧ ووضعته بين قوسين: «صهرهم أن رسول الله ﷺ تسرر فيهم، ونسبهم أن أم إسماعيل (النبي ﷺ منهم. قال ابن وهب فأخبرنى ابن لهيعة أن أم إسماعيل) هاجر من أم العرب، قرية كانت أمام الفرما من مصر» .
ولو تمسك برداء النقد التاريخى فى الكتاب كله لما وقع فى الخطأ الظاهر التالى.
جاء فى ص ٦٥ س ٢ وهو يذكر من بعثهم رسول الله ﷺ إلى الملوك: «فبعث حاطب ابن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وشجاع بن وهب الأسدى إلى كسرى.
وبعد «!» دحية بن خليفة إلى قيصر» .
والعبارة غير صحيحة، إذ حدث بها سقط شوهها، وصوابها: «فبعث حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وشجاع بن وهب الأسدى (إلى الحارث بن
[ ١٠ ]
أبى شمر الغسانى، وعبد الله بن أبى حذافة السهمى) إلى كسرى. وبعث دحية..» (سيرة ابن هشام ٤: ٢٥٤، جوامع السيرة لابن حزم ٢٩) «١» .
ويستطرد الدكتور حسين نصار فيقول: «وطبيعى أن يبرأ متن الكتاب من العيوب، بعد أن لقى من عناية المستشرقين. ولكن رداءة الطبع أخلت بمواضع منه وأدخلت عليها ما برئت منه النسخة الأوربية. فقد أشرت سابقا إلى سقوط عبارات من المتن، وسقطت منه كلمات أيضا. مثال ذلك ما ورد فى ص ٥٧ س ١٧: «فلما دفعوا رسول الله ﷺ..»، وصوابه: «فلما دفعوا إلى رسول الله ﷺ..» وما ورد فى ص ٦٤ س ٧: «لما كانت سنة مهاجرة رسول الله ﷺ، ورجع رسول الله ﷺ من الحديبية..» . والصواب: «لما كانت سنة ست من مهاجرة..» .
وما ورد فى ص ١١٨ س ٩: «ومضى عمرو ومن معه فى طلب من هرب من الروم فى البحر إلى الإسكندرية» . «والصواب: «ومضى عمرو ومن معه فى طلب من هرب من الروم فى البر، فرجع من كان هرب من الروم فى البحر إلى الإسكندرية» .
وما ورد فى ص ٢١٢ س ٩: «وعلى ذلك لمقدس من الجبل إلى البحر» .
والصواب: «وعلى ذلك إنه لمقدس من الجبل إلى البحر» «٢» .
وكل هذه العبارات وغيرها برئت من السقط فى الطبعة الأوربية.
ووقع تصحيف فى كثير من أسماء الأعلام، وأرجح أن كثيرا منه ربما كان من المطبعة، ولذلك لن ألح عليه، ولكنى سأعطى بعض الأمثلة. جاء فى صفحة ط من المقدمة. السطر الأخير: على بن عبد العزيز الجداوى. والصواب: الجروى، نسبة إلى بنى جرى.
وفى ص س ١٨: بجير بن ذاخر المعافرى، بالجيم. والصواب بالحاء، كما جاء فى المشتبه للذهبى ٤٧.
وفى ص ٧٤ س ٦: البراء بن عازب، بفتح الزاى. والصواب كسرها.
وفى ص ٨٣ س ٣ من أسفل: سعيد بن عفير بفتح العين. والصواب ضمها.
[ ١١ ]
وفى ص ٩٤ س ٤: شبيم بن بيتان، بضم الشين وبالباء، وتكرر وروده بهذه الصورة فى ١٥٨، ١٦١ والصواب كسر الشين وبالياء كما فى تهذيب التهذيب لابن حجر.
وفى ص ١٢٦ س ٨: أبو بصرة الغفارى واسمه جميل بن بصرة، بالجيم.
والصواب بالحاء، كما فى كتب الصحابة.
كذلك وقع تصحيف فى المتن فى مواضع متعددة، أشير إلى مجموعة منها. جاء فى ص ٤ س ٥ فى الوصية بالقبط: «لا تأكلوهم أكل الحضر» وفسر المحقق الحضر بأنه الذي يتحين طعام الناس حتى يحضره» وأرجح أن الصواب «لا تأكلوهم أكل الخضر» أى النبات الغض.
وفى السطر الأخير من ص ١٠ عن كنعان بن حام «وهو الذي حيل به فى الزجر فى الفلك» ولا معنى لها. وأظن أن الصواب ما فى الطبعة الأوربية: وهو الذي حبل به فى الرجز فى الفلك، أى فى أثناء العذاب والمحنة.
وفى ص ٦٦ س ١٠: «إلى ما يدعو محمد؟» . والصواب: إلى م، أو إلا م، لأن ما الاستفهامية يجب حذف ألفها إذا جرت، وتبقى فتحة الميم.
وفى ص ١٧٣ س ٦: بجرف تبة. ولعل الصواب ما فى الطبعة الأوربية: بجرف ينة، وينة لقب أبى عبد الرحمن الحمراوى الذي شهد فتح مصر، ونسب إليه حمام ينة (القاموس المحيط) .
وفى السطر الأخير من ص ٢٤٨: «إن هذه الصلاة احتضرت» والصواب اختضرت» أى قطعت قبل تمامها، من الاختضار وهو الموت فى سن الشباب.
وفى ص ٢٥٤ س ٦: «فزعم بعض المشايخ أن منها سبع عشرة موضعا» والصواب مرضعا «١» .
وفى ص ١٥ يعلق على كلمة «مهيم» فيقول: «كذا فى الأصل. ولم أجد لهذا اللفظ معناه، ولعله لفظ سؤال عما حدث» . واللفظ موجود فى تاج العروس الذي قال عنه: كلمة استفهام أى ما حالك وما شأنك» .
[ ١٢ ]
وفى صفحة (د) من المقدمة: «والذي تجب الإشارة إليه أن ابن قديد لم يكن تلميذا لابن عبد الحكم، ولم يثبت أنه قد نقل عنه رواية شفوية..» مع أن كتاب الفتوح نفسه يذكر سند رواته أنه يرويه عنه، ولا مانع من ذلك، فابن عبد الحكم مات سنة ٢٥٧ هـ، وابن قديد ولد سنة ٢٢٩ ومات سنة ٣١٢، وإذن فقد تعاصرا ثمانية وعشرين سنة، وعاشا فى بلد واحد: مصر، واشتغلا بعلم واحد: التاريخ «١» .
قلت: وقد استدل الأستاذ عبد المنعم عامر فيما ذهب إليه من أنّ ابن قديد لم يكن تلميذا لابن عبد الحكم بقوله فى صفحة (ش) من المقدمة: «ويدل على هذا قول منسوب إلى عبد الرحمن بن عبد الحكم عن أبى الأسود النضر بن عبد الجبار، يرجع وقته تاريخيا إلى سنة ٢٣٧ هـ عند ما كان ابن قديد فى الثامنة من عمره، مما لا يستقيم معه أن يكون ابن قديد راوية فى مثل هذا العمر» .
ولست أدرى من أين أتى الأستاذ عبد المنعم بمعلوماته فى هذا الدليل. والدليل الذي أتى به أساسا واه. لأن النضر بن عبد الجبار أستاذ ابن عبد الحكم توفى سنة ٢١٩ هـ. أى قبل ولادة ابن قديد بعشر سنوات «٢» .
ومهما يكن من أمر فقد أشرت إلى كثير من السقط والتصحيف والتحريف فى طبعة الأستاذ عبد المنعم عند موضعها فى طبعتنا هذه.
وثمة طبعة أخرى لكتاب فتوح مصر، صدرت عن مؤسسة دار التعاون للطبع والنشر بالقاهرة سنة ١٩٧٤ بإشراف الأستاذ محمد صبيح، ويبدو أن هذه الطبعة منقولة عن النسخة الأوربية بعد حذف التعليقات والفهارس. ورغم أنها نقلت عن الطبعة الأوربية فقد ورد بها بعض السقط والتصحيف والتحريف الذي برئت منه الطبعة الأوربية. فقد وقع تصحيف وتحريف فى بعض الأسماء منه على سبيل المثال ما ورد ص ١٥ س ٢٦ عبد الله بن هبيرة السبلى. والصواب «السبائى» . وفى ص ٢٢ س ١٧ فأوحى إلى يوسف أن تحفر ثلاثة خليج. والصواب «خلج» . وفى ص ٦٠ س ٣٥ وحضهم على قتال عدوهم ورغبة فى الصبر. والصواب «ورغبهم فى الصبر» .
[ ١٣ ]
وربما اغتفرت هذه الأخطاء على أنها خطأ مطبعى. أما الأمر الذي لا يغتفر فى هذه الطبعة هو ما ذكره الأستاذ محمد صبيح فى صفحة المراجع عن نسخة خطية مصورة لكتاب فتوح مصر بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية برقم ٣٦٢ تاريخ.
والحق أنى لم أعثر فى صفحات طبعته كلها على تعليق واحد أو مقارنة تنبىء عن أنه رجع إلى هذا المخطوط، ولو أنه استعان به حقيقة وقارن به لكان لطبعته شأن آخر.
ومهما يكن من أمر فسوف تظل النشرة الأوربية التى حققها العلامة تورى من أمثل المطبوعات العربية وأدقها.
ومن ثم اتخذتها أصلا فى التحقيق، باعتبارها النسخة التى نشرت نشرا علميا، على أساس المخطوطات المتنوعة التى وقعت للمستشرق تورى.
وأثبت فى حواشيها فروق النسخ التى رجع إليها تورى. وخاصة الفروق التى لها دلالة خاصة. وزدت عليها فرق النسخة التى حصلت عليها، مع ما عن لى من التعليق والشرح والتوضيح.
وقد رمزت لمخطوطة المتحف البريطانى رقم ٥٢٠ بالحرف (أ) .
ولمخطوطة باريس رقم ١٦٨٦ بالحرف (ب) .
ولمخطوطة باريس رقم ١٦٨٧ بالحرف (ج) .
ولمخطوطة ليدن رقم ٧٠٥ بالحرف (د) .
أما مخطوطة الحرم المكى التى حصلت عليها فقد رمزت إليها بالحرف (ك) ورقمها ١٦٩ تاريخ، وتقع فى ٢٥٢ ورقة، ومسطرتها ١٥ سطرا، فى كل سطر ١٢ كلمة. وقد كتبت بقلم نسخى نفيس سنة ٦٧٩ هـ.
[ ١٤ ]
غلاف نسخة الحرم المكي
[ ١٥ ]
بشر كثير من اصحاب رسول الله صلّي الله عليه وسلّم من المهاجرين الأوّلين اخره والحمد لله ربّ العالمين
وصلّي الله علي محمّد خاتم النّبيين وعلي اله الطّاهرين وسلّم
فرغ منه بالاسكندريه منتصف شوال سنة تسع وسبعين وستمه وكتب علي بن احمد الحسينى الغرّافي شاهدت على الاصل المنقول منه
بلغ السماع بجميع كتاب فتوح مصر والمغرب تاليف ابي القسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ﵀ عليه بقراءة الشيخ الفقيه ابي محمّد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي علي الشيخ الامام العالم الفقيه الحافظ شيخ الاسلام ابي طاهر احمد بن محمد بن احمد بن محمد بن ابراهيم السلفي الاصبهاني ﵁ صاحبه الشيخ الفقيه ابو الفضل جعفر بن ابى الحسن بن ابى البركات الهمدانى والقاضى الاجل الفقيه المفضّل
الصفحة الأخيرة من نسخة الحرم المكي
[ ١٧ ]
[مقدمة ابن عبد الحكم]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين. وصلّى الله على محمد نبيّه الكريم أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام العالم الحافظ، أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم السّلفىّ الأصبهانىّ، قراءة عليه وأنا أسمع بثغر الإسكندرية حماه الله تعالى، قال: أخبرنا الشيخ أبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم بن علىّ المدينى بقراءتى عليه، قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسن علىّ بن منير بن أحمد الخلّال فى كتابه سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج القمّاح، أخبرنا أبو القاسم علىّ بن الحسن بن خلف بن قديد الأزدى «١»، حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا محمد بن إسماعيل الكعبىّ (٢، حدثنى أبى، عن حرملة بن عمران التجيبىّ، عن أبى قبيل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: خلقت الدنيا على خمس صور: على صورة الطير؛ برأسه وصدره وجناحيه وذنبه، فالرأس مكّة والمدينة واليمن، والصدر الشأم ومصر، والجناح الأيمن العراق، وخلف العراق أمّة يقال لها واق وخلف واق أمة يقال لها واق واق، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلّا الله ﷿، والجناح الأيسر السند، وخلف السند الهند، وخلف الهند أمة يقال لها ناسك وخلف ناسك أمّة يقال لها منسك، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلّا الله ﷿، والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس، وشرّ ما فى الطير الذنب ٢) .
ذكر وصيّة رسول الله ﷺ بالقبط
«٣» (* حدثنا أشهب بن عبد العزيز وعبد الملك بن مسلمة قالا: حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن ابن لكعب بن مالك، أن رسول الله ﷺ، قال: «إذا افتتحتم مصر
[ ١٩ ]
فاستوصوا بالقبط خيرا؛ فإن لهم ذمّة ورحما «١»» قال ابن شهاب: وكان يقال: إن أمّ إسماعيل بن إبراهيم ﵉ منهم*) .
حدثنا عبد الله بن صالح ومحمد بن رمح، قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن ابن لكعب بن مالك، عن رسول الله ﷺ مثله.
(٢ قال الليث: قلت لابن شهاب: ما رحمهم؟ قال: إن أمّ إسماعيل منهم ٢) .
أخبرنا أبى عبد الله بن عبد الحكم وحامد بن يحيى، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهرىّ أظنه عن ابن لكعب بن مالك، عن رسول الله ﷺ مثله.
(٣ حدثنا عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الله البكّائىّ، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنى محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهرىّ، أن عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارىّ ثمّ السلمىّ، حدّثه عن رسول الله ﷺ مثله.
قال ابن إسحاق: فقلت لمحمد بن مسلم: ما الرحم التى ذكر رسول الله ﷺ لهم؟
فقال: كانت هاجر أمّ إسماعيل منهم ٣) .
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنى رشدين بن سعد. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا عبد الله بن وهب، عن حرملة بن عمران التجيبىّ، عن عبد الرحمن بن شماسة المهرىّ، قال سمعت أبا ذرّ يقول: قال رسول الله ﷺ: «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمّة ورحما «٤» .
حدثنا سعيد بن ميسرة، عن إسحاق بن الفرات، عن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميرى، عن بحير «٥» بن ذاخر المعافرى، عن عمرو بن العاص، عن عمر بن الخطّاب ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﷿ سيفتح عليكم بعدى مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا؛ فإن لكم منهم صهرا وذمة» .
[ ٢٠ ]
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، ويحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، أن أبا سالم الجيشانىّ سفيان «١» بن هانئ، أخبره أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ، أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ، يقول: «إنكم ستكونون أجنادا وإن خير أجنادكم أهل الغرب منكم، فاتّقوا الله فى القبط، لا تأكلوهم أكل الخضر «٢»» .
حدثنا أبى، حدثنا إسماعيل بن عيّاش، عن عبد الرحمن بن زياد، عن مسلم بن يسار، أن رسول الله ﷺ، قال: «استوصوا بالقبط خيرا، فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال عدوّكم «٣» .
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن الليث وابن لهيعة. قال عبد الملك: وأخبرنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه، أن رسول الله ﷺ أوصى عند وفاته أن تخرج اليهود من جزيرة العرب وقال: الله
[ ٢١ ]
الله فى قبط مصر. فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدّة وأعوانا فى سبيل الله «١» .
قال: وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن (* موسى بن أيّوب الغافقىّ، عن رجل من الزّبد «٢» أن رسول الله ﷺ مرض، فأغمى عليه ثم أفاق، فقال:
«استوصوا بالأدم الجعد» ثم أغمى عليه الثانية ثم أفاق، فقال مثل ذلك، قال: ثم أغمى عليه الثالثة فقال مثل ذلك، فقال القوم: لو سألنا رسول الله ﷺ من الأدم الجعد! فأفاق، فسألوه فقال: «قبط مصر؛ فإنهم أخوال وأصهار، وهم أعوانكم على عدوّكم، وأعوانكم على دينكم» قالوا: كيف يكونون أعواننا على «٣» ديننا يا رسول الله؟ قال: «يكفونكم أعمال الدنيا وتتفرّغون للعبادة؛ فالراضى بما يؤتى إليهم كالفاعل بهم، والكاره لما «٤» يؤتى إليهم من الظلم كالمتنزه عنهم*) .
(٥ حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن أبى هانئ الخولانىّ، عن أبى عبد الرحمن الحبلىّ وعمرو بن حريث وغيرهما، أن رسول الله ﷺ، قال: «إنكم ستقدمون على قوم جعد رءوسهم فاستوصوا بهم خيرا، فإنهم قوّة لكم وبلاغ إلى عدوّكم باذن الله تعالى- يعنى قبط مصر ٥) .
حدثنا أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى هانئ، أنه سمع الحبلىّ وعمرو بن حريث يحدّثان عن رسول الله ﷺ مثله.
(٦ حدثنا عبد الملك بن هشام، أخبرنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، حدثنى عمر مولى غفرة، أن رسول الله ﷺ، قال: «الله الله فى أهل الذمّة، أهل المدرة السوداء، السحم الجعاد، فإن لهم نسبا وصهرا ٦) .
[ ٢٢ ]
(١ قال عمر مولى غفرة: صهرهم أن رسول الله ﷺ تسرّر فيهم، ونسبهم أن أمّ إسماعيل النبي ﵊ منهم ١) .
قال ابن وهب: فأخبرنى ابن لهيعة أن (٢ أمّ إسماعيل هاجر من أمّ العرب قرية كانت أمام الفرما من مصر ٢) .
حدثنا عثمان بن صالح أخبرنا مروان القصّاص، قال (٣ صاهر إلى القبط من الأنبياء صلوات الله عليهم ثلاثة،: إبراهيم خليل الرحمن، ﵊ تسرّر هاجر، ويوسف ﵊ تزوّج بنت صاحب عين شمس، ورسول الله ﷺ تسرّر مارية.
حدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب أن قرية هاجر ياق التى عند أمّ دنين ٣) .
ودفنت هاجر حين توفّيت كما حدثنا ابن هشام، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق فى الحجر «٤» .
قال ابن هشام تقول العرب هاجر وآجر، فيبدلون الألف من الهاء، كما قالوا:
هراق الماء وأراق الماء ونحوه «٥» .
ذكر بعض فضائل مصر
حدثنا عبد الله بن صالح عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة، وبكر بن عمرو
[ ٢٣ ]
الخولانىّ، يرفعان الحديث إلى عبد الله بن عمرو، قال: (١ قبط مصر أكرم الأعاجم كلّها، وأسمحهم يدا، وأفضلهم عنصرا وأقربهم رحما بالعرب عامّة، وبقريش خاصّة، ومن أراد أن يذكر «٢» الفردوس، أو «٣» ينظر إلى مثلها فى الدنيا، فلينظر إلى أرض مصر حين تخضرّ زروعها «٤» وتنّور ثمارها ١) .
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المعافرىّ، عن كعب الأحبار، قال: من أراد أن ينظر إلى شبه الجنّة فلينظر إلى مصر إذا أخرفت، وقال غير أبى الأسود: إلى أرض مصر إذا أزهرت «٥» .
وقال غير ابن لهيعة: وكان منهم السحرة فآمنوا «٦» جميعا «٧» فى ساعة واحدة، ولا نعلم «٨» جماعة أسلمت فى ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط.
قال: وكانوا كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة السبئىّ ويزيد بن أبى حبيب المالكىّ، يزيد بعضهم على بعض فى الحديث، اثنى عشر ساحرا رؤساء وتحت يدى «٩» كلّ ساحر «١٠» منهم عشرون عريفا، تحت يدى كلّ عريف منهم ألف من السحرة، فكان جميع السحرة مائتى ألف وأربعين ألفا، ومائتين واثنين وخمسين إنسانا، بالرؤساء والعرفاء. فلما عاينوا ما عاينوا، أيقنوا أن ذلك من السماء، وأن السحر لا يقوم لأمر الله، فخرّ الرؤساء الاثنى عشر عند ذلك سجّدا فاتّبعهم العرفاء، واتّبع العرفاء من «١١» بقى، وقالوا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ، رَبِّ مُوسى وَهارُونَ «١٢» .
[ ٢٤ ]
(١ حدثنا هانئ بن المتوكّل حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب، أن تبيعا قال:
فكانوا من أصحاب موسى صلوات الله عليه ١) ولم يفتتن منهم أحد مع من افتتن من بنى إسرائيل فى عبادة العجل.
حدثنا هانئ بن المتوكل حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب أن تبيعا كان يقول: ما آمن جماعة قطّ فى ساعة واحدة، مثل جماعة القبط.
حدثنا أبو صالح حدثنا الليث، عن يزيد بن أبى حبيب، أنه بلغه أن كعب (٢ الأحبار كان يقول: مثل قبط مصر كالغيضة، كلّما قطعت نبتت حتّى يخرّب الله بهم وبصناعتهم جزائر الروم ٢) .
(* وكانت مصر كما حدثنا عبد الله بن صالح وعثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة المهرىّ، عن أبى رهم السماعىّ قناطر وجسورا بتقدير وتدبير، حتّى إنّ الماء ليجرى تحت منازلها وأقنيتها «٣» فيحبسونه كيف شاءوا ويرسلونه كيف شاءوا؛ فذلك قول الله ﷿ فيما حكى من قول فرعون:
أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ «٤»
، ولم يكن فى الأرض يومئذ ملك أعظم من ملك مصر*) .
(* وكانت الجنّات بحافتى النيل من أوّله إلى آخره فى الجانبين جميعا، ما بين أسوان إلى رشيد، وسبعة خلج: خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج الفيّوم، وخليج المنهى، وخليج سردوس؛ جنات متّصلة لا ينقطع منها شئ عن شىء، والزرع «٥» ما بين الجبلين، من أوّل مصر إلى آخرها ممّا يبلغه الماء، وكان جميع أرض مصر كلهّا تروى من ستّة عشر ذراعا لما قدّروا ودبّروا من قناطرها وخلجها
[ ٢٥ ]
وجسورها، فذلك قوله ﷿: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ «١» .
قال: والمقام الكريم المنابر كان بها ألف منبر*) .
قال: وأما خليج الفيّوم والمنهى فحفرهما «٢» يوسف﵇- وسأذكر كيف كان ذلك فى موضعه، إن شاء الله.
وأمّا خليج سردوس فإن الذي حفره هامان.
حدثنا عبد الله بن صالح وعثمان بن صالح، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن يحيى بن ميمون الحضرمىّ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، (٣ أنّ فرعون استعمل هامان على حفر خليج سردوس، فلما ابتدأ حفرة أتاه أهل كلّ قرية يسألونه أن يجرى الخليج تحت قريتهم، ويعطونه مالا، قال: وكان يذهب به إلى هذه القرية من نحو المشرق، ثم يردّه إلى قرية من نحو دبر القبلة، ثم يردّه إلى قرية فى الغرب، ثم يردّه إلى أهل قرية فى القبلة، ويأخذ من أهل كلّ قرية مالا، حتّى اجتمع له فى ذلك مائة ألف دينار، فأتى بذلك يحمله إلى فرعون، فسأله فرعون عن ذلك، فأخبره بما فعل فى حفره، فقال له فرعون:
ويحك، إنه ينبغى للسيّد أن يعطف على عباده «٤»، ويفيض عليهم ولا يرغب فيما بأيديهم، ردّ على أهل كلّ قرية ما أخذت، منهم فردّه كلّه على أهله. قال: فلا يعلم بمصر خليج أكثر «٥» عطوفا منه لما فعل هامان فى حفره ٣) .
وكان هامان كما حدثنا أسد، عن خالد بن عبد الله، عن محدّث حدّثه، نبطيّا.
وكانت بحيرة الإسكندرية- كما حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد- كرما كلّها لامرأة المقوقس؛ فكانت تأخذ خراجها منهم الخمر بفريضة عليهم، فكثر الخمر عليها حتّى ضاقت به ذرعا، فقالت: لا حاجة لى فى الخمر أعطونى دنانير،
[ ٢٦ ]
فقالوا: ليس عندنا، فأرسلت عليهم الماء فغرقتها «١»، فصارت بحيرة يصاد فيها الحيتان حتّى استخرجها بنو العبّاس. فسدّوا جسورها وزرعوا فيها.
ذكر نزول القبط بمصر وسكناهم بها
(٢ حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهعة، عن عيّاش بن عبّاس القتبانىّ، عن حنش بن عبد الله الصنعانىّ، عن عبد الله بن عبّاس، قال: كان لنوح﵇- أربعة من الولد: سام بن نوح، وحام بن نوح، ويافث بن نوح، ويحطون بن نوح: وإن نوحا ﵇ رغب إلى الله ﷿، وسأله أن يرزقه الاجابة فى ولده وذرّيّته حين تكاملوا بالنماء والبركة، فوعده ذلك، فنادى نوح ولده وهم نيام عند السحر، فنادى ساما فأجابه يسعى، وصاح سام فى ولده فلم يجبه أحد منهم إلّا ابنه أرفخشذ، فانطلق به معه حتّى أتياه، فوضع نوح يمينه على سام، وشماله على أرفخشذ بن سام، وسأل الله ﷿ أن يبارك فى سام أفضل البركة، وأن يجعل الملك والنبوّة فى ولد أرفخشذ ٢) .
ثم نادى حاما فتلفّت يمينا وشمالا ولم يجبه، ولم يقم إليه هو ولا أحد من ولده، فدعا الله ﷿ نوح أن يجعل ولده أذلاء، وأن يجعلهم عبيدا لولد سام.
قال: وكان مصر بن يبصر بن حام نائما إلى جنب جدّه حام، فلمّا سمع دعاء نوح على جدّه وولده، قام يسعى إلى نوح فقال: يا جدّى، قد أجبتك، إن لم يجبك أبى، ولا أحد من ولده، فاجعل لى دعوة من دعوتك «٣» . ففرح نوح ﵇، ووضع يده على رأسه، وقال: اللهمّ إنه قد أجاب دعوتى؛ فبارك فيه وفى ذرّيّته وأسكنه الأرض المباركة، التى هى أمّ البلاد، وغوث العباد، التى نهرها أفضل أنهار الدنيا، واجعل فيها أفضل البركات، وسخّر له ولولده الأرض، وذلّلها لهم، وقوّهم عليها*) .
قال ثم دعا ابنه يافث، فلم يجبه هو ولا أحد من ولده، فدعا الله ﷿ عليهم أن يجعلهم شرار الخلق.
[ ٢٧ ]
قال ثم دعا ابنه يحطون فأجابه، فدعا الله ﷿ له أن يجعل له البركة، فلم يكن له ولد ولا نسل.
فعاش سام مباركا حتّى مات، وعاش ابنه أرفخشذ بن سام مباركا حتّى مات، وكان الملك الذي يحبّه الله والنّبوة والبركة فى ولد أرفخشذ بن سام.
وكان أكبر ولد حام كنعان بن حام، وهو الذي حبل «١» به فى الرجز فى الفلك فدعا عليه نوح، فخرج أسود، وكان فى ولده الجفآء والملل والجبروت، وهو أبو السودان والحبش كلّهم، وابنه الثانى كوش بن حام وهو أبو السند والهند، وابنه الثالث فوط بن حام وهو أبو البربر، وابنه الأصغر الرابع بيصر بن حام وهو أبو القبط كلّهم.
وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا سليمان بن بلال. وحدثنا يحيى بن عبد الله ابن بكير، حدثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، قال: ولد نوح النّبيّ ﵇ ثلاثة نفر: سام وحام ويافث، فولد كلّ واحد من الثلاثة ثلاثة، فسام أبو العرب وفارس والروم، ويافث أبو الصقالبة والترك ويأجوج ومأجوج، وحام أبو السودان والبربر والقبط.
ثم رجع إلى حديث عثمان، قال: فولد بيصر بن حام أربعة، مصر بن بيصر وهو أكبرهم والذي دعا له نوح صلوات الله عليه بما دعا له، وفارق بن بيصر، وماح بن بيصر، وياح بن بيصر.
قال غير عثمان: فولد مصر أربعة: قفط بن مصر، وأشمن بن مصر، وأتريب بن مصر، وصا بن مصر.
حدثنا عثمان بن صالح ويحيى بن خالد عن ابن لهيعة، وعبد الله بن خالد، يزيد أحدهما على صاحبه، وقد كان عثمان ربّما قال: حدثنى خالد بن نجيح، عن ابن لهيعة، وعبد الله بن خالد، قالوا: فكان أوّل من سكن بمصر بعد أن غرّق «٢» الله قوم نوح بيصر ابن حام بن نوح، فسكن منف- وهى أوّل مدينة عمّرت بعد الغرق- هو وولده وهم ثلاثون نفسا، قد بلغوا وتزوّجوا، فبذلك سمّيت ماقة- وماقة بلسان القبط ثلاثون- قال:
[ ٢٨ ]
وكان بيصر بن حام قد كبر وضعف، وكان مصر أكبر ولده، وهو الذي ساق أباه وجميع إخوته إلى مصر، فنزلوا بها، فبمصر بن بيصر سمّيت مصر مصر. فحاز له ولولده ما بين الشجرتين خلف العريش إلى أسوان طولا، ومن برقة إلى أيلة عرضا. قال: ثم إن بيصر بن حام توفّى فدفن فى موضع أبى هرميس. قال غير عثمان: فهى أول مقبرة قبر فيها بأرض مصر.
قال: ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: (* ثم إن بيصر بن حام توفّى واستخلف ابنه مصر، وحاز كلّ واحد من إخوة مصر قطعة من الأرض لنفسه، سوى أرض مصر التى حاز لنفسه ولولده. فلمّا كثر ولد مصر وأولاد أولادهم، قطع مصر لكل واحد من ولده قطيعة يجوزها لنفسه ولولده، وقسم لهم هذا النيل. قال: فقطع لابنه قفط موضع قفط، فسكنها، وبه سمّيت قفط، وما فوقها إلى أسوان وما دونها الى أشمون فى الشرق والغرب. وقطع لأشمن من أشمون فما دونها إلى منف فى الشرق والغرب، فسكن أشمن أشمون فسمّيت به. وقطع لأتريب ما بين منف إلى صا؛ فسكن أتريب، فسمّيت به. وقطع لصا ما بين صا إلى البحر، فسكن صا؛ فسمّيت به، فكانت مصر كلّها على أربعة أجزاء: جزأين بالصعيد، وجزأين بأسفل الأرض*) .
قال: ثم توفّى مصر بن بيصر فاستخلف ابنه قفط بن مصر، (١ ثم توفّى قفط بن مصر، فاستخلف أخاه أشمن بن مصر، ثم توفّى أشمن بن مصر، فاستخلف أخاه أتريب ابن مصر، ثم توفّى أتريب بن مصر، فاستخلف أخاه صا بن مصر. ثم توفّى صا بن مصر، فاستخلف ابنه تدارس بن صا. ثم توفّى تدارس بن صا، فاستخلف ابنه «٢» ماليق بن تدارس، ثم توفّى ماليق بن تدارس فاستخلف ابنه خربتا بن ماليق، ثم توفّى خربتا بن ماليق، فاستخلف ابنه كلّكن بن خربتا؛ فملكهم نحوّا من مائة سنة ثم توفّى ولا ولد له، فاستخلف أخاه ماليا بن خربتا، ثم توفّى ماليا بن خربتا، فاستخلف ابنه طوطيس بن ماليا، وهو الذي كان وهب هاجر لسارة امرأة إبراهيم خليل الرحمن ﵊ ١) .
[ ٢٩ ]
ذكر دخول إبراهيم مصر
(* وكان سبب دخول إبراهيم ﵊ مصر كما حدثنا أسد بن موسى وغيره، أنه لما أمر بالخروج عن أرض قومه، والهجرة إلى الشام، خرج ومعه لوط وسارة؛ حتى أتوا حرّان، فنزلها، فأصاب أهل حرّان جوع، فارتحل بسارة يريد مصر، فلما دخلها ذكر جمالها لملكها، ووصف له أمرها*) .
وكان حسن سارة كما حدثنا أسد بن موسى، حدثنا عبد الله بن خالد، عن خالد ابن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عباس قال: كان حسن سارة حسن حواء.
قال: ثم رجع إلى حديث أسد وغيره، قال: (١ فأمر بها، فأدخلت عليه، وسأل إبراهيم ﵇ قال له: ما هذه المرأة؟ قال: أختى؛ فهّم الملك بها، فأيبس الله يديه ورجليه، فقال لإبراهيم هذا عملك فادع الله لى؛ فو الله لا أسوؤك فيها. فدعا الله له فأطلق الله يديه ورجليه، وأعطاهما «٢» غنما وبقرا. وقال: ما ينبغى لهذه أن تخدم نفسها، فوهب لها هاجر ١) .
وكان أبو هريرة يقول: فتلك أمّكم يا بنى ماء السماء، يريد العرب.
حدثونا عن عبد الله بن وهب، عن جرير بن حازم، عن أيّوب، عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال: «إن ابراهيم قدم أرض جبّار ومعه «٣» سارة، وكانت أحسن الناس، فقال: لها: إنّ هذا الجبّار إن يعلم أنك امرأتى يغلبنى عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختى، فإنك أختى فى الإسلام. فلما دخل الأرض رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال: لقد دخلت أرضك امرأة لا ينبغى أن تكون إلّا لك، فأرسل إليها فأتى بها، وقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت «٤» عليه لم يتمالك أن بسط يده
[ ٣٠ ]
إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعى الله أن يطلق يدى فلا أضرّك، ففعلت، فعاد فقبضت يده أشدّ من القبضة الأولى. قال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد فقبضت أشدّ من القبضتين الأوّلتين، قال: ادعى الله أن يطلق يدى فلك الله ألّا اضرّك، ففعلت، وأطلقت يده، فدعا الذي جاء بها فقال: إنك إنما أتيتنى بشيطان، ولم تأتنى بإنسان فأخرجها من أرضى، فأعطاها هاجر، فأقبلت تمشى، فلما رآها إبراهيم ﵇ انصرف فقال لها: مهيم «١»؟ قالت: خيرا، كفّ الله يد الفاجر وأخدم خادما. قال أبو هريرة فتلك أمّكم يا بنى ماء السماء.
قال ابن وهب: وأخبرنى ابن أبى الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ نحوه. قال: فقام إليها فقامت توضّأ «٢» تصلّى ثم قالت: اللهمّ إنّى كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجى إلّا على زوجى، فلا تسلّط علىّ الكافر، فغطّ حتى ركض برجله. قال الأعرج قال أبو سلمة قال أبو هريرة، قالت: اللهم إن يمت يقال هى قتلته.
حدثنا أسد بن موسى، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، عن على بن أبى طالب ﵇، أن سارة كانت بنت ملك من الملوك، وكانت قد أوتيت حسنا، فتزوّجها إبراهيم ﵇، فمرّ بها على ملك من الملوك فأعجبته، فقال لإبراهيم: ما هذه؟ فقال له ما شاء الله أن يقول، فلمّا خاف إبراهيم وخافت سارة أن يدنو منها، دعوا الله عليه، فأيبس الله يديه ورجليه» فقال: لإبراهيم: قد علمت أن هذا عملك، فادع الله لى، فو الله لا أسوؤك فيها، فدعا له، فأطلق الله يديه ورجليه، ثم قال الملك: إنّ هذه لامرأة لا ينبغى أن تخدم نفسها، فوهب لها هاجر فخدمتها ما شاء الله، ثم إنها غضبت «٣» عليها ذات يوم، فحلفت لتغيرنّ منها ثلاثة أشياء، فقال تخفضينها «٤»
[ ٣١ ]
وتثقبين أذنيها، ثم وهبتها لإبراهيم على ألا يسوءها فيها، فوقع عليها، فعلقت «١»، فولدت إسماعيل بن ابراهيم ﵉.
قال: وكانت سارة كما حدثنا وثيمة بن موسى، عن سلمة بن الفضل وعمرو بن الأزهر، أو أحدهما، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن، عن أبى هريرة حين رأت أنها لا تلد أحبّت أن تعرض هاجر على إبراهيم، فكانت تمنعها الغيرة.
وكانت هاجر كما حدثنا وثيمة بن موسى، عن سلمة بن الفضل وعمرو بن الأزهر، أو أحدهما أو كلاهما، عن ابن إسحاق، أوّل من جرّت ذيلها لتخفى أثرها على سارة، وكانت سارة قد حلفت لتقطعنّ منها عضوا، فبلغ ذلك هاجر فلبست درعا لها وجرّت ذيلها لتخفى أثرها، وطلبتها سارة فلم تقدر عليها، فقال إبراهيم: هل لك أن تعفى عنها؟ قالت: فكيف بما حلفت؟ قال: تخفضينها فيكون ذلك سنّة للنساء، فتبرءين يمينك ففعلت، فمضت «٢» السنّة بالخفض.
ذكر ظفر العمالقة بمصر وأمر يوسف
(٣ قال: ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره، قال: ثم توفّى طوطيس بن ماليا فاستخلف ابنته خروبا ابنة طوطيس؛ ولم يكن له ولد غيرها وهى أوّل امرأة ملكت. قال:
ثم توفّيت خروبا ابنة طوطيس. فاستخلفت ابنة عمّها زالفا ابنة ماموم بن ماليا فعمرت دهرا طويلا، وكثروا ونموا وملأوا أرض مصر كلّها فطمعت فيهم العمالقة فغزاهم الوليد ابن دومع فقاتلهم قتالا شديدا ثم رضوا أن يملّكوه عليهم؛ فملكهم نحوا من مائة سنة، فطغى وتكبّر، وأظهر الفاحشة، فسلّط الله عليه سبعا فافترسه فأكل لحمه. ٣)
قال: والعماليق كما حدثنا عبد الملك بن هشام، من ولد عملاق، ويقال عمليق ابن لاوذ بن سام «٤» .
حدثنا أبو الأسود، وأسد بن موسى، ويحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن لهيعة،
[ ٣٢ ]
عن يزيد بن عمرو المعافرى، عن ابن حجيرة، قال: استظلّ سبعون رجلا من قوم موسى فى قحف رجل من العماليق.
قال: (١ فملكهم من بعده ابنه الريّان بن الوليد بن دومغ- وهو صاحب يوسف النّبيّ﵊- أرسل إليه الملك فأخرجه من السجن ١) .
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح عن ابن عباس قال: فأتاه الرسول، فقال: ألق عنك ثياب السجن، والبس ثيابا جددا وقم إلى الملك؛ فدعا له أهل السجن، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلمّا أتاه رأى غلاما حدثا، فقال: أيعلم هذا رؤياى، ولا يعلمها السحرة والكهنة؟ وأقعده قدامه، وقال له: لا تخف.
قال عثمان وغيره فى حديثهما: فلما استنطقه وساءله عظم فى عينه، وجلّ أمره فى قلبه، فدفع إليه خاتمه وولّاه ما خلف بابه.
(٢ حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، قال: وألبسه طوقا من ذهب وثياب حرير، وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابّة الملك، وضرب بالطبل بمصر أنّ يوسف خليفة الملك ٢) .
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، حدثنى أبو سعيد، عن عكرمة، أن فرعون قال ليوسف: قد سلّطتك على مصر، غير أنى أريد أن أجعل كرسيّى أطول من كرسيك بأربع أصابع، قال يوسف: نعم.
قال: ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره، قال: وأجلسه على السرير، ودخل الملك بيته مع نسائه، ففوّض أمر مصر كلّها إليه، فبسبب عبارة رؤيا الملك ملك يوسف مصر.
(* حدثنا أسد بن موسى، حدثنى الليث بن سعد قال: حدثنى مشيخة لنا، قال:
اشتدّ الجوع على أهل مصر، فاشتروا الطعام بالذهب حتّى لم يجدوا ذهبا، فاشتروا بالفضّة حتى لم يجدوا فضّة، فاشتروا بأغنامهم حتى لم يجدوا غنما، فلم يزل يبيعهم الطعام حتى لم يبق لهم فضّة ولا ذهب ولا شاة ولا بقرة فى تلك السنتين فأتوه فى
[ ٣٣ ]
الثالثة فقالوا له: لم يبق لنا إلّا أنفسنا وأهلونا وأرضونا. فاشترى يوسف أرضهم كلّها لفرعون، ثم أعطاهم يوسف طعاما يزرعونه «١» على أن لفرعون الخمس*) .
ذكر استنباط الفيّوم
(٢ قال: وفى ذلك الزمان استنبطت الفيّوم، وكان سبب ذلك كما حدثنا هشام بن إسحاق أن يوسف ﵊ لمّا ملك مصر، وعظمت منزلته من فرعون، وجاوزت سنّه مائة سنة، قال وزراء الملك له: إنّ يوسف قد ذهب علمه، وتغيّر عقله، ونفدت حكمته، فعنّفهم فرعون، وردّ عليهم مقالتهم، وأساء اللفظ لهم، فكفّوا ثم عاودوه بذلك القول بعد سنين، فقال لهم: هلمّوا ما شئتم من أىّ شىء أختبره به.
وكانت الفيوم يومئذ تدعى الجوبة؛ وإنما كانت لمصالة ماء الصعيد وفضله- فاجتمع رأيهم على أن تكون هى المحنة التى يمتحنون بها يوسف ﵊ فقالوا لفرعون: سل يوسف أن يصرف ماء الجوبة عنها، ويخرجه منها، فتزداد بلدا إلى بلدك، وخراجا إلى خراجك. فدعا يوسف فقال: قد تعلم مكان ابنتى فلانة منّى، وقد رأيت إذا بلغت أن أطلب لها بلدا، وإنى لم أصب لها إلّا الجوبة؛ وذلك أنه بلد بعيد قريب، لا يؤتى من وجه من الوجوه إلّا من غابة وصحراء.
قال غير هشام: فالفيوم وسط مصر كمثل مصر فى وسط البلاد، لأن مصر لا تؤتى من ناحية من النواحى إلا من [صحراء أو مفازة ٢) وكذلك هى ليست تؤتى من ناحية من النواحى من مصر إلّا من] «٣» مفازة وصحراء.
قال هشام فى حديثه: (* وقد أقطعتها إيّاها فلا تتركنّ وجها ولا نظرا إلا بلّغته فقال يوسف: نعم أيّها الملك، متى أردت ذلك فابعث إلىّ؛ فإنى إن شاء الله فاعل قال: إنّ أحبّه إلىّ وأوفقه أعجله. فأوحى إلى يوسف أن تحفر «٤» ثلاثة خلج: خليجا من أعلى
[ ٣٤ ]
الصعيد من موضع كذا إلى موضع كذا، وخليجا شرقيّا من موضع كذا إلى موضع كذا، وخليجا غربيّا من موضع كذا إلى موضع كذا؛ فوضع يوسف العمّال، فحفر خليج المنهى (من أعلى أشمون «١») إلى اللاهون، وأمر البنّائين أن يحفروا اللاهون، وحفر خليج الفيّوم وهو الخليج الشرقى، وحفر خليجا بقرية يقال لها تنهمت من قرى الفيوم، وهو الخليج الغربىّ. فخرج ماؤها من الخليج الشرقىّ فصبّ فى النيل، وخرج من الخليج الغربىّ فصبّ فى صحراء تنهمت إلى الغرب فلم يبق فى الجوبة ماء. ثم أدخلها الفعلة، فقطع ما كان فيها من القصب والطرفاء وأخرجه منها، وكان ذلك ابتداء جرى النيل، وقد صارت الجوبة أرضا ريفيّة بّريّة «٢» وارتفع ماء النيل، فدخل فى رأس المنهى، فجرى فيه حتى انتهى إلى اللاهون فقطعه إلى الفيوم، فدخل خليجها فسقاها، فصارت لجّة من النيل. فخرج إليها الملك ووزراءه، وكان هذا كلّه فى سبعين يوما. فلما نظر إليها الملك قال لوزرائه أولئك: هذا عمل ألف يوم فسمّيت الفيوم، وأقامت تزرع كما تزرع غوائط مصر*) .
قال: (* وقد سمعت فى استخراج الفيوم وجها غير هذا. حدثنا يحيى بن خالد العدوىّ، عن ابن لهعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن يوسف النّبيّ﵇- ملك مصر وهو ابن ثلاثين سنة، فأقام يدبّر أمرها أربعين سنة، فقال أهل مصر: قد كبر يوسف واختلف رأيه، فعزلوه وقالوا: اختر لنفسك من الموات أرضا نقطعكها لنفسك وتصلحها، ونعلم رأيك فيها. فإن رأينا من رأيك وحسن تدبيرك ما نعلم أنك فى زيادة من عقلك رددناك إلى ملكك، فاعترض البرّيّة فى نواحى مصر فاختار موضع الفيوم فأعطيها، فشقّ إليها خليج المنهى من النيل حتى أدخله الفيوم كلّها، وفرغ من حفر ذلك كلّه فى سنة*) .
وبلغنا أنه إنما عمل ذلك بالوحى، وقوى على ذلك بكثره الفعلة والأعوان فنظروا فإذا الذي أحياه يوسف من الفيوم لا يعلمون له بمصر كلّها مثلا ولا نظيرا، فقالوا: ما كان يوسف قط أفضل عقلا ولا رأيا ولا تدبيرا منه اليوم، فردّوا إليه الملك، فأقام ستّين
[ ٣٥ ]
سنة أخرى، تمام مائة سنة، حتى مات يوم مات وهو ابن ثلاثين ومائة سنة «١» والله أعلم.
(* قال: ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق، قال: ثم بلغ يوسف﵇- قول وزراء الملك، وأنه إنما كان ذلك منهم على المحنة منهم له، فقال للملك: إنّ عندى من الحكمة والتدبير غير ما رأيت؛ فقال له الملك: وما ذاك؟ قال: أنزل الفيوم من كلّ كورة من كور مصر أهل بيت، وآمر أهل كلّ بيت أن يبنوا لأنفسهم قرية- وكانت قرى الفيوم على عدد كور مصر- فإذا فرغوا من بناء قراهم صيّرت لكلّ قرية من الماء بقدر ما أصيّر لها من الأرض، لا يكون فى ذلك زيادة عن أرضها ولا نقصان، وأصيّر لكلّ قرية- شربا فى زمان لا ينالهم الماء إلّا فيه، وأصيّر مطآطئا للمرتفع. ومرتفعا للمطأطئ بأوقات من الساعات فى الليل والنهار، وأصيّر لها قبضات فلا يقصّر بأحد دون حقّه، ولا يزاد فوق قدره. فقال له فرعون: هذا من ملكوت السماء؟ قال: نعم. فبدأ يوسف﵇- فأمر ببنيان القرى، وحدّ لها حدودا، وكانت أوّل قرية عمّرت بالفيوم قرية يقال لها شانة، وهى القرية التى كانت تنزلها بنت فرعون. ثم أمر بحفر الخليج وبنيان القناطر، فلما فرغوا من ذلك استقبل وزن الأرض ووزن الماء؛ ومن يومئذ أحدثت الهندسة، ولم يكن الناس يعرفونها قبل ذلك*) .
قال: (٢ وكان أوّل من قاس النيل بمصر يوسف﵇- وضع مقياسا بمنف ثم وضعت العجوز دلوكة ابنة زبّاء وهى صاحبة حائط العجوز مقياسا بأنصنا، وهو صغير الذرع «٣» ومقياسا بإخميم. ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وهو صغير، ووضع أسامة بن زيد التنوخىّ فى خلافة الوليد مقياسا بالجزيرة؛ وهو أكبرها. حدثنا يحيى ابن بكير قال: أدركت القيّاس يقيس فى مقياس منف ويدخل بزيادته الفسطاط ٢) .
[ ٣٦ ]
ذكر دخول أهل يوسف مصر ووفاة يعقوب ودفنه
(* قال: وفى زمان الريّان بن الوليد، دخل يعقوب﵇- وولده مصر، كما حدثنا هشام بن إسحاق، وهم ثلاثة وتسعون «١» نفسا، بين رجل وامرأة فأنزلهم يوسف﵇- ما بين عين شمس إلى الفرما وهى أرض ريفيّة بّرية.
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، قال: دخل مصر يعقوب وولده وكانوا سبعين نفسا، وخرجوا وهم ستّمائة ألف.
وحدثنا أسد، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن مسروق، قال: دخل أهل يوسف وهم ثلاثة وتسعون إنسانا، وخرجوا وهم ستّمائة ألف*) .
وأدخل يوسف كما حدثنا أسد، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس أباه وخمسة من إخوته على الملك فسلّموا عليه، وأمر أن يقطع لهم من الأرض، وكان يعقوب لمّا دنا من مصر أرسل يهوذا إلى يوسف فخرج إليه يوسف فلقيه فالتزمه وبكى.
قال: ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق، قال: (* فلما دخل يعقوب على فرعون، فكلّمه- وكان يعقوب ﵇ شيخا كبيرا حليما حسن الوجه واللحية، جهير الصوت- فقال له فرعون: كم أتى عليك أيّها الشيخ؟ قال: عشرون ومائة، وكان بمين ساحر فرعون قد وصف صفة يعقوب ويوسف وموسى ﵈ فى كتبه، وأخبر أن خراب مصر وهلاك أهلها يكون على أيديهم، ووضع البربايات «٢» وصفات من تخرب مصر على يديه فلمّا رأى يعقوب قام إلى مجلسه فكان أوّل ما سأله عنه، أن قال له: من تعبد أيّها الشيخ؟ قال له يعقوب: أعبد الله إله كلّ شىء، فقال له: كيف تعبد ما لا ترى؟ قال له يعقوب: إنه أعظم وأجلّ من أن يراه أحد، قال بمين: فنحن ترى آلهتنا.
[ ٣٧ ]
قال يعقوب: إن آلهتكم من عمل أيدى بنى آدم، من «١» يموت ويبلى، وإنّ إلهى أعظم وأرفع، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، فنظر بمين إلى فرعون، فقال: هذا الذي يكون هلاك بلادنا على يديه، قال فرعون: أفى أيّامنا أو فى أيّام غيرنا؟ قال: ليس فى أيّامك ولا فى أيّام بنيك، أيّها الملك، قال الملك: هل تجد هذا فيما قضى به إلهكم؟ قال: نعم.
قال: فكيف نقدر أن نقتل من يريد إلهه هلاك قومه على يديه! فلا تعبأ بهذا الكلام*) .
(٢ حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، حدثنى أبو حفص الكلاعىّ، عن تبيع «٣» عن كعب، أن يعقوب عاش فى أرض مصر ست عشرة سنة، فلما حضرته الوفاة قال ليوسف: لا تدفنّى بمصر، وإذا متّ فاحملونى فادفنونى فى مغارة جبل حبرون.
وحبرون كما حدثنا أسد، عن خالد، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، مسجد إبراهيم ﵇ اليوم، وبينه وبين بيت المقدس ثمانية عشر ميلا ٢) .
(* ثم رجع إلى حديث الكلاعىّ، عن تبيع، عن كعب، قال: فلما مات لطخوه بمرّ وصبر. قال غير أسد: وجعلوه فى تابوت من ساج. قال أسد فى حديثه: فكانوا يفعلون ذلك به أربعين يوما حتى كلّم يوسف فرعون وأعلمه أن أباه قد مات، وأنه سأله أن يقبره فى أرض كنعان، فأذن له وخرج معه أشرف «٤» أهل مصر حتى دفنه وانصرف.
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عمّن حدّثه، قال: قبر يعقوب بمصر فأقام بها نحوا من ثلاث سنين، ثم حمل إلى بيت المقدس؛ أوصاهم بذلك عند موته*) والله أعلم.
ذكر وفاة يوسف
(* قال: ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح، قال: ثم مات الريّان بن الوليد
[ ٣٨ ]
فملكهم من بعده ابنه دارم بن الريّان. قال غير عثمان: وفى زمانه توفّى يوسف صلوات الله عليه، فلما حضرته الوفاة قال: إنكم ستخرجون من أرض مصر إلى أرض آبائكم، كما حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، حدثنى أبو حفص الكلاعىّ، عن تبيع، عن كعب، فاحملوا عظامى معكم. فمات فجعلوه «١» فى تابوت ودفنوه*) .
حدثنا محمد بن أسعد، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، قال: (٢ دفن يوسف صلوات الله عليه فى أحد جانبى النيل فأخصب الجانب الذي كان فيه، وأجدب الآخر، فحوّلوه إلى الجانب الآخر، فأخصب الجانب الذي حوّلوه إليه وأجدب الجانب الآخر؛ فلما رأوا ذلك جمعوا عظامه فجعلوها فى صندوق من حديد، وجعلوا فيه سلسلة، وأقاموا عمودا على شاطئ النيل، وجعلوا فى أصله سكّة من حديد؛ وجعلوا السلسلة فى السكة، وألقوا الصندوق فى وسط النيل، فأخصب الجانبان جميعا ٢) .
وحدثنا العبّاس بن طالب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس، عن الحسن، أن يوسف ﵇ ألقى فى الجبّ وهو ابن سبع عشرة سنة، ومكث إلى أن لقى يعقوب ﵇ وأهله ثمانين سنة ثم عاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة، فمات وهو ابن مائة وعشرين سنة ويقال توفّى وهو ابن ثلاثين ومائة سنة.
ذكر ملوك مصر بعد زمان يوسف
(٣ ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: ثم إنّ دارما طغى بعد يوسف ﵇ وتكبّر، وأظهر عبادة الأصنام، فركب فى النيل فى سفينة فبعث الله عليه ريحا عاصفا فأغرقته ومن كان معه فيما بين طرا إلى موضع حلوان فملكهم من بعده كاشم بن معدان وكان جبّارا عاتيا ٣) .
وحدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد لله، عن أبى حفص الكلاعىّ، عن تبيع، عن كعب، قال: لما مات يوسف ﵇ استعبد أهل مصر بنى إسرائيل.
[ ٣٩ ]
ثم رجع إلى حديث عثمان، قال: ثم هلك كاشم بن معدان، فملكهم بعده فرعون موسى قال غير عثمان: واسمه طلما قبطىّ من قبط مصر.
(١ وحدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، قال: سمعت الليث بن سعد وابن لهيعة.
أو أحدهما يقول: كان قبطيّا من قبط مصر، يقال له طلما ١) .
حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا عبد الله بن أبى فاطمة، عن مشايخه قال: كان من فران بن بلىّ، واسمه الوليد بن مصعب، وكان قصيرا أبرش يطأ فى لحيته.
حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا عن هانئ بن المنذر أنه كان من العماليق وكان يكنّى بأبى مرّة.
وحدثنا يزيد بن أبى سلمة، عن جرير، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النّزال بن سبرة، عن أبى بكر الصديق ﵁، قال: كان فرعون أثرم. ويقال بل هو رجل من لخم، والله أعلم،
فمن زعم أنّه من العماليق فقد ذكرنا السبب الذي به ملكت العماليق مصر ومن زعم أنه من فران بن بلىّ فإنّ سعيد بن عفير قد حدثنا قال: حدثنا عبد الله بن أبى فاطمة، عن مشايخه، أن ملك مصر توفّى، فتنازع الملك جماعة من أبناء الملك- ولم يكن الملك عهد- ولمّا عظم الخطب بينهم تداعوا إلى الصلح، فاصطلحوا على أن يحكم بينهم أوّل من يطّلع من الفجّ فجّ الجبل، فاطّلع فرعون بين عديلتى نطرون، قد أقبل بهما ليبيعهما، وهو رجل من فران بن بلىّ، فاستوقفوه، وقالوا: إنا قد جعلناك حكما بيننا فيما تشاجرنا فيه من الملك، وآتوه مواثيقهم على الرضا. فلما استوثق منهم، قال:
إنى قد رأيت أن أملّك نفسى عليكم؛ فهو أذهب لضغائنكم، وأجمع لأموركم، والأمر من بعد إليكم. فأمّروه عليهم لنفاسة بعضهم بعضا وأقعدوه فى دار الملك بمنف، فأرسل إلى صاحب أمر كلّ رجل منهم، فوعده ومنّاه أن يملّكه على ملك صاحبه، ووعدهم ليلة يقتل فيها كلّ رجل منهم صاحبه، ففعلوا. ودان له أولئك بالربوبيّة، ولم يكن لهم تكبّر الملوك، والله أعلم. فملكهم نحوا من خمسمائة سنة، وكان من أمره وأمر موسى ﵇ ما قصّ الله ﵎ من خبرهم فى القرآن.
[ ٤٠ ]
قال: ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: فأقام فرعون ملك مصر خمسمائة سنة حتى أغرقه الله تعالى.
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خلّاد بن سليمان الحضرمىّ، قال:
سمعت أبا الأشرس يقول: مكث فرعون أربعمائة سنة، الشباب يغدو عليه ويروح.
حدثنا أبى، حدثنا خلّاد بن سليمان، قال: سمعت إبراهيم بن مقسم، قال: مكث فرعون أربعمائة سنة لم تصدّع «١» له رأس، وكان يملك فيما يذكر ما بين مصر إلى إفريقية.
وكان يقعد على كراسى فرعون، كما حدثنا أسد، عن خالد، عن الكلبىّ عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، مائتان عليهم الديباج وأساور الذهب.
وقد كان استعمل هامان على الناس، فقال: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ «٢»
يعنى أنّ من كلّ سماء إلى سماء سبب، وشغل الله فرعون بالآيات التى جاء بها موسى ﵇ ولم يبن له هامان الصرح.
ذكر حمل عظام يوسف إلى الشام
قال: وفى زمانه حملت عظام يوسف ﵇ من مصر إلى الشأم، وكان سبب حمله فيما حدثنا محمد بن أسعد التغلبىّ، عن أبى الأحوص، عن سماك بن حرب، أن رسول الله ﷺ، أقبل وهو قافل من الشام ومعه زيد بن حارثة، فمر ببيت شعر فرد وقد أمسى فدنا من البيت، فقال: السلام عليكم فردّ ربّ البيت، فقال رسول الله ﷺ: ضيف. قال: انزل فبات فى قرّى، فلمّا أصبح وأراد الرحيل قال الشيخ: أصيبوا من بقيّة قراكم، فأصابوا ثم ارتحل رسول الله ﷺ، فلما ظهر أمر رسول الله ﷺ وفتح الله عليه، جاء الشيخ على راحلته حتى أناخ بباب المسجد ثم دخل فجعل يتصفّح وجوه الرجال، فقالوا له: هذاك رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: ما حاجتك؟ قال: والله ما أدرى، إلّا أنه نزل بى رجل فأكرمت قراه، فقال له رسول الله ﷺ: «وإنك لفلان؟ قال:
نعم. قال: فكيف أمّ فلان؟ قال: بخير. قال: فكيف حالكم؟ قال: بخير، وقد كان
[ ٤١ ]
رسول الله ﷺ قال له حين ارتحل من عنده: إذا سمعت بنبىّ قد ظهر بتهامة فأته فإنك تصيب منه خيرا، فقال له رسول الله ﷺ: «تمنّ ما شئت فإنك لن تتمنّى اليوم شيئا إلّا أعطيتكه قال فإنى أسألك ضأنا ثمانين، قال: فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: يا عبد الرحمن بن عوف، قم فأوفها إيّاه، ثم أقبل رسول الله ﷺ على أصحابه فقال: ما كان أحوج هذا الشيخ إلى أن يكون مثل عجوز موسى، قال: قلنا يا رسول الله، وما عجوز موسى؟ قال: بنت يوسف عمرت حتى صارت عجوزا كبيرة ذاهبة البصر، فلمّا أسرى موسى ببنى إسرائيل غشيتهم ضبابة حالت بينهم وبين الطريق أن يبصروه، وقيل لموسى لن تعبر إلّا ومعك عظام يوسف، قال: ومن يدرى أين موضعها، قالوا: ابنته عجوز كبيرة ذاهبة البصر تركناها فى الديار، قال: فرجع موسى، فلمّا سمعت حسّه قالت: موسى، قال موسى قالت: ما ردّك، قال: أمرت أن أحمل عظام يوسف، قالت: ما كنتم لتعبروا إلا وأنا معكم، قال: دلّينى على عظام يوسف، قالت: لا أفعل إلّا أن «١» تعطينى ما سألتك قال: فلك ما سألت، قالت: خذ بيدى، فأخذ بيدها فانتهت به إلى عمود على شاطئ النيل فى أصله سكّة من حديد موتّدة فيها سلسلة، فقالت: إنا كنّا دفنّاه من ذلك الجانب فأخصب ذلك الجانب وأجدب ذا الجانب، فحوّلناه الى هذا الجانب فأخصب هذا الجانب وأجدب ذاك «٢»، فلما رأينا ذلك، جمعنا عظامه فجعلناها فى صندوق من حديد وألقيناها فى وسط النيل، فأخصب الجانبان جميعا قال: فحمل الصندوق على رقبته وأخذ بيدها فألحقها بالعسكر، وقال لها: سلى ما شئت، قالت: فإنى أسأل أن أكون أنا وأنت فى درجة واحدة فى الجنّة، ويردّ علىّ بصرى وشبابى حتّى أكون شابّة كما كنت، قال:
فلك ذلك.
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح عن ابن عبّاس، قال: كان يوسف ﵇ قد عهد عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر، قال: فتجهّز القوم وخرجوا فتحيّروا، فقال لهم موسى: إنما تحيّركم هذا من أجل عظام يوسف، فمن يدلّنى عليها؟ فقالت عجوز يقال لها سارح ابنة آشر بن يعقوب: أنا رأيت عمّى- تعنى يوسف حين دفن- فما تجعل لى إن دللتك عليه؟ قال: حكمك،
[ ٤٢ ]
قال: فدلّته عليها فأخذ عظام يوسف ثم قال: احتكمى، قالت أكون معك حيث كنت فى الجنّة.
حدثنا عثمان بن صالح، أخبرنى ابن لهيعة عمن حدّثه قال: قبر يوسف ﵇ بمصر فأقام بها نحوا من ثلاثمائة سنة، ثم حمل إلى بيت المقدس.
ذكر خروج بنى إسرائيل من مصر
قال ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره، قال: ثم غرّق الله فرعون وجنوده فى اليمّ حين أتبع بنى إسرائيل وغرّق معه من أشراف أهل مصر وأكابرهم ووجوههم أكثر من ألفى ألف.
قال وكان سبب إتباع فرعون بنى إسرائيل كما حدثنا أسد بن موسى، عن خالد ابن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، أن الله ﵎ أوحى إلى موسى ﵇ أن أسر بعبادى، قال: وكان بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون حليا وثيابا، وقالوا: إن لنا عيدا نخرج إليه، فخرج بهم موسى ليلا وهم ستّمائة ألف وثلاثة آلاف ونيّف ليس فيهم ابن ستّين ولا ابن عشرين سنة، فذلك قول فرعون إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ «١» .
حدثنا أسد، حدثنا المسعودىّ، عن أبى إسحاق، عن أبى عبيدة، قال: خرجوا من مصر وهم ستّمائة ألف وسبعون ألفا، فقال فرعون: إن هؤلاء لشرذمة قليلون.
قال: ثم رجع إلى حديث أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، قال: وخرج فرعون ومعه خمسمائة ألف سوى المجنّبتين والقلب.
قال خالد: وحدثنا أبو سعيد، عن عكرمة قال: لم يخرج فرعون من زاد على الأربعين ولا دون العشرين، فذلك قول الله ﷿: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ «٢»
يعنى استخف قومه فى طلب موسى.
[ ٤٣ ]
قال: وكان بنو إسرائيل كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن موسى بن علىّ، عن أبيه، إنّ بنى إسرائيل كانوا الربع من آل فرعون.
حدثنا أسد، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: خرج موسى ﷺ ببنى إسرائيل فلما أصبح فرعون أمر بشاة فأتى بها فأمر بها تذبح ثم قال: لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندى خمسمائة ألف من القبط فاجتمعوا إليه، فقال لهم فرعون: إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون، وكان أصحاب موسى ﵇ ستّمائة ألف وسبعين الفا.
قال فسلك موسى وأصحابه طريقا يابسا فى البحر فلما خرج آخر أصحاب موسى وتكامل آخر أصحاب فرعون. اضطرم عليهم البحر فما رئى سواد أكثر «١» من يومئذ، وغرق فرعون فنبذ على ساحل البحر حتى ينظروا اليه.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: لما انتهى موسى إلى البحر أقبل يوشع بن نون على فرسه فمشى على الماء وأقحم غيره خيولهم فرسبوا فى الماء، وخرج فرعون فى طلبهم حين أصبح وبعد ما طلعت الشمس، فذلك قوله ﷿ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
«٢» فدعا موسى ﵇ ربّه ﷿، فغشيتهم ضبابة حالت بينهم وبينه وقيل له اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ
ففعل فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
«٣» يعنى الجبل، فانفلق فيه اثنا عشر طريقا، فقالوا: إنّا نخاف أن توحّل فيه الخيل، فدعا موسى ربّه فهبّت عليهم الصبا فجفّ، فقالوا: إنّا نخاف أن يغرق منّا ولا نشعر، فقال بعصاه فثقب الماء، فجعل بينهم كوّى حتى يرى بعضهم بعضا ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر، وأقبل فرعون حتى انتهى إلى الموضع الذي عبر منه موسى وطرقه على حالها، فقال له أدلاؤه: إنّ موسى قد سحر البحر حتى صار كما ترى، وهو قوله وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا «٤»
يعنى كما هو.
[ ٤٤ ]
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن علىّ بن أبى طلحة، عن ابن عبّاس فى قوله: رهوا قال: سمتا.
(١ حدثنا حفص بن عمر العدنىّ، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال:
طريقا ١) .
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى صخر عن محمد بن كعب القرظىّ، قال: طريقا مفتوحا.
حدثنا أبو سهل أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا إسرائيل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قال: مفتوحا.
وحدّثنا عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن الحسن، قال: سهلا دمثا.
قال وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرهو، السهل.
ثم رجع إلى حديث أسد، عن خالد بن عبد الله، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، فخذ هاهنا حتى نلحقهم «٢»، وهو مسيرة ثلاثة أيام فى البرّ وكان فرعون يومئذ على حصان، وأقبل جبريل ﵇ على فرس أنثى فى ثلاثة وثلاثين من الملائكة فتفرقّوا فى الناس، وتقدّم جبريل ﵇ فسار بين يدى فرعون وتبعه فرعون وصاحت الملائكة فى الناس، الحقوا الملك، حتى إذا دخل آخرهم ولم يخرج أوّلهم التقى البحر عليهم فغرقوا، فسمع بنو إسرائيل وجبة حين التقى فقالوا: ما هذا؟ قال موسى:
غرق فرعون وأصحابه، فرجعوا ينظرون فألقاهم البحر على الساحل.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا الحسن بن بلال، عن حمّاد بن سلمة، عن علىّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبّاس، أن رسول الله ﷺ قال: لما أغرق «٣» الله آل فرعون، قال فرعون: آمنت بالذى آمنت به بنو اسرائيل، قال جبريل: يا محمد، لو رأيتنى وأنا آخذ من حال البحر فأدسّه فى فى فرعون مخافة أن تدركه الرحمة.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا أبو علىّ، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن
[ ٤٥ ]
السائب، عن مجاهد، قال: كان جبريل بين بنى إسرائيل وبين آل فرعون، فجعل يقول لبنى إسرائيل: ليلحق آخركم بأوّلكم، ويستقبل آل فرعون فيقول: رويدكم ليلحقكم آخركم، فقالت بنو إسرائيل: ما رأينا سائقا «١» أحسن سياقا «٢» من هذا. وقال آل فرعون:
ما رأينا وازعا أحسن زعة من هذا، فلما انتهى موسى وبنو إسرائيل إلى البحر، قال مؤمن آل فرعون: يا نبىّ الله، أين أمرت، هذا البحر أمامك وقد غشينا آل فرعون، فقال: أمرت بالبحر، فأقحم مؤمن آل فرعون فرسه فردّه التيّار فقال: يا نبىّ الله، أين أمرت؟ فقال:
بالبحر، قال: فأقحم أيضا فرسه فردّه التيّار، فجعل موسى ﵇ لا يدرى كيف يصنع، وكان الله ﷿ قد أوحى إلى البحر أن أطع موسى، وآية «٣» ذاك إذا ضربك بعصاه.
قال ثم رجع إلى حديث أسد، عن خالد، عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس، قال: وخرج فرعون ومقدّمته خمسمائة ألف سوى المجنّبتين والقلب.
(* قال خالد: وحدثنا أبو سعيد، عن عكرمة قال: لم يخرج مع فرعون من زاد على أربعين سنة ومن دون العشرين، وذاك قوله ﵎: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ
«٤» يعنى استخفّ قومه فى طلب موسى.
قال: وحدثنا أسد عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: خرج موسى ببنى إسرائيل، فلما أصبح فرعون أمر بشاة فأتى بها فأمر بها تذبح، ثم قال: لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندى خمسمائة ألف فارس من القبط فاجتمعوا إليه، فقال لهم فرعون: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ «٥»
وكان أصحاب موسى ستّمائة ألف وسبعين ألفا. قال: فسلك موسى وأصحابه طريقا يابسا فى البحر، فلما خرج آخر أصحاب موسى وتكامل آخر أصحاب فرعون اضطرم عليهم البحر، فما رئى سواد أكثر من يومئذ.
قال: وغرق فرعون فنبذ على ساحل البحر حتى نظروا اليه*) .
[ ٤٦ ]
ويقال أن موسى ﵇ قتل عوجا بمصر.
حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير بن معاوية، حدثنا أبو إسحاق، قال زهير: أراه عن نوف، قال: كان طول سرير عوج الذي قتله موسى ثمانمائة ذراع وعرضه أربعمائة، وكانت عصا موسى ﵇ عشرة أذرع، ووثبته حين وثب إليه عشرة أذرع، وطول موسى كذا وكذا، فضربه فأصاب كعبه، فخرّ على نيل مصر، فجسّره للناس عاما يمرّون على صلبه وأضلاعه.
ذكر الملكة دلوكة
قال ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره، قال: فبقيت مصر بعد غرقهم ليس فيها من أشراف أهلها أحد، ولم يبق بها الّا العبيد والأجراء والنساء، فأعظم أشراف من بمصر من النساء أن يولّين منهم أحدا، وأجمع «١» رأيهنّ أن يولّين امرأة منهنّ يقال لها دلوكة بنت زبّاء، وكان لها عقل ومعرفة وتجارب، وكانت فى شرف منهنّ وموضع، وهى يومئذ بنت مائة سنة وستّين سنة، فملّكوها، فخافت أن يتناولها ملوك الأرض فجمعت نساء الأشراف، فقالت لهنّ: إنّ بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد، ولا يمدّ عينه إليها، وقد هلك أكابرنا وأشرافنا، وذهب السحرة الذين كنّا نقوى بهم، وقد رأيت أن أبنى حصنا أحدق به جميع بلادنا، فأضع «٢» عليه المحارس من كلّ ناحية، فإنّا لا نأمن أن يطمع فينا الناس، فبنت جدارا أحاطت به على جميع أرض مصر كلّها المزارع والمدائن والقرى، وجعلت دونه خليجا يجرى فيه الماء، وأقامت القناطر والترع، وجعلت فيه محارس ومسالح على كلّ ثلاثة أميال محرس ومسلحة، وفيما بين ذلك محارس صغار على كلّ ميل، وجعلت فى كلّ محرس رجالا، وأجرت عليهم الأرزاق، وأمرتهم أن يحرسوا «٣» بالأجراس، فإذا أتاهم أحد يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض بالأجراس، فأتاهم الخبر من أىّ وجه كان فى ساعة واحدة، فنظروا فى ذلك فمنعت بذلك مصر ممّن أرادها.
[ ٤٧ ]
قال عثمان: وفرغت من بنائه فى ستّة أشهر، وهو الجدار الذي يقال له جدار العجوز بمصر، وقد بقيت بالصعيد منه (بقايا كثيرة «١») .
ذكر عمل البرابى
قال عثمان بن صالح فى حديثه: (٢ وكان ثمّ عجوز ساحرة، يقال لها تدورة وكانت السحرة تعظمها وتقدّمها فى علمهم وسحرهم، فبعثت إليها دلوكة ابنة زبّا: إنّا قد احتجنا إلى سحرك، وفزعنا إليك، ولا نأمن أن يطمع فينا الملوك، فاعملى لنا شيئا نغلب به من حولنا، فقد كان فرعون يحتاج إليك، فكيف وقد ذهب أكابرنا وبقى أقلّنا.
فعملت بربى من حجارة فى وسط مدينة منف، وجعلت له أربعة أبواب كلّ باب منها إلى جهة القبلة، والبحر والغرب والشرق، وصوّرت فيه صور الخيل والبغال والحمير والسفن والرجال، وقالت لهم: قد عملت لكم عملا يهلك به كلّ من أرادكم من كلّ جهة تؤتون منها برّا أو بحرا، وهذا ما يغنيكم عن الحصن ويقطع عنكم مئونته، فمن أتاكم من أىّ جهة، فإنّهم إن كانوا فى البرّ على خيل أو بغال أو إبل أو فى سفن أو رجّالة تحرّكت هذه الصور من جهتهم التى يأتون منها فما فعلتم بالصور من شىء أصابهم ذلك فى أنفسهم على ما تفعلون بهم. فلما بلغ الملوك حولهم أنّ أمرهم قد صار إلى ولاية النساء، طمعوا فيهم، وتوجّهوا إليهم، فلما دنوا من عمل مصر، تحرّكت تلك الصور التى فى البربى فطفقوا لا يهيّجون تلك الصور بشىء ولا يفعلون بها شيئا إلّا أصاب ذلك الجيش الذي أقبل إليهم مثله، إن كانت خيلا فما فعلوا بتلك الخيل المصوّرة فى البربى من قطع رءوسها أو سوقها أو فقء أعينها، أو بقر بطونها أثر مثل ذلك بالخيل التى أرادتهم. وإن كانت سفنا أو رجّالة فكمثل ذلك، وكانوا أعلم الناس بالسحر وأقواهم عليه، وانتشر ذلك فتناذرهم الناس ٢) .
ذكر ملوك مصر بعد العجوز دلوكة
(* وكان نساء أهل مصر حين غرق من غرق منهم مع فرعون من أشرافهم ولم
[ ٤٨ ]
يبق إلّا العبيد والأجراء لم يصبرن عن الرجال فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوّجه، وتتزوّج الأخرى أجيرها، وشرطن على الرجال ألا يفعلوا شيئا إلّا بإذنهنّ فأجابوهنّ إلى ذلك؛ فكان أمر النساء على الرجال.
قال عثمان: فحدّثنى ابن لهعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن القبط على ذلك إلى اليوم، اتّباعا لمن مضى منهم؛ لا يبيع أحدهم ولا يشترى إلّا قال: أستأمر امرأتى.
فملكتهم دلوكة بنت زبّا عشرين سنة تدبّر أمرهم بمصر، حتى بلغ صبىّ من أبناء أكابرهم وأشرافهم يقال له دركون بن بلوطس، فملّكوه عليهم، فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوا من أربعمائة سنة.
قال ثم مات دركون بن بلوطس، فاستخلف ابنه بودس بن دركون، ثم توفّى بودس بن دركون، فاستخلف أخاه لقاس بن تدارس، فلم يمكث إلّا ثلاث سنين حتى مات، ولم يترك ولدا فاستخلف أخاه مرينا بن مرينوس.
قال ثم توفّى مرينا بن مرينوس، فاستخلف استمارس بن مرينا، فطغى وتكبّر وسفك الدم، وأظهر الفاحشة، فأعظموا ذلك، وأجمعوا على خلعه فخلعوه، وقتلوه وبايعوا رجلا من أشرافهم يقال له بلوطس بن مناكيل، فملكهم أربعين سنة، ثم توفّى بلوطس بن مناكيل، فاستخلف ابنه مالوس بن بلوطس.
ثم توفّى مالوس بن بلوطس، فاستخلف أخاه مناكيل بن بلوطس بن مناكيل فملكهم زمانا ثم توفّى، فاستخلف ابنه بولة بن مناكيل، فملكهم مائة سنة وعشرين، وهو الأعرج الذي سبى ملك بيت المقدس، وقدم به إلى مصر، وكان بولة قد تمكّن فى البلاد، وبلغ مبلغا لم يبلغه أحد ممّن كان قبله بعد فرعون، وطغى فقتله الله تعالى، صرعته دابّته، فدقّت عنقه فمات.
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، حدثنا الكلاعىّ، عن تبيع، عن كعب، قال: لمّا مات سليمان بن داود ﵇ ملك بعده مرحب عمّ سليمان فسار إليه ملك مصر، فقاتله، وأصاب الأترسة الذهب التى عملها سليمان ﵇، فذهب بها*) .
وأخبرنى شيخ من أهل مصر من أهل العلم أن المخلوع الذي خلعه أهل مصر إنما
[ ٤٩ ]
هو بولة، وذلك أنه دعا الوزراء ومن كانت الملوك قبله تجرى عليهم «١» الأرزاق والجوائز، فكأنّه استكثر ذلك، فقال لهم: إنى أريد أن أسألكم عن أشياء فإن أخبرتمونى بها زدت فى أرزاقكم ورفعت من أقداركم، وإن أنتم لم تخبرونى بها ضربت أعناقكم، فقالوا له:
سلنا عمّ شئت، فقال لهم: أخبرونى ما يفعل الله ﵎ فى كلّ يوم، وكم عدد نجوم السماء وكم مقدار ما تستحقّ الشمس فى كلّ يوم على ابن آدم، فاستأجلوه فأجّلهم فى ذلك شهرا، فكانوا يخرجون فى كلّ يوم إلى خارج مدينة منف فيقفون فى ظلّ قرموس يتباحثون ما هم فيه ثم يرجعون وصاحب القرموس ينظر اليهم، فأتاهم ذات يوم فسألهم عن أمرهم فأخبروه، فقال لهم: عندى علم ما تريدون إلّا أن لى قرموسا لا أستطيع أن اعطّله، فليقعد رجل منكم مكانى يعمل فيه وأعطونى دابّة كدوابّكم وألبسونى ثيابا كثيابكم ففعلوا وكان فى المدينة ابن لبعض ملوكهم قد ساءت حالته فأتاه القرموسىّ فسأله القيام بملك أبيه وطلبه فقال: ليس يخرج هذا يريد الملك من مدينة منف، فقال:
أنا أخرجه لك، وجمع له مالا، ثم أقبل القرموسىّ حتى دخل على بولة، فأخبره أن عنده علم ما سأل عنه، فقال له: أخبرنى كم عدد نجوم السماء؟ فأخرج القرموسىّ جرابا «٢» من رمل «٣» كان معه فنثره بين يديه، وقال له: مثل عدد هذا، قال: وما يدريك؟ قال: مر من يعدّه، قال: فكم مقدار ما تستحقّ الشمس كلّ يوم على ابن آدم؟ قال: قيراطا، لأنّ العامل يعمل يومه إلى الليل فيأخذ ذلك فى أجرته، قال: فما يفعل الله ﷿ كلّ يوم؟ قال له: أريك ذلك غدا، فخرج معه حتى أوقفه على أحد وزرائه الذي أقعده القرموسىّ مكانه، فقال له: يفعل الله ﷿ كلّ يوم أن يذلّ قوما ويعزّ قوما ويميت قوما، ومن ذلك أن هذا وزير من وزرائك قاعد يعمل على قرموس، وأنا صاحب قرموس على دابّة من دوابّ الملوك، وعلىّ لباس من لباسهم أو كما قال له، وأنّ فلان بن فلان قد أغلق عليك مدينة منف، فرجع مبادرا فإذا مدينة منف قد أغلقت، ووثبوا مع الغلام على بولة فخلعوه فوسوس فكان يقعد على باب مدينة منف يوسوس ويهذى فذلك قول القبط إذا كلّم أحدهم بما لا يريد قال: شجناك من بولة، يريد بذلك الملك لوسوسته.
والله أعلم.
[ ٥٠ ]
«١» قال ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره قال: ثم استخلف مرينوس بن بولة فملكهم زمانا ثم توفّى، واستخلف ابنه قرقورة بن مرينوس، فملكهم ستّين سنة ثم توفّى واستخلف أخاه لقاس بن مرينوس؛ وكان كلّما انهدم من ذلك البربى الذي فيه الصور شىء لم يقدر أحد على إصلاحه إلّا تلك العجوز وولدها وولد ولدها وكانوا أهل بيت لا يعرف ذلك غيرهم فانقطع أهل ذلك البيت وانهدم من البربى موضع فى زمان لقاس بن مرينوس فلم يقدر أحد على إصلاحه ومعرفة علمه وبقى على حاله وانقطع ما كانوا يقهرون به الناس وبقوا كغيرهم إلّا أنّ الجمع كثير والمال عندهم.
ذكر دخول بخت نصّر مصر
قال ثم توفّى لقاس، واستخلف ابنه قومس «٢» بن لقاس، فملكهم دهرا. فلما قدم بخت نصّر بيت المقدس كما حدثنا وثيمة بن موسى وغيره وظهر على بنى إسرائيل وسباهم، وخرج بهم إلى أرض بابل، أقام إرميا بإيلياء وهى خراب ينوح عليها ويبكى؛ فاجتمع إلى إرميا بقايا من بنى إسرائيل كانوا متفرقين حين بلغهم مقامه بإيلياء، فقال لهم إرميا: أقيموا بنا فى أرضنا لنستغفر الله، ونتوب إليه، لعلّه يتوب علينا، فقالوا: إنّا نخاف أن يسمع بنا بخت نصّر، فيبعث إلينا، ونحن شرذمة قليلون؛ ولكنّا نذهب إلى ملك مصر فنستجير به، وندخل فى ذمّته، فقال لهم إرميا: ذمّة الله ﷿ أوفى الذمم لكم، ولا يسعكم أمان أحد من الأرض، إن أخافكم فانطلق أولئك النفر من بنى إسرائيل إلى قومس بن لقاس واعتصموا به لما يعلمون من منعته، وشكوا إليه شأنهم، فقال: أنتم فى ذمّتى، فأرسل إليه بخت نصّر إنّ لى قبلك عبيدا أبقوا منى، فابعث بهم إلىّ. فكتب إليه قومس ما هم بعبيدك؛ هم أهل النبوّة والكتاب وأبناء الأحرار، اعتديت عليهم وظلمتهم «٣»؛ فحلف بخت نصّر لئن لم يردّهم ليغزون «٤» بلاده، وألحّا جميعا، وأوحى الله إلى إرميا إنّى مظهر بخت نصّر على هذا الملك الذي اتّخذوه حرزا، وإنهم لو أطاعوا
[ ٥١ ]
أمرك ثم أطبقت عليهم السماء والأرض، لجعلت لهم من بينهما مخرجا، وإنى أقسم بعزّتى لأعلّمنّهم أنه ليس لهم محيص «١» ولا ملجأ إلّا طاعتى واتّباع أمرى، فلما سمع بذلك إرميا رحمهم، وبادر إليهم فقال: إن لم تطيعونى أسركم بخت نصّر وقتلكم، وآية ذلك أنى رأيت موضع سريره الذي يضعه بعد ما يظفر بمصر ويملكها. ثم عمد فدفن أربعة أحجار فى الموضع الذي يضع فيه بخت نصّر سريره، وقال: يقع كلّ قائمة من سريره على حجر منها، فلجّوا فى رأيهم، فسار بخت نصّر إلى قومس بن لقاس ملك مصر فقاتله سنة، ثم ظفر بخت نصّر، فقتل قومس وسبى جميع أهل مصر، وقتل من قتل.
فلما أراد قتل من أسر منهم وضع له سريره فى الموضع الذي وصف إرميا ووقعت كلّ قائمة من سريره على حجر من تلك الحجارة التى دفن؛ فلما أتى بالأسارى، أتى معهم إرميا. فقال له بخت نصّر: ألا أراك مع أعدائى بعد أن أمنتك وأكرمتك! فقال له إرميا:
إنّما جئتهم محذّرا، وأخبرتهم خبرك، وقد وضعت لهم علامة تحت سريرك، وأريتهم موضعه؛ قال بخت نصّر: وما مصداق ذلك قال إرميا ارفع سريرك فإنّ تحت كلّ قائمة منه حجرا دفنته، فلما رفع سريره وجد مصداق ذلك، فقال لأرميا لو أعلم أن فيهم خيرا لوهبتهم لك. فقتلهم وأخرب مدائن مصر وقراها، وسبى جميع أهلها، ولم يترك بها أحدا حتى بقيت مصر أربعين سنة خرابا ليس فيها ساكن؛ يجرى نيلها، ويذهب لا ينتفع به. فأقام إرميا بمصر واتّخذ بها جنينة وزرعا «٢» يعيش به. فأوحى إليه: إنّ لك عن الزرع والمقام بمصر شغلا، فكيف تسعك أرض وأنت تعلم سخطى على قومك، فالحق بإيليا حتى يبلغ كتابى أجله. فخرج منها أرميا حتى أتى بيت المقدس، ثم إن بخت نصّر ردّ أهل مصر إليها بعد أربعين سنة، فعمروها، فلم تزل مصر مقهورة من يومئذ.
وحدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم وأبو الأسود، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل عن عبد الرحمن بن غنم الأشعرىّ، أنه قدم من الشأم إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له عبد الله بن عمرو، ما أقدمك إلى بلادنا؟ قال: أنت، قال: لماذا؟ قال:
كنت تحدّثنا أن مصر أسرع الأرضين خرابا، ثم أراك قد اتّخذت فيها الرباع وبنيت فيها
[ ٥٢ ]
القصور واطمأننت فيها، فقال: إن مصر قد أوفت خرابها حطمها «١» بخت نصّر فلم يدع فيها الّا السباع والضباع، وقد مضى خرابها، فهى اليوم أطيب الأرضين ترابا وأبعده خرابا، ولن تزال فيها بركة ما دام فى شىء من الأرضين بركة.
(* وحدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى الليث بن سعد، عن أبى قبيل نحوه قال:
فزعم بعض مشايخ أهل مصر أن الذي كان يعمل به بمصر على عهد ملوكها، أنهم كانوا يقرّون القرى فى أيدى أهلها، كلّ قرية بكراء معلوم، لا ينقض عليهم إلّا فى كلّ أربع سنين من أجل الظمأ وتنقّل اليسار؛ فإذا مضت أربع سنين نقض «٢» ذلك، وعدّل تعديلا جديدا، فيرفق بمن استحقّ «٣» الرفق، ويزاد على من يحتمل «٤» الزيادة، ولا يحمّل عليهم من ذلك ما يشقّ عليهم؛ فإذا جبى الخراج وجمع، كان للملك من ذلك الربع خالصا لنفسه يصنع به «٥» ما يريد، والربع الثانى لجنده ومن يقوى به على حربه وجباية خراجه ودفع عدوّه، والربع الثالث فى مصلحة الأرض وما يحتاج إليه من جسورها وحفر خلجها، وبناء قناطرها؛ والقوّة للمزارعين على زرعهم، وعمارة أرضهم، والربع الرابع يخرج منه ربع ما يصيب كلّ قرية من خراجها فيدفن ذلك فيها لنائبة تنزل، أو جائحة بأهل القرية؛ فكانوا على ذلك. وهذا الربع الذي يدفن فى كلّ قرية من خراجها، هى كنوز فرعون التى تتحدّث الناس بها أنها ستظهر، فيطلبها الذين يتبعون الكنوز*) .
وحدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل قال:
(* خرج وردان من عند مسلمة بن مخلّد وهو أمير على مصر- فمرّ على عبد الله بن عمرو مستعجلا، فناداه: أين تريد يا أبا عبيد؟ قال: أرسلنى الأمير مسلمة أن آتى منف فأحفر له عن كنز فرعون. قال: فارجع إليه، وأقرئه منّى السلام وقل له: إن كنز فرعون ليس لك ولا لأصحابك، إنما هو للحبشة، إنهم يأتون فى سفنهم يريدون الفسطاط،
[ ٥٣ ]
فيسيرون حتى ينزلوا منف، فيظهر لهم كنز فرعون، فيأخذون منه ما يشاءون، فيقولون: ما نبتغى غنيمة أفضل من هذه، فيرجعون، ويخرج المسلمون فى آثارهم فيدركونهم فيقتتلون فتهزم الحبش فيقتلهم المسلمون ويأسرونهم؛ حتى إن الحبشىّ ليباع بالكساء*) .
ذكر ظهور الروم وفارس على مصر
قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: (* ثم ظهرت الروم وفارس على سائر الملوك الذين فى وسط الأرض، فقاتلت الروم أهل مصر ثلاث سنين يحاصرونهم، وصابروهم القتال فى البرّ والبحر، فلما رأى ذلك أهل مصر صالحوا الروم، على أن يدفعوا إليهم شيئا مسمّى فى كلّ عام، على أن يمنعوهم ويكونوا فى ذمّتهم. ثم ظهرت فارس على الروم، فلما غلبوهم على الشام، رغبوا فى مصر، وطمعوا فيها، فامتنع أهل مصر، وأعانتهم الروم، وقامت دونهم، وألحّت عليهم فارس، فلما خشوا ظهورهم عليهم صالحوا فارس، على أن يكون ما صالحوا به الروم بين الروم وفارس، فرضيت الروم بذلك حين خافت ظهور فارس عليها فكان ذلك الصلح على أهل مصر. وأقامت مصر بين الروم وفارس نصفين سبع سنين، ثم استجاشت الروم، وتظاهرت على فارس، وألحّت بالقتال والمدد، حتى ظهروا عليهم وخربوا مصانعهم «١» أجمع، وديارهم التى بالشام ومصر، وكان ذلك فى عهد رسول الله ﷺ، وقبل وفاته، وبعد ظهور الإسلام، فصارت الشام كلّها وصلح أهل مصر كلّه خالصا للروم، ليس لفارس فى شىء من الشام ومصر شىء*) .
وحدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب قال: كان المشركون يجادلون المسلمين بمكّة فيقولون: الروم أهل كتاب وقد غلبتهم المجوس وأنتم تزعمون إنكم ستغلبون بالكتاب الذي معكم الذي أنزل على نبيّكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم فأنزل الله ﵎ الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
[ ٥٤ ]
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ «١»
قال ابن شهاب: وأخبرنى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه قال: لمّا أنزلت هاتان الآيتان ناحب أبو بكر بعض المشركين قبل أن يحرّم القمار على شىء إن لم تغلب الروم فارس فى سبع سنين فقال رسول الله ﷺ: لم فعلت؟ فكلّ ما دون العشر بضع، فكان ظهور فارس على الروم فى سبع سنين، ثم أظهر الله الروم على فارس زمان الحديبية ففرح المسلمون «٢» بنصر أهل الكتاب.
قال غير عثمان بن صالح، عن الليث بن سعد (٣ وكانت الفرس قد أسّست بناء الحصن الذي يقال له باب اليون وهو الحصن الذي بفسطاط مصر اليوم فلما انكشفت جموع فارس عن الروم وأخرجتهم الروم من الشام، أتمّت الروم بناء ذلك الحصن وأقامت به، فلم تزل مصر فى ملك الروم حتى فتحها الله تعالى على المسلمين ٣) .
وحدثنا سعيد بن تليد، عن ابن وهب، حدثنا ابن لهيعة، قال: يقال فارس والروم قريش العجم.
ذكر انكشاف فارس عن الروم
قال: وكان سبب انكشاف فارس عن الروم كما حدثنا عبد الله بن صالح عن الهقل بن زياد، عن معاوية بن يحيى الصدفّى، قال: حدثنى الزهرىّ، قال: حدثنى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ابن عبّاس أخبره أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يسأل الهرمزان عظيم الأهواز عن الذي كان سبب انكشاف فارس عنهم، فقال له الهرمزان: كان كسرى بعث شهربراز وبعث معه جنود فارس قبل الشام ومصر، وخرّب عامّة حصون الروم وطال زمانه بالشام ومصر وتلك الأرض، فطفق كسرى يستبطئه ويكتب إليه: إنك لو أردت أن تفتح مدينة الروم فتحتها، ولكنك قد رضيت بمكانك وأردت طول الاستيطان «٤» .
[ ٥٥ ]
وكتب إلى عظيم من عظماء فارس مع شهربراز يأمره أن يقتل شهربراز ويتولّى أمر الجنود، فكتب إليه ذلك العظيم يذكر أن شهربراز جاهد «١» ناصح، وأنه أبلى «٢» بالحرب منه.
قال: فكتب إليه كسرى يعزم عليه ليقتلنّه، فكتب إليه أيضا يراجعه ويقول: إنه ليس لك عبد مثل شهربراز وأنك لو تعلم ما يدارى من مكايدة «٣» الروم عذرته.
فكتب إليه كسرى يعزم عليه ليقتلنّه وليتولّى أمر الجنود، فكتب إليه أيضا يراجعه، فغضب كسرى، وكتب إلى شهربراز يعزم عليه ليقتلنّ ذلك العظيم فأرسل شهربراز إلى ذلك العظيم من فارس، فأقرأه كتاب كسرى فقال له: راجع فىّ قال: قد علمت أن كسرى لا يراجع، وقد علمت حسن صحابتى إيّاك ولكن جاءنى ما لا أستطيع تركه، فقال له ذلك الرجل: ولا آتى أهلى، فآمر فيهم بأمرى، وأعهد إليهم عهدى؟ قال: بلى، وذلك الذي أملك لك، فانطلق حتى أتى أهله، فأخذ صحائف كسرى الثلاث التى كتب إليه «٤»، فجعلها فى كمّه، ثم جاء حتى دخل على شهربراز، فدفع إليه الصحيفة الأوّلة فقرأها شهربراز، فقال له: أنت خير منّى ثم دفع إليه الصحيفة الثانية فاقترأها فنزل عن مجلسه، وقال له: اجلس عليه، فأبى أن يفعل، فدفع إليه الصحيفة الثالثة، فقرأها، فلم يفرغ شهربراز من قراءتها حتى قال: أقسم بالله لأسوءنّ كسرى، وأجمع المكر بكسرى. وكاتب هرقل، فذكر له أن كسرى قد أفسد، وجهّز بعوثا وابتليت بطول ملكه، وسأله أن يلقاه بمكان نصف يحكمان الأمر فيه، ويتعاهدان فيه، ثم يكشف عنه جنود فارس، ويخلّى بينه وبين المسّير إلى كسرى. فلما جاء هرقل كتاب شهربراز، دعا رهطا من عظماء الروم فقال لهم: اجلسوا أنا اليوم أحزم الناس، أو أعجز الناس، قد أتانى ما لا تحسبونه وسأعرضه «٥» عليكم، فأشيروا علىّ فيه. ثم قرأ عليهم كتاب شهربراز، فاختلفوا عليه فى الرأى، فقال بعضهم: هذا مكر من قبل كسرى. وقال بعضهم: أراد هذا العبد أن يلقاك، وخاف من كسرى فيستغيث، ثم «٦» لا يبالى ما لقى.
[ ٥٦ ]
قال هرقل: إنّ هذا الرأى ليس حيث ذهبتم إليه، إنه ما طابت نفس كسرى أن يشتم هذا الشتم الذي أجد فى كتاب شهربراز، وما كان شهربراز ليكتبه «١» إلىّ بهذا وهو ظاهر على عامّة ملكى إلّا من أمر حدث بينه وبين كسرى، وإنى والله لألقينّه.
فكتب إليه هرقل، قد بلغنى كتابك، وفهمت الذي ذكرت، وإنى لاقيك فموعدك بموضع كذا وكذا فاخرج معك بأربعة آلاف من أصحابى، فإنى خارج بمثلهم، فإذا بلغت موضع كذا وكذا فضع ممن معك خمسمائة، فإنى سأضع بمكان كذا وكذا، مثلهم، ثم ضع بمكان كذا وكذا مثلهم حتى نلتقى أنا وأنت فى خمسمائة خمسمائة.
وبعث هرقل الرسل من عنده إلى شهربراز، إن تمّ له يرسل إليه، وإن أبى ذلك عجلوا إليه فى كتاب، فرأى رأيه ففعل ذلك.
وسار هرقل فى أربعة آلاف التى خرج فيها، لا يضع منهم أحدا حتى التقيا بالموضع، ومع هرقل أربعة آلاف ومع شهربراز خمسمائة، فلما رآهم شهربراز أرسل إلى هرقل، أغدرت؟ فأرسل إليه هرقل، لم أغدر، ولكنى خفت الغدر من قبلك وأمر «٢» هرقل بقبّة من ديباج، فضربت له بين الصفّين، فنزل هرقل فدخلها، ودخل بترجمان معه.
وأقبل شهربراز حتى دخل عليه، فانتجى بينهما الترجمان حتى أحكما أمرهما واستوثق أحدهما من صاحبه بالعهود والمواثيق حتى فرغا من أمرهما.
فخرج هرقل وأشار إلى شهربراز بأن يقتل الترجمان لكى يخفى له السرّ فقتله شهربراز، ثم انكشف شهربراز، فجيّش الجيوش، وسار هرقل إلى كسرى حتى أغار عليه ومن بقى معه، فكان ذلك أوّل هلكة كسرى، ووفى هرقل لشهربراز بما أعطاه من ترك أرض فارس، وانكشف حين أفسد أرض فارس على كسرى، فقتلت فارس كسرى ولحق شهربراز بفارس والجنود «٣» .
[ ٥٧ ]
ذكر بناء الاسكندريّة
قال فوجّه هرقل ملك الروم كما حدثنى شيخ من أهل مصر المقوقس أميرا على مصر، وجعل إليه حربها وجباية خراجها، فنزل الإسكندريّة.
وكان الذي بنى الإسكندريّة وأسّس بناءها ذو القرنين الرومىّ، واسمه الإسكندر، وبه سمّيت الإسكندريّة، وهو أوّل من عمل الوشى، وكان أبوه أوّل القياصرة.
حدثنا عبد الملك بن هشام، قال: اسمه الإسكندر «١» .
حدثنا وثيمة بن موسى، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: الإسكندر هو ذو القرنين.
حدثنا عبد الملك بن هشام، عن زياد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق حدثنى من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علمه، أنه رجل من أهل مصر اسمه مرزبّا بن مرزبة اليونانىّ، من ولد يونان بن يافث بن نوح ﵇ «٢» .
قال: وحدثنى شيخ من أهل مصر، قال: كان من أهل لوبية، كورة من كور مصر الغربيّة: قال ابن لهيعة: وأهلها روم. ويقال بل هو رجل من حمير، قال تبّع:
قد كان ذو القرنين جدّى مسلما ملكا تدين له الملوك وتحشد
بلغ المغارب والمشارق «٣» يبتغى أسباب علم من حكيم «٤» مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها فى عين ذى خلب وثأط حرمد
ويروى قد كان ذو القرنين قبلى مسلما.
وحدثنى عثمان بن صالح، حدثنى عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم، عن سعد بن مسعود التجيبيّ، عن شيخين من قومه، قالا: كنّا بالإسكندريّة فاستطلنا يومنا، فقلنا لو انطلقنا إلى عقبة بن عامر نتحدّث عنده، فانطلقنا إليه، فوجدناه
[ ٥٨ ]
جالسا فى داره فأخبرناه أنّا استطلنا يومنا، فقال: وأنا مثل ذلك، إنما خرجت حين استطلته، ثم أقبل علينا فقال: كنت عند رسول الله ﷺ أخدمه، فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب، فقالوا: استأذن لنا على رسول الله ﷺ؛ فانصرفت إليه، فأخبرته بمكانهم، فقال رسول الله ﷺ: ما لى ولهم، يسألوننى عمّا «١» لا أدرى، إنما أنا عبد لا علم لى إلّا ما علّمنى ربّى. ثم قال أبلغنى وضوءا فتوضّأ، ثم قام إلى مسجد بيته، فركع ركعتين، فلم ينصرف حتى عرفت السرور فى وجهه والبشر، ثم انصرف، فقال:
أدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابى فادخله قال فأدخلتهم «٢»، فلما دفعوا إلى رسول الله «٣» ﷺ قال لهم: إن شئتم أخبرتكم عمّا «٤» أردتم أن تسألونى قبل أن تتكلّموا، وإن أحببتم تكلّمتم وأخبرتكم! قالوا: بل أخبرنا قبل أن نتكلّم، قال: جئتم تسألوننى عن ذى القرنين، وسأخبركم كما «٥» تجدونه مكتوبا عندكم؛ إن أوّل أمره أنه غلام من الروم، أعطى ملكا، فسار حتى أتى ساحل البحر من أرض مصر، فابتنى عنده مدينة يقال لها الإسكندريّة فلما فرغ من بنائه أتاه ملك، فعرج به حتى استقلّه فرفعه، فقال: انظر ما تحتك فقال: أرى مدينتى، وأرى مدائن معها، ثم عرج به، فقال: انظر، فقال: قد اختلطت مدينتى مع المدائن فلا أعرفها.
ثم زاد فقال: انظر فقال: أرى مدينتى وحدها ولا أرى غيرها، قال له الملك: إنما تلك الأرض كلّها والذي ترى يحيط بها هو البحر، وإنّما أراد ربّك أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا فيها، وسوف تعلّم الجاهل وتثبّت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدّين وهما جبلان ليّنان يزلق عنهما كلّ شىء، فبنى السدّ، ثم أجاز يأجوج ومأجوج، فوجد قوما وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم قطعهم فوجد أمّة قصارا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب، ووجد أمّة من الغرانيق يقاتلون القوم القصار، ثم مضى فوجد
[ ٥٩ ]
أمّة من الحيّات تلتقم الحيّة منها الصخرة «١» العظيمة، ثم أفضى إلى البحر المدير «٢» بالأرض. فقالوا نشهد أن أمره هكذا كما ذكرت، وانّا نجده هكذا فى كتابنا.
(٣ وحدثنا عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الله البكّائى، عن محمد بن اسحاق، حدثنى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعىّ- وكان رجلا قد أدرك- أن رسول الله ﷺ، سئل عن ذى القرنين، فقال: ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب.
قال خالد: وسمع عمر بن الخطّاب ﵁ رجلا يقول: يا ذا القرنين، فقال عمر اللهم غفرا، أما رضيتم أن تسمّوا بالأنبياء حتى تسمّيتم بالملائكة ٣) .
حدثنا وثيمة بن موسى عمّن أخبره، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة عن الحسن، قال: كان ذو القرنين ملكا وكان رجلا صالحا.
قال: وإنما سمّى ذا القرنين كما حدثنا وثيمة «٤»، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبى حسين، عن أبى الطفيل، أن عليّا ﵁ سئل عن ذى القرنين فقال: لم يكن ملكا ولا نبيّا، ولكن كان عبدا صالحا، أحب الله فأحبّه الله، ونصح لله «٥» فنصحه الله، بعثه الله ﷿ إلى قومه فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله، ثم بعثه الى قومه فضربوه على قرنه فمات، فسمّى ذا القرنين.
قال عبد الرحمن «٦»: ويقال: إنما سمى ذا القرنين لأنه جاوز قرن الشمس من المغرب والمشرق «٧»، ويقال إنما سمّى ذا القرنين، لأنه كان له غديرتان من «٨» رأسه من شعر يطأ فيهما فيما ذكر إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران عن خازم بن حسين، عن يونس بن عبيد، عن الحسن.
[ ٦٠ ]
حدثنا عبد العزيز بن منصور اليحصبىّ، عن عاصم بن حكيم، عن أبى سريع الطائىّ، عن عبيد بن تعلى، قال: كان له قرنان صغيران تواريهما العمامة.
حدثنا أحمد بن محمد، عن عبد العزيز بن عمران، عن سليمان بن أسيد عن ابن شهاب، قال: إنما سمّي ذا القرنين أنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرن الشمس من مطلعها.
قال: وذكر بعض مشايخ أهل مصر عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب عمّن حدثه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال كان أوّل شأن الإسكندرية أن فرعون اتّخذ بها «١» مصانع ومجالس، وكان أوّل من عمرها وبنى فيها، فلم تزل «٢» على بنائه ومصانعه، ثم تداولها الملوك، ملوك مصر بعده، فبنت دلوكة ابنة زبّاء منارة الإسكندرية ومنارة بوقير بعد فرعون، فلما ظهر سليمان بن داود ﵇ على الأرض اتّخذ بها مجلسا، وبنى فيها مسجدا. ثم إنّ ذا القرنين ملكها، فهدم ما كان فيها من بناء الملوك والفراعنة وغيرهم، إلّا بناء سليمان بن داود، لم يهدمه ولم يغيّره، وأصلح ما كان رثّ منه، وأقرّ المنارة على حالها. ثم بنى الإسكندرية من أوّلها بناء يشبه بعضه بعضا، ثم تداولتها الملوك بعده من الروم وغيرهم؛ ليس من ملك إلّا يكون له بها بناء يضعه بالإسكندرية يعرف به وينسب إليه.
قال: ويقال إن الذي بنى منارة الإسكندرية قلبطرة الملكة، وهى التى ساقت خليجها حتى أدخلته الإسكندرية، ولم يكن يبلغها الماء، كان يعدل من قرية يقال لها كسّا قبالة الكريون، فحفرته حتى أدخلته الاسكندرية، وهى التى بلّطت قاعته.
قال ابن لهيعة: وبلغنى أنه وجد حجر بالإسكندرية مكتوب فيه: أنا شدّاد بن عاد، وأنا الذي نصب العماد، وحيّد الأحياد وسدّ بذراعه الواد، بنيتهنّ إذ لا شيب ولا موت، وإن الحجارة فى اللين مثل الطين. قال ابن لهيعة: والأحياد كالمغار. ويقال: إن الذي بنى الإسكندرية شدّاد بن عاد والله أعلم.
حدثنا إدريس بن يحيى الخولانى، حدثنا عبد الله بن عيّاش القتبانى، عن أبيه، عن
[ ٦١ ]
تبيع، قال: خمسة مساجد بالإسكندرية: مسجد موسى النبي ﵊ عند المنارة أقربها إلى الكنيسة «١»، ومسجد سليمان ﵇، ومسجد ذى القرنين أو الخضر ﵉، وهو الذي عند اللّبخات بالقيسارية، ومسجد الخضر أو ذى القرنين عند باب المدينة حين تخرج من الباب، ولكلّ واحد منهما مسجد، ولكن لا ندرى أين هو، ومسجد عمرو بن العاص الكبير.
حدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا عبد الرحمن بن شريح، عن قيس بن الحجّاج، عن تبيع، قال: إن فى الإسكندرية مساجد خمسة مقدّسة، منها: المسجد فى القيسارية التى تباع فيها المواريث، ومسجد اللبخات ومسجد عمرو بن العاص.
وكانت الإسكندرية كما حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم ثلاث مدن بعضها إلى جنب بعض: منّة وهى «٢» موضع المنارة وما والاها، والإسكندرية وهى موضع قصبة الإسكندرية اليوم، ونقيطة؛ وكان على كلّ واحدة منهن سور، وسور من خلف ذلك على الثلاث مدن؛ يحيط «٣» بهنّ جميعا.
حدثنا هانئ بن المتوكل، حدثنا عبد الله بن طريف الهمدانى، قال: كان على الإسكندرية سبعة حصون وسبعة خنادق.
حدثنا أسد بن موسى، عن خالد بن عبد الله، حدثنى ابن السدّىّ، عن أبيه قال:
كان أنف الاسكندر «٤» ثلاثة اذرع.
(* قال خالد وأبو حمزة: إن ذا القرنين لما بنى الإسكندرية رخّمها بالرخام الأبيض؛ جدرها وأرضها، وكان لباسهم فيها السواد والحمرة؛ فمن قبل ذلك ليس الرهبان السواد من نصوع بياض الرخام، ولم يكونوا يسرجون فيها بالليل من بياض الرخام، وإذا كان
[ ٦٢ ]
القمر أدخل الرجل الذي يخيط «١» بالليل فى ضوء القمر فى بياض الرخام الخيط فى حجر «٢» الإبرة «٣» .
قال ورأس الإسكندرية فيما ذكر بعض المشايخ لقد بنيت الإسكندرية ثلاثمائة سنة، وسكنت ثلاثمائة سنة، وخربت ثلاثمائة سنة، ولقد مكثت سبعين سنة ما يدخلها أحد إلّا وعلى بصره خرقة سوداء؛ من بياض جصّها وبلاطها، ولقد مكثت سبعين سنة ما يستسرج فيها.
وأخبرنا ابن أبى مريم، عن العطّاف بن خالد، قال: كانت الإسكندرية بيضاء تضيء بالليل والنهار، وكانوا إذا غربت الشمس لم يخرج أحد منهم من بيته ومن خرج اختطف، وكان منهم راع يرعى على شاطئ البحر، فكان يخرج من البحر شىء فيأخذ من غنمه، فكمن له الراعى فى موضع حتى خرج؛ فإذا جارية. فتشبّث بشعرها، ومانعته نفسها، فقوى عليها، فذهب بها إلى منزله فأنست بهم فرأتهم لا يخرجون بعد غروب الشمس، فسألتهم، فقالوا: من خرج منا اختطف فهيّأت لهم الطلسمات، فكانت أوّل من وضع الطلسمات بمصر فى الإسكندرية.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا إسماعيل بن عيّاش، عن هشام بن سعد المدينى قال: وجد حجر «٤» بالإسكندرية مكتوب فيه ثم ذكر مثل حديث ابن لهيعة سواء؛ وزاد فيه وكنزت فى البحر «٥» كنزا على اثنى عشر ذراعا لن يخرجه أحد حتى تخرجه أمة محمد ﷺ.
حدثنا محمد بن عبد الله البغدادى، عن داود، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، قال: كان الرخام قد سخّر لهم حتى يكون من بكرة إلى نصف «٦» النهار بمنزلة العجين، فإذا انتصف النهار اشتدّ*) .
[ ٦٣ ]
قال عبد الرحمن «١» وفى زمان شدّاد بن عاد، بنيت الأهرام كما ذكر عن بعض المحدّثين، ولم أجد عند أحد من أهل المعرفة من أهل مصر فى الأهرام خبرا يثبت، وفى ذلك يقول الشاعر «٢»:
حسرت عقول أولى النهى الأهرام واستصغرت لعظيمها الأحلام
ملس مبنّقة البناء شواهق قصرت لغال «٣» دونهنّ سهام
لم أدر حين كبا التفكّر دونها واستوهمت لعجيبها الأوهام
أقبور أملاك الأعاجم هنّ أم طلّسم رمل كنّ أم اعلام؟
حدثنا «٤» أسد بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن نوف، نحوه. ولم يذكر السرير.
(* فلما أن أغرق الله فرعون وجنوده كما حدثنا هانئ بن المتوكّل، عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب، عن تبيع، استأذن الذين كانوا آمنوا من السحرة موسى فى الرجوع إلى أهلهم ومالهم «٥» بمصر فأذن لهم، ودعا لهم، فترهّبوا فى رءوس الجبال، وكانوا أوّل من ترهّب، وكان يقال لهم الشيعة، وبقيت طائفة منهم مع موسى عليه
[ ٦٤ ]
السلام حتّى توفّاه الله ﷿، ثم انقطعت الرهبانيّة بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح ﵇*) .
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة عن ابن عبّاس فى قوله الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ «١»
قال: غلبتهم فارس، ثم غلبت الروم فارس فى أدنى الأرض، يقول فى طرف الأرض الشام.
وقد اختلف فى البضع (٢ فحدثنا الحارث بن مسكين، حدثنا ابن القاسم، عن مالك بن أنس، قال: البضع ٢) ما بين الثلاث إلى سبع.
حدثنا أسد، حدثنا عبد الله بن خالد، عن الكبى، عن أبى صالح، عن ابن عبّاس قال: بضع سنين، ما بين خمس إلى سبع.
حدثنا أسد، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبى الحويرث، أن رسول الله صلّى الله عليه واله قال:
البضع سنين ما بين خمس إلى سبع. ويقال البضع ما لم يبلغ العدد ما بين الواحد إلى أربع، ويقال إلى سبع وتسع وعشر، ويقال البضع ما بين العشرة إلى العشرين، وكذلك كلّ عقد إلى المائة، فإذا زاد على المائة انقطع البضع وصار نيّفا.
ذكر كتاب رسول الله صلّى الله عليه واله إلى المقوقس
(* حدثنا «٣» هشام بن إسحاق وغيره، قال: لما كانت سنة ستّ من مهاجرة «٤» رسول الله صلّى الله عليه واله، ورجع رسول الله صلّى الله عليه واله من الحديبية بعث إلى الملوك.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرنى يونس بن يزيد، عن ابن
[ ٦٥ ]
شهاب، قال: حدثنى عبد الرحمن بن عبد القارىّ، أن رسول الله صلّى الله عليه واله قام ذات يوم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وتشهد، ثم قال: أمّا بعد فإنى أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك العجم فلا تختلفوا علىّ كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى بن مريم، وذلك أن الله ﵎ أوحى إلى عيسى أن ابعث إلى ملوك الأرض فبعث الحواريّين، فأما القريب مكانا فرضى، وأما البعيد مكانا فكره، وقال: لا أحسن كلام من تبعثنى إليه، فقال عيسى: اللهمّ أمرت الحواريّين بالذى أمرتنى فاختلفوا علىّ؛ فأوحى الله إليه إنى سأكفيك، فأصبح كل إنسان منهم يتكلّم بلسان الذي وجه إليهم «١» .
فقال المهاجرون: يا رسول الله، والله لا نختلف عليك أبدا فى شىء، فمرنا وابعثنا، فبعث حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وشجاع بن وهب الأسدى [إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى، وعبد الله بن أبى حذافة السهمى «٢»] إلى كسرى، وبعث دحية بن خليفة إلى قيصر، وبعث عمرو بن العاص إلى ابنى الجلندى أميرى عمان، ثم ذكر الحديث.
ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق وغيره، قال: فمضى حاطب بكتاب رسول الله صلّى الله عليه واله، فلما انتهى إلى الإسكندرية وجد المقوقس فى مجلس مشرف على البحر، فركب البحر؛ فلما حاذى مجلسه، أشار بكتاب رسول الله صلّى الله عليه واله، بين إصبعيه فلما رآه أمر بالكتاب فقبض، وأمر به فأوصل إليه، فلما قرأ الكتاب قال: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو علىّ فيسلّط علىّ! فقال له، حاطب: ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل! فوجم ساعة، ثم استعادها فأعادها عليه حاطب، فسكت، فقال له حاطب: إنه قد كان قبلك رجل زعم أنه الربّ الأعلى فانتقم الله به ثمّ انتقم منه؛ فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك. وإنّ لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافى الله به فقد ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنّا نأمرك به، ثم قرأ الكتاب:
بسم الله الرّحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى المقوقس عظيم القبط، سلام
[ ٦٦ ]
على من اتّبع الهدى، أما بعد فانى أدعوك بدعاية «١» الإسلام، فأسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «٢» .
فلما قرأه أخذه، فجعله فى حقّ من عاج، وختم عليه*) .
حدثنا عبد الله بن سعيد المذحجى، عن ربيعة بن عثمان، عن أبان بن صالح، قال: (٣ أرسل المقوقوس إلى حاطب ليلة «٤»، وليس عنده أحد إلا ترجمان له فقال: ألا تخبرنى عن أمور أسألك عنها، فإنى أعلم أن صاحبك قد تخيّرك حين بعثك! قال: لا تسألنى عن شىء إلا صدقتك، قال إلام يدعو محمد؟ قال: إلى أن تعبد الله، لا تشرك به شيئا، وتخلع ما سواه، ويأمر بالصلاة. قال: فكم تصلّون؟ قال: خمس صلوات فى اليوم والليلة، وصيام شهر رمضان، وحجّ البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة والدّم.
قال: من أتباعه؟ قال: الفتيان من قومه وغيرهم، قال: فهل يقاتل قومه؟ قال: نعم، قال:
صفه لى، قال: فوصفه بصفة من صفته «٥»، لم آت عليها، قال: قد بقيت أشياء، لم أرك ذكرتها؛ فى عينيه حمرة قلّما تفارقه، وبين كتفيه خاتم النبوّة، يركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزئ بالتمرات «٦» والكسر، لا يبالى من لاقى من عمّ ولا ابن عمّ، قلت: هذه صفته قال: قد كنت أعلم أن نبيّا قد بقى، وقد كنت أظنّ أن مخرجه الشام «٧»، وهناك كانت تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج فى العرب، فى أرض جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعنى فى اتّباعه، ولا أحبّ أن يعلم بمحاورتى إيّاك، وسيظهر على البلاد وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما هاهنا «٨»، وأنا لا أذكر للقبط من هذا حرفا، فارجع إلى صاحبك ٣) .
[ ٦٧ ]
ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق، قال: ثم دعا كاتبا يكتب بالعربية فكتب لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط. سلام (١ أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيّا قد بقى؛ وقد كنت أظنّ أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها. والسلام ١) .
(٢ حدثنا أسد بن موسى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرنى يونس بن يزيد عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد القارىّ، قال: لمّا مضى حاطب بكتاب رسول الله صلّى الله عليه واله، قبل المقوقس الكتاب، وأكرم حاطبا، وأحسن نزله، ثم سرّحه إلى رسول الله صلّى الله عليه واله، وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة بسرجها وجاريتين، إحداهما أمّ إبراهيم، ووهب الأخرى لجهم بن قيس العبدرىّ، فهى أمّ زكرياء بن جهم، الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر ويقال: بل وهبها لحسان بن ثابت، فهى أمّ عبد الرحمن بن حسان؛ ويقال:
بل وهبها رسول الله صلّى الله عليه واله لمحمد بن مسلمة الأنصارى، ويقال: بل لدحية بن خليفة الكلبى ٢) .
حدثنا النضر بن سلمة السامىّ، عن حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد الليثى، عن المنذر بن عبيد، عن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت، عن أمّه سيرين «٣»، قالت:
حضرت موت إبراهيم، فرأيت رسول الله صلّى الله عليه واله كلّما صحت أنا وأختى ما ينهانا؛ فلما مات نهانا عن الصياح.
(* حدثنا عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الله البكّائى، عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة أن صفوان بن المعطّل ضرب حسان بن ثابت بالسيف قال ابن إسحاق فحدثنى محمد بن إبراهيم التيمى أن ثابت بن قيس بن شمّاس وثب على صفوان بن المعطّل حين ضرب حسان فجمع يديه إلى عنقه بحبل [ثم انطلق به إلى دار بنى الحارث بن الخزرج] فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ فقال: ضرب حسان
[ ٦٨ ]
بالسيف! والله ما أراه إلا قد قتله، قال: هل علم رسول الله صلّى الله عليه واله بشىء ممّا صنعت؟ قال:
لا، قال: لقد اجترأت أطلق الرجل فأطلقه ثم أتوا رسول الله صلّى الله عليه واله فذكروا ذلك له فدعا حسّان وصفوان بن المعطّل فقال آذانى يا رسول الله وهجانى فاحتملنى الغضب فضربته فقال رسول الله صلّى الله عليه واله: أحسن يا حسّان فى الذي قد أصابك، قال: هى لك فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه واله عوضا منها بيرحا وهى قصر بنى حديلة اليوم [بالمدينة] كانت مالا لأبي طلحة تصدّق بها إلى رسول الله صلّى الله عليه واله فأعطاها حسّان فى ضربته وأعطاه سيرين أمة قبطيّة فولدت له عبد الرحمن بن حسان*) .
حدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا ابن لهيعة قال حدثنى يزيد بن أبى حبيب أن المقوقس لما أتاه كتاب رسول الله صلّى الله عليه واله ضمّه: إلى صدره وقال: هذا زمان يخرج فيه النّبيّ الذي نجد نعته «١» وصفته فى كتاب الله وإنّا لنجد صفته أنه لا يجمع بين أختين «٢» فى ملك يمين ولا نكاح وأنه يقبل الهديّة ولا يقبل الصدقة وأن جلساءه المساكين وأن خاتم النّبوة بين كتفيه ثم دعا رجلا عاقلا ثم لم يدع بمصر أحسن ولا أجمل من مارية وأختها وهما من أهل حفن من كورة أنصنا فبعث بهما إلى رسول الله صلّى الله عليه واله وأهدى له بغلة شهباء وحمارا أشهب وثيابا من قباطىّ مصر وعسلا من عسل بنها وبعث إليه بمال صدقة وأمر رسوله أن ينظر من جلساؤه وينظر إلى ظهره هل يرى شامة كبيرة «٣» ذات شعر ففعل ذلك الرسول فلما قدم على رسول الله صلّى الله عليه واله قدّم إليه الأختين والدابّتين والعسل والثياب وأعلمه أن ذلك كله هديّة، فقبل رسول الله صلّى الله عليه واله الهديّة وكان لا يردّها من «٤» أحد من الناس. قال فلما نظر إلى مارية وأختها أعجبتاه وكره أن يجمع بينهما، وكانت إحداهما تشبه الأخرى فقال: اللهمّ اختر لنبيّك فاختار الله له مارية، وذلك أنه قال لهما: قولا نشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فبدرت مارية فتشهّدت وآمنت قبل أختها ومكثت أختها ساعة ثم تشهّدت وآمنت، فوهب رسول الله صلّى الله عليه واله أختها لمحمد بن مسلمة الأنصارى وقال بعضهم: بل وهبها لدحية بن خليفة الكلبىّ.
[ ٦٩ ]
(* قال فحدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة المهرى أحسبه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: دخل رسول الله صلّى الله عليه واله على أمّ إبراهيم أمّ ولده القبطية «١»، فوجد عندها نسيبا كان لها قدم معها من مصر، وكان كثيرا ما يدخل عليها فوقع فى نفسه شىء فرجع فلقيه عمر ابن الخطاب فعرف ذلك فى وجهه فسأله فأخبره فأخذ عمر السيف ثم دخل على مارية وقريبها عندها، فأهوى إليه بالسيف فلما رأى ذلك كشف عن نفسه وكان مجبوبا ليس بين رجليه شىء، فلما رآه عمر رجع إلى رسول الله صلّى الله عليه واله فأخبره فقال رسول الله صلّى الله عليه واله: إنّ جبريل أتانى فأخبرنى أنّ الله قد برّأها وقريبها وأن فى بطنها غلاما منى وأنه أشبه الخلق بى وأمرنى أن أسميّه إبراهيم وكنّانى بأبى إبراهيم*) .
وحدثنا دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد ابن أبى حبيب عن الزهرىّ عن أنس قال: لما ولدت أمّ إبراهيم إبراهيم كأنه وقع فى نفس النّبيّ صلّى الله عليه واله منه شىء حتى جاءه جبريل فقال السلام عليك يا أبا إبراهيم.
ويقال إن المقوقس بعث معها بخصىّ فكان يأوى إليها.
(* حدثنا أحمد بن سعيد الفهرى «٢» حدثنا مروان بن يحيى الحاطبىّ حدثنى إبراهيم بن عبد الرحمن بن أدعج قال حدثنى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه (قال: حدثنى يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه) «٣» عن جدّه حاطب بن أبى بلتعة قال بعثنى رسول الله صلّى الله عليه واله إلى المقوقس ملك الإسكندرية فجئته بكتاب رسول الله صلّى الله عليه واله فأنزلنى فى منزل وأقمت عنده ليالى ثم بعث إليّ وقد جمع بطارقته فقال إنى «٤» سأكلّمك بكلام وأحبّ أن تفهمه عنى قال قلت هلم قال أخبرنى عن صاحبك أليس هو بنبىّ؟ قال قلت: بلى هو رسول الله، قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على
[ ٧٠ ]
قومه حيث «١» أخرجوه من بلده إلى غيرها قال فقلت له فعيسى بن مريم تشهد «٢» أنه رسول الله فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه ألّا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه فى السماء الدنيا فقال أنت حكيم جاء من عند حكيم هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد وأرسل معك مبذرقة يبذر قونك إلى مأمنك «٣» قال فأهدى لرسول الله ﷺ ثلاث جوار منهنّ أمّ إبراهيم وواحدة وهبها رسول الله ﷺ لأبى جهم بن حذيفة العبدرى وواحدة وهبها لحسان بن ثابت وأرسل إليه بثياب مع طرف من طرفهم*) فولدت مارية لرسول الله ﷺ إبراهيم فكان من أحبّ الناس إليه حتى مات فوجد به رسول الله ﷺ.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرىّ أن رسول الله ﷺ صلى على ابنه ابراهيم وكبّر عليه أربعا قال ورشّ الماء على قبره كما حدثنا ابن بكير. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا قريش ابن حيّان عن ثابت البنانىّ عن أنس بن مالك قال دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبى سيف قين كان بالمدينة وكان ظئر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ فأتاه بإبراهيم فشمّه ثم دخلنا عليه وهو فى الموت فذرفت عيناه فقال له ابن عوف وأنت يا رسول الله قال إنها رحمة وأتبعها بالأخرى تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما لا يرضى ربّنا. وحدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم حدثنا مسلم بن خالد الزنجى عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء ابنة يزيد أنها حدثته قالت لما توفّى إبراهيم بكى رسول الله ﷺ فقال أبو بكر وعمر أنت أحقّ من علم الله حقّه قال تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب ولولا أنه وعد صادق وموعد «٤» جامع وأن الآخر منّا يتبع الأوّل لوجدنا عليك يا إبراهيم أشدّ ممّا وجدنا وإنا بك لمحزونون.
حدثنا على بن معبد حدثنا عيسى بن يونس عن محمد بن أبى ليلى عن عطاء ابن أبى رباح، عن جابر بن عبد الله، قال: أخذ رسول الله ﷺ بيد عبد الرحمن بن
[ ٧١ ]
عوف فانطلق به إلى النخل الذي فيه ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه فأخذه فوضعه فى حجره ثم بكى فقال له عبد الرحمن تبكى! أو لم تكن نهيت عن البكاء قال: لا ولكنى نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشقّ جيوب ورنّة شيطان، وصوت عند نغمة لهو ومزامير شيطان وهذه رحمة ومن لا يرحم لا يرحم ولولا أنه أمر حق ووعد صدق «١» وأنها سبيل مأتيّة لحزنّا عليك حزنا هو أشدّ «٢» من هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول ما يسخط الربّ.
حدثنا النضر بن سلمة، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن السامىّ «٣» حدثنا حاتم «٤» ابن إسماعيل حدثنا أسامة بن زيد عن المنذر بن عبيد عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أمّه سيرين أخت مارية قالت: رأى رسول الله ﷺ فرجة فى القبر يعنى قبر إبراهيم فأمر بها فسدت فقيل يا رسول الله فقال: أما إنما لا تضرّ ولا تنفع ولكن تقرّ بعين الحىّ وإن العبد إذا عمل عملا أحبّ الله أن يتقنه.
حدثنا دحيم حدثنا مروان بن معاوية عن إسرائيل عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال: كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ فقال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان «٥» لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فعليكم بالدعاء حتى ينكشفا.
قال ولما ولدت أمّ إبراهيم كما حدثنا القعنبىّ عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله ابن عباس عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما ولدت مارية قال رسول الله ﷺ أعتقها ولدها وكان سنّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ يوم مات كما حدثنا على بن معبد «٦» عن عيسى بن يونس عن الأعمش عن رجل قد سمّاه عن البراء بن عازب ستّة عشر شهرا فقال رسول الله ﷺ: إن له ظئرا فى الجنّة يتمّ رضاعه. وحدثنا يزيد بن أبى سلمة عن
[ ٧٢ ]
عبد الرحمن بن زياد حدثنا الحجاج بن أرطأة عن أبى بكر بن عمرو عن يزيد بن البراء عن أبيه قال: لما توفّى إبراهيم قال رسول الله ﷺ: إن له مرضعا فى الجنّة يتمّ بقيّة رضاعه.
ثم رجع إلى حديث يزيد بن أبى حبيب قال وكانت البلغة والحمار أحبّ دوابّه إليه وسمّى البغلة دلدل وسمى الحمار يعفور وأعجبه العسل فدعا فى عسل بنها بالبركة وبقيت تلك الثياب حتى كفن فى بعضها ﷺ.
حدثنا محمد بن عبد الجبّار حدثنا موسى بن داود عن سلّام عن عبد لملك بن عبد الرحمن عن الحسن العرنى عن أشعث بن طليق عن مرّة بن المطلب أو الطيّب عن عبد الله بن مسعود. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا القاسم بن عبد الله عن عبيد الله بن عمر عن الثقة عن ابن مسعود قال قلنا يا رسول الله فيم نكفنك؟ قال: فى ثيابى هذه أو فى ثياب مصر. قال محمد بن عبد الجبار فى حديثه أو فى ثياب مصر أو فى حلّة قال أحدهما أو فى يمنة.
قال ابن أبى مريم قال ابن لهيعة وكان اسم أخت مارية قيصرا. «١» ويقال بل كان اسمها سيرين «٢» .
وحدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن الأعرج قال بعث المقوقس صاحب الإسكندرية بمارية وأختها حنّة فأسكنها رسول الله ﷺ فى صدقته فى بنى قريظة.
وحدثنا هانئ بن المتوكّل حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب وابن هبيرة أن الحسن بن علىّ كلّم معاوية بن أبى سفيان فى أن يضع الجزية عن جميع قرية أمّ إبراهيم لحرمتها ففعل ووضع الخراج عنهم فلم يكن على أحد منهم خراج وكان جميع أهل القرية من أهلها وأقربائها فانقطعوا إلا بيتا واحدا قد بقى منهم أناس.
حدثنا عبد الملك بن [مسلمة حدثنا إسماعيل بن «٣»] عيّاش عن أبى بكر بن أبى
[ ٧٣ ]
مريم عن راشد بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: لو بقى إبراهيم ما تركت قبطيّا إلّا وضعت عنه الجزية وكانت وفاة مارية فى المحرّم سنة خمس عشرة ودفنت بالبقيع وصلىّ عليها عمر بن الخطاب. وكان الرسول بها من قبل المقوقس كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، ابن جبر.
ثم إن أبا بكر الصدّيق بعد وفاة رسول الله ﷺ كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علىّ بن رباح اللخمىّ بعث حاطبا إلى المقوقس بمصر فمرّ على ناحية قرى الشرقية «١» فهادنهم وأعطوه فلم يزالوا على ذلك حتى دخلها عمرو بن العاص فقاتلوه فانتقض ذلك العهد. قال عبد الملك وهى أوّل هدنة كانت بمصر.
(٢ قال ابن هشام: اسم أبى بلتعة عمرو وحاطب لخمى ٢) وفى ذلك يقول حسان ابن ثابت كما حدثنا وثيمة بن موسى:
قل لرسل النّبيّ صاح الى النا س شجاع ودحية بن خليفه
ولعمرو وحاطب وسليط ولعمرو وذاك رأس الصحيفه
فى أبيات ذكر فيها رسل النبي ﷺ إلى الملوك.
ذكر سبب دخول عمرو بن العاص مصر
قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح قال فلما كانت سنة ثمانى عشرة وقدم عمر الجابية خلا به عمرو بن العاص فاستأذنه فى المسير إلى مصر، وكان عمرو قد دخل مصر فى الجاهليّة وعرف طرقها ورأى كثرة ما فيها، وكان سبب دخول عمرو إياها كما حدثنا يحيى بن خالد العدوىّ عن ابن لهيعة ويحيى بن أيوب «٣» عن خالد بن يزيد أنه بلغه أن عمرا قدم إلى بيت المقدس لتجارة فى نفر من قريش فإذا هم بشمّاس من شمامسة الروم من أهل الإسكندرية قدم للصلاة فى بيت المقدس، فخرج فى بعض
[ ٧٤ ]
جبالها يسيح «١»، وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه، وكانت رعية الإبل نوبا بينهم.
فبينا عمرو يرعى إبله إذ مرّ به ذلك الشمّاس وقد أصابه عطش شديد فى يوم شديد الحرّ، فوقف على عمرو فاستسقاه فسقاه عمرو من قربة له، فشرب حتى روى ونام الشمّاس مكانه. وكانت إلى جنب الشمّاس حيث نام حفرة فخرجت منها حيّة عظيمة، فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم «٢» فقتلها، فلما استيقظ الشماس نظر إلى حيّة عظيمة قد أنجاه الله منها. فقال: لعمرو: ما هذه؟ فأخبره عمرو أنه رماها فقتلها. فأقبل إلى عمرو فقبل رأسه وقال: قد أحيانى «٣» الله بك مرّتين، مرّة من شدّة العطش، ومرّة من هذه «٤» الحيّة. فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع أصحاب لى نطلب الفضل فى تجارتنا. فقال له الشمّاس: وكم تراك ترجو أن تصيب فى تجارتك؟ قال: رجائى أن أصيب ما أشترى به بعيرا، فإنى لا أملك إلّا بعيرين، فأملى أن أصيب بعيرا آخر فتكون ثلاثة أبعرة.
فقال له الشمّاس: أرأيت دية أحدكم بينكم كم هى؟ قال: مائة من الإبل. قال له الشمّاس: لسنا أصحاب إبل إنما نحن أصحاب دنانير قال يكون ألف دينار فقال له الشمّاس: إنى رجل غريب فى هذه البلاد وإنما قدمت أصلّى فى كنيسة بيت المقدس وأسيح فى هذه الجبال «٥» شهرا جعلت ذلك نذرا على نفسى وقد قضيت ذلك وأنا أريد الرجوع إلى بلادى فهل لك أن تتبعنى إلى بلادى ولك عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين لأن الله تعالى أحيانى بك مرّتين فقال له عمرو أين بلادك؟ قال: مصر فى مدينة يقال لها الإسكندرية فقال له عمرو لا أعرفها ولم أدخلها قطّ فقال له الشمّاس لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قطّ مثلها فقال عمرو وتفى لى بما تقول وعليك بذلك العهد والميثاق؟ فقال له الشمّاس نعم لك الله علىّ بالعهد والميثاق أن أفى لك وأن أردّك إلى أصحابك فقال عمرو وكم يكون مكثى فى ذلك؟ قال شهرا تنطلق معى ذاهبا عشرا وتقيم عندنا عشرا وترجع فى عشر ولك علىّ أن أحفظك ذاهبا وأن أبعث معك من يحفظك راجعا فقال له عمرو أنظرنى حتى أشاور أصحابى فى ذلك فانطلق عمرو إلى
[ ٧٥ ]
أصحابه فأخبرهم بما عاهده عليه الشمّاس وقال لهم تقيموا علىّ حتى أرجع إليكم ولكم علىّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك على أن يصحبنى رجل منكم آنس به فقالوا نعم وبعثوا معه رجلا منهم، فانطلق عمرو وصاحبه مع الشمّاس إلى مصر حتى انتهى إلى الإسكندرية، فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير ما أعجبه، وقال ما رأيت مثل مصر قطّ وكثرة ما فيها من الأموال ونظر إلى الإسكندرية وعمارتها وجودة بنائها وكثرة أهلها وما بها من الأموال فازداد عجبا. ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيدا فيها عظيما يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم ولهم أكرة من ذهب مكلّلة يترامى بها ملوكهم وهم يتلقّونها بأكمامهم. وفيما اختبروا من تلك الأكرة على ما وضعها من مضى منهم أنها من وقعت الأكرة فى كمّه واستقرّت فيه لم يمت حتى يملكهم. فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشمّاس الإكرام كلّه وكساه ثوب ديباج ألبسه إيّاه وجلس عمرو والشمّاس مع الناس. فى ذلك المجلس حيث يترامون بالأكرة وهم يتلقّونها بأكمامهم فرمى بها رجل منهم فأقبلت تهوى حتى وقعت فى كمّ عمرو فعجبوا من ذلك وقالوا ما كذبتنا هذه الأكرة قط إلّا هذه المرّة. أترى هذا الأعرابىّ يملكنا هذا ما لا يكون أبدا! وان ذلك الشمّاس مشى فى أهل الإسكندرية وأعلمهم أن عمرا أحياه مرّتين وأنه قد ضمن له ألفى دينار وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم ففعلوا ودفعوها إلى عمرو فانطلق عمرو وصاحبه وبعث معهما الشماس دليلا ورسولا وزودّهما وأكرمهما حتى رجع وصاحبه إلى أصحابهما، فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد وأكثره مالا. فلما رجع عمرو إلى أصحابه دفع إليهم فيما بينهم ألف دينار وأمسك لنفسه ألفا قال عمرو فكان أوّل مال اعتقدته وتأثّلته.
ذكر فتح مصر
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبى جعفر، وعيّاش ابن عبّاس القتبانىّ وغيرهما، يزيد بعضهم على بعض، قال: (* فلما قدم عمر بن الخطاب
[ ٧٦ ]
الجابية «١» قام إليه عمرو فخلا به وقال يا أمير المؤمنين ائذن «٢» لى أن أسير إلى مصر وحرّضه عليها وقال إنك إن فتحتها كانت قوّة للمسلمين وعونا لهم، وهى أكثر الأرض أموالا وأعجزها عن القتال والحرب، فتخّوف عمر بن الخطّاب على المسلمين، وكره ذلك، فلم يزل عمرو يعظّم أمرها عند عمر بن الخطّاب ويخبره بحالها ويهوّن عليه فتحها حتى ركن «٣» لذلك عمر، فعقد له على أربعة آلاف رجل كلهم من عكّ. ويقال بل ثلاثة آلاف وخمسمائة.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمرو بن العاص دخل مصر بثلاثة آلاف وخمسمائة.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب مثله، إلّا أنه قال: ثلثهم غافق.
قال ثم رجع إلى حديث عثمان «٤» قال: فقال له عمر: سر وأنا مستخير الله فى مسيرك، وسيأتيك كتابى سريعا إن شاء الله، فإن أدركك كتابى آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئا من أرضها فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابى فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره.
فسار عمرو بن العاص من جوف الليل ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمر الله فكأنه تخوّف على المسلمين فى وجههم ذلك، فكتب إلى عمرو بن العاص أن ينصرف بمن معه من المسلمين، فأدرك الكتاب عمرا وهو برفح، فتخوّف عمرو بن العاص إن هو أخذ الكتاب وفتحه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه وسار كما هو حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش، فسأل
[ ٧٧ ]
عنها فقيل إنها من مصر «١»، فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين، فقال عمرو لمن معه:
ألستم تعلمون أن هذه القرية من مصر؟ قالوا: بلى، قال: فإنّ «٢» أمير المؤمنين عهد إلىّ وأمرنى إن لحقنى كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، ولم يلحقنى كتابه حتى دخلنا أرض مصر، فسيروا وامضوا على بركة الله «٣» .
ويقال بل كان عمرو بفلسطين، فتقدّم بأصحابه إلى مصر بغير إذن فكتب فيه إلى عمر، فكتب إليه عمر وهو دون العريش، فحبس الكتاب فلم يقرأه حتى بلغ العريش فقرأه، فإذا فيه: من عمر بن الخطّاب إلى العاص بن العاص، أمّا بعد، فإنك سرت إلى مصر ومن «٤» معك، وبها جموع الروم، وإنما معك نفر يسير، ولعمرى لو كانوا ثكل أمّك ما سرت بهم، فإن لم تكن بلغت مصر فارجع. فقال عمرو: الحمد لله، أيّة أرض هذه؟ قالوا: من مصر، فتقدّم كما هو*) . حدثنا ذلك عثمان بن صالح عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب.
ويقال بل كان عمرو فى جنده على قيساريّة مع من كان بها من أجناد المسلمين، وعمر بن الخطّاب إذ ذاك بالجابية، فكتب سرّا، فاستأذن إلى مصر، وأمر أصحابه فتنحّوا كالقوم الذين يريدون أن يتنحّوا من منزل إلى منزل قريب، ثم سار بهم ليلا، فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا الذي فعل، ورأوا أن قد غرر، فرفعوا ذلك إلى عمر ابن الخطّاب، فكتب إليه عمر: إلى العاص بن العاص، أما بعد، فإنك قد غررت بمن معك، فإن أدركك كتابى ولم تدخل مصر فارجع، وإن أدركك وقد دخلت «٥» فامض واعلم أنى ممدّك. فيما حدثنا عبد الله بن مسلمة، ويحيى بن خلد، عن الليث بن سعد.
قال ويقال: إن عمر بن الخطّاب كتب إلى عمرو بن العاص بعد ما فتح الشام: أن اندب الناس إلى المسير معك إلى مصر، فمن خفّ معك فسر به وبعث به مع شريك بن عبدة، فندبهم عمرو فأسرعوا إلى الخروج مع عمرو، ثم إن عثمان بن عفان دخل على
[ ٧٨ ]
عمر بن الخطّاب، فقال عمر: كتبت إلى «١» عمرو بن العاص يسير إلى مصر من الشام، فقال عثمان: يا أمير المؤمنينّ، إن عمرا لمجرّأ، وفيه إقدام وحب للإمارة، فأخشى أن يخرج فى غير ثقة ولا جماعة، فيعرّض المسلمين للهلكة رجاء فرصة لا يدرى «٢» تكون أم لا، فندم عمر بن الخطاب على كتابه إلى عمرو إشفاقا ممّا قال عثمان، فكتب إليه إن أدركك كتابى قبل أن تدخل مصر فارجع إلى موضعك، وإن كنت دخلت فامض لوجهك.
(* وكانت صفة عمرو بن العاص كما حدثنا سعيد بن عفير، عن الليث بن سعد، قصيرا عظيم الهامة، ناتئ الجبهة، واسع الفم، عظيم اللحية، عريض ما بين المنكبين، عظيم الكفّين والقدمين. قال الليث يملأ هذا المسجد.
قال فلمّا بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر، توجّه إلى الفسطاط فكان يجهّز على عمرو الجيوش، وكان على القصر رجل من الروم يقال له الأعيرج «٣» واليا عليه، وكان «٤» تحت يدى المقوقس، وأقبل عمرو حتى إذا كان بجبل الحلال نفرت معه راشدة وقبائل من لخم، فتوجّه عمرو حتى إذا كان بالعريش أدركه النحر.
فحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال:
فضحّى عمرو عن أصحابه يومئذ بكبش.
وكان رجل ممّن كان خرج مع عمرو بن العاص حين خرج من الشام إلى مصر كما حدثنا هانئ بن المتوكل، عن أبى شريح عبد الرحمن بن شريح، عن عبد الكريم بن الحارث أصيب بجمل له، فأتى إلى عمرو يستحمله، فقال له عمرو: تحمّل مع أصحابك حتى نبلغ «٥» أوائل العامر، فلما بلغوا العريش جاءه فأمر له بجملين «٦»، ثم قال له: لن تزالوا بخير ما رحمتكم أئمّتكم، فإذا لم يرحموكم هلكتم وهلكوا.
[ ٧٩ ]
قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح، قال: فتقدّم «١» عمرو بن العاص فكان أول موضع قوتل فيه الفرما، قاتلته الروم قتالا شديدا نحوا من شهر، ثم فتح الله على يديه.
وكان عبد الله بن سعد، كما حدثنا سعيد بن عفير على ميمنة عمرو بن العاص منذ توجّه من قيساريّة إلى أن فرغ من حربه.
وقال غير ابن عفير من مشايخ أهل مصر: وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له أبو بنيامين فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر، كتب إلى القبط يعلّمهم أنه لا تكون للروم دولة وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقّى عمرو. فيقال إن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعوانا.
قال عثمان فى حديثه ثم توجّه عمرو لا يدافع الا بالأمر الخفيف، حتى نزل القواصر*) .
فحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، حدثنا عبد الرحمن بن شريح، أنه سمع شراحيل بن يزيد، يحدّث عن أبى الحسين، أنه سمع رجلا من لخم يحدث كريب بن أبرهة، قال: كنت أرعى غنما لأهلى «٢» بالقواصر، فنزل عمرو ومن معه فدنوت إلى أقرب «٣» منازلهم، فإذا بنفر من القبط كنت قريبا منهم فقال بعضهم لبعض:
ألا تعجبون من هؤلاء القوم يقدمون على جموع الروم، وإنما هم فى قلّة من الناس، فأجابه رجل آخر منهم، فقال: إنّ هؤلاء القوم لا يتوجّهون إلى أحد إلا ظهروا عليه، حتى يقتلوا خيرهم، قال فقمت إليه فأخذت بتلابيبه فقلت: أنت تقول هذا. انطلق معى إلى عمرو بن العاص حتى يسمع الذي قلت فطلب إلىّ أصحابه وغيرهم حتى خلّصوه، فرددت الغنم إلى منزلى، ثم جئت حتى دخلت فى القوم.
قال عثمان فى حديثه فيقدم «٤» عمرو لا يدافع إلّا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس، فقاتلوه به نحوا من شهر حتى فتح الله عليه، ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر
[ ٨٠ ]
حتى أتى أمّ دنين، فقاتلوه بها قتالا شديدا وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر يستمدّه فأمدّه بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف فقاتلهم.
ثم رجع إلى حديث ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح، عن شراحيل بن يزيد، عن أبى الحسين، أنه سمع رجلا من لخم. قال: فجاء رجل إلى عمرو بن العاص فقال اندب معى خيلا حتى آتى من ورائهم عند القتال، فأخرج معه خمسمائة فارس، فساروا من وراء الجبل حتى دخلوا مغار بنى وائل قبل الصبح. وكانت الروم قد خندقوا خندقا وجعلوا له أبوابا وبثّوا فى أفنيتها «١» حسك الحديد. فالتقى القوم حين صبحوا «٢»، وخرج اللخمىّ بمن معه من ورائهم فانهزموا حتى دخلوا الحصن.
قال غير ابن وهب: بعث خمسمائة عليهم خارجة بن حذافة، قال: فلما كان فى وجه الصبح نهض القوم فصلّوا الصبح ثم ركبوا خيلهم. وغدا عمرو بن العاص على القتال فقاتلهم «٣» من وجههم وحملت «٤» الخيل التى وجّه من ورائهم وأقحمت عليهم فانهزموا، وكانوا قد خندقوا حول الحصن وجعلوا للخندق أبوابا.
قال ابن وهب فى حديثه عن عبد الرحمن بن شريح: فسار عمرو بمن معه حتى نزل على الحصن فحاصرهم حتى سألوه أن يسيّر منهم بضعة عشر أهل بيت ويفتحوا له الحصن ففعل ذلك، ففرض «٥» عليهم عمرو لكلّ رجل من أصحابه دينارا وجبّة وبرنسا وعمامة وخفّين، وسألوه أن يأذن لهم أن يهيئوا له ولأصحابه صنيعا ففعل.
فحدثنى أبى عبد الله بن عبد الحكم، أن عمرو بن العاص أمر أصحابه فتهيّأوا ولبسوا البرود ثم أقبلوا.
قال ابن وهب فى حديثه: فلما فرغوا من طعامهم سألهم عمرو كم أنفقتم؟
قالوا: عشرين ألف دينار، قال عمرو: لا حاجة لنا بصنيعكم بعد اليوم، أدّوا إلينا عشرين ألف دينار. فجاءه النفر من القبط فاستأذنوه إلى قراهم وأهليهم، فقال لهم عمرو: كيف
[ ٨١ ]
رأيتم أمرنا؟ قالوا: لم نر إلّا حسنا، فقال الرجل الذي قال فى المرّة الأولى ما قال لهم:
إنكم لن تزالوا تظهرون على كلّ من لقيتم حتى تقتلوا خيركم رجلا، فغضب عمرو وأمر به فطلب إليه أصحابه وأخبروه أنه لا يدرى ما يقول حتى خلّصوه، فلما بلغ عمرا قتل عمر بن الخطّاب أرسل فى طلب ذلك القبطىّ فوجده «١» قد هلك، فعجب عمرو من قوله.
قال غير ابن وهب، قال عمرو بن العاص: فلما طعن عمر بن الخطاب قلت هو ما قال القبطىّ، فلما حدّثت أنه إنما قتله أبو لؤلؤة رجل نصرانىّ، قلت: لم يعن هذا، إنما عنى من قتله المسلمون، فلما قتل عثمان عرفت أنّ ما قال الرجل حقّ.
قال أبى فى حديثه: فلما فرغوا من صنيعهم أمر عمرو بن العاص بطعام فصنع لهم وأمرهم أن يحضروا لذلك، فصنع لهم الثريد والعراق وأمر أصحابه بلباس الأكسية واشتمال الصمّاء والقعود على الركب، فلما حضرت الروم وضعوا كراسىّ الديباجّ «٢» فجلسوا عليها، وجلست العرب إلى جوانبهم، فجعل الرجل من العرب يلتقم اللقمة العظيمة من الثريد وينهش من ذلك اللحم فيتطاير على من إلى جنبه من الروم، فبشعت الروم بذلك، وقالوا: أين أولئك الذين كانوا أتونا قبل؟ فقيل لهم: أولئك أصحاب المشورة، وهؤلاء أصحاب الحرب.
قال: وقد سمعت فى فتح القصر وجها غير هذا.
حدثنا عثمان بن صالح، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبى جعفر، وعياش ابن عبّاس وغيرهما «٣»، يزيد بعضهم على بعض، أن عمرو بن العاص حصرهم بالقصر الذي يقال له بابليون «٤» حيّنا، وقاتلهم قتالا شديدا يصبّحهم ويمسّيهم، فلما أبطأ الفتح عليه، كتب إلى عمر بن الخطّاب يستمدّه «٥» ويعلمه ذلك «٦»، فأمدّه عمر بأربعة آلاف
[ ٨٢ ]
رجل على كلّ ألف رجل منهم رجل، وكتب إليه عمر بن الخطاب: إنى قد أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كلّ ألف رجل منهم رجل مقام الألف «١»، الزبير بين العوّام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلّد. وقال آخرون: بل خارجة بن حذافة الرابع، لا يعدّون مسلمة.
وقال عمر بن الخطاب: اعلم أنّ معك اثنى عشر ألفا ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلّة.
قال عثمان، قال ابن وهب: فحدثنى الليث بن سعد، قال: بلغنى عن كسرى أنه كان له رجال إذا بعث أحدهم فى جيش وضع من عدّة الجيش الذي كان معه ألفا مكانه لإجزاء ذلك الرجل فى الحرب، وإذا احتاج إلى أحدهم فكان فى جيش فحبسه لحاجته إليه، زادهم ألف رجل.
قال الليث: فأنزلت الذي صنع عمر بن الخطاب فى بعثته بالزبير والمقداد ومن بعث معهما نحو ما كان يصنع كسرى.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: كان عمر بن الخطّاب قد أشفق على عمرو فأرسل الزبير فى أثره فى اثنى عشر ألفا فشهد معه الفتح.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث وابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمر بن الخطّاب بعث الزبير بن العوّام فى اثنى عشر ألفا.
وقال غير عثمان: فكانوا قد خندقوا حول حصنهم، وجعلوا للخندق أبوابا وجعلوا سكك الحديد موتدة بأفنية الأبواب، وكان عمرو قد قدم من الشام فى عدّة قليلة، فكان يفرّق أصحاب ليرى العدوّ «٢» أنهم أكثر ممّا هم، فلمّا انتهى إلى الخندق نادوه أن قد رأينا ما صنعت، وإنما معك من أصحابك كذا وكذا، فلم يخطئوا برجل واحد، فأقام عمرو على ذلك أيّاما، يغدو فى السحر فيصفّ أصحابه على أفواه الخندق عليهم السلاح، فبينا هو على ذلك إذ جاءه خبر الزبير بن العوّام ثم قدم الزبير بن العوّام فى اثنى عشر ألفا،
[ ٨٣ ]
فتلقّاه عمرو، ثم أقبلا يسيران، ثم لم يلبث الزبير أن ركب ثم طاف بالخندق ثم فرّق الرجال حول الخندق.
ثم رجع إلى حديث عثمان، عن ابن لهيعة، قال: فلما قدم المدد على عمرو بن العاص ألحّ على القصر ووضع عليه المنجنيق، وقال عمرو يومئذ:
يوم لهمدان ويوم للصّدف والمنجنيق فى لىّ تختلف
وعمرو يرقل ارقال الشّيخ الخرف
وكان عمرو إنما يقف تحت راية بلىّ فيما يزعمون.
(* وقد كان عمرو بن العاص كما أخبرنى شيخ من أهل مصر قد دخل إلى صاحب الحصن فتناظرا فى شىء مما هم فيه، فقال عمرو: أخرج أستشير «١» أصحابى، وقد كان صاحب الحصن أوصى الذي على باب إذا مرّ به «٢» عمرو أن يلقى عليه صخرة فيقتله، فمرّ عمرو، وهو يريد الخروج، برجل من العرب، فقال له: قد دخلت فانظر كيف تخرج، فرجع عمرو إلى صاحب الحصن، فقال له: إنى أريد أن آتيك بنفر من أصحابى حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت. فقال العلج فى نفسه: قتل جماعة أحبّ إلىّ من قتل واحد، وأرسل إلى الذي كان أمره بما أمره به من قتل عمرو ألّا تعرّض «٣» له رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم وخرج عمرو.*) هذا أو معناه.
حدثنا عيسى بن حمّاد. قال: لما حصر المسلمون الحصن، كان عبادة بن الصامت فى ناحية يصلّى وفرسه عنده، فرآه قوم من الروم فخرجوا إليه وعليهم «٤» حلية وبزّة فلما دنوا منه سلّم من صلاته، ووثب على فرسه، ثم حمل عليهم، فلما رأوه غير مكذّب عنهم ولّوا راجعين، واتّبعهم، فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم، ولا يلتفت إليه حتى دخلوا الحصن، ورمى عبادة من فوق الحصن بالحجارة،
[ ٨٤ ]
فرجع ولم يعرض لشىء مما كانوا طرحوا من متاعهم حتى رجع إلى موضعه الذي كان به، فاستقبل الصلاة، وخرج الروم إلى متاعهم يجمعونه «١» .
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا المفضّل بن فضالة، أخبرنا عياش بن عبّاس القتبانىّ، عن شييم «٢» بن بيتان، عن شيبان بن أميّة، عن رويفع بن ثابت، قال:
كان أحدنا فى زمان رسول الله ﷺ يأخذ نضو أخيه على أن يعطيه النصف مما يغنم، وله النصف، حتى إنّ أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح «٣» . وإنّ رسول الله ﷺ قال: من استنجى برجيع دابّته أو بعظم فإن محمّدا منه برئ.
قال عيّاش بن عبّاس: وأخبرنى شييم بن بيتان، عن أبى سالم الجيشانى أنه سمع عبد الله بن عمرو وهو مرابط حصن بابليون، يحدّث عن رسول الله ﷺ بهذا الحديث.
(٤ قال عثمان فى حديثه: فلما أبطأ الفتح على عمرو بن العاص، قال الزبير: إنى أهب نفسى لله، أرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلّما إلى جانب الحصن «٥» من ناحية سوق الحمّام، ثم صعد، وأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا.
قال غير عثمان: فما شعروا إلّا والزبير على رأس الحصن يكبّر، معه «٦» السيف، وتحامل الناس على السلّم حتى نهاهم عمرو خوفا من أن ينكسر.
قال ثم رجع إلى حديث عثمان، قال: فلما اقتحم الزبير، وتبعه من تبعه، وكبّر وكبّر من معه، وأجابهم المسلمون من خارج لم يشكّ أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعا، فهربوا، فعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه، واقتحم المسلمون الحصن، فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه فحينئذ سأل عمرو بن العاص الصلح ودعاه إليه على أن يفرض للعرب على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم فأجابه عمرو إلى ذلك ٤) .
[ ٨٥ ]
حدثنا سعيد بن عفير، قال: وصعد مع الزبير الحصن محمّد بن مسلمة ومالك بن أبى سلسلة السلامىّ، ورجال من بنى حرام، وأن شرحبيل بن حجيّة المرادىّ نصب سلّما آخر من ناحية زقاق الزمامرة اليوم، فصعد عليه، فكان بين الزبير وبين شرحبيل شىء على باب أو مدخل، فكأنّ شرحبيل نال من الزبير بعض ما كره، فبلغ ذلك عمرو بن العاص، فقال له: استقد منه إن شئت، فقال الزبير: أمن نغفة من نغف اليمن أستقيد يا بن النابغة؟
وكانت صفة الزبير بن العوّام، كما حدثنا هشام بن إسحاق فيما يزعمون، أبيض حسن القامة، ليس بالطويل، قليل شعر اللحية أهلب؛ كثير شعر الجسد.
وكان مكثهم كما حدثنا عثمان بن صالح، عن عبد الله بن وهب، عن الليث على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر. وقد سمعت فى فتح القصر وجها آخر مخالفا للحديثين جميعا. والله أعلم.
(١ حدثنا عثمان بن صالح، أخبرنا خالد بن نجيح، عن يحيى بن أيّوب، وخالد بن حميد، قالا: حدثنا خالد بن يزيد، عن جماعة من التابعين، بعضهم يزيد على بعض، أن المسلمين لما حاصروا بابليون، وكان به جماعة من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم وعليهم المقوقس «٢»، فقاتلوهم بها شهرا، فلما رأى القوم الجدّ منهم على فتحه، والحرص، ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه، خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحّى المقوقس وجماعة من أكابر القبط، وخرجوا من باب القصر القبلىّ ودونهم جماعة يقاتلون العرب فلحقوا بالجزيرة موضع الصناعة اليوم، وأمروا بقطع الجسر وذلك فى جرى النيل. وزعم بعض مشايخ أهل مصر أن الأعيرج «٣» كان تخلّف «٤» فى الحصن بعد المقوقس، فلما خاف فتح الحصن ركب هو وأهل القوّة والشرف، وكانت سفنهم ملصقة بالحصن ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة ١) .
[ ٨٦ ]
(* ثم رجع إلى حديث يحيى بن أيّوب، وخالد بن حميد، قال: فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص إنكم قوم قد ولجتم فى بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم فى أرضنا، وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلّتكم الروم وجهّزوا إليكم ومعهم من العدّة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى فى أيدينا، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم «١»، فلعلّه أن يأتى الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبّون ونحبّ، وينقطع عنّا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه، ولعلّكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم، فابعث إلينا رجالا من أصحابكم «٢» نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شىء. فلما أتت عمرو ابن العاص رسل المقوقس حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس، فقال لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل، ويحبسونهم «٣»، ويستحلّون ذلك فى دينهم؟ وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين، فردّ عليهم عمرو مع رسله، أنه ليس بينى وبينكم إلّا إحدى ثلاث خصال: إمّا أن دخلتم «٤» فى الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإمّا أن جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
فلما جاءت رسل المقوقس إليه، قال: لهم كيف رأيتموهم؟ قالوا: رأينا قوما الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحبّ إليه من الرفعة، ليس لأحدهم فى الدنيا رغبة ولا نهمة «٥» إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركّبهم وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيّد فيهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلّف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويتخشّعون فى صلاتهم.
فقال عند ذلك المقوقس: والذي يحلف به لو أنّ هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها،
[ ٨٧ ]
وما يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل، لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من موضعهم.
فردّ إليهم «١» المقوقس رسله ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم، ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.
فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر، أحدهم عبادة بن الصامت.
حدثنا سعيد بن عفير، قال: أدرك الإسلام من العرب عشرة نفر طول كلّ رجل منهم عشرة أشبار، عبادة بن الصامت أحدهم.
ثم رجع إلى حديث عثمان قال: وأمره عمرو أن يكون متكلّم القوم، وألّا يجيبهم إلى شىء دعوه إليه إلّا إحدى هذه الثلاث خصال؛ فإن أمير المؤمنين قد تقدّم إلىّ فى ذلك، وأمرنى ألّا أقبل شيئا سوى خصلة من هذه الثلاث خصال*) .
(* وكان عبادة بن الصامت أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس، ودخلوا عليه، تقدّم عبادة، فهابه المقوقس لسواده فقال: نحّوا عنّى هذا الأسود، وقدّموا غيره يكلّمنى، فقالوا جميعا: إنّ هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيّدنا وخيرنا والمقدّم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به، وأمرنا بأن لا نخالف رأيه وقوله، قال: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم؟ وإنما ينبغى أن يكون هو دونكم، قالوا: كلّا، إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعا، وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيّا، وليس ينكر السواد فينا.
فقال المقوقس لعبادة: تقدّم يا أسود، وكلّمنى برفق؛ فإنى أهاب سوادك، وإن اشتدّ كلامك علىّ ازددت لذلك هيبة، فتقدّم إليه عبادة، فقال: قد سمعت مقالتك، وإنّ فيمن خلّفت من أصحابى ألف رجل أسود، كلّهم أشدّ سوادا منى وأفظع منظرا ولو رأيتهم «٢» لكنت أهيب لهم منك لى، وأنا قد وليت، وأدبر شبابى، وإنى مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوّى لو استقبلونى جميعا، وكذلك أصحابى، وذلك أنّا
[ ٨٨ ]
إنما رغبتنا وهمّتنا الجهاد فى الله واتباع رضوانه، وليس غزونا عدوّنا ممّن حارب الله لرغبة فى دنيا، ولا طلبا للاستكثار منها؛ إلا أن الله قد أحلّ ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا، وما يبالى أحدنا أكان له قنطار من ذهب، أم كان لا يملك إلّا درهما! لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسدّ بها جوعته لليله ونهاره، وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه فى طاعة الله واقتصر على هذا الذي بيده ويبلغه ما كان فى الدنيا، لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء فى الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا، وأمرنا به نبيّنا، وعهد إلينا ألا تكون همّة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته، ويستر عورته، وتكون همّته وشغله فى رضا ربّه وجهاد عدوّه.
فلما سمع المقوقس ذلك منه، قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قطّ! لقد هبت منظره، وإنّ قوله لأهيب عندى من منظره؛ إنّ هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض ما أظنّ ملكهم إلا سيغلب على الأرض «١» كلّها.
ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصامت، فقال: أيّها الرجل الصالح، قد سمعت مقالتك، وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمرى ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبّهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجّه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده قوم معروفون بالنجدة والشدّة، ما يبالى أحدهم من لقى، ولا من قاتل، وإنّا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلّتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا، وأنتم فى ضيق وشدّة من معاشكم وحالكم، ونحن نرقّ عليكم لضعفكم وقلّتكم وقلّة ما بأيديكم؛ ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكلّ رجل منكم دينارين دينارين؛ ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به*) .
«٢» فقال عبادة بن الصامت: يا هذا؛ لا تغرنّ نفسك ولا أصحابك، أمّا ما تخوّفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنّا لا نقوى عليهم فلعمرى ما هذا بالذى تخوّفنا
[ ٨٩ ]
به، ولا بالذى يكسرنا عمّا نحن فيه، إن كان ما قلتم حقّا فذلك والله أرغب ما يكون «١» فى قتالهم، وأشدّ لحرصنا عليهم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربّنا إذا قدمنا عليه، إن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا فى رضوانه وجنّته، وما من شىء أقرّ لأعيننا، ولا أحبّ إلينا من ذلك؛ وإنّا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين؛ إمّا أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنها لأحبّ الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منّا، وإن الله ﷿ قال لنا فى كتابه: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ «٢»
، وما منّا رجل الّا وهو يدعو ربّه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة، وألّا يردّه إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا همّ فيما خلّفه، وقد استودع كلّ واحد منا ربّه أهله وولده؛ وإنما همّنا ما أمامنا.
وأمّا قولك: إنا فى ضيق وشدّة من معاشنا وحالنا؛ فنحن فى أوسع السعة لو كانت الدنيا كلّها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه.
فانظر الذي تريد فبيّنه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك، ولا نجيبك إليها إلّا خصلة من ثلاث، فاختر أيّها شئت، ولا تطمع نفسك فى الباطل؛ بذلك أمرنى الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله ﷺ من قبل إلينا، إمّا أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا، وكان أخانا فى دين الله؛ فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك، فقد سعدتم فى الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحلّ أذاكم، ولا التعرّض لكم، فإن أبيتم إلا الجزية فأدّوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، نعاملكم على شىء نرضى به نحن وأنتم فى كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم فى شىء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم، إذ كنتم فى ذمّتنا، وكان لكم به عهد علينا «٣»، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت من آخرنا، أو نصيب ما نريد منكم؛ هذا ديننا الذي ندين الله به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم.
[ ٩٠ ]
فقال له المقوقس: هذا ما لا يكون أبدا، ما تريدون إلا أن تتخذونا نكون لكم عبيدا ما كانت الدنيا.
فقال له عبادة بن الصامت: هو ذاك، فاختر ما شئت.
فقال له المقوقس: أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الثلاث خصال؟ فرفع عبادة يديه، فقال: لا وربّ هذه السماء وربّ هذه الأرض وربّ كل شىء، ما لكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم.
فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه، فقال: قد فرغ القوم فما ترون؟ فقالوا:
أو يرضى أحد بهذا الذلّ! أمّا ما أرادوا من دخولنا فى دينهم؛ فهذا ما لا يكون أبدا أن نترك دين المسيح ابن مريم وندخل فى دين غيره لا نعرفه، وأمّا ما أرادوا من أن يسبونا ويجعلونا عبيدا فالموت أيسر من ذلك؛ لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا، كان أهون علينا.
فقال المقوقس لعبادة: قد أبى القوم فما ترى؟ فراجع صاحبك، على أن نعطيكم فى مرّتكم هذه ما تمنّيتم «١» وتنصرفون.
فقام عبادة وأصحابه، فقال المقوقس عند ذلك لمن حوله: أطيعونى وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث، فو الله ما لكم بهم طاقة، ولئن لم تجيبوا إليها طائعين، لتجيبنّهم إلى ما هو أعظم كارهين.
فقالوا: وأىّ خصلة نجيبهم إليها؟ قال: إذا أخبركم، أمّا دخولكم فى غير دينكم، فلا آمركم به، وأما قتالهم فأنا اعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تصبروا صبرهم، ولا بدّ من الثالثة؛ قالوا: أفنكون لهم عبيدا أبدا؟ قال: نعم تكونوا عبيدا مسلّطين فى بلادكم، آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم خير لكم من أن تموتوا من آخركم، وتكونوا عبيدا تباعوا وتمزّقوا فى البلاد مستعبدين أبدا، أنتم وأهلوكم وذراريكم، قالوا: فالموت أهون علينا.
[ ٩١ ]
وأمروا بقطع الجسر «١» من «٢» الفسطاط؛ وبالجزيرة «٣» وبالقصر من جمع «٤» القبط والروم جمع كثير، فألحّ عليهم المسلمون عند ذلك بالقتال على من فى القصر حتى ظفروا بهم، وأمكن الله منهم، فقتل منهم خلق كثير، وأسر من أسر، وانحازت السفن كلّها إلى الجزيرة، وصار المسلمون قد أحدق بهم الماء من كل وجه «٥»، لا يقدرون على أن ينفذوا «٦» نحو الصعيد، ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى، والمقوقس يقول لأصحابه: ألم أعلمكم هذا وأخافه عليكم؟ ما تنتظرون! فو الله لتجيبنّهم «٧» إلى ما أرادوا طوعا أو لتجيبنهّم «٧» إلى ما هو أعظم منه كرها، فأطيعونى من قبل أن تندموا.
فلما رأوا منهم ما رأوا، وقال لهم المقوقس ما قال، أذعنوا بالجزية، ورضوا بذلك على صلح يكون بينهم يعرفونه، وأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: إنى لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التى أرسلت إلىّ بها، فأبى ذلك علىّ من حضرنى من الروم والقبط، فلم يكن لى أن أفتات عليهم فى أموالهم، وقد عرفوا نصحى لهم وحبّى صلاحهم، ورجعوا إلى قولى، فأعطنى أمانا أجتمع أنا وأنت فى نفر من أصحابى وأنت فى نفر من أصحابك، فإن استقام الأمر بيننا تمّ ذلك لنا جميعا؛ وإن لم يتمّ رجعنا إلى ما كنّا عليه.
فاستشار عمرو أصحابه فى ذلك فقالوا: لا نجيبهم إلى شىء من الصلح ولا الجزية، حتى يفتح الله علينا وتصير الأرض كلّها لنا فيئا وغنيمة، كما صار لنا القصر وما فيه، فقال عمرو: قد علمتم ما عهد إلىّ أمير المؤمنين فى عهده، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التى عهد إلىّ فيها أجبتهم إليها، وقبلت منهم، مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم. فاجتمعوا على عهد بينهم، واصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران ديناران عن كل نفس شريفهم
[ ٩٢ ]
ووضيعهم، من «١» بلغ الحلم منهم، ليس على الشيخ الفانى، ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم ولا النساء «٢» شىء، وعلى أن للمسلمين عليهم النزل لجماعتهم حيث نزلوا، ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين أو أكثر من ذلك، كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام مفترضة «٣» عليهم، وأن لهم أرضهم وأموالهم، لا يعرض لهم فى شىء منها.
فشرط هذا كلّه على القبط خاصّة، وحصوا «٤» عدد القبط يومئذ خاصّة من بلغ منهم الجزية، وفرض عليه الديناران، رفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكّدة، فكان جميع من أحصى يومئذ بمصر أعلاها وأسفلها من جميع القبط فيما أحصوا وكتبوا ورفعوا «٥» أكثر من ستّة آلاف ألف نفس، فكانت فريضتهم يومئذ اثنى عشر ألف ألف دينار فى كل سنة.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة عن يحيى بن ميمون الحضرمىّ، قال: لما فتح عمرو بن العاص مصر، صالح عن جميع من فيها من الرجال من القبط ممّن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم امرأة ولا شيخ ولا صبىّ، فأحصوا بذلك على دينارين دينارين، فبلغت عدّتهم ثمانية.
قال وحدثنى عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، أن المقوقس صالح عمرو بن العاص على أن يفرض على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم.
ثم رجع إلى حديث يحيى بن أيوب وخالد بن حميد، قال: وشرط المقوقس للروم أن يخيّروا، فمن أحبّ منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على ذلك لازما له، مفترضا عليه ممّن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلّها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج، وعلى أن للمقوقس الخيار فى الروم خاصّة؛ حتى يكتب إلى ملك
[ ٩٣ ]
الروم يعلمه ما «١» فعل، فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم؛ وإلا كانوا جميعا على ما كانوا عليه.
وكتبوا به كتابا، وكتب المقوقس إلى ملك الروم كتابا يعلمه على وجه الأمر كلّه، فكتب إليه ملك الروم يقبّح رأيه ويعجّزه، ويردّ عليه ما فعل، ويقول فى كتابه: إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفا، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى؛ فإن كان القبط كرهوا القتال، وأحبّوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا، فإنّ عندك بمصر من الروم بالإسكندرية «٢» ومن معك أكثر من مائة ألف، معهم العدّة والقوّة.
والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت، فعجزت عن قتالهم، ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم فى حال القبط أذلّاء، ألا تقاتلهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت، أو تظهر «٣» عليهم؛ فإنهم فيكم على قدر كثرتكم وقوّتكم، وعلى قدر قلّتهم وضعفهم كأكلة، فناهضهم القتال، ولا يكون لك رأى غير ذلك. وكتب ملك الروم بمثل ذلك كتابا إلى جماعة الروم.
فقال المقوقس لّما أتاه كتاب ملك الروم: والله إنهم على قلّتهم وضعفهم أقوى وأشدّ منّا على كثرتنا وقوّتنا، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منّا؛ وذلك أنهم قوم الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقتل «٤»، يتمنّى ألّا يرجع إلى أهله ولا بلده ولا ولده، ويرون أن لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منا، ويقولون:
إنهم إن قتلوا دخلوا الجنّة، وليس لهم رغبة فى الدنيا، ولا لذّة إلّا قدر بلغة العيش من الطعام واللباس، ونحن قوم نكره الموت، ونحبّ الحياة ولذّتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء، وكيف صبرنا معهم! واعلموا معشر الروم، والله إنى لا أخرج مما دخلت فيه، ولا صالحت العرب عليه؛ وإنى لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى رأيى وقولى «٥» وتتمنون أن لو كنتم أطعتمونى؛ وذلك أنى قد عاينت ورأيت، وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره، ولم
[ ٩٤ ]
يعرفه، ويحكم! أما يرضى أحدكم أن يكون آمنا فى دهره على نفسه وماله وولده بدينارين فى السنة!
ثم أقبل المقوقس إلى عمرو بن العاص، فقال له: إنّ الملك قد كره ما فعلت وعجّزنى، وكتب إلىّ وإلى جماعة الروم ألا نرضى بمصالحتك، وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم، ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه، وإنما سلطانى على نفسى ومن أطاعنى، وقد تمّ صلح القبط فيما بينك وبينهم؛ ولم يأت من قبلهم نقض، وأنا متمّ لك على نفسى، والقبط متمّون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاهدتهم، وأما الروم فأنا منهم برئ. وأنا أطلب إليك أن تعطينى ثلاث خصال.
قال له عمرو: ما هنّ؟ قال: لا تنقض بالقبط، وأدخلنى معهم وألزمنى ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتى وكلمتهم على ما عاهدتك عليه، فهم متمّون لك على ما تحبّ.
وأما الثانية إن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئا وعبيدا، فإنهم أهل ذلك، لأنى «١» نصحتهم فاستغشّونى، ونظرت لهم فاتّهمونى. وأما الثالثة، أطلب إليك إن أنا متّ، تأمرهم يدفنونى فى أبى يحنّس بالإسكندرية.
فأنعم له عمرو بن العاص بذلك وأجابه إلى ما طلب، على أن يضمنوا له الجسرين جميعا، ويقيموا لهم الأنزال والضيافة والأسواق والجسور؛ ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية ففعلوا.
وقال عثمان: وصارت لهم القبط أعوانا كما جاء فى الحديث.
ويقال: إن المقوقس إنما صالح عمرو بن العاص على الروم وهو محاصر الإسكندرية.
حدثنا يحيى بن خالد العدوىّ، عن الليث بن سعد، أن عمرو بن العاص لما فتح «٢» الإسكندرية حاصر أهلها ثلاثة أشهر، وألحّ عليهم، وخافوه، وسأله المقوقس الصلح عنهم كما صالحه على القبط على أن يستنظر رأى الملك.
قال فحدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، أن
[ ٩٥ ]
المقوقس الرومىّ الذي كان ملكا على مصر، صالح عمرو بن العاص على أن يسير من الروم من أراد المسير ويقرّ من أراد الإقامة من الروم على أمر قد سمّاه، فبلغ ذلك هرقل ملك الروم فتسخّطه أشدّ التسخّط، وأنكره أشدّ الإنكار، وبعث الجيوش فأغلقوا الإسكندرية وآذنوا عمرو بن العاص بالحرب، فخرج إليه المقوقس فقال أسألك ثلاثا، قال:
ما هنّ؟ قال: لا تبذل للروم ما بذلت لى، فإنى قد نصحت لهم فاستغشوا نصحى ولا تنقض بالقبط فإن النقض لم يأت من قبلهم، وأن تأمر بى إذا متّ فادفنّي فى أبى يحنّس، فقال عمرو: هذه أهونهنّ علينا.
ثم رجع إلى حديث عثمان، قال: فخرج عمرو بن العاص بالمسلمين حين أمكنهم الخروج، وخرج معه جماعة من رؤساء القبط وقد «١» أصلحوا لهم الطرق، وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصارت لهم القبط أعوانا على ما أرادوا من قتال الروم، وسمعت بذلك الروم فاستعدّت واستجاشت، وقدمت عليهم مراكب كثيرة من أرض الروم فيها جمع من الروم عظيم بالعدّة والسلاح، فخرج إليهم عمرو بن العاص من الفسطاط متوجّها إلى الإسكندرية، فلم يلق منهم أحدا حتى بلغ ترنوط، فلقى بها طائفة من الروم فقاتلوه قتالا خفيفا، فهزمهم الله ومضى عمرو بمن معه حتى لقى جمع الروم بكوم شريك، فاقتتلوا به ثلاثة أيام ثم فتح الله للمسلمين وولىّ الروم أكتافهم.
ويقال بل أرسل عمرو بن العاص شريك بن سمىّ فى آثارهم كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب فأدركهم عند الكوم الذي يقال له كوم شريك فقاتلهم شريك فهزمهم.
قال غير عبد الملك بن مسلمة: فلقيهم شريك بكوم شريك وكان على مقدّمة عمرو بن العاص وعمرو بترنوط فألجأوه إلى الكوم فاعتصم به، وأحاطت الروم به، فلما رأى ذلك شريك بن سمىّ أمر أبا ناعمة مالك بن ناعمة الصدفىّ «٢» وهو صاحب الفرس الأشقر الذي يقال له أشقر صدف، وكان لا يجارى سرعة فانحطّ عليهم من الكوم، وطلبته الروم فلم تدركه حتى أتى عمرا فأخبره، فأقبل عمرو متوجّها نحوه وسمعت به الروم فانصرفت.
[ ٩٦ ]
وبالفرس الأشقر سمّيت خوخة الأشقر التى بمصر، وذلك أن الفرس نفق فدفنه صاحبه هنالك، فسمّى المكان به.
ثم رجع إلى حديث يحيى بن أيّوب، وخالد بن حميد، قال: ثم التقوا بسلطيس فاقتتلوا بها قتالا شديدا، ثم هزمهم الله، ثم التقوا بالكريون فاقتتلوا بها بضعة عشر يوما، وكان عبد الله بن عمرو على المقدّمة، وحامل اللواء يومئذ وردان مولى عمرو.
فحدثنا طلق بن السمح، ويحيى بن عبد الله بن بكير، قالا: حدثنا ضمام بن إسماعيل المعافرى حدثنا أبو قبيل، عن عبد الله بن عمرو، أنه لقى العدوّ بالكريون، وكان على المقدّمة، وحامل اللواء وردان مولى عمرو، فأصابت عبد الله بن عمرو جراحات كثيرة، فقال: يا وردان، لو تقهقرت قليلا نصيب الروح؛ فقال: وردان: الروح تريد؟ الروح أمامك وليس هو خلفك، فتقدّم عبد الله فجاءه رسول أبيه يسأله عن جراحه، فقال عبد الله:
أقول إذا جاشت النفس إصبرى فعمّا قليل تحمدى أو تلامى «١»
فرجع الرسول إلى عمرو، فأخبره بما قال، فقال عمرو: هو ابنى حقّا.
حدثنا عثمان بن صالح أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب أن عمرو بن العاص صلى يومئذ صلاة الخوف.
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، والنضر بن عبد الجبّار، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، أن شيخا حدّثهم أنه صلّى صلاة الخوف بالإسكندرية مع عمرو بن العاص بكلّ طائفة ركعة وسجدتين.
ثم رجع إلى حديث يحيى بن أيّوب، وخالد بن حميد، قال: ثم فتح الله للمسلمين «٢» وقتل منهم المسلمون مقتلة عظيمة، واتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية، فتحصّن بها الروم، وكانت عليهم حصون مبنيّة لا ترام، حصن دون حصن، فنزل المسلمون ما بين حلوة إلى قصر فارس، إلى ما وراء ذلك؛ ومعهم رؤساء القبط يمدّونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة والعلوفة.
[ ٩٧ ]
قال: فحدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا ابن لهيعة، عن بكر بن عمرو الخولانى، أن عبد العزيز بن مروان حين قدم الإسكندرية سأل عن فتحها، فقيل له: لم يبق ممّن أدرك فتحها إلا شيخ كبير من الروم، فأمرهم فأتوه به، فسأله عمّا حضر من فتح الإسكندرية، فقال: كنت غلاما شابّا، وكان لى صاحب ابن بطريق «١» من بطارقة الروم، فأتانى، فقال: ألا تذهب بنا حتى ننظر إلى هؤلاء العرب الذين يقاتلوننا؟ فلبس ثياب ديباج، وعصابة ذهب، وسيفا محلّى، وركب برذونا سمينا كثير اللحم، وركبت أنا برذرنا خفيفا، فخرجنا من الحصون كلها حتى برزنا على شرف، فرأينا قوما فى خيام لهم عند كل خيمة فرس مربوط ورمح مركوز، ورأينا قوما ضعفاء، فعجبنا من ضعفهم، وقلنا: كيف بلغ هؤلاء القوم ما بلغوا؟ فبينا نحن وقوف ننظر إليهم ونعجب إذ خرج رجل منهم من بعض تلك الخيام، فنظر، فلما رآنا حلّ فرسه، فمعّكه، ثم مسحه، ووثب على ظهره وهو عرى، وأخذ الرمح بيده، وأقبل نحونا، فقلت لصاحبى: هذا والله يريدنا، فلما رأيناه مقبلا إلينا لا يريد غيرنا أدبرنا مولّين نحو الحصن، وأخذ فى طلبنا، فلحق صاحبى لأن برذونه كان ثقيلا كثير اللحم، فطعنه برمحه، فصرعه، ثم خضخض الرمح فى جوفه حتى قتله.
ثم أقبل فى طلبى، وبادرت، وكان برذونى خفيف اللحم، فنجوت منه حتى دخلت الحصن؛ فلما دخلت الحصن أمنت، فصعدت على سور الحصن أنظر إليه، فإذا هو لمّا أيس منى رجع، فلم يبال بصاحبى الذي قتله، ولم يرغب فى سلبه، ولم ينزعه عنه، وقد كان سلبه ثياب الديباج وعصابة من ذهب ولم يطلب دابّته، ولم يلتفت إلى شىء من ذلك، وانصرف من طريق أخرى، وأنا انظر إليه، وأسمعه يتكلّم بكلام، ويرفع به صوته، فظننت أنه إنما يقرأ بقرآن العرب، فعرفت عند ذلك أنهم إنما قووا على ما قووا عليه، وظهروا على البلاد لأنهم لا يطلبون الدنيا ولا يرغبون فى شىء منها، حتى بلغ خيمته، فنزل عن فرسه فربطه، وركز رمحه، ودخل خيمته، ولم يعلم بذلك أحدا من أصحابه.
فقال عبد العزيز: صف لى ذلك الرجل وهيئته وحالته «٢» فقال: نعم، هو قليل
[ ٩٨ ]
دميم، ليس بالتّام من الرجال فى قامته، ولا فى لحمه، رقيق آدم كوسج. فقال عبد العزيز عند ذلك: إنه ليصف صفة رجل يمانىّ.
قال: وحدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا محمد بن يحيى الإسكندرانىّ، قال: نزل عمرو بن العاص بحلوة فأقام بها شهرين، ثم تحوّل إلى المقس، فأخرجت عليه الخيل من ناحية البحيرة مستترة بالحصن، فواقعوه، فقتل من المسلمين يومئذ بكنيسة الذهب اثنى عشر رجلا.
ثم رجع إلى حديث يحيى بن أيوب، وخالد بن حميد، قال: ورسل ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية فى المراكب بمادّة الروم، وكان ملك الروم يقول: لئن ظهرت العرب على الإسكندرية، إن ذلك انقطاع ملك الروم وهلاكهم؛ لأنه ليس للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية، وإنما كان عيد الروم بالإسكندرية حيث غلبت العرب على الشام، فقال الملك: لئن غلبونا على الإسكندرية لقد هلكت الروم، وانقطع ملكها، فأمر بجهازه ومصلحته لخروجه إلى الإسكندرية، حتى يباشر قتالها بنفسه إعظاما لها، وأمر ألا يتخلّف عنه أحد من الروم، وقال: ما بقاء الروم بعد الإسكندرية، فلما فرغ من جهازه صرعه الله فأماته، وكفى المسلمين مئونته، وكان موته فى سنة تسع عشرة، فكسر الله بموته شوكة الروم، فرجع جمع كثير ممن كان قد توجّه إلى الإسكندرية.
حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: مات هرقل فى سنة عشرين، وفيها فتحت «١» قيسارية الشام «٢» .
قال ثم رجع إلى حديث يحيى بن أيوب، وخالد بن حميد، قال: واستأسدت العرب عند ذلك، وألحّت بالقتال على أهل الإسكندرية فقاتلوهم قتالا شديدا.
فحدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، قال:
خرج طرف من الروم من باب حصن الإسكندرية، فحملوا على الناس فقتلوا رجلا من مهرة فاحتزّوا رأسه، وانطلقوا به «٣»، فجعل المهريّون يتغضّبون ويقولون: لا ندفنه أبدا إلّا
[ ٩٩ ]
برأسه، فقال عمرو بن العاص: تتغضّبون كأنكم تتغضّبون على من يبالى بغضبكم، احملوا على القوم إذا خرجوا فاقتلوا منهم رجلا، ثم ارموا برأسه يرموكم برأس صاحبكم؛ فخرجت الروم إليهم، فاقتتلوا، فقتل من الروم رجل من بطارقتهم، فاحتزّوا رأسه، فرموا به إلى الروم، فرمت الروم برأس المهرىّ إليهم، فقال: دونكم الآن، فادفنوا صاحبكم.
وكان عمرو بن العاص كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، يقول: ثلاث قبائل من مصر، أمّا مهرة فقوم يقتلون ولا يقتلون، وأمّا غافق فقوم يقتلون ولا يقتلون «١»، وأمّا بلىّ فأكثرها رجلا صحب رسول الله ﷺ وأفضلها فارسا.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ضمام بن إسماعيل، حدثنا عيّاش بن عباس، أنه قال: لمّا حاصر المسلمون الإسكندرية، قال لهم صاحب المقدّمة: لا تعجلوا حتى آمركم برأيى، فلما فتح الباب دخل رجلان، فقتلا، فبكى صاحب المقدّمة، فقيل له: لم بكيت وهما شهيدان «٢»؟ قال: ليت أنّهما شهيدان، ولكن «٣» سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل الجنّة عاص، وقد أمرت ألّا يدخلوا حتى يأتيهم رأيى، فدخلوا بغير إذنى.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، عن موسى بن علىّ، أن رجلا قال لعمرو بن العاص: لو جعلت المنجنيق ورميتهم به لهدم منه حائطهم، فقال عمرو: أتستطيع أن تغبّى مقامك من الصفّ؟ قال الليث: وقيل لعمرو، إن العدوّ قد غشوك، ونحن نخاف على رائطة، يريدون امرأته، قال: إذا تجدون رياطا كثيرة.
ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح، قال: حدثنى خالد بن نجيح، قال: أخبرنى الثقة أنّ عمرو بن العاص قاتل الروم بالإسكندرية يوما من الأيام قتالا شديدا؛ فلما استحرّ القتال بينهم بارز رجل من الروم مسلمة بن مخلّد، فصرعه الرومى وألقاه عن فرسه، وهوى «٤» إليه ليقتله حتى حماه رجل من أصحابه؛ وكان مسلمة لا يقام لسبيله «٥»،
[ ١٠٠ ]
ولكنها مقادير، ففرحت «١» بذلك الروم، وشقّ ذلك على المسلمين، وغضب عمرو بن العاص لذلك، وكان مسلمة كثير اللحم، ثقيل البدن. فقال عمرو بن العاص عند ذلك:
ما بال الرجل المسّته الذي يشبه النساء يتعرّض مداخل الرجال ويتشبّه بهم؟ فغضب من ذلك مسلمة، ولم يراجعه.
ثم اشتدّ القتال حتى اقتحموا حصن الإسكندرية، فقاتلتهم «٢» العرب فى الحصن، ثم جاشت عليهم الروم حتى أخرجوهم جميعا من الحصن إلّا أربعة نفر، بقوا فى الحصن، وأغلقوا عليهم باب الحصن، أحدهم عمرو بن العاص، والآخر مسلمة بن مخلّد، ولم نحفظ «٣» الآخرين وحالوا بينهم وبين أصحابهم ولا تدرى الروم من هم، فلما رأي ذلك عمرو بن العاص وأصحابه التجأوا إلى ديماس من حمّاماتهم، فدخلوا فيه فاحترزوا به، فأمروا روميّا أن يكلّمهم بالعربيّة، فقال لهم: إنكم قد صرتم بأيدينا أسارى، فاستأسروا ولا تقتلوا أنفسكم، فامتنعوا عليهم؛ ثم قال لهم: إن فى أيدى أصحابكم منّا رجالا أسروهم ونحن نعطيكم العهود، نفادى بكم أصحابنا، ولا نقتلكم، فأبوا عليهم.
فلما رأى ذلك الرومىّ منهم قال لهم: هل لكم الى خصلة وهى نصف «٤» فيما بيننا وبينكم، أن تعطونا العهد ونعطيكم مثله على أن يبرز منكم رجل، ومنّا رجل، فإن غلب صاحبنا صاحبكم استأسرتم لنا، وأمكنتمونا من أنفسكم، وإن غلب صاحبكم صاحبنا خلّينا سبيلكم إلى أصحابكم، فرضوا بذلك وتعاهدوا عليه، وعمرو ومسلمة وصاحباهما فى الحصن فى الديماس، فتداعوا إلى البراز، فبرز رجل من الروم قد وثقت الروم بنجدته وشدّته، وقالوا: يبرز رجل منكم لصاحبنا. فأراد عمرو أن يبرز فمنعه مسلمة، وقال: ما هذا؟ تخطئ مرّتين، تشذّ عن «٥» أصحابك وأنت أمير، وإنما قوامهم بك وقلوبهم معلّقة نحوك، لا يدرون ما أمرك، ثم لا ترضى حتى تبارز وتتعرض للقتل، فإن قتلت كان ذلك بلاء على أصحابك. مكانك وأنا أكفيك إن شاء الله.
[ ١٠١ ]
فقال عمرو: دونك، فربّما فرجها الله بك، فبرز مسلمة والرومىّ، فتجاولا ساعة، ثم أعانه الله عليه فقتله، فكبّر مسلمة وأصحابه، ووفى لهم الروم بما عاهدوهم عليه، ففتحوا لهم باب الحصن، فخرجوا، ولا تدرى الروم أن أمير القوم فيهم، حتى بلغهم بعد ذلك، فأسفوا على ذلك، وأكلوا أيديهم تغيّظا على ما فاتهم.
فلما خرجوا استحيا عمرو مما كان قال لمسلمة حين غضب، فقال عمرو عند ذلك: استغفر لى ما كنت قلت لك، فاستغفر له. وقال عمرو: ما أفحشت قطّ إلّا ثلاث مرار «١»، مرّتين فى الجاهليّة، وهذه الثالثة، وما منهنّ مرّة إلا وقد ندمت واستحييت، وما استحييت من واحدة منهنّ أشدّ مما استحييت مما قلت لك، وو الله إنى لأرجو ألا أعود إلى الرابعة ما بقيت.
قال: ثم رجع إلى حديث عثمان، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال:
أقام عمرو بن العاص محاصرا الإسكندرية أشهرا، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطّاب قال:
ما أبطأوا «٢» بفتحها إلا لما أحدثوا.
حدثنا يحيى بن خالد، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: لما أبطأ على عمر بن الخطّاب فتح مصر، كتب إلى عمرو بن العاص: أمّا بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر؛ إنكم تقاتلونهم منذ سنتين؛ وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحبّ عدوّكم، وإن الله ﵎ لا ينصر قوما إلا بصدق «٣» نيّاتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكونوا غيّرهم ما غيّر غيرهم؛ فإذا أتاك كتابى هذا، فاخطب الناس، وحضّهم على قتال عدوّهم، ورغبهم فى الصبر والنيّة، وقدّم أولئك الأربعة فى صدور الناس، ومر الناس جميعا أن يكون «٤» لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزّل الرحمة ووقت الإجابة، وليعجّ الناس إلى الله، ويسألوه النصر على عّدوهم.
[ ١٠٢ ]
فلما أتى عمرا الكتاب، جمع الناس، وقرأ عليهم كتاب عمر، ثم دعا أولئك النفر، فقدّمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهّروا، ويصلّوا ركعتين، ثم يرغبوا الى الله ﷿ ويسألوه النصر، ففعلوا ففتح الله عليهم «١» .
ويقال إن عمرو بن العاص استشار مسلمة بن مخلّد كما حدثنا عثمان بن صالح، عمّن حدثه، قال: أشر علىّ فى قتال هؤلاء، فقال له مسلمة: أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب من أصحاب رسول الله ﷺ، فتعقد له على الناس، فيكون هو الذي يباشر القتال ويكفيك. قال: عمرو ومن ذلك؟ قال: عبادة بن الصامت. قال: فدعا عمرو عبادة فأتاه، وهو راكب على فرسه، فلما دنا منه أراد النزول، فقال له عمرو: عزمت عليك إن نزلت ناولنى سنان رمحك. فناوله إياه، فنزع عمرو عمامته عن رأسه وعقد له، وولّاه قتال الروم. فتقدّم عبادة مكانه، فصافّ الروم وقاتلهم، ففتح الله على يديه الإسكندرية من يومهم ذلك.
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم- قال: لما أبطأ على عمرو بن العاص فتح الإسكندرية استلقى على ظهره، ثم جلس فقال: إنى فكّرت فى هذا الأمر فإذا هو لا يصلح آخره إلا من «٢» أصلح أوّله، يريد الأنصار؛ فدعا عبادة بن الصامت، فعقد له، ففتح الله على يديه «٣» الإسكندرية فى يومه ذلك «٤» .
ثم رجع إلى حديث يحيى بن أيّوب، وخالد بن حميد، قال: حاصروا الإسكندرية تسعة أشهر بعد موت هرقل وخمسة قبل ذلك، وفتحت يوم الجمعة لمستهلّ المحرّم سنة عشرين.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن بكير بن عبد الله، عن بسر بن سعيد، عن جنادة بن أبى أميّة، قال: دعانى عبادة بن الصامت يوم الإسكندرية، وكان على قتالها، فأغار العدوّ على طائفة من الناس ولم يأذن لهم بقتالهم،
[ ١٠٣ ]
فسمعنى، فبعثنى أحجز بينهم، فأتيتهم، فحجزت بينهم، ثم رجعت إليه، فقال: أقتل أحد من الناس هنالك؟ قلت: لا. قال: الحمد لله الذي لم يقتل أحد منهم عاصيا.
قال: وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن مالك بن أنس، أن مصر فتحت سنة عشرين.
قال فلما هزم الله ﵎ الروم وفتح الإسكندرية كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، وهرب الروم فى البر «١» والبحر خلّف عمرو بن العاص بالإسكندرية ألف رجل من أصحابه، ومضى عمرو ومن معه فى طلب من هرب من الروم فى البرّ، فرجع من كان هرب من الروم فى البحر «٢» إلى الاسكندرية، فقتلوا من كان فيها من المسلمين إلا من هرب منهم، وبلغ ذلك عمرو بن العاص، فكرّ راجعا، ففتحها وأقام بها، وكتب إلى عمر بن الخطّاب: إن الله قد فتح علينا الإسكندرية عنوة بغير عقد ولا عهد، فكتب إليه عمر بن الخطّاب يقبّح رأيه، ويأمره ألا يجاوزها «٣» .
قال ابن لهيعة: وهو فتح الإسكندرية الثانى. وكان سبب فتحها هذا كما حدثنا إبراهيم بن سعيد البلوى، أن رجلا يقال له ابن بسّامة كان بوّابا، فسأل عمرو بن العاص أن يؤمنه على نفسه وأرضه وأهل بيته، ويفتح له الباب، فأجابه عمرو إلى ذلك، ففتح له ابن بسّامة الباب، فدخل عمرو، وكان مدخله هذا من ناحية القنطرة التى يقال لها قنطرة سليمان، وكان مدخل عمرو بن العاص الأوّل من باب المدينة الذي من ناحية كنيسة الذهب. وقد بقى لابن بسّامة عقب بالإسكندرية إلى اليوم.
حدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا ضمام بن إسماعيل المعافرى، قال: قتل من المسلمين من حين كان من أمر الإسكندرية ما كان إلى أن فتحت اثنان وعشرون رجلا «٤» .
وبعث عمرو بن العاص كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، معاوية بن
[ ١٠٤ ]
حديج وافدا إلى عمر بن الخطاب بشيرا «١» بالفتح، فقال له معاوية: ألا تكتب معى «٢»؟
فقال له عمرو: وما أصنع بالكتاب: ألست رجلا عربيّا تبلغ الرسالة؛ وما رأيت وحضرت!
فلما قدم على عمر أخبره بفتح الإسكندرية، فخرّ عمر ساجدا، وقال: الحمد لله.
وحدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا موسى بن علىّ، عن أبيه، أنه سمعه يقول:
سمعت معاوية بن حديج يقول: بعثنى عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب بفتح الإسكندرية، فقدمت المدينة فى الظهيرة، فأنخت راحلتى بباب المسجد، ثم دخلت المسجد، فبينا أنا قاعد فيه إذ خرجت جارية من منزل عمر بن الخطاب، فرأتنى شاحبا علىّ ثياب. السفر، فأتتنى، فقالت: من أنت؟ قال: فقلت: أنا معاوية بن حديج، رسول عمرو بن العاص، فانصرفت عنّى ثم أقبلت تشتدّ، أسمع «٣» حفيف إزارها على ساقها أو على ساقيها حتى دنت منى، فقالت: قم فأجب أمير المؤمنين يدعوك، فتبعتها «٤»، فلما دخلت فإذا بعمر بن الخطاب يتناول رداءه بإحدى يديه، ويشدّ إزاره بالأخرى، فقال: ما عندك؟ فقلت: خير يا أمير المؤمنين، فتح الله الإسكندرية. فخرج معى إلى المسجد، فقال للمؤذّن أذّن فى الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، ثم قال لى: قم فأخبر أصحابك.
فقمت فأخبرتهم، ثم صلّى، ودخل منزله، واستقبل القبلة، فدعا بدعوات، ثم جلس، فقال: يا جارية، هل من طعام؟ فأتت بخبز وزيت. فقال: كل، فأكلت على حياء؛ ثم قال: (٥ كل فإن المسافر يحبّ الطعام، فلو كنت آكلا لأكلت معك، فأصبت على حياء، ثم قال: ٥) يا جارية، هل من تمر؟ فأتت بتمر فى طبق، فقال: كل. فأكلت على حياء، ثم قال: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلته «٦» أمير المؤمنين قائل.
قال: بئس ما قلت أو بئس ما ظننت، لئن نمت النهار لأضيّعنّ الرعيّة، ولئن نمت الليل لأضيعنّ نفسى، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟.
[ ١٠٥ ]
ثم كتب عمرو بن العاص بعد ذلك، كما حدثنا إبراهيم بن سعيد البلوىّ «١» إلى عمر بن الخطّاب أمّا بعد، فإنى فتحت مدينة لا أصف ما فيها، غير أنى أصبت فيها أربعة آلاف منية بأربعة آلاف حمّام، وأربعين ألف يهودىّ عليهم الجزية، وأربعمائة ملهى للملوك.
قال: حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ضمام بن إسماعيل، عن أبى قبيل، أن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية وجد فيها اثنى عشر ألف بقّال، يبيعون البقل الأخضر.
حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا ابن مقلاص، عن يحيى بن عبد الله بن داود، قال: أراه عن حيوة بن شريح، أن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية وجد فيها اثنى عشر ألف بقّال.
حدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا محمد بن سعيد الهاشمىّ، قال: ترحّل من الإسكندرية فى الليلة التى دخلها عمرو بن العاص- أو فى الليلة التى خافوا فيها دخول عمرو- سبعون ألف يهودىّ.
(* حدثنا هانئ بن المتوكّل، عن موسى بن أيّوب، ورشدين بن سعد، عن الحسن ابن ثوبان، عن حسين بن شفىّ بن عبيد، قال: كان بالإسكندرية، فيما أحصى من الحمّامات اثنا عشر ديماسا، أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس، كل مجلس منها يسع جماعة نفر. وكان عدّة من بالإسكندرية من الروم مائتى ألف من الرجال، فلحق بأرض الروم أهل القوّة، وركبوا السفن، وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار، فحمل فيها ثلاثون ألفا مع ما قدروا عليه من المال والمتاع والأهل، وبقى من بقى من الأسارى ممن بلغ الخراج، فأحصى يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان. فاختلف الناس على عمرو فى قسمهم، وكان أكثر الناس يريدون قسمها، فقال عمرو: لا أقدر على قسمها، حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إليه يعلمه بفتحها وشأنها، ويعلمه أن المسلمين طلبوا قسمها، فكتب إليه عمر: لا تقسمها، وذرهم يكون خراجهم فيئا للمسلمين، وقوّة
[ ١٠٦ ]
لهم على جهاد عدوّهم، فأقرّها عمرو، وأحصى أهلها وفرض عليهم الخراج، فكانت مصر صلحا كلّها بفريضة دينارين دينارين على كل رجل، لا يزاد على أحد منهم فى جزية رأسه أكثر من دينارين، إلا أنه يلزم بقدر ما يتوسّع فيه من الأرض والزرع إلا الإسكندرية «١»، فإنهم كانوا يؤدّون الخراج والجزية على قدر ما يرى من وليّهم «٢»، لأن الإسكندرية فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد، ولم يكن لهم صلح ولا ذمّة*) .
وقد كانت قرى من قرى مصر- كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب- قاتلت فسبوا «٣»، منها قرية يقال لها بلهيب، وقرية يقال لها الخيس، وقرية يقال لها سلطيس، فوقع سبايهم بالمدينة وغيرها، فردّهم عمر بن الخطاب إلى قراهم، وصيّرهم وجماعة القبط أهل ذمّة «٤» .
حدثنا عثمان بن صالح، أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمرا سبى أهل بلهيب وسلطيس وقرطسا وسخا، فتفّرقوا، وبلغ أوّلهم المدينة حين «٥» نقضوا، ثم كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بردّهم، فردّ من وجد منهم.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمر بن الخطاب كتب فى أهل سلطيس خاصّة: من كان منهم فى أيديكم فخيّروه بين الإسلام، فإن أسلم فهو من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن اختار دينه فخلّوا بينه وبين قريته، فكان البلهيبىّ خيّر يومئذ فاختار الإسلام.
(* ثم رجع إلى حديث عثمان، عن يحيى بن أيّوب، أن أهل سلطيس ومصيل وبلهيب، ظاهروا الروم على المسلمين فى جمع كان لهم، فلما ظهر عليهم المسلمون استحلّوهم وقالوا: هؤلاء لنا فىء مع الإسكندرية، فكتب عمرو بن العاص بذلك إلى عمر ابن الخطاب، فكتب إليه عمر بن الخطاب أن تجعل الإسكندرية وهؤلاء الثلاث قريات
[ ١٠٧ ]
ذمّة للمسلمين، ويضربون عليهم الخراج، ويكون خراجهم وما صالح عليه القبط قوّة للمسلمين على عدوّهم، ولا يجعلون فيئا ولا عبيدا. ففعلوا ذلك*) .
ويقال إنما ردّهم عمر بن الخطاب لعهد كان تقدّم لهم.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، وابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عوف بن حطّان، أنه كان لقريات من مصر منها أمّ دنين وبلهيب عهد، وأن عمر لما سمع بذلك كتب إلى عمرو بن العاص يأمره أن يخيّرهم، فإن دخلوا فى الإسلام فذاك، وإن كرهوا فارددهم إلى قراهم.
قال وكان من أبناء السلطيسيّات عمران بن عبد الرحمن بن جعفر بن ربيعة، وأمّ عياض بن عقبة، وأبو عبيدة بن عقبة، وأمّ عون بن خارجة القرشىّ ثم العدوىّ، وأمّ عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، وموالى أشراف بعد ذلك وقعوا عند مروان بن الحكم، منهم: أبان، وعمّه أبو عياض، وعبد الرحمن البلهيبىّ.
ذكر من قال إن مصر فتحت بصلح
قال ثم رجع إلى حديث موسى بن أيّوب، ورشدين بن سعد، عن الحسن بن ثوبان، عن حسين بن شفىّ، أن عمرا لما فتح الإسكندرية، بقى من الأسارى بها ممن بلغ الخراج وأحصى يومئذ ستّمائة ألف سوى النساء والصبيان.
فاختلف الناس على عمرو فى قسمهم فكان أكثر المسلمين يريدون قسمها، فقال عمرو: لا أقدر على قسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إليه يعلمه بفتحها وشأنها، وأن المسلمين طلبوا قسمها، فكتب إليه عمر: لا تقسمها، وذرهم يكون خراجهم فيئا للمسلمين وقوّة لهم على جهاد عدوّهم، فأقّرها عمرو، وأحصى أهلها وفرض عليهم الخراج، فكانت مصر كلها صلحا بفريضة دينارين دينارين على كل رجل، لا يزاد على أحد منهم فى جزية رأسه أكثر من دينارين إلا أنه يلزم بقدر ما يتوسّع فيه من الأرض والزرع إلا الإسكندرية فإنهم كانوا يؤدّون الخراج والجزية على قدر ما يرى من وليّهم «١»؛ لأن الإسكندرية فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد، ولم يكن لهم صلح ولا ذمّة.
[ ١٠٨ ]
حدثنا عثمان، أخبرنا الليث، قال: كان يزيد بن أبى حبيب، يقول: مصر كلّها صلح إلا الإسكندرية، فإنما فتحت عنوة.
حدثنا عثمان بن صالح، عن بكر بن مضر، عن عبيد الله بن أبى جعفر، قال:
حدثنى رجل ممن أدرك عمرو بن العاص، قال: للقبط عهد عند فلان، وعهد عند فلان، فسمّى ثلاثة نفر.
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا يحيى بن أيّوب، عن عبيد الله بن أبى جعفر، عن شيخ من كبراء الجند، أن عهد أهل مصر كان عند كبرائهم.
حدثنا هشام بن إسحاق العامرىّ، عن الليث بن سعد، عن عبيد الله بن أبى جعفر، قال: سألت شيخا من القدماء عن فتح مصر، فقال: هاجرنا إلى المدينة أيّام عمر بن الخطاب وأنا محتلم، فشهدت فتح مصر. قلت له: فإن ناسا يذكرون أنه لم يكن لهم عهد، فقال: ما يبالى ألّا يصلّى من قال إنه ليس لهم عهد، فقلت: فهل كان لهم كتاب؟ فقال: نعم، كتب ثلاثة: كتاب عند طلما صاحب إخنا، وكتاب عند قزمان صاحب رشيد، وكتاب عند يحنّس صاحب البرلس. قلت: كيف كان صلحهم؟ قال:
دينارين على كل إنسان جزية وأرزاق المسلمين، قلت: فتعلم ما كان من الشروط؟ قال:
نعم، ستّة شروط، لا يخرجون من ديارهم، ولا تنزع «١» نساؤهم، ولا كفورهم، ولا أرضيهم، لا يزاد عليهم.
وحدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أنه حدثه عن أبى جمعة مولى عقبة، قال: كتب عقبة بن عامر إلى معاوية بن أبى سفيان يسأله أرضا يسترفق فيها «٢» عند قرية عقبة؛ فكتب له معاوية بألف ذراع فى ألف ذراع، فقال له مولى له كان عنده: انظر أصلحك الله أرضا صالحة، فقال عقبة: ليس لنا ذلك، إنّ فى عهدهم شروطا ستّة، ألا يؤخذ من أنفسهم شىء، ولا من نسائهم، ولا من أولادهم، ولا يزاد عليهم، ويدفع «٣» عنهم موضع «٤» الخوف من عدوّهم، وأنا شاهد لهم بذلك.
[ ١٠٩ ]
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن أبى شريح عبد الرحمن بن شريح، عن عبيد الله بن أبى جعفر، عن أبى جمعة حبيب بن وهب، قال: كتب عقبة ابن عامر إلى معاوية يسأله بقيعا فى قرية بينى فيه منازل ومساكن، فأمر له معاوية بألف ذراع فى ألف ذراع، فقال له مواليه ومن كان عنده: انظر إلى أرض تعجبك، فاختطّ فيها وابتن، فقال: ليس لنا ذلك، لهم فى عهدهم ستّة شروط، منها: ألا يؤخذ من أرضهم شىء، ولا يزاد عليهم، ولا يكلّفوا غير طاقتهم، ولا يؤخذ ذراريهم، وأن يقاتل عنهم عدوّهم من ورائهم.
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا يحيى بن أيّوب، عن عبيد الله بن أبى جعفر، عن رجل من كبراء الجند، قال: كتب معاوية بن أبى سفيان إلى وردان أن زد على كل رجل منهم قيراطا، فكتب وردان إلى معاوية: كيف تزيد عليهم وفى عهدهم ألا يزاد عليهم شىء، فعزل معاوية وردان.
ويقال إن معاوية إنما عزل وردان كما حدثنا سعيد بن عفير، أن عتبة بن أبى سفيان، وفد إلى معاوية فى نفر من أهل مصر، وكان معاوية ولّى عتبة الحرب، ووردان الخراج، وحويت «١» بن زيد الديوان، فسأل معاوية الوفد عن عتبة، فقال عبادة بن صمّل المعافرى: حوت بحر يا أمير المؤمنين، ووعل برّ. فقال معاوية لعتبة: اسمع ما تقول فيك رعيّتك. فقال: صدقوا يا أمير المؤمنين، حجبتنى عن الخراج ولهم علىّ حقوق، وأكره أن أجلس فأسأل فلا أفعل فأبخل فضمّ إليه معاوية الخراج.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، وابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عوف بن حطّان، أنه قال كان لقريّات «٢» من مصر منهن «٣» أمّ دنين وبلهيب عهد، وأن عمر بن الخطاب ﵁ لما سمع بذلك كتب إلى عمرو بن العاص، يأمره أن يخيّرهم، فإن دخلوا فى الإسلام فذلك، وإن كرهوا فارددهم إلى قراهم.
قال: وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب،
[ ١١٠ ]
عن يحيى بن ميمون الحضرمىّ، قال: لما فتح عمرو بن العاص مصر صولح على جميع من فيها من الرجال من القبط ممّن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم «١» امرأة ولا صبىّ ولا شيخ على دينارين دينارين، فأحصوا لذلك فبلغت عدّتهم ثمانية آلاف ألف.
(* حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن وهب، قال: سمعت حيوة بن شريح، قال:
سمعت الحسن بن ثوبان الهمدانىّ، يقول: حدثنى هشام بن أبى رقيّة اللخمى، أن عمرو ابن العاص لما فتح مصر قال لقبط مصر: إن من كتمنى كنزا عنده فقدرت عليه قتلته، وإن نبطيّا «٢» من أهل الصعيد، يقال له بطرس، ذكر لعمرو أن عنده كنزا، فأرسل إليه فسأله، فأنكر وجحد، فحبسه فى السجن، وعمرو يسأل عنه: هل يسمعونه يسأل عن أحد؟ فقالوا: لا، إنما سمعناه يسأل عن راهب فى الطور، فأرسل عمرو إلى بطرس، فنزع خاتمه من يده، ثم كتب إلى ذلك الراهب، أن ابعث إلىّ بما عندك، وختمه بخاتمه، فجاءه رسوله بقلّة شأميّة مختومة بالرصاص، ففتحها عمرو، فوجد فيها صحيفة مكتوب فيها: ما لكم تحت الفسقيّة الكبيرة؛ فأرسل عمرو إلى الفسقيّة، فحبس عنها الماء، ثم قلع البلاط الذي تحتها، فوجد فيها اثنين وخمسين إردبا ذهبا مضروبة، فضرب عمرو رأسه عند باب المسجد. فذكر ابن أبى رقيّة أنّ القبط أخرجوا كنوزهم شفقا أن يبغى على أحد منهم فيقتل، كما قتل بطرس*) .
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمرو بن العاص استحلّ مال قبطىّ من قبط مصر، لأنه استقرّ عنده أنه يظهر الروم على عورات المسلمين، ويكتب إليهم بذلك، فاستخرج منه بضعة وخمسين إردبّا دنانير.
قال: ثم رجع إلى حديث يحيى بن أيّوب، وخالد بن حميد، قال: ففتح الله أرض مصر كلها بصلح غير الإسكندرية، وثلاث قريات ظاهرت الروم على المسلمين:
(٣ سلطيس، ومصيل، وبلهيب، فإنه كان للروم جمع فظاهروا الروم على المسلمين ٣)، فلما ظهر عليها المسلمون استحلّوها وقالوا: هؤلاء لنا فىء مع الإسكندرية، فكتب عمرو
[ ١١١ ]
ابن العاص بذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر: أن تجعل الإسكندرية وهؤلاء الثلاث قريات ذمّة للمسلمين ويضربون عليهم الخراج، ويكون خراجهم وما صالح «١» عليه القبط كلّه قوّة للمسلمين، لا يجعلون فيئا ولا عبيدا، ففعلوا ذلك إلى اليوم.
ذكر من قال فتحت مصر عنوة
وقال آخرون: بل فتحت مصر عنوة بلا عهد ولا عقد.
(* حدثنا عبد الملك بن مسلمة، وعثمان بن صالح، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عمّن سمع عبيد الله بن المغيرة بن أبى بردة، يقول: سمعت سفيان ابن وهب الخولانى، يقول: إنا لما فتحنا مصر بغير عهد «٢» قام الزبير بن العوّام فقال:
اقسمها يا عمرو بن العاص فقال عمرو: والله لا أقسمها. قال «٣» الزبير والله لتقسمنّها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر. قال «٣» عمرو والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين. فكتب إليه عمر: أقرّها حتى يغزو منها «٤» حبل الحبلة*) .
قال ابن لهيعة، وحدثنى يحيى بن ميمون، عن عبيد الله بن المغيرة، عن سفيان بن وهب بهذا إلا أنه قال: فقال عمرو: لم أكن لأحدث فيهم شيئا حتى أكتب إلى عمر ابن الخطاب، فكتب إليه، فكتب إليه بهذا.
قال عبد الملك فى حديثه: وإن الزبير صولح على شىء أرضى به.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، وعثمان بن صالح، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، أن مصر فتحت عنوة.
حدثنا عبد الملك، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قال:
سمعت أشياخنا يقولون: إن مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد. قال ابن أنعم: منهم أبى يحدّثنا عن أبيه وكان ممّن شهد فتح مصر.
[ ١١٢ ]
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن وهب، عن ابن أنعم، قال: سمعت أشياخنا يقولون: فتحت مصر عنوة بغير عهد ولا عقد.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى الأسود، عن عروة، أن مصر فتحت عنوة.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قنان أيوب بن أبى العالية، عن أبيه. وأخبرنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن وهب، عن داود بن عبد الله الحضرمىّ، أن أبا قنان حدثه عن أبيه، أنه سمع عمرو بن العاص يقول: لقد قعدت مقعدى هذا وما لأحد من قبط مصر علىّ عهد ولا عقد، إلا أهل أنطابلس فإن لهم عهدا يوفى لهم به.
قال ابن لهيعة فى حديثه إن شئت قتلت «١» وان شئت خمست وان شئت بعت.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن عياض بن عبد الله الفهرىّ، عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، أن عمرو بن العاص فتح مصر بغير عقد ولا عهد، وأن عمر بن الخطاب حبس درّها وصرّها أن يخرج منه شىء نظرا للإسلام وأهله.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح، عن يعقوب بن مجاهد، عن زيد بن أسلم، قال: كان تابوت لعمر بن الخطاب فيه كل عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده «٢»، فلم يوجد فيه لأهل مصر عهد.
قال عبد الرحمن بن شريح: فلا أدرى أعن زيد حدّث أم شىء قاله. فمن أسلم منهم فأمّة ومن أقام منهم فذمّة.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، وعبد الملك بن مسلمة، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الملك بن جنادة كاتب حيّان بن سريج «٣» من أهل مصر من موالى قريش، قال: كتب حيان إلى عمر بن عبد العزيز يسأله أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم «٤»، فسأل عمر عراك بن مالك، فقال عراك: ما سمعت لهم بعهد ولا عقد،
[ ١١٣ ]
وانما أخذوا عنوة بمنزلة العبيد، فكتب عمر إلى حيّان بن سريج أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم.
قال وسمعت يحيى بن عبد الله بن بكير، يقول: خرج أبو سلمة بن عبد الرحمن يريد الإسكندرية فى سفينة، فاحتاج إلى رجل يقذف به، فسخّر رجلا من القبط، فكلّم فى ذلك، فقال: إنما هم بمنزلة العبيد إن احتجنا إليهم.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن الصلت بن أبى عاصم، أنه قرأ كتاب عمر بن العزيز إلى حيّان بن سريج «١»، أن مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح، عن عبيد الله بن أبى جعفر، أن كاتب حيّان حدثه أنه احتيج «٢» إلى خشب لصناعة الجزيرة، فكتب حيّان إلى عمر يذكر ذلك له، وأنه وجد خشبا عند بعض أهل الذمّة، وأنه كره أن يأخذ منهم حتى يعلمه، فكتب إليه عمر: خذها منهم بقيمة عدل، فإنى لم أجد لأهل مصر عهدا أفى لهم به.
حدثنا عبد الرحمن. قال: حدثنا عبد الملك بن مسلمة، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى حيّان بن سريج: إن مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد.
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن كعب بن أبى لبابة، أن عمر بن عبد العزيز، قال لسالم بن عبد الله: أنت تقول ليس لأهل مصر عهد؟ قال: نعم.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب فى رهبان يترهّبون بمصر فيموت أحدهم وليس له وارث. فكتب إليه عمر، أن من كان منهم له عقب فادفع ميراثه إلى عقبه، ومن لم يكن له عقب فاجعل ماله فى بيت مال المسلمين، فإنّ ولاءه للمسلمين.
[ ١١٤ ]
(١ حدثنا يحيى بن خلد، عن رشدين بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، أنه قال: كان فتح مصر بعضها بعهد وذمّة، وبعضها عنوة، فجعلها عمر بن الخطاب ﵁ جميعا ذمّة، وحملهم على ذلك؛ فمضى ذلك فيهم إلى اليوم ١) .
ذكر الخطط
(* قال: حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية ورأى بيوتها وبناءها مفروغا منها، همّ أن يسكنها، وقال: مساكن قد كفيناها، فكتب إلى عمر بن الخطّاب يستأذنه فى ذلك؛ فسأل عمر الرسول: هل يحول بينى وبين المسلمين ماء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إذا جرى النيل.
فكتب عمر إلى عمرو: إنى لا أحبّ أن تنزل المسلمين منزلا يحول الماء بينى وبينهم فى شتاء ولا صيف. فتحوّل عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط*) .
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب. وحدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن وهب، عن الليث، عن يزيد بن أبى حبيب أن عمر بن الخطاب، كتب إلى سعد بن أبى وقّاص، وهو نازل بمدائن كسرى، وإلى عامله بالبصرة، وإلى عمرو بن العاص وهو نازل بالإسكندرية؛ ألا تجعلوا بينى وبينكم ماء، متى أردت أن أركب إليكم راحلتى حتى أقدم عليكم قدمت. فتحوّل سعد بن أبى وقّاص من مدائن كسرى إلى الكوفة، وتحوّل صاحب البصرة من المكان الذي كان فيه، فنزل البصرة، وتحوّل عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط.
(٢ قال: وإنما سمّيت الفسطاط كما حدثنا أبي عبد الله بن عبد الحكم، وسعيد بن عفير، أن عمرو بن العاص لمّا أراد التوجّه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الروم، أمر بنزع فسطاطه، فإذا فيه يمام قد فرخ، فقال عمرو بن العاص: لقد تحرّم منّا بمتحرّم، فأمر به فأقرّ كما هو، وأوصى به صاحب القصر، فلما قفل المسلمون من الإسكندرية، فقالوا:
أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط- لفسطاط عمرو الذي كان خلّفه،- وكان مضروبا فى موضع الدار التى تعرف اليوم بدار الحصى، عند دار عمرو الصغيرة اليوم ٢) .
[ ١١٥ ]
وبنى عمرو بن العاص المسجد كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن الليث بن سعد، وكان «١» ما حوله حدائق وأعنابا، فنصبوا الحبال حتى استقام لهم، ووضعوا أيديهم، فلم يزل عمرو قائما حتى وضعوا القبلة؛ وإن عمرا وأصحاب رسول لله ﷺ الذين وضعوها.
واتّخذ فيه منبرا كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن أبى تميم الجيشانى، قال: فكتب إليه عمر بن الخطاب: أمّا بعد؛ فإنه بلغنى أنك اتّخذت منبرا ترقى «٢» به «٣» على رقاب المسلمين، أو ما بحسبك «٤» أن تقوم قائما والمسلمون تحت عقبيك! فعزمت عليك لمّا كسرته.
(٥ حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبى الخير، أن أبا مسلم الغافقىّ صاحب رسول الله ﷺ كان يؤذّن لعمرو بن العاص، فرأيته يبخّر المسجد ٥) .
قال: واختلط الناس. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، أخبرنا ابن وهب، عن يحيى ابن أزهر، عن الحجّاج بن شدّاد، عن أبى صالح الغفارىّ، قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب: إنّا قد اختططنا لك دارا عند المسجد الجامع. فكتب إليه عمر: أنّى لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر! وأمره أن يجعلها سوقا للمسلمين.
قال ابن لهيعة: هى دار البركة، فجعلت سوقا، فكان يباع فيها الرقيق. هكذا قال ابن لهيعة.
قال وأما الليث بن سعد، فإن عبد الملك حدثنا عنه، أن دار البركة خطّة لعبد الله ابن عمر بن الخطاب، فسأله إيّاها عبد العزيز بن مروان، فوهبها له، فلم يثبه منها شيئا.
حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب،
[ ١١٦ ]
الله بن عمر بن الخطاب، فسأله إيّاها عبد العزيز بن مروان، فوهبها له، فلم يثبه منها شيئا.
حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، قال: شهد عبد الله بن عمر فتح مصر واختطّ فيها دار البركة، بركة الرقيق، قال: فوهبتها لمعاوية رجاء أن يثيبنى منها، حتى مات فهو فى حلّ «١» .
وكان من حفظ من الذين شهدوا فتح مصر من أصحاب رسول الله ﷺ من قريش وغيرهم، ومن لم يكن له برسول الله ﷺ صحبة، كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة وغير عبد الملك قد ذكر بعض ذلك أيضا: الزبير بن العوّام، وسعد بن أبى وقّاص، وعمرو بن العاص، وهو كان أمير القرم، وعبد الله بن عمرو، وخارجة بن حذاقة العدوىّ، وعبد الله ابن عمر بن الخطّاب، وقيس بن أبى العاص السهمىّ، والمقداد بن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح العامرىّ، ونافع بن عبد القيس الفهرىّ. (٢ ويقال بل هو عقبة بن نافع، وأبو عبد الرحمن يزيد بن أنيس الفهرى. ٢) وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ، وابن عبدة، وعبد الرحمن وربيعة ابنا شرحبيل بن حسنة، ووردان مولى عمرو بن العاص، وكان حامل لواء عمرو بن العاص.
وقد اختلف فى سعد بن أبى وقّاص، فقيل: إنما دخلها بعد الفتح. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن الليث بن سعد، أن سعد بن أبى وقّاص قدم مصر.
وشهد الفتح من الأنصار: عبادة بن الصامت، وقد شهد بدرا وبيعة العقبة، ومحمد ابن مسلمة الأنصارىّ، وقد شهد بدرا وهو الذي بعثه عمر بن الخطاب إلى مصر، فقاسم عمرو بن العاص ماله، وهو أحد «٣» من كان صعد الحصن مع الزبير بن العوّام، ومسلمة ابن مخلّد الأنصارى يقال له صحبة.
حدّثونا عن وكيع، حدثنا موسى بن علىّ، عن أبيه، قال: سمعت مسلمة بن
[ ١١٧ ]
مخلّد، يقول: ولدت حين قدم النبي ﷺ المدينة، وتوفّى رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر.
وكان قد ولى البلد فى أيام معاوية وصدرا من خلافة يزيد، وتوفّى مسلمة بمصر سنة اثنتين وستّين. وأبو أيّوب الأنصارى واسمه خالد بن زيد، وقد شهد بدرا، وتوفّى بالقسطنطينة فى سنة خمسين. وأبو الدرداء، واسمه عويمر.
قال ابن هشام: عويمر بن عامر، ويقال: عويمر بن زيد «١» .
ومن أفناء القبائل: أبو بصرة الغفارىّ، واسمه حميل بن بصرة، وأبو ذرّ الغفارى واسمه جندب بن جنادة. ويقال برير. (٢ قال ابن هشام: سمعت غير واحد من العلماء، يقول: أبو ذرّ جندب بن جناده ٢) .
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: وكان أبو ذرّ ممن شهد الفتح مع عمرو بن العاص: وهبيب بن مغفل. ولهم عنه حديث واحد، وهو حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن أسلم أبا عمران أخبره، عن هبيب ابن مغفل أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من جره خيلاء، يعنى إزاره وطئه فى النار «٣» .
وإليه ينسب وادى هبيب الذي بالمغرب. وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدىّ، وكان اسمه العاص، فسمّاه رسول الله ﷺ عبد الله.
حدثنا عبد الله بن صالح، ويحيى بن عبد الله بن بكير، قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى، قال: توفّى رجل ممن قدم على النبي ﷺ فأسلم، فقال رسول الله ﷺ وهو عند القبر: ما اسمك؟
فقلت: العاص. (٤ وقال لابن عمرو: ما اسمك؟ فقال: العاصّ. وقال للعاص بن العاص:
ما اسمك؟ فقال: العاص ٤) . فقال رسول الله ﷺ: العاص أنتم عبد الله، انزلوا، قال:
فوارينا صاحبنا ثم خرجنا من القبر وقد بدلت أسماؤنا. وكعب بن ضنّة العبسىّ، ويقال:
كعب بن يسار بن ضنّة. وعقبة بن عامر الجهنىّ يكنّى أبا حمّاد، وهو كان رسول عمر
[ ١١٨ ]
ابن الخطاب إلى عمرو بن العاص حين كتب إليه يأمره أن يرجع إن لم يكن دخل أرض مصر. وأبو زمعة البلوىّ. وبرح «١» بن حسكل، وكان ممن قدم على رسول الله ﷺ من مهرة، وشهد الفتح مع عمرو، واختطّ. هكذا قال ابن عفير، برح بن حسكل. والمهريّون يقولون برح بن عسكل. وجنادة بن أبى أميّة الأزدى. وسفيان بن وهب الخولانى، وله صحبة.
حدثنا عمرو بن سوّاد، حدثنا ابن وهب، حدثنى عبد الرحمن بن شريح، قال:
سمعت سعيد بن أبى شمر السبائى، يقول: سمعت سفيان بن وهب الخولانى، يقول:
سمعت رسول الله ﷺ، يقول: لا تأتى المائة وعلى ظهرها أحد باق «٢» . قال: فحدّثت بها ابن حجيرة، فقام فدخل على عبد العزيز بن مروان، قال: فحمل سفيان وهو شيخ كبير حتى أدخل على عبد العزيز بن مروان، فسأله عن الحديث فحدّثه، فقال عبد العزيز:
فلعلّه يعنى لا يبقى أحد ممن كان معه إلى رأس المائة. فقال سفيان: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول.
ومعاوية بن حديج الكندى، وهو كان رسول عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب بفتح الإسكندرية. وقد اختلف فى معاوية بن حديج، فقال قوم: له صحبة، واحتجوا فى ذلك، بحديث حدّثناه أبى عبد الله بن عبد الحكم، وشعيب بن الليث، وعبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حديج، أن رسول الله ﷺ، صلى يوما فسلّم ثم انصرف وقد بقى من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: قد بقيت من الصلاة ركعة، فرجع فدخل المسجد فصلّى بالناس ركعة. فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: أتعرف الرجل؟ قلت: لا، إلّا أن أراه.
[ ١١٩ ]
وقال آخرون: ليست له صحبة، واحتجّوا بحديث حدّثناه يوسف بن عدىّ، عن عبد الله بن المبارك، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علىّ بن رباح، قال:
سمعت معاوية بن حديج، يقول: هاجرنا على عهد أبى بكر ﵀، فبينا نحن عندة إذ طلع المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنه قدم علينا برأس ينّاق البطريق، ولم يكن لنا به حاجة، إنما هذه «١» سنّة العجم، ثم قال: قم يا عقبة. فقام رجل يقال له عقبة، فقال: إنى لا أريدك، إنما أريد عقبة بن عامر، قم يا عقبة، فقام رجل فصيح قارئ، فافتتح سورة البقرة، ثم ذكر قتالهم وما فتح الله لهم، فلم أزل أحبّه من يومئذ.
وعامر مولى جمل، الذي يقال له عامر جمل، شهد الفتح، وهو مملوك، وإنما قيل له عامر جمل، أنه كان مع عمرو بن العاص عند معاوية بن أبى سفيان فقال عامر لعمرو «٢»: تكلّم، فإننى من ورائك، فقال له معاوية: ومن أنت؟ قال: أنا عامر مولى جمل، فقال له معاوية: بل أنت عامر جمل، فقيل له عامر جمل لقول معاوية ذلك.
منهم من أهل بدر ستّة نفر: الزبير بن العوّام، وسعد بن أبى وقّاص، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو أيّوب الانصارى، ومحمد بن مسلمة. وقد كان عمّار ابن ياسر دخل مصر، ولكن دخلها بعد الفتح فى أيام عثمان.
حدثنا عبد الحميد بن الوليد، حدثنا أبو عبد الرحمن، عن مجالد، عن الشعبىّ، أن عمّار بن ياسر دخل مصر فى أيام عثمان بن عفّان، وجّهه إليها فى بعض أموره. ولهم عنه حديث واحد.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى عشانة، قال:
سمعت أبا اليقظان عمّار بن ياسر، يقول: أبشروا فو الله لأنتم أشدّ حبّا لرسول الله ﷺ من عامّة من قد رآه.
قال: منهم من اختطّ بالبلد فذكرنا خطّته، ومنهم من لم يذكر «٣» له خطّة، فالله أعلم كيف كان الأمر فى ذلك.
[ ١٢٠ ]
قال: فاختطّ عمرو بن العاص داره التى هى له اليوم عند باب المسجد، بينهما الطريق. وداره الأخرى اللاصقة إلى جنبها، وفيها دفن عبد الله بن عمرو بن العاص فيما زعم بعض مشايخ البلد لحدث كان يومئذ فى البلد.
حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: توفّي عبد الله بن عمرو بن العاص بأرضه بالسبع من فلسطين. ويقال بل مات بمكّة، والله أعلم. ويكنّى أبا محمد، وكانت وفاته سنة ثلاث وسبعين. ولأهل مصر عنه عن النّبيّ ﷺ، قريب من مائة حديث.
والحمّام الذي يقال له حمّام الفأر. وإنما قيل له حمّام الفأر أن حمّامات الروم كانت ديماسات كبار، فلما بنى هذا الحمّام، ورأوا صغره، قالوا: من يدخل هذا! هذا حمّام الفأر «١» .
ودار عمرو التى هنالك. ويقال بل اختطّ عمرو لنفسه فى الموضع الذي فيه دار ابن أبى الرزّام.
واختطّ عبد الله ابنه هذه الدار الكبيرة التى عند المسجد الجامع، وهو الذي بناها هذا البناء، وبنى فيها قصرا على تربيع الكعبة الأولى.
واحتجّ من زعم أن هذه الدار الكبيرة التى عند المسجد هى خطّة عمرو نفسه بحديث ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن أبى تميم الجيشانىّ، أنه سمع عمرو بن العاص، يقول: أخبرنى رجل من أصحاب رسول الله ﷺ، أن رسول الله ﷺ، قال: إن الله قد زادكم صلاة فصلّوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، الوتر، الوتر «٢» ألا إنّه أبو بصرة الغفارىّ.
قال أبو تميم الجيشانى: وكنت أنا وأبو ذرّ قاعدين، فأخذ أبو ذرّ بيدى فانطلقنا إلى أبى بصرة، فوجدناه عند الباب الذي إلى دار عمرو؛ فقال أبو ذرّ: يا أبا بصرة، أنت سمعت رسول الله ﷺ، يقول: إن الله قد زادكم صلاة فصلّوها فيما بين العشاء إلى الصبح، الوتر الوتر؟ قال: نعم. قال: أنت سمعته؟ قال: نعم.
حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن هبيرة. وحدثناه عمرو بن سوّاد، عن
[ ١٢١ ]
ابن وهب، عن ابن لهيعة. وقد حدثنى طلق بن السمح، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن أبى تميم الجيشانى ببعضه.
ولهم عن عمرو عن النبي ﷺ أحاديث عدّة. منها: حديث موسى بن علىّ، عن أبيه، عن أبى قيس، مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ، قال:
فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السحر «١» . حدثناه أبي، عن الليث، عن موسى بن علىّ. وحدثناه عبد الله بن صالح، عن موسى بن على نفسه.
ومنها حديث نافع بن يزيد، عن الحارث بن سعيد العتقى، عن عبد الله بن منين- من بنى «٢» عبد كلال- عن عمرو بن العاص، قال: أقرأنى رسول الله ﷺ فى القرآن خمس عشرة سجدة، منها فى المفصّل ثلاث، وفى سورة الحجّ سجدتان. حدثناه سعيد بن أبى مريم.
ذكر من اختطّ حول المسجد الجامع مع عمرو بن العاص
واختطّ حول عمرو والمسجد قريش، والأنصار، وأسلم، وغفار، وجهينة، ومن كان فى الراية ممّن لم يكن لعشيرته فى الفتح عدد مع عمرو.
فاختطّ وردان مولى عمرو القصر الذي يعرف بقصر عمر بن مروان، وإنما نسب إلى عمر بن مروان أن أنتناس صاحب الجند «٣» وخراج مسلمة، سأل معاوية أن يجعل له منزلا قرب الديوان، فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلّد، يأمره أن يشترى له منزل وردان، ويخطّ لوردان حيث شاء، ففعل، فأخذ أنتناس المنزل، وبعث مسلمة مع وردان السمط مولى مسلمة، وأمره أن يقطعه غلوة «٤» نشّابه، فخرج معه حتى وقفا على موضع مناخ الإبل، وكان ذلك فناء يتوسّع فيه «٥» المسلمون فيما بينهم وبين البحر، فقال السمط لوردان: لنعلمنّ اليوم فضل غلاء «٦» فارس على الروم، وكان السمط فارسيّا، ووردان
[ ١٢٢ ]
روميّا، فمغط «١» السمط فى قوسه ونزع له بنشّابه فاختطّها وردان. فلما مات أنتناس أقطعت عمر بن مروان. ويكنّى وردان بأبى عبيد.
ويقال إن قصر عمر بن مروان من خطّة الأزد، فابتاع ذلك عبد العزيز بن مروان، فوهبه لأخيه عمر بن مروان، وذلك أن ذلك الزقاق من قصر عمر بن مروان إلى الاصطبل، والاصطبل من خطّة الأزد.
واختطّ قيس بن سعد بن عبادة فى قبلة المسجد الجامع، دار الفلفل «٢»، وكانت فضاء فبناها لمّا ولى البلد، ولّاه إياه على بن أبى طالب، ثم عزله، فكان الناس يقولون إنها له حتى ذكر له ذلك، فقال: وأىّ دار لى بمصر، فذكروها له، فقال: إنما «٣» تلك بنيتها «٤» من مال المسلمين لا حقّ لى فيها.
ويقال إن قيس بن سعد أوصى حين حضرته الوفاة، فقال: إنى كنت بنيت دارا بمصر وأنا واليها، واستعنت فيها بمعونة المسلمين، فهى للمسلمين، ينزلها «٥» ولاتهم.
ولهم عن قيس عن النبي ﷺ حديثان. أحدهما أن رسول الله ﷺ، قال: ربّ الدابّة أحقّ بصدر دابّته «٦» . حدثناه أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد العزيز بن عبد الملك ابن مليل، عن عبد الرحمن بن أبى أميّة «٧»، عن قيس بن سعد.
ويقال بل كانت دار الفلفل، ودار الزلابية التى إلى جنبها لنافع بن عبد القيس الفهرىّ. ويقال بل هو عقبة بن نافع، فأخذها قيس بن سعد منه وعوّضه منها دار
[ ١٢٣ ]
الفهريّين التى فى زقاق القناديل. ويقال بل كانت تلك الدار خطّة عقبة بن نافع، ويقال بل كانت دار الفلفل لسعد بن أبى وقّاص فتصدّق بها على المسلمين، واقتصر على داره التى بالموقف، والله أعلم. ويقال إن داره التى بالموقف التى تعرف بالفندق ليس هو خطّة لسعد، وإنما كان لمولى «١» سعد فمات فورثها عنه آل سعد. وإنما سمّيت دار الفلفل؛ لأن أسامة بن زيد التنوخىّ إذ كان واليا على خراج مصر، وابتاع من موسى بن وردان فلفلا بعشرين ألف دينار كان كتب فيه الوليد بن عبد الملك أراد أن يهديه إلى صاحب الروم، فخزنه فيها، فشكا ذلك موسى بن وردان إلى عمر بن عبد العزيز حين ولى الخلافة، فكتب أن يدفع إليه.
حدثنا طلق بن السمح، حدثنا ضمام بن إسماعيل، حدثنى موسى بن وردان، قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فحدّثته بأحاديث عمّن أدركته من أصحاب رسول الله ﷺ، فكنت عنده بمنزله، أدخل إذا شئت وأخرج إذا شئت، فكنت أحدّثه عمّن أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألته الكتاب إلى حيّان بن سريج فى عشرين ألف دينار أستوفيها مرح ثمن فلفل ليكتب إليه يدفعها «٢» إلىّ، فقال لى: ولمن العشرون الألف الدينار؟ قلت: هى لى. قال: ومن أين هى لك؟ قلت له: كنت تاجرا، فضرب بمخصرته ثم قال: التاجر فاجر، والفاجر فى النار. ثم قال: اكتبوا إلى حيّان بن سريج «٣»، فلم أدخل عليه بعدها، وأمر حاجبه ألا يدخلنى عليه.
وصارت دار الزلابية للحكم بن أبى بكر. ويقال بل دار الزلابية خطّة عبدة بن عبدة.
واختطّ مسلمة بن مخلّد دار الرمل، واختطّ مع مسلمة فيها، أبو رافع مولى رسول الله ﷺ، واختطّ معهم عقبة بن عامر الجهنىّ، فلما ولى مسلمة بن مخلّد سأله معاوية داره فأعطاه إياها، وخطّ له فى الفضاء داره ذات الحمّام التى بسوق «٤» وردان. ثم صارت
[ ١٢٤ ]
إلى بنى أبى بكر بن عبد العزيز، فحازها بنو العبّاس مع ما حيز من أموال بنى مروان.
فامتدح ابن شافع صالح بن علىّ فأقطعه إياها.
وإنما صارت لبنى أبى بكر بن عبد العزيز، أن مسلمة بن مخلّد توفّى ولم يترك ذكرا، فورثته ابنته أمّ سهل ابنة مسلمة، وإليها تنسب منية أمّ سهل مع «١» زوجتيه وعصبته بنى أبى دجانة، فتزوّج عبد العزيز امرأتى مسلمة بعد وفاته، وقضى عنه عشرين ألف دينار كانت عليه، وتزوّج أبو بكر بن عبد العزيز ابنته، أمّ سهل ابنة مسلمة.
وكان الذي صار إليهم من ربع «٢» مسلمة بالميراث الذي ورثوا عن نسائهم.
فكانت دار مسلمة من رحا الكعك إلى حمّام سوق وردان، مما صار لعبد العزيز ولأبى بكر بن عبد العزيز، وكان لأبى بكر من منية أم سهل ما ورثه عن امرأته أمّ سهل.
وما كان فى أيدى الناس غيرهم من ذلك مما كان لابن الأشتر الصدفىّ، ولبنى وردان، ولحمّادة ابنة محمد، ولموسى بن علىّ، فمن حقوق عصبة مسلمة مما باعه يحيى بن سعيد الأنصارى، وكان العصبة قد وكّلوه بذلك، وبهذا السبب قدم يحيى بن سعيد مصر.
وكانت الدار المعروفة بدار المغازل بالحمراء مما باع يحيى بن سعيد أيضا، فاشتراها منه ابن وردان وابن مسكين.
وكان مسلمة بن مخلّد، كما حدثنا سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، أحسبه أيّام عمرو على الطواحين. واشترى معاوية أيضا دار عقبة بن عامر، وخطّ له فى الفضاء قبالة الطريق إلى دار محفوظ بن سليمان، وكانت من الخطّ الأعظم إلى البحر.
ويقال بل مسلمة بن مخلّد أقطعها عقبة على ابنته أمّ كلثوم ابنة عقبة، وقد يجوز أن يكون مسلمة إنما أقطعها لعقبة بأمر معاوية عوضا من الذي أخذ منه من داره.
وكانت دار أبى رافع قد صارت إلى مولاه السائب مولى أبى رافع، فاشتراها منه معاوية، وأقطع السائب فى الفضاء عند حيز الوزّ.
ويقال بل اختطّ المقداد بن الأسود دارا كانت إلى جنب دار الرمل، وكانت إلى
[ ١٢٥ ]
جنبها دار لعقبة بن عامر هى خطّته، فابتاع عقبة دار المقداد بن الأسود فهدمها، وهدم داره، فبناهما جميعا دارا لرملة ابنة معاوية فكتب إليه معاوية: لا حاجة لنا «١» بها، فاجعلها للمسلمين.
وبرملة سمّيت دار الرمل (٢ لأنهم كانوا يقولون دار رملة، فحرّفت العامّة ذلك، وقالوا: دار الرمل.
ويقال إنما سمّيت دار الرمل ٢) لما ينقل إليها من الرمل لدار الضرب.
سمعت يحيى بن بكير فيما أحسب يقوله ولا أعلمنى سمعت ذلك من غيره.
يكنّى المقداد أبا معبد.
حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبى عبّاد، حدثنا حمّاد بن شعيب، عن منصور، عن هلال بن يساف «٣»، قال: استعمل رسول الله ﷺ، المقداد على سريّة، فلما رجع قال له رسول الله ﷺ: كيف رأيت الإمارة أبا معبد؟ قال: خرجت يا رسول الله وما أرى أن لى فضلا على أحد من القوم، فما رجعت إلا وكأنهم عبيد لى. قال: كذلك الإمارة أبا معبد، إلا من وقاه الله شرّها. قال: والذي بعثك بالحق لا أعمل على عمل أبدا.
قال ويقال بل كتب معاوية حين استخلف إلى عقبة بن عامر يسأله أن يسلّمها ليزيد لقربها من المسجد، ويعطيه ما هو خير منها، ففعل، فأقطعه معاوية داره التى بسوق وردان وبناها له، وبنى سفل دار الرمل ليزيد، وأقطع معاوية أيضا يزيد قرية من قرى الفيّوم، فأعظم الناس ذلك وتكلّموا فيه، فلما بلغ ذلك معاوية كره قالة الناس، فردّ تلك القرية إلى الخراج كما كانت للمسلمين، وجعل دار الرمل للمسلمين تنزلها ولاتهم، ولم يكن بنى منها إلا سفلها، حتى بنى علوها القاسم بن عبيد الله بن الحبحاب.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل، عن فضالة بن عبيد، قال: كنّا عند معاوية يوما وعنده معاوية بن حديج، وكان معاوية
[ ١٢٦ ]
كالجمل الطنّىّ «١»، يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى، يرمى «٢» بالكلمة فإن ذلّت العرب «٣» أمضاها، وإن أنكروها لم يمضها. فقال ذات يوم: ما أدرى فى أىّ كتاب الله تجدون هذا الرزق والعطاء؟ فلو أنّا حبسناه، فضرب معاوية بن حديج بين كتفيه مرارا حتى ظننّا أنه يجد ألم ذلك، ثم قال: كلّا والذي نفسى بيده يا بن أبى سفيان، أو لنأخذنّ «٤» بنصولها ثم لتقفنّ على أنادرها، ثم لا تخلص منها إلىّ دينار ولا درهم، فسكت معاوية.
ويكنّى معاوية بن أبى سفيان بأبى عبد الرحمن، ومعاوية بن حديج بأبى نعيم.
وكان الديوان كما حدثنا سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، فى زمان معاوية أربعين ألفا، وكان منهم أربعة آلاف فى مائتين مائتين.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن رزين بن عبد الله مثله. وزاد فكان إنما يحمل إلى معاوية ستمائة ألف فضل أعطيات الجند.
حدثنا هانئ، حدثنا ضمام، عن أبى قبيل، قال: كان معاوية بن أبى سفيان قد جعل على كلّ قبيلة من قبائل العرب رجلا، فكان على المعافر رجل يقال له الحسن، يصبح كل يوم فيدور على المجالس، فيقول: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ وهل نزل بكم نازل؟ فيقال: ولد لفلان غلام، ولفلان جارية، فيقول: سمّوهم، فيكتب. ويقال «٥» نزل بها رجل من أهل اليمن بعياله فيسمّونه وعياله، فإذا فرغ من القبائل «٦» كلّها أتى الديوان.
وكان الديوان كما حدثنا سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة فى زمان معاوية أربعين ألفا، وكان منهم أربعة آلاف فى مائتين مائتين.
[ ١٢٧ ]
قال ابن عفير فى حديثه عن ابن لهيعة، قال: فأعطى مسلمة بن مخلّد أهل الديوان أعطياتهم، وأعطيات عيالاتهم وأرزاقهم، ونوائبهم ونوائب البلاد من الجسور،.
وأرزاق الكتبة، وحملان القمح إلى الحجاز، وبعث إلى معاوية بستّمائة ألف دينار فضلا.
قال ابن عفير: فنهضت الإبل فلقيهم برح بن حسكل، فقال: ما هذا! ما بال ما لنا يخرج من بلادنا؟ ردّوه. فردّ حتى وقف على المسجد فقال: أخذتم عطاءكم «١» وأرزاقكم وعطاء عيالاتكم ونوائبكم؟ قالوا: نعم. فقال: لا بارك الله لهم.
قال: وخطّة برح بن حسكل عند دار زنين فى الزقاق الذي يعرف بخلف «٢» القمّاح.
واختطّ قيس بن أبى العاص السهمى داره التى عند دار ابن رمّانة، وكانت دار ابن رّمانة بينها وبين المسجد، ودخل بعضها فى المسجد حين زاد فى عرضه عبد الله بن طاهر، وقد كان عمرو بن العاص ولّاه القضاء.
حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة، قال: كان قيس بن أبى العاص بمصر، ولّاه عمرو بن العاص القضاء.
واختطّ إلى جانب قيس بن أبى العاص عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدىّ مما يلى زقاق البلاط دار ابن رمّانة وما يليها، فاشترى ذلك عبد العزيز بن مروان، فوهب لابن رمّانة حين قدم عليه ما بنى، وكان ما بقى للأصبغ بن عبد العزيز، وكانت دار عبد الله تلى المسجد وقبلىّ بابها اليوم مرحاض بيت المال. وكان ابن رمّانة مع عبد العزيز بن مروان فى الكتّاب، وكان عبد العزيز قد وهب لابن رمّانة خاتما كان له، فلما صار عبد العزيز إلى ما صار إليه، قدم عليه ابن رمّانة من الحجاز على بعير ليس عليه إلا فروة «٣» له، فقال للحاجب: استأذن لى على الأمير، فكأن الحاجب تثاقل عنه، فقال له ابن رمّانة:
استأذن لى اليوم أستأذن لك غدا، فدخل الحاجب على عبد العزيز فأخبره بقوله فقال:
أدخله، فلما دخل عليه ابن رمّانة وكلّمه أخرج الخاتم لعبد العزيز فعرفه، فنزع عبد
[ ١٢٨ ]
العزيز خاتم نفسه فدفعه إلى ابن رمّانة، وبنى له داره، وغرس له نخلهم الذي لهم اليوم بناحية حلوان.
وعبد العزيز أيضا الذي غرس لعمير بن مدرك نخله الذي بالجيزة الذي يعرف بجنان عمير. وكان سبب ذلك كما حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، أن عمير بن مدرك كان غرسه أصنافا من الفاكهة، فلما أدرك سأل عبد العزيز أن يخرج إليه، فخرج معه عبد العزيز إليه، فلما رآه قال له عبد العزيز: هبه لى، فوهبه له، فأرسل عبد العزيز إلى صاحب الجزيرة فقال له: لئن أتت عليه الجمعة وفيه شجرة قائمة لأقطعنّ يدك، وكان بالجزيرة خمسمائة فاعل عدّة لحريق «١» إن كان فى البلاد أو هدم. فأتى بهم «٢» صاحب الجزيرة فكانوا يقطعون الشجرة بحملها وعمير يرى حسرات، فلما فرغ من ذلك، أمر فنقل إليه الودىّ من حلوان، وغرسه نخلا، فلما أدرك خرج إليه عبد العزيز وخرج بعير معه، فقال له: أين هذا من الذي كان؟ فقال عمير: وأين أبلغ أنا ما بلغ الأمير؟ قال:
فهو لك، وحبّسه على ولدك «٣» . فهو لهم إلى اليوم.
واختطّ إلى جنب عبد الله بن الحارث ثوبان مولى رسول الله ﷺ. ويقال بل هو عجلان مولى قيس بن أبى العاص. وهى الدار التى زادها فى المسجد سلمة مولى صالح ابن علىّ.
واختطّ عبادة بن الصامت إلى جانب ابن رمّانة، وأنت تريد إلى سوق الحمّام، وهى الدار التى كان يسكنها جوجو المؤذّن، ودار إلى جنبها، فابتاع أحدهما عبد العزيز ابن مروان فكانت له، وصارت الأخرى لبنى «٤» مسكين.
واختطّ خارجة بن حذافة غربىّ المسجد بينه وبين دار ثوبان قبالة الميضأة القديمة إلى أصحاب الحنّاء إلى أصحاب السويق بينه وبين المسجد الطريق.
وكان الربيع بن خارجة يتيما فى حجر عبد العزيز، فلما بلغ اشترى منه داره بعشرة آلاف دينار للأصبغ بن عبد العزيز، فلما ولى عمر بن عبد العزيز ركب اليه
[ ١٢٩ ]
وأخرج له «١» كتاب حبس الدار، فردّها عليه بعد أن يدفع إليه الثمن، فسأله أن يعطى كراءها، فقال: أمّا الكراء فلا، الكراء بالضمان، فردّها عليه ولم يأمر له بالكراء.
قال الليث بن سعد: فرأيت الربيع فيها وأنا إذ ذاك غلام. ثم خاصم فيها الأصبغ إليه، وابن شهاب قاضيه يومئذ، فقضى ابن شهاب لابن خارجة بالدار، وقبضها، أنه لا يجوز اشتراء الولىّ ممن يلى أمره ثم خاصم إلى يزيد بن عبد الملك بعد عمر، فقضا له بالكراء فسلّمها له بنو الأصبغ حتى مات يزيد، ثم رفعوا إلى هشام بن عبد الملك، فقضى ألّا كراء عليهم، فردّ الكراء إلى بنى الأصبغ.
وخارجة بن حذافة كما حدثنا شعيب بن الليث، وعبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن أبى حبيب، أوّل من بنى غرفة بمصر، فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب، فكتب إلى عمرو بن العاص: سلام، أما بعد، فإنه بلغنى أن خارجة بن حذافة بنى غرفة، ولقد أراد خارجة أن يطلع على عورات جيرانه، فإذا أتاك كتابى هذا فاهدمها إن شاء الله والسلام.
ولأهل مصر عن خارجة بن حذافة عن النبي ﷺ حديث واحد، ليس لهم عنه عن النبي ﷺ غيره. وهو حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الله بن راشد الزوفىّ، عن عبد الله بن أبى مرّة الزوفىّ، عن خارجة بن حذافة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، فقال: إن الله قد أمدّكم «٢» بصلاة هى خير لكم من حمر النعم، الوتر جعله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر «٣» . حدثناه أبى، وشعيب بن الليث، وعبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد.
ولهم عنه حكايات فى نفسه، وكان خارجة بن حذافة على شرط عمرو بن العاص، أيام عمرو «٤» وأيام معاوية حتى قتله الخارجىّ، وذلك أن عمرو بن العاص كان أصابه فى بطنه شىء فتخلّف فى منزله، وكان خارجة يعشّى الناس، فضربه الحرورىّ وهو
[ ١٣٠ ]
يظنّ أنه عمرو، فلما علم أنه ليس عمرا، قال: أردت عمرا وأراد الله خارجة. فكان عمرو يقول: ما نفعنى بطنى قطّ إلا ذلك اليوم.
حدثنا معاوية بن صالح، حدثنا يحيى بن معين، عن وهب بن جرير، عن أبيه، قال: ذهب حرورىّ ليقتل عمرو بن العاص بمصر، فلما قدمها إذا رجل جالس يغدّى قد ولى شرطة عمرو، فظنّ أنه عمرو، فوثب عليه فقتله، فلما أدخل على عمرو قال: أما والله ما أردت غيرك، قال: لكن الله لم يردنى، فقتل الرجل.
وقد قيل إن خارجة إنما قتل بالشام، والله أعلم.
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الهقل بن زياد، عن معاوية بن يحيى الصدفىّ، حدثنى الزهرىّ، قال: تعاقد «١» ثلاثة نفر من أهل العراق عند الكعبة على قتل معاوية وعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة، فأقبلوا بعد ما بويع معاوية على الخلافة حتى قدموا إيلياء، فصلّوا من السحر فى المسجد ما قدر لهم ثم انصرفوا، فسألوا بعض من حضر المسجد من أهل الشام، أىّ ساعة يوافون فيها خلوة أمير المؤمنين، فإنّا رهط من أهل العراق أصابنا غرم فى أعطياتنا ونريد أن نكلّمه وهو لنا فارغ، فقال لهم: امهلوا حتى إذا ركب دابّته فاعترضوا له فكلّموه، فإنه سيقف عليكم حتى تفرغوا من كلامه.
فتعجّلوا ذلك؛ فلما خرج معاوية لصلاة الفجر كبّر، فلما سجد السجدة الأولى، انبطح أحدهم «٢» على ظهر الحرسىّ الساجد بينهم وبينه حتى طعن معاوية فى مأكمته، يريد فخذه، بخنجر، فانصرف معاوية وقال للناس: أتمّوا صلاتكم، وأخذ الرجل فأوثق، ودعى لمعاوية الطبيب فقال الطبيب: إن هذا الخنجر إلّا يكن مسموما فإنه ليس عليك بأس، فأعدّ الطبيب العقاقير التى تشرب إن كان مسموما، ثم أمر بعض من يعرفها من تبّاعه أن يسقيه إن عقل لسانه حتى يلحس الخنجر، ثم نحسه فلم يجده مسموما، فكبّر وكبّر من عنده من الناس. ثم خرج خارجة بن حذافة، وهو أحد بنى عدىّ بن كعب من عند معاوية إلى الناس، فقال: هذا أمر عظيم ليس بأمير المؤمنين بأس بحمد الله وأخذ يذكّر الناس وشدّ عليه أحد الحروريّين الباقيين يحسبه عمرو بن العاص فضربه بالسيف على
[ ١٣١ ]
الذّؤابة فقتله، فرماه الناس بالثياب، وتعاونوا «١» عليه أخذوه وأوثقوه، واستلّ الثالث السيف فشدّ على أهل المسجد، وصبر له سعيد بن مالك بن شهاب، وعليه ممطر تحته السيف مشرج على قائمه، فأهوى بيده فأدخلها الممطر على شرج السيف فلم يحلّها حتى غشيه الحرورىّ فنحاه لمنكبه، فضربه ضربة خالطت سحره، ثم استلّ سعيد السيف فاختلف هو والحرورىّ ضربتين، فضرب الحرورىّ ضربة العين أذهب «٢» عينه اليسرى، وضربه سعيد فطرح يمينه بالسيف وعلاه بالسيف حتى قتله، ونزف سعيد فاحتمل نزيفا، فلم يلبث أن توفّي، فقال وهو يخبر من «٣» يدخل عليه: أما والله لو شئت لنجوت مع الناس، ولكنى تحرجت أن أولّيه ظهرى ومعى السيف. ودخل رجل من كلب فقال: هذا طعن معاوية؟
قالوا: نعم. فامتلخ السيف فضرب عنقه، فأخذ الكلبىّ فسجن، وقيل له قد اتّهمت بنفسك، فقال: إنما قتلته غضبا لله، فلما سئل عنه وجد بريئا فأرسل.
ودفع قاتل خارجة إلى أوليائه من بنى عدىّ بن كعب، فقطعوا يديه ورجليه، ثم حملوه حتى جاءوا به العراق، فعاش كذلك حينا، ثم تزوّج امرأة فولدت له غلاما فسمعوا أنه ولد له غلام فقالوا: لقد عجزنا حين نترك قاتل خارجة يولد له الغلمان، فكلّموا معاوية فأذن لهم بقتله فقتلوه.
وقال الحرورىّ الذي قتل خارجة: أمّا والله ما أردت إلا عمرو بن العاص. فقال عمرو حين بلغه: ولكن الله أراد خارجة.
فلما قتل خارجة ولّي عمرو بن العاص شرطه السائب بن هشام بن عمرو، أحد بنى مالك بن حسل، وهشام بن عمرو هو الذي كان قام فى نقض الصحيفة التى كان «٤» كتبت قريش على بنى هاشم ألا يناكحوهم، ولا ينكحوا إليهم، ولا يبتاعوا منهم شيئا حتى يسلّموا رسول الله ﷺ.
[ ١٣٢ ]
(١ وفيه يقول حسّان بن ثابت:
هل توفينّ بنو أميّة ذمّة عهدا كما أوفى جوار هشام
من معشر لا يغدرون بجارهم للحارث بن حبيّب بن سخام
واذا بنو حسل أجاروا ذمّة أوفوا وأدّوا جارهم بسلام
قال ابن هشام: سخام ١) . وخالف ابن هشام غيره من أهل العلم بالشعر. فقال: إنما هى سحام «٢» .
وقد كان خارجة بن حذافة القرشىّ، ثم من بنى عدىّ بن كعب، قد بنى غرفة فى عهد عمر بن الخطاب فأشرفت، فشكت «٣» جيرانه إلى عمر بن الخطاب. فكتب «٤» إلى عمرو بن العاص، أن انصب سريرا فى الناحية التى شكيت، ثم أقم عليه «٥» رجلا لا جسيما ولا قصيرا، فإن أشرفت فسدّها.
فسئل يزيد من حدّثك بهذا الحديث؟ فقال: مشايخ الجند.
قال: واختطّ عبد الرحمن بن عديس البلوىّ الدار البيضاء، ويقال بل كانت الدار البيضاء صحنا بين يدى المسجد ودار عمرو بن العاص موقفا لخيل المسلمين على باب المسجد، حتى قدم مروان بن الحكم مصر فى سنة خمس وستّين فابتناها لنفسه دارا، وقال: ما ينبغى للخليفة «٦» أن يكون ببلد لا يكون له بها دار، فبنيت له فى شهرين «٧» .
[ ١٣٣ ]
وابن عديس ممن بايع تحت الشجرة، ولأهل مصر عنه عن النبي ﷺ حديث واحد، ليس لهم عنه غيره عن النبي ﷺ، وهو حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ابن شماسة، أن رجلا حدثه عن عبد الرحمن بن عديس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: تخرج «١» ناس يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة يقتلهم الله فى جبل لبنان والجليل «٢» . أو الجليل وجبل لبنان «٣» .
واختطّ عبد الله بن عديس أخو عبد الرحمن بن عديس عند القبّة «٤»، دار المعافرىّ.
وكانت دار بنى جمح بركة يجتمع «٥» فيها الماء، فقال عمرو بن العاص: خطّوا لابن عمّى إلى جانبى، يريد وهب بن عمير الجمحىّ، وهو ممن كان شهد الفتح، فردمت وخطّت له.
ويقال بل هو عمير بن وهب بن عمير. ويقال بل هى قطيعة من معاوية. وكان عمير قد قدم مصر فى أيام معاوية بن أبى سفيان فكتب أن يبنى له دار، وكان ما هنالك فضاء ليس لأحد فيه دار، وكانت «٦» مغيضا للمياه، وهذا مما يحتجّ به على أن ما حول المسجد كان فضاء لموقف خيل المسلمين، كما فعل عمرو بن العاص حين قدم عليه من بنى سهم من لم يكن شهد الفتح، فبنى لهم دار السلسلة التى فى غربىّ المسجد.
حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: كان وهب بن عمير أمير أهل مصر فى غزوة عمّورية سنة ثلاث وعشرين، وأمير أهل الشام أبو الأعور السلمى.
[ ١٣٤ ]
واختطّ ابن الحويرث السهمىّ إلى جانب دار بنى جمح وقبلىّ دار زكريّاء بن الجهم العبدرىّ.
واختطّت ثقيف فى ركن المسجد الشرقىّ إلى السرّاجين، وكانت دار أبى عرابة خطّة حبيب بن أوس الثقفى الذي كان نزل عليه يوسف بن الحكم بن أبى عقيل ومعه ابنه الحجّاج بن يوسف مقدم مروان بن الحكم مصر. ثم لثقيف ما كان متّصلا بدار أبى عرابة إلى الدرب الذي يخرجك إلى دار فرج.
واختطّ زكريّاء بن الجهم العبدرىّ داره التى فى زقاق القناديل، وهى دار عبّاس ابن شرحبيل اليوم ذات الحنيّة.
واختطّ عبد الرحمن وربيعة ابنا شرحبيل بن حسنة دور «١» عباس بن شرحبيل الأخرى التى إلى جانبها، ودار سلمة بن عبد الملك الطحاوىّ.
حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة، قال: كان ربيعة بن شرحبيل بن حسنة على المكس.
قال: واختطّ أبو ذرّ الغفارىّ دار العمد ذات الحمّام، التى أخذ بركة بن منصور الكاتب بيرها، بابها فى زقاق القناديل، وبابها الآخر مما يلى دار بركة، ومن هنالك راجعا إلى سوق بربر إلى قصر ابن جبر قبلك «٢» خطّة غفار، وكان ابن جبر قد والى غفار.
وابن جبر هذا كان رسول المقوقس إلى رسول الله ﷺ بمارية وأختها، وبما أهدى معهما. وتزعم القبط أن رجلا منهم قد صحب رسول الله ﷺ يريدون ابن جبر. وأبو ذرّ الذي كان عهد إليه رسول الله ﷺ فى مصر ما عهد.
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا رشدين بن سعد. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن حرملة بن عمران، عن عبد الرحمن بن شماسة المهرىّ، قال: سمعت أبا ذرّ، يقول: قال رسول الله ﷺ: إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمّة ورحما، فإذا رأيتم أخوين يقتتلان فى موضع لبنة
[ ١٣٥ ]
فاخرج «١» . فمرّ بعبد الرحمن، وربيعة ابنى شرحبيل بن حسنة وهما يتنازعان فى موضع لبنة فخرج منها. قال ابن وهب: سمعت الليث يقول: لا أرى النبي ﷺ. قال له ذلك، إلّا للذى كان من أمر أهل مصر فى عثمان. واختطّ إياس بن عبد الله القارىّ «٢» غربىّ دار بنى شرحبيل بن حسنة.
واختطّ رويفع بن ثابت، وعقبة بن كريم، الأنصاريّان، مع ربيعة وعبد الرحمن ابنى شرحبيل بن حسنة.
واختطّ رويفع بن ثابت الأنصارىّ أيضا الدار التى صارت لبنى الصمّة. وتوفّى رويفع بن ثابت ببرقة، وكان قد وليها.
حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث، قال: ولى رويفع بن ثابت أنطابلس سنة ثلاث وأربعين.
واختطّ أبو فاطمة الأزدىّ دار الدوسىّ، والدار التى فيها أصحاب الحمائل اليوم.
ولهم عنه عن النبي ﷺ حديث واحد، وهو ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، حدثنى كثير الأعرج الصدفىّ، قال: سمعت أبا فاطمة وهو معنا بذى الصوارى، يقول:
قال لى رسول الله ﷺ: يا أبا فاطمة، أكثر من السجود فإنّه ليس «٣» مسلم يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة «٤» .
حدثناه أبو الأسود، وسعيد بن أبى مريم، عن ابن لهيعة وقد رواه عنه غير «٥» أهل مصر.
قال والدار التى كان يسكنها عمرو بن خالد، خطّة لرجل من بنى تميم.
وأصحاب السويق أيضا خطّة لرجل من بنى تميم ممن كان شهد الفتح، ثم اشترى ذلك عمرو بن سهيل من بعده.
[ ١٣٦ ]
واختطّ عبد الله بن سعد بن أبى سرح داره اللاصقة بقصر الروم، يقال لها دار الحنيّة. والدار التى يقال لها دار الموز، وليس قصره هذا الكبير «١» الذي يعرف بقصر الجنّ خطّة، وإنما بناه بعد ذلك فى خلافة عثمان بن عفّان، أمر ببنائه حين خرج إلى المغرب لغزو إفريقيّة.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة أنه سمع يزيد بن أبي حبيب يذكر أن المقداد كان غزا مع عبد الله بن سعد إفريقية، فلما رجعوا قال عبد الله للمقداد فى دار بناها: كيف ترى «٢» بنيان هذه الدار؟ فقال له المقداد: إن كان من مال الله فقد أسرفت، وإن كان من مالك فقد أفسدت. فقال عبد الله بن سعد: لولا أن يقول قائل أفسد مرّتين لهدمتها. وكان عبد الله يكنّى بأبى يحيى.
ولهم عنه عن النبي ﷺ حديث واحد، ليس لهم عنه عن النبي ﷺ غيره، وهو حديث ابن لهيعة، عن عيّاش بن عباس القتبانى، عن الهيثم بن شفى أبى الحصين، عن عبد الله بن سعد بن أبى سرح، قال: بينا «٣» رسول الله ﷺ وعشرة من أصحابه معه، أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ والزبير وغيرهم على جبل، إذ تحرّك بهم الجبل، فقال رسول الله ﷺ: اسكن حراء، فإنه ليس عليك إلا نبىّ أو صدّيق أو شهيد «٤» .
ولهم عنه حكايات فى نفسه، لم يرو عنه غير أهل مصر.
واختطّ كعب بن ضنّة ويقال كعب بن يسار بن ضنّة العبسىّ الدار التى فى طرف زقاق القناديل مما يلى سوق بربر، تعرف بدار النخلة. وكعب هو ابن بنت خالد بن سنان العبسىّ. أو ابن أخته. قال عبد الرحمن: أنا اشكّ.
وخالد بن سنان الذي تزعم فيه قيس أنه كان تنبّأ فى الفترة فيما بين النّبيّ وعيسى صلوات الله عليهما.
ولخالد بن سنان حديث فيه طول.
حدثنا المقرئ عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا الضحّاك بن شرحبيل
[ ١٣٧ ]
الغافقىّ، أن عمّار بن سعد التجيبى أخبرهم أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص أن يجعل كعب بن ضنّة على القضاء، فأرسل إليه عمرو فأقرأه كتاب أمير المؤمنين، فقال كعب: لا والله لا ينجّيه الله من الجاهليّة وما كان فيها من الهلكة، ثم يعود فيها بعد إذ نجّاه «١» الله منها، فأبى أن يقبل القضاء فتركه عمرو «٢» .
قال ابن عفير: وكان كعب بن ضنّة حكما فى الجاهلية.
ولقيس أيضا الدار التى تعرف بدار الزير، وهى اليوم لبنى وردان. وكان يقال لزقاق القناديل زقاق الأشراف؛ لأن عمرا كان على طرفه مما يلى المسجد الجامع، وكعب بن ضنّة على طرفه الآخر مما يلى سوق بربر، وفيما بين ذلك دار عياض بن جريبة الكلبىّ، وهبها له عبد العزيز بن مروان. ودار ابن مذيلفة الكلبى، ودار ابن فراس الكنانى. ودار نافع ابن عبد القيس الفهرىّ، ويقال بل هو عقبة بن نافع. ودار محمد بن عبد الرحمن الكنانى. ودار أبى ذرّ الغفارى. ودور ربيعة وعبد الرحمن ابنى شرحبيل بن حسنة وإياهم يتولّى بكر بن مضر. ودار زكرياء بن الجهم العبدرىّ. ودار إياس بن عبد الله القارىّ. ودار أبى حكيم مولى عتبة بن أبى سفيان بناها له معاوية بن أبى سفيان.
واختطّ ابن عبدة داره التى فى السرّاجين، وفيها العقّابين اليوم، وصارت لبنى مسكين.
وكانت دار نصر لرجل من قريش، فمات، فاشتراها عبد العزيز بن مروان فوهبها للإصبغ.
ودار سهل التى فيها السرّاجين وحمّام سهل كان ذلك «٣» لعبد الله بن عمرو بن العاص، اشتراها فوهبها «٤» لابنته أمّ عبد الله ابنة عبد الله بن عمرو، فتزوّجها عبد العزيز ابن مروان فأولدها سهلا وسهيلا، فورثاها من أمّهما.
والقصر الذي يقال له قصر مارية، كان خطّة لابن رفاعة الفهمى، فوهبه لعبد
[ ١٣٨ ]
العزيز بن مروان فبناه لأمّ ولد له روميّة يقال لها مارية فنسب إليها. ويقال إنه عوّضه من ذلك موضعه بالحمراء.
ويقال بل ذلك خطّتهم، ثم هدمه عيسى بن يزيد الجلودىّ مدخله مصر مع عبد الله بن طاهر، فبناه سجنا، وهو السجن الذي عند محرس بنانة «١» عند منزل عمرو بن سوّاد السرحىّ، وبنانة «١» كانت حاضنة لبعض بنى مروان أو ظئرا لهم، فنسب المحرس إليها.
ومارية أمّ محمد بن عبد العزيز ولم يعقّب.
وقد كان عمرو بن العاص كما حدثنا سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، قد دعا خالد بن ثابت الفهمى جدّ بنى رفاعة ليجعله على المكس فاستعفاه، فقال عمرو: ما تكره منه؟ قال: إن كعبا قال: لا تقرب المكس فإن صاحبه فى النار.
واختطّ جهم بن الصلت المطّلبى مما يلى أصحاب الزيت الدار التى تقابل حمّام بسر.
واختطّ ابن ملجم بالراية فى أصحاب الزيت الدار المبنىّ وجهها بالحجارة.
واختطّ إياس بن البكير وابنه تميم بن إياس الدار التى عند دار ابن أبرهة الدار التى فيها أصحاب الأوتاد النافذة إلى السوق، وهو إياس بن البكير بن عبد يا ليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، حلفاء بنى عدىّ بن كعب.
واختطّ مجاهد بن جبر مولى بنت غزوان، داره التى فى النحّاسين، التى صارت لصالح صاحب السوق.
واختطّ أبو شمر بن أبرهة إلى جنب دار شييم «٢» الليثىّ.
واختطّ ابن وعلة إلى جنبه فأخذوا ومن معهم إلى سوق الحمّام والدور التى كانت لبنى مروان.
وأخبرنى حميد بن هشام الحميرىّ، قال: ليس لابن أبرهة خطّة بفسطاط مصر،
[ ١٣٩ ]
وإنما خطّتهم بالجيزة، وإنما صارت المنازل التى لهم بالفسطاط وراثة ورثوها من الوعليّة؛ لأنهم كانوا صاهروا إلى ابن وعلة فصارت المنازل لهم بالميراث.
وكان بنو أبرهة أربعة: كريب بن أبرهة أبو رشدين، وأبو شمر بن أبرهة، ومعدى كرب بن أبرهة، ويكسوم بن أبرهة.
حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة، قال: هاجر كريب بن أبرهة وأخوه أبو شمر بن أبرهة فى خلافة عمر بن الخطّاب.
حدثنا هارون بن عبد الله الزهرىّ، حدثنا محمد بن عمر، أخبرنى عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عبد العزيز بن مروان سأل كريب بن أبرهة بن الصبّاح عن خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، أشهدتها؟ فقال: شهدتها وأنا غلام علىّ إزار أسمعها ولا أعيها، ولكن أدلّك على من سمعها وهو رجل، قال: من؟ قال: سفيان ابن وهب الخولانىّ. فأرسل إليه فسأله، فقال أشهدت عمر بالجابية؟ قال: نعم. ثم ذكر الحديث.
حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ميمون بن يحيى، عن مخرمة بن بكير، عن يعقوب ابن عبد الله بن الأشجّ، قال: قدمت مصر فى أيّام عبد العزيز بن مروان فرأيت كريب بن أبرهة يخرج من عند عبد العزيز وإن تحت ركابه خمسمائة رجل من حمير.
واختطّ كعب بن عدىّ العبادىّ فى القيساريّة، فلما أراد عبد العزيز بناءها اشتراها منهم، وخطّ لهم دارهم التى فى بنى وائل.
والحمّام الذي «١» يعرف «٢» اليوم بحمّام أبى مرّة، كان خطّة لرجل من تنوخ، هو «٣» جدّ ابن علقمة أو أبوه، فسأله إياه عبد العزيز بن مروان، فوهبه له فبناه حمّاما لزبّان بن عبد العزيز، وبزبّان كان يعرف، وفيه يقول الشاعر:
من كان فى نفسه للبيض «٤» منزلة فليأت أبيض فى حمّام زبّان
لا روح فيه ولا شفر يقلّبه لكنّه صنم فى خلق إنسان
[ ١٤٠ ]
فى أبيات له «١» . وكان فيه صنم من رخام على خلقة المرأة عجب من العحب، حتى كسرت فى السنة التى أمر يزيد بن عبد الملك فيها بكسر الأصنام، وكان أمر بكسرها فى سنة اثنتين ومائة. وغرس له عبد العزيز نخله التى بالجيزة اليوم التى تعرف بجنان كعب، عوضا من ذلك.
واختطّ الزبير بن العوّام داره التى بسوق وردان اليوم والخطّة لبلىّ، وفيها السلّم الذي كان الزبير نصبه وصعد عليه الحصن، وفيها كان عبد الله بن الزبير ينزل إذا قدم مصر فيما ذكر بعض المشايخ، وقد كان عبد الملك بن مروان اصطفاها فردّها عليهم هشام بن عبد الملك، ثم أخذها منهم يزيد بن الوليد، فلم تزل فى أيديهم حتى كانت ولاية أمير المؤمنين أبى جعفر، فكلّمه فيها هشام بن عروة، وكانت لهشام ناحية من أبى جعفر فأمر بردّها عليهم، وقال: ما مثل أبى عبد الله.- يريد الزبير- يؤخذ له شىء.
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن الزبير بن العوّام اختطّ بالفسطاط.
واختطّ أبو بصرة الغفارىّ عند دار الزبير بن العوّام. وأقرّ عمرو بن العاص القصر لم يقسمه وأوقفه.
ولأهل مصر عن أبى بصرة عن النبي ﷺ، أحاديث، منها: حدثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبى الخير، عن أبى بصرة، أن رسول الله ﷺ، قال: إنّا راكبون غدا إلى يهود، فإذا سلّموا عليكم فقولوا: عليكم «٢» .
ومنها حديث الليث بن سعد، عن خير بن نعيم، عن عبد الله بن هبيرة، عن أبى تميم الجيشانى، عن أبى بصرة الغفارى، أن رسول الله ﷺ، صلّى يوما صلاة العصر بالمخمّص- واد من أوديتهم- ثم انصرف، فقال: إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فتوانوا عنها وتركوها، فمن صلّاها منكم كتب الله له أجرها ضعفين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد «٣» .
[ ١٤١ ]
حدثناه عبد الله بن صالح. وحدثناه إدريس بن يحيى الخولانى، عن ابن عيّاش القتبانى، عن ابن هبيرة.
ومنها حديث الليث أيضا، عن يزيد بن أبى حبيب، عن كليب بن ذهل الحضرمى، عن عبيد بن جبر، أنه سافر مع أبى بصرة الغفارى فى رمضان، فلما دفعوا «١» من الفسطاط دعا بطعام ونحن ننظر إلى الفسطاط، فقلت له: نأكل ولو نريد أن ننظر إلى الفسطاط نظرنا «٢» . فقال: أنرغب «٣» عن سنّة رسول الله ﷺ وأصحابه! فأفطرنا.
ومنها حديث ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبى الهيثم، عن أبى بصرة أن رسول الله ﷺ، قال: الكافر يأكل فى سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل فى معى واحد. حدثناه سعيد بن عفير.
قال واختطّت أسلم مما يلى دار أبى ذرّ ومن خططها دار الصبّاح. والزقاق الذي فيه دار ابن بلادة الشرق منه لأسلم. ولهم أيضا من قصر ابن جبر إلى الحجّامين الذين بسوق بربر.
ويزعم بعض مشايخ أهل مصر قال: ولخزاعة داران: الدار التى تنسب إلى ابن نيزك «٤» كانت لرجل منهم يقال له الحارث بن فلان، أو فلان بن الحارث. والدار التى إلى جانبها تليها القضاة «٥» .
واختطّ الليثيّون الذين كانوا مع عمرو بن العاص وهم آل عروة بن شييم «٦» عند أصحاب القراطيس. واختطّ خلفهم بسر بن أبى أرطاة.
ولبنى معاذ من «٧» مدلج داران: إحداهما فى زقاق عبد الملك بن مسلمة كانت لأشهب الفقيه، والأخرى فى عقبة سوق بربر فى الزقاق الذي فيه دار مصعب الزهرىّ.
[ ١٤٢ ]
ولعنزة من ربيعة دور مجتمعة نحو من عشر، ومسجد فى أصل العقبة التى عند دار ابن صامت.
واختطّ بلىّ خلف خارجة بن حذافة، ثم مضوا بخطّتهم من دار عمرو بن يزيد إلى دار سلمة ودار واضح، حتى حازوا «١» دار مجاهد بن جبر إلى درب الزجاج، ثم مضوا حتى شرعوا فى أصحاب الزيت، ثم مضوا يشرعون فى قبلة سوق وردان حتى بلغوا مسجد القرون، ثم داخل الزقاق إلى مسجد بنى عوف من بلىّ، وهو المسجد الذي فى الزقاق ودار ابن يبولة التى بسوق وردان من بلىّ «٢» جزاء «٣» الى المعاصير.
وكانت بلىّ إنما يقفون عن يمين راية عمرو بن العاص، لأنّ أمّ العاص بن وائل بلويّة.
(٤ حدثنا عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق أن أمّ العاص بن وائل امرأة من بلىّ ٤) .
وإنما كثرت بلى بمصر كما حدثنا العبّاس بن طالب، عن عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، عن أبى عثمان النهدىّ، قال: نادى رجل من بلىّ وهو حىّ من قضاعة بالشام، يا آل قضاعة، فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب فكتب إلى عامل الشام أن تسيّر «٥» ثلث قضاعة إلى مصر فنظروا «٦» فإذا بلىّ ثلث قضاعة، فسيّروا إلى مصر.
قال ثم اختطّت بنو بحر مما يلى بلىّ، وهم قوم من الأزد فى لخم، ثم شرعوا إلى البحر.
ثم اختطّت بعدهم الحمراء، وسأذكر حديثهم فى موضعه إن شاء الله.
ثم شرعت طائفة من سلامان إلى البحر، ثم شرعت من بعدهم طائفة من فهم وكنانة فهم ثم الحمراء أيضا إلى القنطرة.
[ ١٤٣ ]
وكان أوّل القبائل بلىّ أهل الراية مما يلى بلىّ بن عمرو، والراية قريش ومن معها.
وإنما سمّيت الراية لراية عمرو بن العاص. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، قال: الراية قريش كانت معهم راية عمرو بن العاص. ويقال إنما سمّيت الراية أن قوما من أفناء القبائل من العرب كانوا قد شهدوا مع عمرو بن العاص الفتح، ولم يكن من قومهم عدد فيقفوا مع قومهم تحت رايتهم، وكرهوا أن يقفوا تحت راية غيرهم، فقال لهم عمرو: أنا أجعل راية لا أنسبها إلى أحد أكثر من الراية تقفون تحتها، فرضوا بذلك، فكان كلّ من لم يكن لقومه عدد وقف تحتها، فقيل الراية من أجل ذلك والله أعلم.
والحجر من الأزد فمسجد العيثم حتى تبلغ زقاق السمىّ «١» ثم يرفا ثم شجاعة ثم ثراد، ثم لقيتها هذيل وفهم، ثم قطعت هذيل بينهم وبين سلامان حتى انتهت هذيل إلى سويقة عدوان، وهى السويقة التى عند زقاق المكّى. فدار سبرة والزقاق الذي كان ينزله ابن الأغلب إلى هذه السويقة لهذيل، والزقاق من كتّاب إسماعيل إلى منزل بنانة لفهم.
ومسجد العيثم بناه الحكم بن أبى بكر بن عبد العزيز بن مروان، فهو من الاصطبل، وكان الاصطبل للأزد فاشتراه منهم الحكم فبناه، وكان يجرى على الذي يقرأ فى المصحف الذي وضعوه فى المسجد الذي يقال له مصحف أسماء من كراه فى كل شهر ثلاثة دنانير، فلما حيزت أموالهم وضمّت إلى مال الله وحيز الاصطبل فيما حيز كتب بأمر المصحف إلى أمير المؤمنين أبى العبّاس، فكتب أن أقرّوا مصحفهم فى مسجدهم على حاله، وأجروا على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير من مال الله فى كل شهر.
وكان سبب المصحف فيما حدثنا يحيى بن بكير وغيره يزيد بعضهم على بعض، أن الحجّاج بن يوسف كتب مصاحف وبعث بها إلى الأمصار، ووجّه بمصحف منها إلى مصر، فغضب عبد العزيز بن مروان من ذلك، وقال: يبعث إلى جند أنا به بمصحف، فأمر فكتب له هذا المصحف الذي فى المسجد الجامع اليوم، فلما فرغ منه قال: من وجد فيه حرف خطإ فله رأس أحمر وثلاثون دينارا، فتداوله القراء فأتى رجل من أهل الحمراء
[ ١٤٤ ]
فنظر فيه ثم جاء إلى عبد العزيز فقال: قد وجدت فى المصحف حرف خطإ، قال:
مصحفى! قال: نعم. فنظروا فإذا فيه إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً «١»
فاذا هى مكتوبة نجعة، قد قدّمت الجيم قبل العين، فأمر بالمصحف فأصلح ما كان فيه ثم أمر له بثلاثين دينارا ورأس «٢» أحمر.
ثم توفّى عبد العزيز فاشتراه فى ميراثه أبو بكر بن عبد العزيز بألف دينار. ثم توفّى أبو بكر فبيع فى ميراثه فاشترته أسماء ابنة أبى بكر بن عبد العزيز بسبعمائة دينار فأمكنت منه الناس وشهرته فنسب إليها. ثم توفّيت أسماء فاشتراه الحكم بن أبى بكر فجعله فى المسجد، وأجرى على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير فى كل شهر من كراء الاصطبل، والحكم بن أبى بكر الذي بنى المسجد المعروف اليوم بقبّة سوق وردان.
قال: ثم عدوان حتى تنتهى إلى السوق، ثم لقيتهم سلامان، فدار ابن أبى الكنود شارعة فى سويقة عدوان، وزقاق المكّى خطّة دارس «٣»، ونفر من يرفا، ثم مضت سلامان حتى شرعوا فى البحر إلى جنان حوىّ، ثم اعترضتهم كنانة من فهم، فلهم من زقاق ابن رفاعة حتى يشرعوا فى البحر. ثم تلقّى سلامان من تلقاء جنان حوىّ بنو يشكر من لخم فجنان حوىّ، وسفح الجبل الغربى ليشكر بن جزيلة من لخم. وثمّ خطّة علىّ بن رباح اللخمى بالحمراء عند جنان حوىّ على يسارك وأنت ذاهب تريد القنطرة.
قال: واختطّت مهرة أوّل ما دخلت بدار الخيل وما والاها على سفح الجبل الذي يقال له جبل يشكر مما يلى الخندق إلى شرقىّ العسكر الى جنان بنى مسكين اليوم، مسجد مهرة هنالك قبّة سوداء، حتى أدخله طريف الخادم فى دور الخيل حين بناها.
وكان جنان بنى مسكين اليوم خطّة لرجل من مهرة يقال له الجرّاح، فمات ولم يترك عقبا، فقدم شريح بن ميمون المهرىّ فورثه وتزوّج امرأته وعقد له على البحر، فلم يكن يعلم مددىّ نال من الشرف فى زمانه ما نال، إلّا أن توبة «٤» بن نمر الحضرمى كان مدديّا فولى القضاء.
[ ١٤٥ ]
حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث، قال: قدمت سفن إفريقيّة سنة ثمان وتسعين عليهم ابن أبى بردة، فغزوا هم «١» وأهل مصر عليهم شريح بن ميمون فشتوهم والسفن الأولى عمر «٢» بن هبيرة وأبو عبيدة على أهل المدينة بالبنطس.
وكانت منازل مهرة قبلىّ «٣» الراية مما يلى منازل ابن سعد بن أبى سرح حوزا حازوه، وكانوا إذا أتوا لجمعة ربطوا خيولهم، ثم نقلهم عمرو بن العاص بعد ذلك وضمّهم إليه، وعطلوا منازلهم هنالك، فذهبت مهرة بخطّتها حتى لقيت غافقا فى السوق ولقوا الصدف ولقوا غنثا مما يلى الغرب.
واختطّت لخم. فاختطّت قبلىّ ثقيف مما يلى السرّاجين فالدار التى صارت لعيّاش بن عقبة لهم ودار الزّلابية، ومضوا بخطّتهم إلى عقبة مهرة إلى زقاق أبى حكيم، ومعهم نفر من جذام، ثم انحدروا فى زقاق وردان مولى ابن أبى سرح.
وثمّ خطّة أبى رقيّة اللخمىّ، ومنزله هنالك قائم بحاله لم يغيّر، يقابل المسجد الذي عند دور بنى وردان.
ثم انحدروا إلى مسجد عبد الله فما كان عن يمينك وأنت تريد المسجد الجامع فى الطريق إلى دور الوردانيّين من مسجد عبد الله فهو للخم، وما كان عن يسارك فلغافق. ثم جازت لخم بخطّتها إلى دور مطر التى بسوق بربر فإنّ الأزد تلقّاهم بدور أبى مريم وباقى خطّتها فإن ذلك لحجر وحاء. ومسجد حاء المسجد الذي عند دار إسحاق بن متوكل ذو المنارة، والمسجد الذي على الطريق وأنت تريد إلى محرس أبى حبيب مجلس كان لهم يجلسون فيه، فإذا أقيمت الصلاة خرجوا من خوخات لهم ثلاث شوارع إلى الطريق فإذا صلّوا رجعوا إلى مجلسهم.
ثم يلقون خثيما ومازنا من الأزد مما يلى دار ابن فليح. ثم يلقون تنوخا مما يلى دار البراء بن عثمان بن حنيف. ثم يلقون غنثا من الأزد مما يلى دار ابن برمك، التى كانت الوكلاء تنزلها، فذلك الزقاق والرحبة وما شرع فى مسجد عبد الله من دار ابن الهيثم
[ ١٤٦ ]
الأيلى وما بينهما فلغنث من الأزد إلى منزل أشهب، وإذا سلكت زقاق أشهب فما كان عن يمينك وأنت تريد الموقف فهو لغافق، وما كان عن يسارك فهو للأزد حتى تنتهى إلى الموقف.
والموقف كان لابنة مسلمة بن مخلّد فتصدّقت به على المسلمين. ودار أبى قدامة أيضا مما كانت تصدّقت به، ودار إبراهيم بن صالح، وهى دار بنى عبد الجبّار من غافق.
ثم مضت الأزد حتى أخذت ما شرع فى السويقة قبالة دار سعيد بن عفير، وزقاق الروّاسين حتى تنتهى إلى دار حوىّ ودار عبد الرحمن بن هاشم.
ثم تلقى مما يلى السويقة العتقاء، وهم قليل، ومسجد العتقاء هنالك مشهور، وللعتقاء من دار زياد الحاجب حتى تهبط إلى بيطار بلال إلى السوق.
وكان زبيد بن الحارث الحجرىّ حجر حمير كان عداده فى العتقاء، وكان عريفهم. وكان سعيد بن الجهم يقول لعبد الرحمن بن القاسم: أنت منا، فيضيق لذلك، يعنى أن زبيد بن الحارث من حجر، وأنه مولى لهم.
وكان عبد الرحمن بن القاسم يتولّى العتقاء.
فإذا جئت من السويقة وأنت تريد المسجد الجامع، فما كان عن يمينك فللأزد، وما كان عن يسارك مما يلى محرس أبى حبيب فلهم.
ثم تلقاهم شجاعة بسقيفة الغزل، وتلقاهم فهم عند كتّاب إسماعيل، وتلقاهم بنو شبابة الأزد عند دار حوىّ. فما كان على الخطّ الأعظم إذا انتهيت إلى درب دار حوىّ وتركته وأممت العسكر فهو لفهم حتى تبلغ العسكر، وتلك خطّة بنى شبابة من فهم.
ولبنى شبابة أيضا المسجد الذي له المنارة التى تخرجك إلى سقيفة تركيّ، ولهم أيضا المسجد الذي فى رحبة السّوسىّ.
وإذا هبطت من درب حوىّ البحرىّ وقعت فى هذيل. فما كان عن يمينك وأنت تريد الخندق فلهذيل، وما كان عن يسارك فلدهنة من الأزد حتى تلقى يشكر من لخم فى جبل يشكر.
ثم اختطّت غافق بين مهرة ولخم، ثم مضوا بخطّتهم حتى برزوا إلى الصحراء مما
[ ١٤٧ ]
يلى الموقف، ولقوا من وجه مهبّ الشمال لخما وغنثا، ولقوا مما يلى القبلة الصدف ومهرة.
واختطّت فاتّسعت خطّتها لكثرتهم. وكانت غافق كما حدّثنا عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب ثلث الناس مدخل عمرو بن العاص مصر.
ولغافق من درب السرّاجين إلى دور بنى وردان. فما كان عن يمينك فلغافق حتى تنتهى إلى مسجد فهم الجمرات، ثم جرى إلى الصّفا الى مسجدى حذران، وحذران بطن من غافق إلى مسجد أحدب وإلى مسجد الزمام.
وفى موضع مسجد الزمام دفن محمد بن أبى بكر الصدّيق فيما يزعمون.
ثم ارجع إلى حمّام سهل. فما كان عن يسارك وأنت تريد مهرة فلغافق، وثم زقاق حمد من غافق الذي قبالة حمّام سهل الذي للنساء، وفيه مسجد أبى موسى الغافقى ليس فى الزقاق مسجد غيره.
ولأبى موسى صحبة برسول الله ﷺ، واسم أبى موسى عبد الله بن مالك. ولهم عنه عن رسول الله ﷺ حديثان.
حدثنا محمد بن يحيى الصدفى، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو بن الحارث أن يحيى بن ميمون الحضرمى حدثه عن وداعة الحمدىّ، حدثه أنه سمع أبا موسى الغافقى يقول قال رسول الله ﷺ: من افترى علىّ كذبا فليتبوّأ بيتا أو مقعدا من النار «١» .
حدثنا أسد بن موسى، وسعيد بن عفير، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة أبى الكنود، عن عبد الله بن مالك، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت، ولا أصلّى ولا أقرأ حتى أغتسل.
ثم جرى إلى زقاق الموزة فإذا جاوزت زقاق الموزة إلى مسجد سيبان وهو المسجد ذو القبّة الذي عند دار خالد بن عبد السلام الصدفى، وسيبان من مهرة فما كان عن يسارك وأنت تريد إلى سقيفة جواد فلغافق، وما كان عن يمينك فللصدف إلى مسجد أحدب
[ ١٤٨ ]
إلى ما فوق ذلك إلى الدرب الذي يخرجك إلى الصحراء، غير أن دار ابن سابور وهى الدار التى صارت لإسماعيل بن أسباط خطّة رجل من حمير.
وللربّانيّين أيضا من غافق من دار مطر، ما كان عن يمينك وأنت تريد إلى مسجد عبد الله. وعبد الله الذي ينسب إليه المسجد هو عبد الله بن عبد الملك بن مروان. وكان عبد الملك ولّاه مصر بعد موت عبد العزيز بن مروان. وكانت ولايته فى جمادى سنة ستّ وثمانين، كما حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، وكان حدثا. وكان أهل مصر يسمّونه مكيّسا «١»، وهو أول من نقل الدواوين إلى العربيّة، وإنما كانت بالعجميّة، وهو أول من نهى الناس عن لباس البرانس.
ثم إلى دار ابن هجالة الغافقى، فإذا بلغت دار ابن هجالة فلغافق ما كان عن يمينك وعن شمالك. وفى دار ابن هجالة الغافقى كان تغيّب محمد بن أبى بكر حين دخل عمرو بن العاص مصر عام المسنّاة. وكانت المسنّاة كما حدثنّا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، فى صفر سنة ثمان وثلاثين.
وكانت للغافقى أخت ضعيفة، فلما أقبل معاوية بن حديج ومن معه فى طلب قتلة عثمان، قالت أخت الغافقى: من تطلبون؟ محمد بن أبى بكر؟ أنا أدلّكم عليه ولا تقتلوا أخى، فدلّتهم عليه، فلما أخذ قال: احفظوا فىّ أبا بكر. فقال معاوية بن حديج:
قتلت سبعين من قومى بعثمان وأتركك وأنت قاتله! فقتله.
وهى الدار الملاصقة بمسجد «٢» الزنج تعمل على بابها النعال السنديّة وفى داخلها الأرحاء.
ولغافق من مسجد بادى إلى دار إبراهيم بن صالح إلى مسجد إبراهيم القرّاط، وتلك دهنة غافق.
ولغافق من الخطّة أكثر مما ذكرنا، غير أن هذه جملها.
واختطّت الصدف قبلىّ مهرة، فمضوا بخطّتهم حتى برزوا بطرف منها، فلقوا حضر موت دون الصحراء، ولقوا مما يلى القبلة بنى سعد من تجيب، ولقوا آل أيدعان بن
[ ١٤٩ ]
سعد، ولقوا بطرف منها سلهما من مراد، ثم لقوا حضر موت حالوا «١» بينهم وبين الصحراء.
وكانت راية الأجدوم مدخل عمرو مع حيّان- أو حبّان- بن يوسف، فلما استقرّت الصدف عرّف عليهم عمران بن ربيعة، فأقام عريفا سنين، ثم عرّف ابنه، ولم يزل بالبلد منهم قوم لهم شرف وسخاء كان منهم ابن سليك الصدفى.
واختطّت حضر موت وبطن من يحصب فيهم فى موضعهم اليوم فى زمان عثمان ابن عفّان إلا عبد الله بن المتهلّل. ودخل مع عمرو بن العاص الفسطاط من حضرموت عبد الله بن كليب من الأشباء، خطّته فى آل أيدعان عند دار ابن الروّاغ. ومالك بن عمرو بن الأجدع من الحارث. وداره دار هبيرة بن أبيض. والملامس بن جذيمة بن سريع، وخطّته عند الصّفا عند دار الفرج بن جعفر. ونمر بن زرعة بن نمر بن شاجى البسّىّ «٢» . والأعين بن نمر بن مالك بن سريع. وأبو العالية مولى لهم وهو جدّ أبى قنان.
وكانوا مع أخوالهم فى تجيب، ثم قدمت مادّتهم فى أيام عثمان، فاختطّوا شرقىّ سلهم والصدف حتى أصحروا، فتحوّل إليهم من أراد التحوّل ممّن كان منهم بتجيب.
واختطّ بمكانهم عبد الله بن كليب من الأشباء خطّته فى بنى أيدعان عند دار ابن الروّاغ. وكان أخوه قيس بن كليب فى حجّاب عمرو بن العاص أيام معاوية، وهو فتّى شابّ جميل فرآه معاوية مع عمرو فقال: من هذا الفتى؟ فقال عمرو: أحد حجّابى.
فقال معاوية: ما يعان من حجبه مثل هذا.
ثم حجب بعد ذلك عبد العزيز بن مروان، وفى قيس بن كليب يقول أبو المصعب البلوىّ فى قصيدته التى هجا فيها أشراف أهل مصر:
وظلت أنادى اللّكعاء قيسا لتدخلنى «٣» وقد حضر الغداء
وليس بماجد الجدّات قيس ولكن حضرميّات قماء
[ ١٥٠ ]
وأعرض نفحة «١» ليربوع عنّى يزيد بعد ما رفع اللواء
أشار بكفّه اليمنى وكانت شمالا لا يجوز «٢» لها عطاء
أكلّم عائذا ويصدّ عنّى ويمنعه السّلام الكبرياء
وجرف قد تهدّم جانباه كريب ذاكم البرم العياء
وأمّا القحزمىّ فذاك بغل أضرّ به مع الدبر الحفاء
وهذاك القصيّر من تجيب ولو يسطيع ما نفض الخلاء
وتروى أضرّ به مع الدبر الخصاء.
قال وكان معاوية إذا قدم عليه أحد من أهل مصر سأله: هل تروى قصيد أبى المصعب؟ وهذه الأبيات فى قصيدة له، يريد بيزيد يزيد بن شرحبيل بن حسنة، وقيس قيس بن كليب الحاجب، وعائذ بن ثعلبة البلوىّ. وقتل عائذ بالبرلّس فى سنة ثلاث وخمسين مع وردان مولى عمرو بن العاص، وأبى رقيّة اللخمى «٣»، وسأذكر حديثهم فى موضعه إن شاء الله. والقحزمىّ عمرو بن قحزم وكريب كريب بن أبرهة، والقصيّر من تجيب زياد بن حناطة التجيبى ثم الخلاوىّ وهو صاحب قصر ابن حناطة الذي بتجيب.
ولم يزل الملامس بن جذيمة عريف حضر موت يدّعون له الأشباء والحارث، حتى زمان معاوية بن أبى سفيان، فإنه وقع بين مسلمة بن مخلّد وبين الملامس كلام، فاستأذن الملامس معاوية فى النقلة إلى فلسطين بحضر موت، فأذن له، وكتب له بذلك إلى مسلمة، فكره مسلمة ذلك، فقال له رجل من حضر موت يقال له فلان بن مسلم: أنا أمشى بينهم فأكرّه إليهم الخروج ففعل، فلما تنجّز الملامس ذلك من مسلمة قال له: إن رضى قومك، ثم جمعهم فذكر لهم ما قال الملامس، فقال رجل منهم: ما نفارق بلادنا. فقال له: من أنت؟ قال: أنا ابن أميّة. قال: فمن قومك؟ قال: بنو عوف. ثم تتابعوا على مثل قوله فكتبهم وعرّفهم.
[ ١٥١ ]
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن عتبة بن أبى حكيم، عن ابن شهاب، أن رسول الله ﷺ، قال: حضر موت خير من بنى الحارث «١» .
حدثنا أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، أن معاوية بن أبى سفيان كتب إلى مسلمة بن مخلّد وهو على مصر: لا تولّى عملك إلا أزدىّ أو حضرمىّ، فإنهم أهل الأمانة.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن تبيع، قال: لا يدرك أحد من حضر موت الدجّال.
قال: ثم اختطّت تجيب، فأخذت بنو عامر شرقىّ الحصن قبلىّ منزل عبد الله بن سعد بن أبى سرح، ثم مضوا بخطّتهم حتى لقوا مهرة والصدف من مهبّ الشمال، ولقوا سلهما عما يلى الشرق، ولقوا وعلان من مراد، وطرفا من خولان من مهبّ الجنوب، ثم لقوا بنى غطيف وقبائل من مراد، وحالت سلهم بينهم وبين الصحراء.
فخطّة كنانة بن بشر بن سلمان الأيدعىّ دار هبيرة، وثمّ مسجده. ثم صارت بعد ذلك لعثمان بن يونس أبى السمح جدّ ابن دهقان لأمّه. وكان لكنانة سيف يقال له المقلّد، صار إلى سعيد بن عبيد، فكان سعيد يقول: إنما لتجيب سيفان، عريض بنى حديج والمقلّد، فقد صار المقلّد إلىّ.
قال: واختطّت خولان الشرق قبلىّ الحصن ومهبّ الجنوب، ثم مضوا بخطّتهم حتى لقوا بنى وائل والفارسييّن فى السهل، ولقوا تجيب ورعينا فى الجبل، ولقوا بنى غطيف وبنى وعلان من مراد فى الشرق، وتجيب من مهبّ الشمال، فجاوزهم غطيف فتحوّل بينهم وبين خطّتهم.
وكان رائم بن ثعلبة الخولانى من الحياويّة يقال إنه رجل من كنانة معروف النسب فيهم، وفيه يقول ابن جذل الطّعان:
من مبلغ خولان عنّى رسالة يربّضها «٢» أبنا فراس بن مالك
[ ١٥٢ ]
بأنّ أخانا رائم الخير فيكم مقيم بلا ذنب بأزل المهالك
إلى مالك ينمى إذا عدّ أصله كنانة أهل المكرمات الموالك
فأجابه رجل من خولان، فقال:
من مبلغ عنّى فراسا رسالة فنحن لخولان بن عمرو بن مالك
إلى سبا الأملاك أصلى ومنبتى يحدّثنى جدّى به غير هالك
قال: واختطّت مذحج بين خولان وتجيب. واختطّت وعلان مما يلى القصر، ثم مضوا ينازلون خولان وتجيب هم وبنو غطيف.
ثم مضت مراد بخطّتها حتى لقوا قبائل نافع ورعين، وفيهم بنو عبس بن زوف، ثم مضوا بخطّتهم حتى لقوا بنى موهب من المعافر، ولقوا السلف وسبأ وحالوا بينهم وبين الصحراء.
وقد غلط بعض الناس فى بنى عبس بن زوف والزقاق المنسوب إلى بنى عبس، فقال: هم عبس قيس وليس كما قال.
حدثنا أبو الأسود النضر، بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة. عن عتبة بن أبى حكيم، أن رسول الله ﷺ، قال: أكثر القبائل فى الجنّة مذحج.
واختطّت القبائل المنسوبة إلى سبإ منهم ابن ذى هجران ومعهم السلف شرقىّ جنب مما يلى مراد، ثم مضوا بخطّتهم بين المعافر وحضر موت حتى أصحروا.
واختطّت حمير قبلىّ خولان وشرقيّها وشرقى بديعة من مذحج، فكانت يحصب قبلىّ المعافر حتى قطعوا الجبال.
واختطّت يافع ورعين شرقى خولان «١»، ثم لقوا قبائل الكلاع، ثم مضوا بين قبائل سبإ والمعافر وبين اصطبل قرّة بن شريك حتى أصحروا.
واختطّت المعافر وفيهم الأشعريّون والسّكاسك شرقى الكلاع، فوليهم من ذلك الأكنوع وهم من الأشعريّين. وبنو موهب ثم السكاسك ثم المعافر وهم مختلطون. ثم
[ ١٥٣ ]
مضوا بخطّتهم حتى أصحروا ينازلون حمير وطائفة من خولان. وحمير والمعافر على الجبل موفون على قبائل مضر، وليس فى هذا الجبل إلا هذه القبائل، غير أن جهينة قد كانت نزلت بجرف ينّة «١» .
وكانت المعافر قد نزلت إلى جنب عمرو بن العاص فأذاهم البعوض وكان جرى النيل. فشكوا «١» ذلك إلى عمرو وسأوه أن ينقلهم، فقال: لا أجد قوما أحمل «٢» لى من أصحابى، فنقل قريشا إلى موضعهم، ونقل المعافر إلى موضعها التى هى به اليوم، وقال عمرو لأصحابه: اغتنموا، فكأنى أنظر إلى المسجد وما حوله قد صار فيه الناس ورغبوا فيه وإلى موضعهم قد خرب، فكان كما قال.
حدثنا هانئ بن المتوكّل، حدثنا ضمام بن إسماعيل، عن أبى قبيل، عن شفىّ بن ماتع، قال: كان الناس إذا كان فزع خرجوا براياتهم، وكان لكل قوم موقف، فكان موقف المعافر تحت الكوم يريد بالإسكندرية.
وقصر فهد الذي بالمعافر ومسجد لسبإ خطّه هو فهد بن «٣» كثير بن فهد، وكان ولى برقة أيام أسامة بن زيد الأولى، وكان قد ولى جزيرة الصناعة، وهو «٤» القصر الذي عند مسجد الزينة، وفى الأشعريّين والسكاسك جاء الحديث.
حدثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك، حدثنا الركن بن عبد الله بن سعد، عن مكحول، عن معاذ، أن النبي ﷺ يوم بعثه إلى اليمن حمله على ناقة، وقال: يا معاذ انطلق حتى تأتى الجند، فحيث «٥» بركت بك هذه الناقة فأذّن وصلّ وابن فيه مسجدا، فانطلق معاذ حتى إذا انتهى إلى الجند، دارت به ناقته، وأبت أن تبرك. فقال: هل من جند غير هذا؟ قالوا: نعم. جند رخامة، فلما أتاه دارت وبركت، فنزل معاذ فنادى بالصلاة ثم قام فصلّى، فخرج إليه ابن يخامر السّكسكىّ، فقال: من أنت؟ قال: أنا رسول رسول ربّ العالمين. فقال: ما تريد؟ قال: أريد أن أقاتل من خالف رسول الله ﷺ. فلما
[ ١٥٤ ]
قصّ عليه معاذ ما أوصاه به رسول الله ﷺ، قال له ابن يخامر: مرحبا بمن جئت من عنده، ومرحبا بك. ابسط يدك، فبايعه ووثب إليه ثلّة من الأشعريّين، ووثب إليه الأملوك أملوك ردمان، فقال ابن يخامر: إن العرصة «١» التى بنيت فيها المسجد لى، فقال معاذ:
خذ ثمنها، فقال: لا، بل هى لله والرسول. فقاتل معاذ من خالف رسول الله ﷺ بالثلّة من الأشعريّين والأملوك أملوك ردمان حتى أجابوه، فكتب إلى رسول الله ﷺ: إنى قاتلت حتى أجابنى أهل اليمن بثلّة من الأشعريّين والسكاسك والأملوك أملوك ردمان. فقال رسول الله ﷺ: اللهمّ اغفر للسكاسك والأملوك أملوك ردمان وثلّة من الأشعريّين.
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم بخير قبائل؟ قالوا بلى. قال الأملوك أملوك ردمان وفرق من «٢» الأشعريّين وفرق من خولان والسكاسك والسّكون.
قال: واختطّت بنو وائل فى مهبّ الشمال، ثم مضوا بخطّتهم شارعين على النيل حتى لقيت راشدة من لخم مما يلى الاصطبل. وبين طائفة منهم وبين يحصب وهم فى الجبل الفارسيّون وهم قليل.
ثم انحطّت «٣» طائفة من لخم خلف بنى وائل وشرعوا فى النيل، ثم مضوا ينازعون يحصب وهم فى جبل حتى برزوا إلى أرض الحرث والزرع، وكان بين القبائل فضاء من القبيل إلى القبيل، فلما مدّت الأمداد فى زمان عثمان بن عفّان وما بعد ذلك وكثر الناس، وسّع كلّ قوم لبنى أبيهم حتى كثر البنيان والتأم.
خطط الجيزة
(* حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، وابن هبيرة يزيد أحدهما على صاحبه، قال: فاستحبّت همدان ومن والاها الجيزة، فكتب عمرو بن
[ ١٥٥ ]
العاص إلى عمر بن الخطاب يعلمه بما صنع الله للمسلمين. وما فتح عليهم «١»، وما فعلوا فى خططهم؛ وما استحبّت همدان ومن والاها من النزول بالجيزة. فكتب إليه عمر، يحمد الله على ما كان من ذلك، ويقول له: كيف رضيت أن تفرقّ عنكّ أصحابك، لم يكن ينبغى لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينهم وبينك بحر، لا تدرى ما يفجؤهم فلعلّك لا تقدر على غياثهم حتى ينزل بهم ما تكره. فاجمعهم إليك فإن أبوا عليك، وأعجبهم موضعهم. فابن عليهم من فىء المسلمين حصنا.
فعرض عمرو ذلك عليهم فأبوا، وأعجبهم موضعهم بالجيزة ومن والاهم على ذلك من رهطهم؛ يافع وغيرها، واحبّوا ما هنالك، فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن الذي بالجيزة فى سنة إحدى وعشرين، وفرغ من بنائه فى سنة اثنتين وعشرين.
قال غير ابن لهيعة من مشايخ أهل مصر: إن عمرو بن العاص لّما سأل أهل الجيزة أن ينضمّوا إلى الفسطاط، قالوا: متقدّما «٢» قدّمناه فى سبيل الله ما كنّا لنرحل «٣» منه إلى غيره، فنزلت يافع الجيزة، فيها مبرّح بن شهاب، وهمدان، وذو أصبح، فيهم أبو شمر بن أبرهة، وطائفة من الحجر، منهم علقمة بن جنادة أحد بنى مالك بن الحجر*) .
وكانت منهم طائفة قد اختطّوا بالفسطاط أسفل من عقبة تنوخ، قد بيّنت ذلك فى صدر كتابى.
قال: وقد كان دخل مع عمرو بن العاص قوم من العجم يقال لهم الحمراء والفارسيّون. فأمّا الحمراء فقوم من الروم فيهم بنو ينّة وبنو الأزرق وبنو روبيل. والفارسيّون قوم من الفرس وفيهم «٤» زعموا قوم من الفرس الذين كانوا بصنعاء، وكان حامل لوائهم ابن ينّة، وإليه تنسب سقيفة ابن ينّة التى بفسطاط مصر بالحمراء.
فقالت الروم والفارسيّون: إنّهم العرب، وإنّا لا نأمنهم ونخاف الغدر من قبلهم، قالوا: فما الرأى؟ قالوا: ننزل نحن فى طرف وأنتم فى طرف، فإن يكن منهم غدر كانوا
[ ١٥٦ ]
بيننا، فقال بعضهم: فإن يكن منهم غدر كانوا بين لحيى الأسد، وكنّا قد أخذنا بالوثقى.
فنزلت الروم الحمراء التى بالقنطرة، ونزلت الفرس بناحية بنى وائل فمسجد الفارسيّين هنالك مشهور معروف.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن شيخ من موالى فهم، عن علىّ بن رباح، قال: قدم عمرو بن العاص بالحمراء والفارسيّين من الشام. قال ابن لهيعة: سمّاهم الحمراء لأنهم من العجم.
ذكر أخائذ الإسكندرية
قال وأما الإسكندرية فلم يكن بها خطط، غير أن أبا الأسود النضر بن عبد الجبّار حدثنا، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن الزبير بن العوّام اختطّ بالإسكندرية.
وإنما كانت أخائذ من أخذ منزلا نزل فيه هو وبنو أبيه. وأن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية أقبل هو وعبادة بن الصامت حتى علوا الكوم الذي فيه مسجد عمرو بن العاص، فقال معاوية بن حديج: ننزل، فنزل عمرو بن العاص القصر الذي صار لعبد الله ابن سعد بن أبى سرح، ويقال إن عمرا وهبه له لمّا ولى البلد.
ونزل أبو ذرّ الغفارى منزلا كان غربىّ المصلّى الذي عند مسجد عمرو مما يلى البحر وقد انهدم، ونزل معاوية بن حديج موضع داره التى فوق هذا التلّ، وضرب عبادة ابن الصامت بناء فلم يزل فيه حتى خرج من الإسكندرية. ويقال إن أبا الدرداء كان معه والله أعلم.
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، وابن هبيرة فى حديثهما، قال: فلما استقامت لهم البلاد قطع عمرو بن العاص من أصحابه لرباط الإسكندرية ربع الناس، وربع فى السواحل والنصف مقيمون معه «١»، وكان يصيّر بالإسكندرية خاصّة الربع فى الصيف بقدر ستّة أشهر، ويعقب بعدهم شاتية ستّة أشهر، وكان لكل عريف قصر ينزل فيه بمن معه من أصحابه واتّخذوا فيه أخائذ.
[ ١٥٧ ]
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، أن المسلمين لما سكنوها فى رباطهم ثم قفلوا ثم غزوا، ابتدروا، فكان الرجل يأتى المنزل الذي كان فيه صاحبه قبل ذلك فيبتدره فيسكنه، فلما غزوا قال عمرو: إنى أخاف أن تخربوا المنازل إذا كنتم تتعاورونها، فلما كان عند الكريون قال لهم: سيروا على بركة الله، فمن ركز منكم رمحه فى دار فهى له ولبنى أبيه، فكان الرجل يدخل الدار فيركز رمحه فى منزل منها، ثم يأتى الآخر فيركز رمحه فى بعض بيوت الدار، فكانت الدار تكون لقبيلتين، ثلاث، وكانوا يسكنونها، حتى إذا قفلوا سكنها الروم وعليهم مرمّتها.
فكان يزيد بن أبى حبيب، يقول: لا يحلّ من كرائها شىء ولا بيعها. ولا يورّث ولا يورث منها شىء، إنما كانت لهم يسكنونها فى رباطهم.
الزيادة فى المسجد الجامع
ثم إن مسلمة بن مخلّد الأنصارى زاد فى المسجد الجامع بعد بنيان عمرو له، ومسلمة الذي كان أخذ أهل مصر ببنيان المنار للمساجد، كان أخذه إيّاهم بذلك فى سنة ثلاث وخمسين، فبنيت المنار وكتب عليها اسمه.
حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: أخذ مسلمة بن مخلّد الناس ببناء منار المساجد ووضع ذلك عن خولان؛ لأنه كان صاهر إليهم، وأسقط ذلك عنهم.
ثم هدم عبد العزيز بن مروان المسجد فى سنة سبع وسبعين وبناه. ثم كتب الوليد ابن عبد الملك فى خلافته إلى قرّة بن شريك العبسىّ وهو يومئذ واليه على أهل مصر.
وكانت ولاية قرّة بن شريك مصر فى سنة تسعين، قدمها يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وعزل عبد الله بن عبد الملك، وفى ذلك يقول الشاعر «١»:
عجبا ما عجبت حين أتانا أن قد امّرت قرّة بن شريك
وعزلت الفتى المبارك عنّا ثمّ فيّلت فيه رأى أبيك
فهدمه كلّه وبناه هذا البناء، وزوّقه، وذهّب رءوس العمد التى فى مجالس قيس، وليس فى المسجد عمود مذهّب الرأس إلا فى مجالس قيس، وحوّل قرّة المنبر حين هدم
[ ١٥٨ ]
المسجد إلى قيساريّة العسل، فكان الناس يصلّون فيها الصلوات ويجمّعون فيها الجمع، حتى فرغ من بنيانه. والقبلة فى القيسارية إلى اليوم، وكانت القبّة التى فى وسط الجزيرة بين الجسرين فى المسجد «١» الجامع. ثم زاد موسى بن عيسى الهاشمى بعد ذلك فى مؤخّره فى سنة خمس وسبعين ومائة. ثم زاد عبد الله بن طاهر فى عرضه بكتاب المأمون بالإذن له فى ذلك فى سنة ثلاث عشرة ومائتين. وأدخل فيه دار الرمل كلها إلا ما بقى منها من دار الضرب، ودخلت فيه دار ابن رمّانة وغيرها من بعض الخطط التى ذكرناها.
فكان عمّال الوليد بن عبد الملك، كما حدثنا سعيد بن عفير، كتبوا إليه: إن بيوت الأموال قد ضاقت من مال الخمس، فكتب إليهم أن ابنوا المساجد.
فأوّل مسجد بنى بفسطاط مصر المسجد الذي فى أصل حصن الروم عند باب الريحان قبالة الموضع الذي يعرف بالقالوس يعرف بمسجد القلعة «٢» .
حدثنا حميد بن هشام الحميرى، قال: كل مسجد بفسطاط مصر فيه عمد رخام فليس بخطّىّ.
وأوّل كنيسة بنيت بفسطاط مصر، كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن بعض شيوخ أهل مصر، الكنيسة التى خلف القنطرة أيام مسلمة بن مخلّد، فأنكر ذلك الجند على مسلمة وقالوا له: أتقّر لهم أن يبنوا الكنائس! حتى كاد أن يقع بينهم وبينه شرّ، فاحتجّ عليهم مسلمة يومئذ فقال: إنها ليست فى قيروانكم، وإنما هى خارجة فى أرضهم، فسكتوا عند ذلك، فهذه خطط أهل مصر.
ذكر القطائع
قال: وقد كان المسلمون حين اختطّوا قد تركوا بينهم وبين البحر والحصن فضاء لتعريق دوابّهم وتأدييها، فلم يزل الأمر على ذلك حتى ولى معاوية بن أبى سفيان فاشترى خطّة مسلمة بن مخلّد منه، وأقطعه داره التى بسوق وردان، ثم اشترى خطّة عقبة بن عامر وأقطعه داره التى فى الفضاء عند أصحاب التبن، وهى اليوم فى يدى فرج، اشترى دار أبى رافع التى صارت للسائب مولاه، وأقطع السائب الدار التى عند حيز الوزّ.
[ ١٥٩ ]
ثم ابتنى عبد العزيز دار الأضياف كانت لأضياف عبد العزيز. وأقطع معاوية أيضا سارية مولى عمر بن الخطّاب فى الزقاق الذي يعرف بحيز الوزّ، فباعه ولده مقطّعا.
وأقطع عبد العزيز خالد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام دار مخرمة التى فى الفضاء وكانت له، دار موسى بن عيسى النوشرىّ التى بالموقف.
قال: وكان خالد وعمر ابنا عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مع عبد الله بن الزبير، وكان أبو بكر بن عبد الرحمن أخا لعبد الملك بن مروان وتربا له، فلما ظهر عبد الملك بن مروان قال: لا سبيل إلى ما يكره عمر وخالد مع أبى بكر، ولكن لله علىّ ألا يسكنان الحجاز، فكتب إلى الحجّاج أن خيّرهما فى أىّ الأمصار شاءا فليلحقا بها، فلحق خالد بعبد العزيز بن مروان فأقطعه دار مخرمة فى الفضاء وكانت له دار موسى بن عيسى التى بالموقف، وأما عمر فلحق ببشر بن مروان بالعراق فله بواسط آثار كثيرة.
وأقطع عمارة بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط الدور التى تلى أصحاب التبن قبليا.
وكان أبو معيط يسمّى أبانا. حدثنى بذلك محمد بن إدريس الرازىّ، وله يقول ضرار بن الخطّاب:
عين فابكى لعقبة بن أبان فرع فهر وفارس الفرسان
وله يقول بعض الشعراء:
من سرّه شحم ولحم راكد فليأت جفنة عقبة بن أبان
قال: وكان عبد الأعلى بن أبى عمرة وهو مولى لبنى شيبان على أخت موسى بن نصير وكانت له من عبد العزيز منزلة فخطّ له داره ذات الحمّام الذي يقال له حمّام التبن، فلما قدم عبد الأعلى بن أبى عمرة من عند أليون صاحب الروم، قال لعبد العزيز:
قد أبليت المسلمين فى تأجيههم «١» إيّاى نصحا وبلاء حسنا، فمر لى بأربع سوارى «٢» من خرب الإسكندرية، فأمر له بها فهى على حوض حمّامه الأعظم.
[ ١٦٠ ]
وكان عبد العزيز يرسله بالبزّ «١» إلى ابن عمر.
حدثنا أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الأعلى بن أبى عمرة، أن عبد العزيز بن مروان أرسل معه بألف دينار إلى ابن عمر فقبلها.
قال: وأقطع عبد الملك بن مروان عمر بن علىّ الفهرىّ، ثم أحد بنى محارب داره ذات الحمّام التى اشتراها موسى بن عيسى إلى جنب أصحاب القرط. وذلك أن عبد الملك بن مروان لما قتل عمرو بن سعيد، كان عمر بن على ممن أبلى معه، وكان فى أصحابه، فدخل عليه فى خاصّته وعمرو بن سعيد مقتول، فاستشارهم فى قتله، فكلّهم هاب قتله، ولم يره، فقال عمر بن علىّ: اقتله، قتله الله. فلا يزال فى خلاف ما عاش.
قال عبد الملك: ها هو ذا قال، فألق رأسه إلى الناس وأنهبهم بيت المال يفترقون عنك، ففعل، فافترق الناس، وأرسله عبد الملك إلى منزل عمرو يفتشه فوجد فيه كتبا فيها أسماء من بايعه فأحرقها، وبلغ ذلك عبد الملك فقال له: ما حملك على ما فعلت؟
قال: لو قرأتها لما صحّ لك قلب شأمىّ ولا استقامت طاعته إذا علم أنك قد علمت بخلافه فصوّب رأيه وحمده، وأقطعه داره ذات الحمّام التى اشتراها موسى بن عيسى إلى جنب أصحاب القرط.
قال عبد الملك بن مسلمة: هى قطيعة من عبد العزيز للفهرى ولم يسمّه باسمه.
إلا أن ابن عفير سمّاه وقال: عبد الملك بن مسلمة أقطعها عبد العزيز الفهرى مولى ابن رمّانة حين قدم عليه، وبناها له يزيد بن رمّانة، وهى الدار التى تعرف اليوم بدار السلسلة.
وآل أبى عبد الرحمن يزيد بن أنيس الفهرى ينكرون ذلك، وهم بذلك أعلم، ويقولون: إنها خطّة لأبى عبد الرحمن الفهرى، اختطّها عام فتح مصر ولم يكن بنى منها شيئا غير سورها، ثم خرج إلى الشام فاستشهد بها، ثم قدم ابناء العلاء وعلىّ وكان العلاء أسنّهما، وقد كان رأى رسول الله ﷺ، فقدما إلى مصر فجعلا ذلك البناء مثل المريد العظيم، ولم يجعلا فيها إلا منزلا واحدا، وأسكنا فيه مولى لهما يقال له يحنّس، ثم خرج العلاء إلى المدينة فقتل عام الحرّة وخلّف الحارث بن العلاء، وخرج علىّ إلى الشام فتوفّى بها، وخلّف عمر بن على، فصار بمنزلة عند عبد الملك.
[ ١٦١ ]
فبعث إلى ابن رمّانة وأرسل اليه بمال، وسأله أن يبنى له دار جدّه بأحكم ما يقدر عليه، ويجعل له فيها حمّاما ويجعل له خوخة فى داره إذا اراد أن يدخله دخله. وقال: إنّ ذلك ذكر لك ولشيخك، فحرّك ذلك ابن رمّانة فبناها وجعل سورها أكثر من ذراعين بذراع البناء، وجعلها تدوّر بعمد رخام، وجعل قاعدتها مستديرة، ولم يجعل فوقها بناء.
ثم قدم عمر بن علىّ مصر، وقد فرغ منها ابن رمّانة، فقال له عمر: لقد اتّقنت غير أنك لم تجعل لها مسجدا.
فبنى المسجد الذي يعرف اليوم بمسجد القرون، بناه مثل الدكّان الكبير، ونحّاه عن الدار، وجعل بينه وبين الدار فرجة وكان يجلس فيه. ثم بناه بعده أبو عون عبد الملك ابن يزيد، ثم زاد فيه المطّلب بن عبد الله الخزاعى، ثم احترق فبناه السّرىّ بن الحكم هذا البناء، ثم مات عمر بن على فورث الحارث بن العلاء- وهو ابن أخيه- كل ما ترك، وحبس الدار على الأقعد فالأقعد بالحارث بن العلاء من الرجال دون النساء أبدا ما تناسلوا، وتقديم كلّ طبقة على من هو أسفل منها. (فإذا انقرض الرجال فهى على النساء كلّ من رجعت بنسبها إليه من الصلب) «١» فإذا انقرض النساء فهى وحمّامها وكومها المعروف بأبى قشاش يقسم ذلك أثلاثا، فثلث فى سبيل الله، وثلث فى الفقراء والمساكين، وثلث على مواليه وموالى ولده وأولادهم أبدا ما تناسلوا بعد مرمّتها، ورزق قيّم إن كان لها. فإذا انقرض الموالى فلم يبق منهم أحد فعلى الفقراء والمساكين بفسطاط مصر ومدينة الرسول ﷺ على ما يرى من وليّها «٢» من عمارتها.
واسم أبى عبد الرحمن يزيد بن أنيس بن عبد الله بن عمرو بن حبيب بن عمرو ابن شيبان بن محارب بن فهر. وعمرو بن حبيب هو آكل السّقب، وأمّه السّوداء ابنة زهرة بن كلاب، وهو الذي يقول فيه الشاعر:
بنو آكل السّقب الذين كأنّهم نجوم بآفاق السماء تنور
وكان عند دار السلسلة فلا أدرى أهى هذه الدار أم «٣» غيرها حوض من رخام،
[ ١٦٢ ]
وكان يملأ فى الأعياد طلاء وتجعل عليه الآنية ويشرب الناس، فلم يزل الأمر على ذلك حتى ولى عمر بن العزيز فقطعه.
وبالفسطاط غير دار يقال لها دار السلسلة سوى دار الفهرىّ منها دار السهمىّ التى فى الحذّائين، والدار التى كان فيها أصبغ الفقيه فى زقاق القناديل.
قال وبنى عبد العزيز بن مروان القيساريّات قيساريّات العسل، وقيسارية الحبال، وقيسارية الكباش وهى فى خطّة قوم من بلّى يقال لهم الوحاوحة، والقيسارية التى يباع فيها البزّ، «١» وهى التى تعرف بقيسارية عبد العزيز، وأدخل فيها من خطط الراية، وكان فيها منزل كعب بن عدىّ العبادى فعوّضه منها داره التى فى بنى وائل.
قال: وبنى هشام بن عبد الملك قيساريّته التى تعرف بقيسارية هشام يباع فيها البزّ الفسطاطىّ فى الفضاء بين القصر وبين البحر. وبقيت بعد ذلك من الفضاء بقيّة بين بنى وائل والبحر فأقطعها بنو العبّاس الناس.
قال: وأقطع عمرو بن العاص حين ولى وردان مولاه الأرض التى خلف القنطرة التى غربيّها أبو حميد إلى كنيسة الروم التى هناك. وما كان عن يمينك من رأس الجسر القديم إلى حمّام الكبش وهو الحمام الذي يعرف اليوم بحمام السّوق، والآخر إلى ساحل مريس، فكل ذلك كان للوليد بن عبد الملك، وكان للوليد أيضا ما كان على يسارك من الجزيرة وأنت خارج إلى الجيزة والحوانيت اللاصقة بجزيرة الصناعة.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد أقطع ابن سندر منية الأصبغ، فحاز لنفسه منها ألف فدّان كما حدثنا يحيى بن خالد، عن الليث بن سعد. ولم يبلغنا أن عمر بن الخطاب أقطع أحدا من الناس شيئا من أرض مصر إلا ابن سندر، فإنه أقطعه أرض منية الأصبغ، فلم تزل له حتى مات؛ فاشتراها الأصبغ بن عبد العزيز من ورثته؛ فليس بمصر قطيعة أقدم منها ولا أفضل.
وكان سبب إقطاع عمر ما أقطعه من ذلك كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة (* عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنه كان لزنباع الجذامىّ غلام
[ ١٦٣ ]
يقال له سندر، فوجده يقبّل جارية له، فجبّه وجدع أذنيه وأنفه، فأتى سندر إلى رسول الله ﷺ، فأرسل إلى زنباع، فقال: لا تحملوهم ما لا تطيقون «١»، وأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون؛ فإن رضيتم فأمسكوا، وإن كرهتموهم فبيعوا، ولا تعذّبوا خلق الله، ومن مثل به أو أحرق بالنار فهو حر وهو مولى الله ورسوله. فأعتق سندر، فقال: أوص بى يا رسول الله، قال: أوصى بك كلّ مسلم، فلما توفّى رسول الله ﷺ أتى سندر إلى أبى بكر الصدّيق ﵁، فقال: احفظ فىّ وصيّة رسول الله ﷺ، فعاله أبو بكر حتى توفّى، ثم أتى عمر فقال له: احفظ فىّ وصيّة النبي ﷺ، فقال: نعم، إن رضيت أن تقيم عندى أجريت عليك ما كان يجرى عليك أبو بكر، والّا فانظر أىّ المواضع أكتب لك؛ فقال سندر: مصر فإنها أرض ريف، فكتب له إلى عمرو بن العاص: احفظ فيه وصيّة رسول الله ﷺ؛ فلما قدم على عمرو، قطع له أرضا واسعة ودارا، فجعل سندر يعيش فيها، فلما مات قبضت فى مال الله*) .
قال عمرو بن شعيب: ثم أقطعها عبد العزيز بن مروان الأصبغ بعد، فهى من خير أموالهم.
وروى ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ربيعة بن لقيط التجيبى، عن عبد الله بن سندر، عن أبيه إنه كان عبدا لزنباع بن سلامة الجذامى، فعتب عليه فخصاه وجدعه، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأغلظ لزنباع القول وأعتقه منه، فقال:
أوص بى يا رسول الله، قال: أوصى بك كل مسلم «٢» . قال يزيد: وكان سندر كافرا.
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، أن غلاما لزنباع الجذامى اتّهمه فأمر بإخصائه وجدع أنفه وأذنيه، فأتى إلى رسول الله ﷺ فأعتقه، وقال: أيّما مملوك مثل به فهو حرّ وهو مولى الله ورسوله، فكان بالمدينة عند رسول الله ﷺ يرفق به، فلما اشتدّ مرض رسول الله ﷺ قال له ابن سندر: يا رسول الله، إنّا كما ترى، فمن لنا بعدك؟ فقال رسول الله ﷺ: أوصى بك كل مؤمن.
فلما ولى أبو بكر ﵁ فأقّر عليه نفقته حتى مات، فلما ولى عمر بن
[ ١٦٤ ]
الخطّاب أتاه ابن سندر فقال: احفظ فىّ وصيّة رسول الله ﷺ، فقال له: انظر أىّ أجناد المسلمين شئت فالحق به آمر لك بما يصلحك. فقال ابن سندر: ألحق بمصر، فكتب له إلى عمرو بن العاص يأمره أن يأمر له بأرض تسعه، فلم يزل فيما يسعه بمصر.
ويقال سندر وابن سندر والله أعلم بالصواب.
ولأهل مصر عنه حديثان مرفوعان هذا أحدهما، والآخر حدثنا يحيى بن بكير، وعبد الملك بن مسلمة، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن ابن سندر، قال قال رسول الله ﷺ: «أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وتجيب أجابت الله ورسوله» «١» .
قال ابن بكير فى حديثه فقلت يا أبا الأسود، أنت سمعت رسول الله ﷺ يذكر تجيب؟ قال: نعم. قلت وأحدّث الناس عنك بذلك؟ قال: نعم.
خروج عمرو إلى الريف
(* حدثنا عبد الله بن صالح، عن عبد الرحمن بن شريح، عن أبى قبيل، قال: كان الناس يجتمعون بالفسطاط إذا قفلوا؛ فإذا حضر مرافق الريف خطب عمرو بن العاص الناس، فقال: قد حضر مرافق ريفكم؛ فانصرفوا، فإذا حمض اللبن، واشتدّ العود، وكثر الذباب، فحىّ على فسطاطكم، ولا أعلمنّ ما جاء أحدكم «٢» قد أسمن نفسه وأهزل جواده.
حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: كان عمرو يقول للناس إذا قفلوا من غزوهم: إنه قد حضر الربيع، فمن أحبّ منكم أن يخرج بفرسه يربعه فليفعل؛ ولا أعلمنّ ما جاء رجل قد أسمن نفسه وأهزل فرسه؛ فإذا حمض اللبن وكثر الذباب، ولوى العود، فارجعوا إلى قيروانكم*) .
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، أن عمرو بن العاص كان
[ ١٦٥ ]
يقول للناس إذا قفلوا: اخرجوا إلى أريافكم «١»، فإذا غنّى الذباب وحمض اللبن، ولوى العود، فحىّ على فسطاطكم.
خطبة عمرو بن العاص:
(* حدثنا سعيد بن ميسرة، عن إسحاق بن الفرات، عن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميرى، عن بحير بن ذاخر المعافرى، قال: رحت أنا ووالدى إلى صلاة الجمعة تهجيرا، وذلك آخر الشتاء أظنّه بعد حميم النّصارى بأيام يسيرة. فأطلنا الركوع إذ أقبل رجال بأيديهم السياط، يزجّرون الناس، فذعرت، فقلت: يا أبت، من هؤلاء؟ قال: يا بنىّ هؤلاء الشرط، فأقام المؤذّنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر، فرأيت رجلا ربعة قصد القامة وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب موشيّة، كأنّ به العقيان «٢»، تأتلق عليه حلّة وعمامة وجبّة، فحمد الله وأثنى عليه حمدا موجزا وصلّى على النبي ﷺ، ووعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، فسمعته يحضّ على الزكاة، وصلّة الأرحام، ويأمر بالاقتصاد، وينهى عن الفضول، وكثرة العيال. وقال فى ذلك: يا معشر الناس، إيّاى وخلالا أربعا، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلّة بعد العزّة، إيّاى وكثرة العيال، وإخفاض الحال، وتضييع المال، والقيل بعد القال، فى غير درك ولا نوال، ثم إنه لا بدّ من فراغ يؤول إليه المرء فى توديع جسمه، والتدبير لشأنه، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها، ومن صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقلّ، ولا يضيع المرء فى فراغه نصيب العلم من نفسه فيحور من الخير عاطلا، وعن حلال الله وحرامه غافلا.
يا معشر الناس، إنه قد تدلّت الجوزاء، وذكت «٣» الشعرى، وأقلعت السّماء، وارتفع الوباء، وقلّ الندى، وطاب المرعى ووضعت الحوامل، ودرّجت السخائل، وعلى الراعى بحسن رعيّته حسن النظر، فحىّ لكم على بركة الله إلى ريفكم، فنالوا من خيره ولبنه،
[ ١٦٦ ]
وخرافه وصيده، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها، فإنّها جنّتكم من عدوّكم، وبها مغانمكم وأثقالكم «١»، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا، وإيّاى والمشمومات والمعسولات، فإنهنّ يفسدن الدّين ويقصّرن الهمم.
حدثنى عمر أمير المؤمنين، أنه سمع رسول الله ﷺ، يقول: إن الله سيفتح عليكم بعدى مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لكم منهم «٢» صهرا وذمّة.
فعفّوا أيديكم وفروجكم، وغضّوا أبصاركم، ولا أعلمنّ ما أتى رجل قد أسمن جسمه، وأهزل فرسه، واعلموا أنى معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن أهزل فرسه «٣» من غير علّة حططتّه من فريضته قدر ذلك، واعلموا أنكم فى رباط إلى يوم القيامة، لكثرة الأعداء حوالكم «٤» وتشوّق «٥» قلوبهم إليكم وإلى داركم، معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية.
وحدثنى عمر أمير المؤمنين، أنه سمع رسول الله ﷺ، يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة» . فاحمدوا الله معشر «٦» الناس على ما أولاكم «٧»، فتمتّعوا فى ريفكم ما طاب لكم؛ فإذا يبس العود، وسخن العمود، وكثر الذباب، وحمض اللبن، وصوّح «٨» البقل، وانقطع الورد من الشجر، فحىّ على فسطاطكم، على بركة الله «٩»، ولا يقدمنّ أحد منكم ذو عيال على عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعيه أو عسرته، أقول قولى هذا وأستحفظ الله عليكم.
قال: فحفظت ذلك عنه، فقال والدى بعد انصرافنا إلى المنزل لمّا حكيت له
[ ١٦٧ ]
خطبته: إنه يا بنىّ يحدو الناس إذا انصرفوا إليه على الرباط كما حداهم على الريف والدّعة*) .
ذكر مرتبع الجند
قال: وكان إذا جاء وقت الربيع واللبن، كتب لكل قوم بربيعهم ولبنهم إلى حيث أحبّوا، وكانت القرى التى يأخذ فيها عظمهم «١»، منوف، ودسبندس «٢»، وأهناس، وطلحا.
وكان أهل الراية متفرّقين، فكان آل عمرو بن العاص وآل عبد الله بن سعد، يأخذون فى منف ووسيم.
وكانت هذيل تأخذ فى بنا وبوصير. وكانت عدوان تأخذ فى بوصير. وقرى عكّ التى يأخذ فيها عظمهم بوصير ومنوف ودسبندس وأتريب. وكانت بلىّ تأخذ فى منف وطرابية، وكانت فهم تأخذ فى أتريب وعين شمس ومنوف. وكانت مهرة تأخذ فى تتا وتمىّ. وكانت الصدف تأخذ فى الفيّوم. وكانت تجيب تأخذ فى تمىّ وبسطة ووسيم.
وكانت لخم تأخذ فى الفيّوم وطرابية وقربيط. وكانت جذام تأخذ فى طرابية وقربيط.
وكانت حضر موت تأخذ فى ببا وعين شمس وأتريب. وكانت مراد تأخذ فى منف والفيّوم ومعهم عبس بن زوف. وكانت حمير تأخذ فى بوصير وقرى أهناس. وكانت خولان تأخذ فى قرى أهناس والبهنسى والقيس. وآل وعلة يأخذون فى سفط من بوصير.
وآل أبرهة يأخذون فى منف. وغفار وأسلم يأخذون مع وائل من جذام وسعد فى بسطة وقربيط وطرابية. وآل يسار بن ضنّة فى أتريب. وكانت المعافر تأخذ فى أتريب وسخا ومنوف. وكانت طائفة من تجيب ومراد يأخذون باليدقون.
وكان بعض هذه القبائل ربّما جاوز بعضا فى الربيع ولا يوقع من معرفة ذلك على أحد إلّا أن عظم «٣» القبائل. كانوا يأخذون حيث وصفنا «٤»، وكان يكتب لهم بالربيع فيربعون وباللّبن ما أقاموا.
[ ١٦٨ ]
وكان لغفار وليث أيضا مرتبع بأتريب.
قال: وأقامت مدلج بخربتا فاتخذوها منزلا، وكان معهم نفر من حمير من ذبحان وغيرهم حالفوهم فيها فهى منازلهم.
ورجعت خشين وطائفة من لخم وجذام فنزلوا أكناف صان وإبليل وطرابية ولم يحفظوا.
ولم تكن قيس بالحوف الشرقىّ قديما، وإنما الذي أنزلهم به ابن الحبحاب، وذلك أنه وفد إلى هشام بن عبد الملك فأمر له بفريضة خمسة آلاف رجل- أو ثلاثة آلاف رجل- شكّ عبد الرحمن «١»، فجعل ابن الحبحاب الفريضة فى قيس وقدم بهم فأنزلهم بمصر الحوف الشرقىّ.
ذكر خيل مصر
قال عبد الرحمن «٢» فلما نزل الناس واطمأنّت بهم منازلهم كانوا يخرجون فيؤدّبون خيلهم فى المضمار.
حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة المهرى، عن معاوية بن حديج، أنه مرّ على رجل بالمضمار معه فرس ممسك برسنه على كثيب، فأرسل غلامه لينظر من الرجل، فإذا هو بأبى ذرّ، فأقبل ابن حديج إليه، فقال له: يا أبا ذرّ، إنى أرى هذه الفرس قد عنّاك وما أرى عنده شيئا. قال أبو ذرّ: هذا فرس قد استجيب له، قال ابن حديج: وما دعوة بهيمة من البهائم؟ فقال: أبو ذرّ: إنه ليس من فرس إلا أنه يدعو الله كلّ سحريّة، اللهمّ أنت خولتنى عبدا من عبيدك وجعلت رزقى بيده، اللهم اجعلنى أحبّ إليه من ولده وأهله وماله.
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، وشعيب بن الليث، قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ابن شماسة، أن معاوية بن حديج حدثه، أنه مرّ على
[ ١٦٩ ]
أبى ذرّ وهو قائم عند «١» فرس له، فسأله ما تعالج من فرسك؟ فقال: إنى أظنّ هذا الفرس قد استجيبت دعوته، ثم ذكر مثل حديث ابن وهب.
حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة، عن قيس بن الحجّاج، قال: مرّ بنا عبد الرحمن بن معاوية بن حديج ونحن جلوس مع حنش بن عبد الله نحو صفا مهرة فغفل عن السّلام فناداه حنش يا بن معاوية تمرّ ولا تسلّم، والله لقد رأيتنى أشفع لك عند أبيك أن يجعل لسرجك ركابا تضع فيه رجلك.
قال: عبد الرحمن «٢» وكان ولد معاوية بن حديج ليست لسروجهم ركب، إنما يثبون على الخيل وثبا.
قال عبد الرحمن «٢» وكانت أصول خيل مصر من خيل سمّى ابن عفير بعضها، منها أشقر صدف، وكان لأبى ناعمة مالك بن ناعمة الصدفى، وبه سمّيت خوخة الأشقر التى بفسطاط مصر، وكان السبب فى ذلك أنّ الاشقر نفق فكره صاحبه أن يطرحه فى الأكوام كما تطرح جيف الدوابّ، فحفر له ودفنه هنالك فنسب الموضع اليه.
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، قال: لما افتتح المسلمون القصر كان رجل من الروم يقبل من ناحية القصير على برذون له أشهب، والمسلمون فى صلاة الصبح، فيقتل ويطعن، فتطلبه خيل المسلمين فلا تقدر عليه، وكان صاحب الأشقر غائبا، فلما قدم أخبر بذلك، فكمن له فى موضع وأقبل العلج ففعل كما كان يفعل، فطلبه صاحب الأشقر فأدركه، قال: فاشتغلت «٣» بقتل العلج، وشدّ الأشقر على الهجين فقتله.
ومنها ذو الريش فرس العوّام بن حبيب اليحصبىّ. والخطّار فرس لبيد بن عقبة السّومىّ. والذعلوق فرس حمير بن وائل السّومى، وعجلى فرس كانت لعكّ، ولها يقول الشاعر:
سبق الأقوام عجلى سبقتهمّ وهى حبلى
[ ١٧٠ ]
حدثنا عبد الواحد بن إسحاق، حدثنا مروان بن معاوية، عن أبى حيّان التيمى، عن أبى زرعة، عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ، سمّى الأنثى من الخيل فرسا.
قال: وعجلى التى قال عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، لنمر بن أيفع العكّىّ:
ما فعلت عجلى؟ على وجه الاستهزاء به، فقال: أما إنّ لها فى أمّك سهمين.
قال: وكان للخم أيضا فرس يقال له أبلق لخم. وكان الجون لعقبة بن كليب الحضرمى.
وكان عبد العزيز بن مروان قد طلب الخطّار من لبيد بن عقبة فامتنع عليه، فأغزاه إفريقيّة فمات بها، فلما كان موسى بن نصير، أهدى إلى عبد العزيز بن مروان خيلا فيها الخطّار، قال: وقد طالت معرفته وذنبه، فلما صارت إليهم الخيل لم يجدوا من يعرف الخطّار، فقالوا: ابنة لبيد، فبعث به عبد العزيز إليها فقالت لمن أتاها: إنى امرأة فاخرجوا عنّى حتى أنظر اليه، ففعلوا، فخرجت فنظرت إليه فعرفته، فقالت: والله لا يركبك أحد بعد أبى سويّا، ثم قطعت أذنى الفرس وهلبت ذنبه ثم قالت: هو هذا خذوه لا بارك الله لكم فيه، فصار لعبد «١» العزيز بن مروان، فاتّخذه للفحلة «٢» فكان منه الذائد، ثم كان من الذائد الفرقد فهو أبو الخيل الفرقديّة، ولم يعرق الفرقد فى شىء من خيل مصر إلّا جاء سابقا.
وكان أهل مصر لمّا بلغ مروان بن الحكم القاصرة وجّهوا إليه عقبة بن شريح بن كليب المعافرى ومطير بن يزيد التجيبى، طليعة لهم، ومطير يومئذ على الخطّار فرس لبيد ابن عقبة السومىّ، فدخلا فى عسكر مروان وجوّلا فيه، ثم إنّ شيخا من أهل العسكر نذر بهما واستنكر هيئتهما، فقال: والله إنى لأنكر سحنة «٣» هذين الفرسين وما أرى على صاحبيهما شحوب السفر، فكرّا راجعين إلى الفسطاط فمرّا بناقة صرصرانيّة فى ناحية العسكر لبشر بن مروان، فطرداها، فلما لحقتهما «٤» الخيل قال مطير لعقبة: اطرد الناقة وأنا أكفيك وكرّ مطير فقاتلهم حتى ولّوا عنه، ثم لحق صاحبه، ثم لحقته الخيل أيضا ففعل
[ ١٧١ ]
مثل ذلك، حتى وصلا «١» إلى الفسطاط، فسألوهما عن الخبر فقالا: حتى تنحروا الناقة وتأكلوا لحمها وهى أوّل غنيمة فنحرت الناقة وأكل لحمها ثم أخبراهم الخبر وأنّهم أقوى من الرجل.
ثم كتب عمر بن الخطّاب كما حدثنا شعيب بن الليث، وعبد الله بن صالح، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وعبد الملك بن مسلمة، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب إلى عمرو بن العاص: انظر من «٢» قبلك ممّن بايع «٣» تحت الشجرة فأتمّ لهم «٤» العطاء مائتين، وأتمّها لنفسك لأمرتك، وأتمّها لخارجة بن حذافة لشجاعته، ولعثمان بن أبى العاص لضيافته.
ذكر مقاسمة عمر بن الخطاب العمّال
قال عبد الرحمن «٥» ثم بعث عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة، كما حدثنا معاوية بن صالح، عن محمد بن سماعة الرّملىّ، قال: حدثنى عبد الله بن عبد العزيز شيخ ثقة إلى عمرو بن العاص وكتب إليه: أمّا بعد، فإنكم معشر العمّال قعدتم على عيون الأموال فجبيتم الحرام وأكلتم الحرام وأورثتم الحرام، وقد بعثت إليك محمد بن مسلمة الأنصارى ليقاسمك مالك فأحضره مالك، والسلام.
فلما قدم محمد بن مسلمة مصر أهدى له عمرو بن العاص هديّة فردّها عليه، فغضب عمرو وقال: يا محمد، لم رددت إلى «٦» هديّتى وقد أهديت إلى رسول الله ﷺ مقدمى من غزوة ذات السّلاسل فقبل؟ فقال له محمد: إنّ رسول الله ﷺ كان يقبل بالوحى ما شاء ويمتنع مما شاء، ولو كانت هديّة الأخ إلى أخيه قبلتها «٧»؛ ولكنّها هديّة إمام شر خلفها، فقال عمرو: قبح الله يوما صرت فيه لعمر بن الخطاب واليا، فلقد رأيت
[ ١٧٢ ]
العاص بن وائل يلبس الديباج المزرّر بالذهب، وإنّ الخطّاب بن نفيل ليحمل الحطب على حمار بمكّة، فقال له محمد بن مسلمة: أبوك وأبوه فى النار، وعمر خير منك، ولولا اليوم الذي أصبحت تذمّ لألفيت «١» معتقلا عنزا يسرّك غزرها ويسوءك بكؤها: فقال عمرو: هى فلتة المغضب وهى عندك بأمانة، ثم أحضره ماله فقاسمه إيّاه ثم رجع.
قال: وكان سبب مقاسمة عمر بن الخطاب العمّال كما حدثنا أبو الأسود النضر ابن عبد الجبّار، وعبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب عن خالد بن الصعق «٢» قال شعرا كتب به إلى عمر بن الخطّاب:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة فأنت ولىّ الله فى المال والأمر
فلا تدعن أهل الرّساتيق والجزى يسيغون «٣» مال الله فى الأدم الوفر «٤»
فأرسل إلى النعمان فاعلم حسابه وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر
ولا تنسينّ النّافعين «٥» كليهما وصهر بنى غزوان عندك ذا وفر
ولا تدعونّى للشّهادة «٦» إنّنى أغيب ولكنّى أرى عجب الدّهر
من الخيل كالغزلان والبيض كالدّمى وما ليس ينسى من قرام ومن ستر «٧»
ومن ريطة مطويّة فى صيانها ومن طىّ أستار «٨» معصفرة حمر
إذا التاجر الهندىّ جاء بفارة من المسك راحت فى «٩» مفارقهم تجرى
[ ١٧٣ ]
نبيع إذا باعوا ونغزوا إذا غزوا فأنّى لهم مال ولسنا بذى وفر
فقاسمهم نفسى فداؤك إنّهم سيرضون إن قاسمتهم منك بالشّطر
فقاسمهم عمر نصف أموالهم. والنعمان: النعمان بن بشير، وكان على حمص وصهر بنى غزوان، أبو هريرة، وكان على البحرين.
قال عبد الرحمن «١»: ويقال إن قائل هذه الأبيات كما حدثنا معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن الزبير بن الخرّيت أبو المختار النميرىّ قال:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة فأنت أمين «٢» الله فى البرّ والبحر
فأرسل إلى النعمان فاعلم حسابه وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر
ولا تدعنّ النافعين كليهما وذاك الّذى فى السّوق مولى بنى بدر
وما عاصم منها بصفر عيابه «٣» ولا ابن غلاب من سراة بنى نصر
نبيع إذا باعوا ونغزوا إذا غزوا فأنّى لهم مال ولسنا بذى وفر
ترى الجرد كالخزّان والبيض كالدّمى وما لا يعدّ من قرام ومن ستر
ومن ريطة مطويّة فى صوانها ومن طىّ أستار محدرجة حمر
إذا التاجر الهندىّ جاء بفارة من المسك راحت فى مفارقهم تجرى
فدونك مال الله لا تتركنّه سيرضون إن قاسمتهم منك بالشّطر
ولا تدعونّى للشّهادة إنّنى أغيب ولكنّى أرى عجب الدّهر
قال عمر: فإنا قد أعفيناه من الشهادة ونأخذ منهم نصف أموالهم، فأخذ النصف وكان عمر قد استعمل هؤلاء الرهط.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن أبيه،
[ ١٧٤ ]
أن «١» جدّه أوصى أن يدفع إلى عمر بن الخطاب نصف ماله، وكان عمر استعمله على بعض أعماله.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا سليمان بن أبى سليمان، عن محمد بن سيرين قال قال: أبو هريرة لمّا قدمت من البحرين قال لى عمر: يا عدو الله، وعدو الإسلام، خنت مال الله. قال قلت: لست بعدوّ الله ولا عدوّ الإسلام، ولكنى عدوّ من عاداهما، ولم أخن مال الله ولكنها أثمان خيل لى تناتجت وسهام اجتمعت «٢» قال يا عدوّ الله وعدوّ الإسلام خنت مال الله، قال قلت: لست بعدوّ الله ولا عدوّ الإسلام، ولكنى عدوّ من عاداهما ولم أخن مال الله، ولكنها أثمان خيل لى تناتجت وسهام اجتمعت، قال ذلك ثلاث مرّات، يقول ذلك عمر ويردّ عليه أبو هريرة هذا القول. قال: فغرّمنى اثنى عشر ألفا، فقمت فى صلاة الغداة فقلت: اللهمّ اغفر لأمير المؤمنين، فأرادنى على العمل بعد فقلت: لا. قال:
أوليس يوسف خيرا منك وقد سأل العمل؟ قلت: إنّ يوسف نبىّ ابن نبىّ، وأنا ابن أميمة، وأنا أخاف ثلاثا واثنتين، قال: ألا تقول خمسا؟ قلت: لا، قال: مه، قلت: أخاف أن أقول بغير حلم وأقضى بغير علم، وأن يضرب ظهرى، ويشتم عرضى، ويؤخذ مالى.
ذكر النيل
(* حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن واهب بن عبد الله المعافرى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: نيل مصر سيّد الأنهار، سخر الله له كلّ نهر بين المشرق والمغرب، فإذا أراد الله أن يجرى نيل مصر أمر كل نهر أن يمدّه فأمدّته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأرض عيونا، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله، أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره.
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن معاوية بن أبى سفيان سأل كعب الأحبار، هل تجد لهذا النيل فى كتاب الله خبرا؟ قال: أى والذي
[ ١٧٥ ]
فلق البحر لموسى، إنى لأجده فى كتاب الله أن الله يوحى إليه فى كل عام مرّتين يوحى إليه عند جريه: إن الله يأمرك أن تجرى فيجرى ما كتب الله له، ثم يوحى إليه بعد ذلك:
يا نيل غر «١» حميدا.
حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا عبد الله بن عمر، عن حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ، قال: النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنّة.
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن كعب الأحبار، أنه كان يقول: أربعة أنهار من الجنّة وضعها الله فى الدنيا، فالنيل نهر العسل فى الجنّة، والفرات نهر الخمر فى الجنة، وسيحان نهر الماء فى الجنة، وجيحان نهر اللّبن فى الجنة*) .
حدثنا سعيد بن أبى مريم، حدثنا الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، قالا: حدثنا يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن أبى جنادة الكنانى، أنه سمع كعبا يقول: النيل فى الآخرة عسل أغزر ما يكون من الأنهار التى سمّاها الله، ودجلة فى الآخرة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التى سمّى الله، والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التى سمى الله، وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التى سمى الله.
(* قال فلما فتح عمرو بن العاص مصر كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن قيس بن الحجّاج، عمّن حدّثه، أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤونة من أشهر العجم، فقالوا له: أيّها الأمير إنّ لنيلنا هذا سنّة لا يجرى إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنه إذا كان لثنتى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلىّ والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها فى هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون فى الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما قبله، فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى لا يجرى قليلا ولا كثيرا حتى همّوا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك. فكتب إليه عمر: قد أصبت، إن
[ ١٧٦ ]
الإسلام يهدم ما كان قبله، وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها فى داخل النيل إذا أتاك كتابى «١»، فلما قدم الكتاب على عمرو فتح البطاقة فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أمّا بعد، فإن كنت تجرى من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهّار الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهّار أن يجريك.
فألقى عمرو البطاقة فى النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيّأ أهل مصر للجلاء والخروج منها لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل، فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله ستّة عشر ذراعا فى ليلة، وقطع تلك السنّة السّوء عن أهل مصر.
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن موسى ﵇ دعا على آل فرعون، فحبس الله عنهم النيل حتى أرادوا الجلاء حتى طلبوا إلى موسى أن يدعو الله فدعا الله رجاء أن يؤمنوا، فأصبحوا وقد أجراه الله فى تلك الليلة ستّة عشر ذراعا، فاستجاب الله بتطوّله «٢» لعمر بن الخطاب كما استجاب لنبيّه موسى ﵇*) .
ذكر الجزية
قال عبد الرحمن «٣»: وكان عمرو يبعث إلى عمر بن الخطّاب بالجزية بعد حبس ما كان يحتاج إليه، وكانت فريضة مصر كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب لحفر خلجها «٤»، وإقامة جسورها، وبناء قناطرها، وقطع جزائرها مائة ألف وعشرين ألفا «٥»، معهم الطّور والمساحى والأداة؛ يعتقبون ذلك، لا يدعون ذلك شتاء ولا صيفا.
ثم كتب عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن القاسم بن عبد الله، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن يختم فى رقاب أهل الذمّة
[ ١٧٧ ]
بالرّصاص، ويظهروا مناطقهم ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضا، ولا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسى «١»، ولا يضربوا على النساء ولا على الولدان «٢»، ولا يدعوهم يتشبّهون بالمسلمين فى لبوسهم.
حدثنا شعيب بن الليث، حدثنا أبى، عن محمد بن عبد الرحمن بن عنج «٣»، أن نافعا حدثهم. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، حدثنى عبد الله بن عمر، وعمر بن محمد، أن نافعا حدثهم عن أسلم مولى عمر، أنه حدثه أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد ألّا يضربوا «٤» الجزية إلا على من جرت عليه المواسى.
وجزيتهم أربعون درهما على أهل الورق منهم، وأربعة دنانير على أهل الذهب، وعليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة والزيت مديان «٥» من حنطة، وثلاثة أقساط من زيت فى كل شهر لكل إنسان كان من أهل الشام والجزيرة، وودك وعسل لا أدرى كم هو.
ومن كان من أهل مصر فإردب كلّ «٦» شهر لكل إنسان، لا «٧» أدرى كم من الودك والعسل، وعليهم من البزّ والكسوة «٨» التى يكسوها أمير المؤمنين الناس، ويضيفون من نزل بهم من أهل الإسلام ثلاث ليال «٩» .
وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعا لكل إنسان، لا أدرى كم لهم من الودك.
وكان لا يضرب الجزية على النساء والصبيان، وكان يختم فى أعناق رجال أهل الجزية.
[ ١٧٨ ]
قال: وكانت ويبة عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك «١»، عن الليث بن سعد فى ولاية عمرو بن العاص، ستّة أمداد.
حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبى «٢» إسحاق، عن حارثة ابن مضرّب، أن عمر قال: جعلت على أهل السواد ضيافة يوم وليلة، فمن حبسه مطر فلينفق من ماله.
(* قال: وكان عمرو بن العاص لما استوسق له الأمر أقرّ قبطها على جباية «٣» الروم؛ وكانت جبايتهم بالتعديل: إذا عمرت القرية، وكثر أهلها زيد عليهم، وإن «٤» قلّ أهلها وخربت نقصوا، فيجتمع عرفاء كلّ قرية وماروتها ورؤساء أهلها، فيتناظرون فى العمارة والخراب؛ حتى إذا أقرّوا من القسم بالزيادة انصرفوا بتلك القسمة إلى الكور، ثم اجتمعوا هم ورؤساء القرى، فوزّعوا ذلك على احتمال القرى وسعة «٥» المزارع، ثم ترجع كل قرية بقسمهم فيجمعون قسمهم وخراج كلّ قرية وما فيها من الأرض العامرة فيبدرون «٦» فيخرجون من الأرض فدادين لكنائسهم وحمّاماتهم ومعدياتهم من جملة الأرض، ثم يخرج منها عدد الضيافة للمسلمين ونزول السلطان، فإذا فرغوا نظروا إلى ما فى كل قرية من الصنّاع والأجراء، فقسموا عليهم بقدر احتمالهم؛ فإن كانت فيها جالية قسّموا عليها بقدر احتمالهم، وقلّ ما كانت تكون إلا الرجل المنتاب أو المتزوّج، ثم ينظرون ما بقى من الخراج فيقسمونه بينهم على عدد الأرض، ثم يقسمون ذلك بين من يريد الزرع منهم على قدر طاقتهم؛ فإن عجز أحد وشكا ضعفا عن زرع أرضه وزعوا ما عجز عنه على الاحتمال، وإن كان منهم من يريد الزيادة أعطى ما عجز عنه أهل الضعف؛ فإن تشاحّوا قسموا «٧» ذلك على عدّتهم. وكانت قسمتهم على قراريط: الدينار أربعة
[ ١٧٩ ]
وعشرين قيراطا، يقسمون الأرض على ذلك. وكذلك روى عن النبي ﷺ: «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا» «١» . وجعل عليهم لكل فدّان نصف اردبّ قمح وويبتين من شعير إلا القراط، فلم يكن عليه ضريبة، والويبة يومئذ ستّة أمداد*) .
وكان عمر بن الخطاب، كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، يأخذ ممن صالحه من المعاهدين ما سمّى «٢» على نفسه، لا يضع «٣» من ذلك شيئا ولا يزيد عليه، ومن نزل منهم على الجزية ولم يسمّ شيئا يؤدّيه نظر عمر فى أمره؛ فإذا احتاجوا خفّف عنهم، وإن «٤» استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم.
قال: وروى حيوة بن شريح، حدثنى الحسن بن ثوبان، أن هشام بن أبى رقيّة اللخمى، حدثه أن صاحب إخنا قدم على عمرو بن العاص، فقال له: أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فيصبر لها، فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة: لو أعطيتنى من الأرض إلى السّقف ما أخبرتك ما عليك، إنما أنتم خزانة لنا، إن كثر علينا كثّرنا عليكم، وإن خفف عنّا خفّفنا عنكم، ومن ذهب إلى هذا الحديث ذهب إلى أن مصر فتحت عنوة.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: قال عمر بن عبد العزيز: أيّما ذمّي أسلم فإن إسلامه يحرز له نفسه وماله، وما كان من أرض فإنها من فىء الله على المسلمين.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، أن عمر بن عبد العزيز قال:
أيّما قوم صالحوا على جزية يعطونها، فمن أسلم منهم كان أرضه وداره لبقيّتهم.
قال الليث: وكتب إلىّ يحيى بن سعيد أن ما باع القبط فى جزيتهم وما يؤخذون به من الحقّ الذي عليهم من عبد أو وليدة أو بعير أو بقرة أو دابّة، فإن ذلك جائز عليهم
[ ١٨٠ ]
جائز لمن ابتاعه منهم غير مردود إليهم إن أيسروا، وما أكروا من أرضهم فجائز كراؤه إلا أن يكون يضرّ بالجزية التى عليهم؛ فلعلّ الأرض أن تردّ عليهم إن أضرّت بجزيتهم، وإن كان فضلا بعد الجزية فإنّا نرى كراءها جائزا لمن تكاراها منهم.
قال يحيى ونحن نقول: الجزية جزيتان؛ فجزية على رءوس الرجال، وجزية جملة تكون على أهل القرية، ويؤخذ بها أهل القرية، فمن هلك من أهل القرية التى عليهم جزية مسمّاة على القرية ليست على رءوس الرجال، فإنّا نرى أنّ من هلك من أهل القرية ممن لا ولد له ولا وارث أن أرضه ترجع إلى قريته فى جملة ما عليهم من الجزية، ومن هلك ممّن جزيته على رءوس الرجال ولم يدع وارثا؛ فإنّ أرضه للمسلمين.
قال الليث: وقال عمر بن عبد العزيز: الجزية على الرءوس وليست على الأرضين، يريد أهل الذمّة.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الملك بن جنادة، أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى حيّان بن سريج أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم.
قال عبد الرحمن «١»: وحديث عبد الملك هذا يدلّ على أن عمر بن عبد العزيز كان يرى أن أرض مصر فتحت عنوة، وأن الجزية إنما هى على «٢» القرى، فمن مات من أهل القرى كانت تلك الجزية ثابتة عليهم، وأنّ موت من مات منهم لا يضع عنهم من الجزية شيئا.
قال: ويحتمل أن تكون مصر فتحت بصلح فذلك الصلح ثابت على من بقى منهم، وأن موت من مات منهم لا يضع عنهم مما «٣» صالحوا عليه شيئا. والله أعلم.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن محمد بن عمرو، عن ابن جريج أنّ رجلا أسلم على عهد عمر بن الخطّاب فقال: ضعوا الجزية عن أرضى، فقال عمر: لا، إنّ أرضك فتحت عنوة.
قال عبد الملك: وقال مالك بن أنس: ما باع أهل الصلح من أرضهم فهو جائز
[ ١٨١ ]
لهم، وما فتح عنوة فإنّ ذلك «١» لا يشترى منهم أحد، ولا يجوز لهم بيع شىء مما تحت أيديهم من الأرض؛ لأن أهل الصلح من أسلم منهم كان أحقّ بأرضه وماله، وأمّا أهل العنوة الذين أخذوا عنوة؛ فمن أسلم منهم أحرز إسلامه نفسه، وأرضه للمسلمين، لأن أهل العنوة غلبوا على بلادهم وصارت فيئا للمسلمين، ولأن أهل الصلح إنما هم قوم امتنعوا ومنعوا بلادهم حتى صالحوا عليها، وليس عليهم إلا ما صالحوا عليه، ولا أرى أن يزاد عليهم ولا يؤخذ منهم إلا ما فرض عمر بن الخطاب؛ لأن عمر خطب الناس فقال:
قد فرضت «٢» لكم الفرائض وسنّت لكم السّنن، وتركتم على الواضحة.
قال: وأمّا جزية الأرض فلا علم لى ولا أدرى كيف صنع فيها عمر، غير أن قد أقرّ الأرض فلم يقسمها بين الناس الذين افتتحوها فلو نزل هذا بأحد كنت أرى أن يسأل أهل البلاد أهل المعرفة منهم والأمانة، كيف كان الأمر فى ذلك، فإن وجد من ذلك علما يشفى وإلّا اجتهد فى ذلك هو ومن حضره من المسلمين.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، أن عمر بن عبد العزيز وضع الجزية عمّن أسلم من أهل الذمّة من أهل مصر، وألحق فى الديوان صلح من أسلم منهم فى عشائر من أسلموا على يديه.
قال عبد الرحمن «٣»: وقال غير عبد الملك: وكانت تؤخذ قبل ذلك ممن أسلم وأول من أخذ الجزية ممن أسلم من أهل الذمّة كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن رزين بن عبد الله المرادى، الحجّاج بن يوسف. ثم كتب عبد الملك بن مروان إلى عبد العزيز بن مروان، أن يضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة، فكلّمه ابن حجيرة «٤» فى ذلك، فقال: أعيذك بالله أيها الأمير أن تكون أوّل من سنّ ذلك بمصر، فوالله إنّ أهل الذمّة ليتحمّلون جزية من ترهّب منهم، فكيف تضعها على من أسلم منهم؟ فتركهم عند ذلك.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمر
[ ١٨٢ ]
ابن عبد العزيز كتب إلى حيّان بن سريج، أن تضع الجزية عمّن أسلم من أهل الذمّة، فإن الله ﵎ قال: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١»
وقال: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «٢»
وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، قال: كان لعبد الله بن سعد موالى نصارى فأعتقهم «٣» فكان عليهم الخراج قال الليث: أدركنا بعضهم وإنهم ليؤدّون الخراج.
حدثنا عثمان بن صالح، وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث بن سعد، قال:
لما ولى ابن رفاعة مصر خرج ليحصى عدّة أهلها وينظر فى تعديل الخراج عليهم، فأقام فى ذلك ستّة أشهر بالصعيد حتى بلغ أسوان ومعه جماعة من الأعوان والكتّاب يكفونه ذلك بجدّ وتشمير، وثلاثة أشهر بأسفل الأرض، فأحصوا من القرى أكثر من عشرة آلاف قرية، فلم يحص فيها فى أصغر قرية منها أقلّ من خمسمائة جمجمة من الرجال الذين يفرض عليهم الجزية.
ذكر المقطّم
(* حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح «٤» المقطّم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من «٥» ذلك وقال:
أكتب فى ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك وهى لا تزدرع «٦» ولا يستنبط «٧» بها ماء، ولا ينتفع بها فسأله «٨»
[ ١٨٣ ]
فقال: إنّا لنجد صفتها فى الكتب؛ أنّ فيها غراس الجنّة. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنّا لا نعلم غراس الجنّة إلا للمؤمنين «١»، فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشىء. فكان أوّل من دفن «٢» فيها رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل عمرت.
فقال المقوقس لعمرو، كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن وهب، عن عمارة ابن عيسى، قال: ما ذالك، ولا على هذا عاهدتنا، فقطع لهم الحدّ الذي بين المقبرة وبينهم.
حدثنا هانئ بن المتوكّل، عن ابن لهيعة، أن المقوقس قال لعمرو: إنّا لنجد فى كتابنا أن ما بين هذا الجبل وحيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنّة، فكتب بقوله إلى عمر بن الخطّاب، فقال: صدق فاجعلها مقبرة للمسلمين.
وقال غير عمارة بن عيسى: فقبر فيها من عرف من أصحاب رسول الله ﷺ، كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عمّن حدثه، خمسة نفر: عمرو بن العاص السّهمى، وعبد الله بن حذافة السهمى، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى، وأبو بصرة الغفارىّ، وعقبة بن عامر الجهنى.
وقال غير عثمان ومسلمة بن مخلّد الانصارى. قال ابن لهيعة: والمقطّم ما بين القصير إلى مقطع الحجارة وما بعد ذلك فمن اليحموم.
وقد اختلف فى القصير. أخبرنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، قال: ليس بقصير موسى النبي ﵇، ولكنه موسى الساحر.
حدثنا سعيد بن عفير، وعبد الله بن عبّاد، قالا: حدثنا المفضّل بن فضالة، عن أبيه، قال: دخلنا على كعب الأحبار، فقال لنا: ممّن أنتم؟ قلنا: من أهل مصر، فقال: ما تقولون فى القصير؟ قال قلنا: قصير موسى، فقال: ليس بقصير موسى، ولكنه قصير عزيز
[ ١٨٤ ]
مصر، كان إذا جرى النيل يترفّع فيه، وعلى ذلك إنه لمقدّس من الجبل إلى البحر «١» .
قال ويقال بل كان موقدا يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من منف إلى عين شمس وكان على المقطّم موقد آخر، فإذا رأوا النار علموا بركوبه فأعدّوا له ما يريد، وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس. والله أعلم.
حدثنا هانئ بن المتوكّل، عن ابن لهيعة ورشدين بن سعد، عن الحسن بن ثوبان، عن حسين بن شفىّ الأصبحى، عن أبيه شفىّ بن عبيد، أنه لما قدم مصر- وأهل مصر قد اتخذوا مصلّى بحذاء ساقية أبى عون التى عند العسكر- فقال: ما لهم وضعوا مصلّاهم فى الجبل الملعون، وتركوا الجبل المقدّس! قال الحسن بن ثوبان: فقدّموا مصلّاهم إلى موضعه الذي هو به اليوم.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل، أن رجلا سأل كعبا عن جبل مصر، فقال: إنه لمقدّس ما بين القصير إلى اليحموم*) .
ذكر استبطاء عمر بن الخطّاب عمرو بن العاص فى الخراج
قال عبد الرحمن «٢» فلما استبطأ عمر بن الخطاب الخراج من قبل عمرو بن العاص كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، كتب إليه: «٣» بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك؛ فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فإنى فكرت «٤» فى أمرك والذي عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، قد أعطى الله أهلها عددا وجلدا وقوّة فى برّ وبحر، وأنها قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكما، مع شدّة
[ ١٨٥ ]
عتوّهم «١» وكفرهم، فعجبت من ذلك؛ وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدىّ نصف ما كانت تؤدّيه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدوب؛ ولقد أكثرت فى «٢» مكاتبتك فى الذي على أرضك من «٣» الخراج، وظننت أن ذلك سيأتينا على عير نزر، ورجوت أن تفيق فترفع إلىّ ذلك؛ فإذا أنت تأتينى بمعاريض تغتالها «٤» لا توافق الذي فى نفسى؛ ولست قابلا منك دون الذي كانت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك. ولست أدرى مع ذلك ما الذي أنفرك من كتابى وقبّضك! فلئن كنت مجزئا كافئا صحيحا، إن البراءة لنافعة «٥»، وإن «٦» كنت مضيعا نطفا إنّ الأمر لعلى غير ما تحدّث به نفسك. وقد تركت أن أبتلى ذلك منك فى العام الماضى رجاء أن تفيق فترفع إلىّ ذلك؛ وقد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلا عمّالك عمّال السّوء، وما توالس عليه وتلفّف؛ اتخذوك كهفا.
وعندى بإذن الله دواء فيه شفاء عمّا أسألك عنه؛ فلا تجزع أبا عبد الله أن يؤخذ منك الحقّ وتعطاه؛ فإنّ النهز «٧» يخرج الدرّ، والحقّ أبلج، ودعنى وما عنه تلجلج، فإنه قد برح الخفاء. والسلام.
قال: فكتب إليه عمرو بن العاص. بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص؛ سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد بلغنى كتاب أمير المؤمنين فى الذي استبطأنى فيه من الخراج، والذي ذكر فيها من عمل الفراعنة قبلى «٨»، وإعجابه من خراجها على أيديهم، ونقص ذلك منها منذ كان الإسلام. ولعمرى للخراج يومئذ أوفر وأكثر، والأرض أعمر، لأنهم كانوا على كفرهم وعتوّهم أرغب فى عمارة أرضهم منّا منذ «٩» كان الإسلام. وذكرت أن النهز
[ ١٨٦ ]
يخرج الدرّ، فحلبتها حلبا قطع ذلك درّها. وأكثرت فى كتابك، وأنبت، وعرّضت وثربت؛ وعلمت أن ذلك عن شىء تخفيه على غير خبر؛ فجئت لعمرى بالمفظعات «١» المقذعات؛ ولقد كان لك فيه من الصواب من القول رصين صارم بليغ صادق. وقد عملنا لرسول الله ﷺ ولمن بعده؛ فكنّا بحمد الله مؤدّين لأماناتنا، حافظين لما عظّم الله من حقّ أئمّتنا، نرى غير ذلك قبيحا، والعمل به سيّئا، فيعرف ذلك لنا ويصدّق فيه قيلنا.
معاذ الله من تلك الطعم، ومن شرّ الشيم، والاجتراء على كل مأثم؛ فاقبض عملك؛ فإن الله قد نزهنى عن تلك الطعم الدنيّة والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا ولم تكرم فيه أخا، والله يا بن الخطّاب؛ لأنا حين يراد ذلك منّي أشدّ لنفسى غضبا، ولها إنزاها وإكراما. وما عملت من عمل أرى علىّ فيه متعلّقا؛ ولكنى حفظت ما لم تحفظ؛ ولو كنت من يهود يثرب ما زدت- يغفر الله لك ولنا- وسكتّ عن أشياء كنت بها عالما؛ وكان اللسان بها منى ذلولا؛ ولكن الله عظّم من حقّك ما لا يجهل. والسلام.
فكتب إليه عمر بن الخطاب كما وجدت فى كتاب أعطانيه يحيى بن عبد الله بن بكير، عن عبيد الله بن أبى جعفر، عن أبى مرزوق التجيبى، عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص: من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص؛ سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد عجبت من كثرة كتبى إليك فى إبطائك بالخراج وكتابك إلىّ ببنيّات الطرق «٢»، وقد علمت أنى لست أرضى «٣» منك إلا بالحقّ البيّن؛ ولم «٤» أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك؛ ولكنى وجّهتك لما رجوت من توفيرك الخراج، وحسن سياستك؛ فإذا أتاك كتابى هذا فاحمل الخراج، فإنما هو فئ المسلمين، وعندى من قد تعلم قوم محصورون. والسلام.
فكتب إليه عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم. لعمر بن الخطاب من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد أتانى كتاب أمير المؤمنين يستبطئنى فى الخراج، ويزعم «٥» أنى أعند عن الحقّ،
[ ١٨٧ ]
وأنكب «١» عن الطريق؛ وإنى والله ما أرغب عن صالح ما تعلم؛ ولكنّ أهل الأرض استنظرونى إلى أن تدرك غلّتهم؛ فنظرت للمسلمين؛ فكان الرفق بهم خيرا من أن يخرق بهم، فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم «٢» عنه. والسلام.
حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، أن عمرا جباها اثنى عشر ألف ألف.
قال غير الليث: وجباها المقوقس قبله بسنة عشرين «٣» ألف ألف، فعند ذلك كتب إليه عمر بما كتب به.
قال الليث وجباها عبد الله بن سعد حين استعمله عليها عثمان أربعة عشر ألف ألف، فقال عثمان لعمرو: يا أبا عبد الله، درّت اللقحة بأكثر من درّها الاوّل، قال عمرو:
أضررتم بولدها.
وقال غير الليث: فقال له عمرو: ذلك إن لم يمت الفصيل.
حدثنا هشام بن إسحاق العامرى، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، أن يسأل المقوقس عن مصر: من أين تأتى عمارتها وخرابها؟ فسأله عمرو، فقال له المقوقس: تأتى عمارتها وخرابها من وجوه خمسة: أن يستخرج خراجها فى إبّان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم «٤»، ويرفع خراجها فى إبّان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم، وتحفر فى كل سنة خلجها، وتسدّ ترعها وجسورّها، ولا يقبل محل أهلها- يريد البغى- فإذا فعل «٥» هذا فيها عمرت، وإن عمل فيها بخلافه خربت.
قال وفى كتاب ابن بكير الذي أعطانى «٦» عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال:
لمّا استبطأ عمر بن الخطاب عمرو بن العاص فى الخراج، كتب إليه: أن ابعث إلىّ رجلا
[ ١٨٨ ]
من أهل مصر؛ فبعث إليه رجلا قديما من القبط، فاستخبره عمر عن مصر وخراجها قبل الإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين، كان لا يؤخذ منها شىء إلا بعد عمارتها، وعاملك لا ينظر إلى العمارة، وإنما يأخذ ما ظهر له؛ كأنه لا يريدها إلا لعام واحد. فعرف عمر ما قال، وقبل من عمرو ما كان يعتذر به.
ذكر نهي الجند عن الزرع
(* قال عبد الرحمن «١» ثم إن عمر بن الخطاب فيما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن عبد الله بن هبيرة، أمر مناديه أن يخرج إلى أمراء الأجناد يتقدّمون إلى الرعيّة؛ أنّ عطاءهم قائم، وأنّ رزق «٢» عيالهم سائل، فلا يزرعون ولا يزارعون.
قال ابن وهب: فأخبرنى شريك بن عبد الرحمن المرادى، قال: بلغنا أن شريك بن سمىّ الغطيفى أتى إلى عمرو بن العاص، فقال: إنكم لا تعطونا ما يحسبنا، أفتأذن لى بالزرع؟ فقال له عمرو: ما أقدر على ذلك، فزرع شريك من غير إذن عمرو، فلما بلغ ذلك عمرا كتب إلى عمر بن الخطاب يخبره أنّ شريك بن سمىّ الغطيفيّ حرث بأرض مصر فكتب إليه عمر: أن أبعث إلىّ به، فلما انتهى كتاب عمر إلى عمرو أقرأه شريكا، فقال شريك لعمرو: قتلتنى يا عمرو، فقال عمرو: ما أنا قتلتك، أنت صنعت هذا بنفسك، قال له: إذ كان هذا من رأيك، فأذن لى بالخروج إليه من غير كتاب، ولك عهد الله أن أجعل يدى فى يده، فأذن له بالخروج، فلما وقف على عمر قال: تؤمّنّى يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن أىّ الأجناد أنت؟ قال: من جند مصر، قال: فلعلّك شريك بن سمى الغطيفى؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال لأجعلنّك نكالا لمن خلفك، قال: أو تقبل منّى ما قبل الله من العباد، قال: وتفعل؟ قال: نعم، فكتب إلى عمرو بن العاص: إنّ شريك بن سميّ جاءنى تائبا فقبلت منه*) .
[ ١٨٩ ]
ذكر حفر خليج أمير المؤمنين
(* حدثنا عبد الله بن صالح أو غيره، عن الليث بن سعد، أن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد فى خلافة عمر بن الخطّاب فى سنة الرّمادة، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص: سلام؛ أما بعد؛ فلعمرى يا عمرو ما تبالى إذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معى؛ فيا غوثاء، ثم يا غوثاء! يردّد قوله «١» .
فكتب إليه عمرو بن العاص: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من عمرو بن العاص؛ أما بعد فيا لبيك ثم يا لبّيك! قد بعثت إليك بعير أوّلها عندك وآخرها عندى. والسلام عليك ورحمة الله.
فبعث إليه بعير عظيمة، فكان أوّلها بالمدينة وآخرها بمصر، يتبع بعضها بعضا، فلما قدمت على عمر وسّع بها على الناس، ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وما حولها بعيرا بما عليه من الطعام، وبعث عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، وسعد بن أبى وقّاص، يقسمونها على الناس، فدفعوا إلى أهل كل بيت بعيرا بما عليه من الطعام أن يأكلوا الطعام وينحروا البعير فيأكلوا لحمه ويأتدموا شحمه ويحتذوا جلده، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام لما أرادوا من لحاف أو غيره، فوسّع الله بذلك على الناس.
فلما رأى ذلك عمر حمد الله وكتب إلى عمرو بن العاص يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر معه، فقدموا عليه، فقال عمر: يا عمرو؛ إنّ الله قد فتح على المسلمين مصر، وهى كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى فى روعى- لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين، والتوسعة عليهم حين فتح الله عليهم مصر وجعلها قوّة لهم ولجميع المسلمين- أن أحفر خليجا من نيلها حتى يسيل فى البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكّة؛ فإنّ حمله على الظهر يبعد ولا نبلغ منه ما نريد؛ فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا فى ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم.
فانطلق عمرو فأخبر بذلك من كان معه من أهل مصر فثقل ذلك عليهم، وقالوا:
[ ١٩٠ ]
نتخوّف أن يدخل فى هذا ضرر على مصر، فنرى أن تعظّم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له: إن هذا أمر «١» لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا.
فرجع عمرو بذلك إلى عمر، فضحك عمر حين رآه، وقال: والذي نفسى بيده لكأنى أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرنا به من حفر الخليج، فثقل ذلك عليهم، وقالوا: يدخل فى هذا ضرر «٢» على أهل مصر؛ فنرى أن تعظّم ذلك على «٣» أمير المؤمنين، وتقول له: إن هذا الأمر لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا.
فعجب عمرو من قول عمر، وقال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت، فقال له عمر: انطلق يا عمرو بعزيمة منّى حتى تجدّ فى ذلك، ولا يأتى عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله. فانصرف عمرو وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج الذي فى حاشية الفسطاط، الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم؛ فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكّة، فنفع الله بذلك أهل الحرمين، وسمّى خليج أمير المؤمنين.
ثم لم يزل يحمل فيه الطعام حتى حمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز، ثم ضيّعته الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرمل، فانقطع، فصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية طحا القلزم.
قال ويقال إن عمر بن الخطّاب قال لعمرو بن العاص وقدم عليه كما حدثنا أخى عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن- قال: حسبته، عن عروة: يا عمرو، إنّ العرب قد تشاءمت بى وكادت أن تهلك على رجلى وقد عرفت الذي أصابها، وليس جند من الأجناد أرجى عندى أن يغيث الله بهم أهل الحجاز من جندك؛ فإن استطعت أن تحتال لهم حيلة حتى يغيثهم الله! فقال عمرو: ما شئت يا أمير المؤمنين، قد عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها تجار من أهل مصر قبل الإسلام، فلمّا
[ ١٩١ ]
فتحنا مصر انقطع ذلك الخليج واستدّ، وتركته «١» التجار، فإن شئت أن نحفره فننشئ «٢» فيه سفنا يحمل «٣» فيه الطعام إلى الحجاز فعلته «٤» ! فقال له عمر: نعم، فأفعل*)، فلما خرج عمرو من عند عمر بن الخطاب ذكر ذلك لرؤساء أهل أرضه من قبط مصر، فقالوا له: ماذا جئت به أصلح الله الأمير تنطلق فتخرج طعام أرضك وخصبها إلى الحجاز وتخرّب هذه! فإن استطعت فاستثقل «٥» ذلك، فلما ودّع عمر بن الخطاب قال له: يا عمرو انظر إلى ذلك الخليج فلا «٦» تنسينّ حفره، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنه قد انسد «٧» وتدخل فيه نفقات عظام، فقال له عمر: أما والذي نفسى بيده إنى لأظنّك حين خرجت من عندى حدّثت بذلك أهل أرضك فعظّموه عليك، وكرهوا ذلك، أعزم عليك إلّا ما حفرته وجعلت «٨» فيه سفنا، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، إنه متى ما يجد أهل الحجاز طعام مصر وخصبها مع صحّة الحجاز لا يخفّوا إلى الجهاد، قال: فإنى سأجعل من ذلك أمرا لا يحمل فى هذا البحر إلّا رزق «٩» أهل المدينة وأهل مكّة، فحفره عمرو وعالجه، وجعل فيه السفن.
قال عبد الرحمن «١٠» ويقال: إن عمر بن الخطّاب كما ذكر عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، كتب إلى عمرو بن العاص: إلى العاص بن العاص، فإنك لعمرى لا تبالى إذا سمنت أنت ومن معك «١١» أن أعجف أنا ومن قبلى، فيا غوثاه، ثم يا غوثاه! فكتب إليه عمرو ابن العاص: أما بعد؛ فيا لبيك ثم يا لبّيك، أتتك عير أوّلها عندك وآخرها عندى، مع أنى
[ ١٩٢ ]
أرجو أن أجد السبيل إلى أن أحمل إليك فى البحر. ثم إن عمرا ندم على كتابه فى الحمل إلى المدينة فى البحر وقل: إن أمكنت عمر من هذا خرّب مصر ونقله «١» إلى المدينة. فكتب إليه: إنى نظرت فى أمر البحر فإذا هو عسر لا يلتأم ولا يستطاع. فكتب إليه عمر: إلى العاص بن العاص، فقد بلغنى كتابك تعتلّ فى الذي كنت كتبت إلىّ به من أمر البحر، وأيم الله لتفعلنّ أو لأقلعنّك بأذنك أو لأبعثنّ من يفعل ذلك، فعرف عمرو أنه الجدّ من عمر بن الخطاب ففعل، فبعث إليه عمر ألا تدع بمصر شيئا من طعامها وكسوتها وبصلها وعدسها وخلّها إلا بعثت إلينا منه.
قال ويقال: إنما دلّ عمرو بن العاص على الخليج رجل من قبط مصر. حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبى نجيح، عن أبيه، أن رجلا أتى إلى عمرو بن العاص من قبط مصر، فقال: أرأيت «٢» إن دللتك على مكان تجرى فيه السفن، حتى تنتهى إلى مكّة والمدينة، أتضع عنى الجزية وعن أهل بيتى؟ قال: نعم، فكتب إلى عمر، فكتب إليه أن افعل؛ فلما قدمت السفن الجار خرج عمر حاجا أو معتمرا، فقال للناس: سيروا بنا ننظر إلى السفن التى سيّرها الله إلينا من أرض فرعون حتى أتتنا. فقال رجل من بنى ضمرة: فأفردنى السّير معه فى سبعة نفر فآوانا الليل إلى خيمة أعراب، فإذا «٣» ببرمة تغطّى على النار، فقال عمر: هل من طعام؟ فقالوا: لا إلا لحم ظبى أصبناه بالأمس، فقرّبوه فأكل منه وهو محرم.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا وكيع بن الجرّاح، عن هشام بن سعد، عن زيد ابن أسلم، عن عمرو بن سعد الجارىّ أن عمر أتى الجار ثم دعا بمناديل ثم قال اغتسلوا من ماء البحر فإنه مبارك.
قال غير أسد: فلما قدمت السفن الجار وفيها الطعام، صكّ عمر للناس بذلك الطعام صكوكا، فتبايع التجار الصكوك بينهم قبل أن يقبضوها.
قال: فحدّثنى أبى عبد الله بن عبد الحكم، اخبرنا ابن لهيعة، عن أبى الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: لقى عمر بن الخطاب العلاء بن الأسود، فقال: كم
[ ١٩٣ ]
ربح حكيم بن حزام؟ فقال: ابتاع من صكوك الجار بمائة ألف درهم، وربح عليها مائة ألف، فلقيه عمر بن الخطاب فقال: يا حكيم، كم ربحت؟ فأخبره بمثل خبر العلاء، فقال عمر: فبعته قبل أن تقبضه؟ قال: نعم، قال عمر: فإن هذا بيع لا يصلح، فاردده، فقال حكيم: ما علمت أن هذا لا يصلح، وما أقدر على ردّه، فقال عمر: ما «١» بدّ، فقال حكيم: والله ما أقدر على ذلك وقد تفرّق وذهب، ولكنّ رأس مالى وربحى صدقة.
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، أن حكيم ابن حزام ابتاع طعاما أمر به عمر للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فسمع بذلك عمر فردّه عليه، قال: لا تبع طعاما ابتعته حتى تستوفيه.
قال مالك: وبلغنى أن صكوكا خرجت للناس فى زمان مروان بن الحكم من طعام الجار فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها «٢»، فدخل زيد ابن ثابت ورجل من أصحاب رسول الله ﷺ إلى مروان، فقالا له: أتحلّ بيع الربا يا مروان! فقال أعوذ بالله، وما ذاك؟ قالا: هذه الصكوك يتبايعها الناس ثم يبيعونها قبل أن يستوفوها، فبعث مروان الحرس يتبعونها ينتزعونه «٣» من أيدى الناس ويردّونها إلى أهلها.
وحدثنا أسد بن موسى، حدثنا مهدى بن ميمون، حدثنا سعيد الجريرىّ، عن أبى نضرة، عن أبى فراس، أن عمر بن الخطاب خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيّها الناس إنه قد أتى علىّ زمان وأنا أحسب أن من قرأ القرآن إنما يريد به الله وما عنده، وقد خيّل إلىّ بآخره أنه قد قرأه أقوام يريدون به الدنيا ويريدون به الناس، ألا فأريدوا الله بأعمالكم وأريدوه بقراءتكم، ألا إنما كنّا نعرفكم إذ ينزل الوحى وإذ رسول الله ﷺ بين أظهرنا، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، فقد انقطع الوحى، وذهب النبي ﷺ فإنما نعرفكم بما نقول لكم الآن «٤»، من رأينا منه خيرا ظننّا به خيرا وأحببناه عليه، ومن رأينا منه شرّا ظننّا به شرّا وأبغضناه عليه، سرائركم فيما بينكم وبين ربّكم، ألا إنّى إنما أبعث
[ ١٩٤ ]
عمّالى ليعلّموكم دينكم ويعلّموكم سننكم «١» ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا يأخذوا «٢» أموالكم، ألا فمن أتى إليه شىء من ذلك فليرفعه إلىّ، فوالذى نفس عمر بيده لأقصّنّه منه.
فقام عمرو بن العاص فقال: أرأيت يا أمير المؤمنين إن عتب عامل من عمّالك على بعض رعيّته فأدّب رجلا من رعّيته إنك لمقصّه منه؟ قال: نعم، والذي نفس عمر بيده لأقصّنّه منه، ألا أقصّه وقد رأيت رسول الله ﷺ يقصّ من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلّوهم ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تجمّروا بهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعّوهم.
فأتى رجل من أهل مصر كما حدّثنا عن أبى عبدة، عن ثابت البنانىّ وحميد، عن أنس إلى عمر بن الخطّاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربنى بالسّوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصرىّ؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الألأمين، قال أنس: فضرب فوالله لقد ضربه ونحن نحبّ ضربه فما أقلع عنه حتى تمنّينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصرىّ: ضع على ضلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربنى وقد اشتفيت «٣» منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبّدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا؟ قال يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتنى.
حدثنى عبد الله بن صالح، حدثنى الليث بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر، أن صبيغا العراقى جعل يسأل عن أشياء من القرآن فى أجناد «٤» المسلمين حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه، قال:
أين الرجل؟ قال: فى الرحل، فقال عمر: ابصر «٥» أن يكون ذهب فتصيبك منى العقوبة
[ ١٩٥ ]
الموجعة، فأتاه به فقال له عمر: عمّ تسأل؟ فحدثه، فأرسل عمر إلى رطائب الجريد فضربه بها حتى ترك ظهره دبره، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد له ثم، تركه حتى برأ، ثم دعا به ليعود له، فقال صبيغ: يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد قتلى فاقتلنى قتلا جميلا، وإن كنت تريد أن تداوينى فقد والله برأت، فأذن له إلى أرضه، وكتب له إلى أبى موسى الأشعرى: ألا يجالسه أحد من المسلمين، فاشتدّ ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر: إنه قد حسنت هيئته، فكتب عمر أن ائذن للناس «١» فى مجالسته «٢» .
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا محمد بن خازم، عن الحجّاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب يسأله عن رجل أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم كفر حتى فعل ذلك مرارا، أيقبل منه الإسلام؟ فكتب إليه عمر أن اقبل منه، اعرض عليه الإسلام، فإن قبل فاتركه، وإلّا فاضرب عنقه.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا محمد بن خازم، عن الحجّاج، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يسأله عن عبد وجد جرّة من ذهب مدفونة، فكتب إليه عمر أن ارضخ له منها بشىء، فإنه أحرى أن يؤدّوا ما وجدوا.
ذكر فتح الفيّوم
(* حدثنا سعيد بن عفير وغيره، قالوا: فلما تمّ الفتح للمسلمين بعث عمرو جرائد الخيل إلى القرى التى حولها، فأقامت الفيّوم سنة لم يعلم المسلمون بمكانها، حتى أتاهم رجل، فذكرها لهم؛ فأرسل عمرو معه ربيعة بن حبيش بن عرفطة الصدفّى؛ فلما سلكوا فى المجابة لم يروا شيئا، فهمّوا بالانصراف، فقالوا: لا تعجلوا، سيروا؛ فإن كان كذّب «٣» فما أقدركم على ما أردتم! فلم يسيروا إلا قليلا حتى طلع لهم سواد الفيوم، فهجموا عليها، فلم يكن عندهم قتال، وألقوا بأيديهم.
قال ويقال: بل خرج مالك بن ناعمة الصدفّى- وهو صاحب الأشقر- على فرسه
[ ١٩٦ ]
ينفض المجابة، ولا علم له بما خلفها من الفيّوم «١»، فلما رأى سوادها رجع إلى عمرو فأخبره ذلك.
قال ويقال: بل بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلى الصعيد، فسار حتى أتى القيس، فنزل بها، وبه سمّيت القيس، فراث على عمرو خبره، فقال ربيعة بن حبيش: كفيت. فركب فرسه فأجاز عليه البحر- وكانت أنثى- فأتاه بالخبر. ويقال: إنه أجاز من ناحية الشرقيّة حتى انتهى إلى الفيوم*) وكان يقال لفرسه الأعمى. والله أعلم.
قال: (* وبعث عمرو بن العاص، نافع بن عبد القيس الفهرىّ- وكان نافع أخا العاص بن وائل لأمّه- فدخلت خيولهم أرض النوبة صوائف كصوائف الروم، فلم يزل الأمر على ذلك حتى عزل عمرو بن العاص عن مصر، وأمّر عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فصالحهم*) وسأذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله.
ذكر فتح برقة
(٢ قال: وكان البربر بفلسطين، وكان ملكهم جالوت؛ فلما قتله داود ﵇ خرج البربر متوجّهين إلى المغرب؛ حتى انتهوا إلى لوبية ومراقية- وهما كورتان من كور مصر الغربيّة مما يشرب من السماء، ولا ينالها النيل- فتفرّقوا هنالك؛ فتقدّمت زناتة ومغلية إلى المغرب، وسكنوا الجبال، وتقدّمت لواتة فسكنت أرض أنطابلس؛ وهى برقة؛ وتفرّقت فى هذا المغرب، وانتشروا فيه ٢) حتى بلغوا السّوس، ونزلت هوّارة مدينة لبدة، ونزلت نفوسة إلى مدينة سبرت، وجلا من كان بها من الروم من أجل ذلك، وأقام الأفارق- وكانوا خدما للروم- على صلح يؤدّونه إلى من غلب على بلادهم.
(٣ فسار عمرو بن العاص فى الخيل حتى قدم برقة؛ فصالح أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدّونها إليه جزية، على أن يبيعوا من أحبّوا من أبنائهم فى جزيتهم ٣) .
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، قال: كتب عمرو بن العاص على لواتة من البربر فى شرطه عليهم أن عليكم أن تبيعوا أبناءكم وبناتكم فيما عليكم من الجزية.
[ ١٩٧ ]
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة أن أنطابلس فتحت بعهد من عمرو بن العاص.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن عبد الله الحضرمّى، أن ابن ديّاس حين ولى أنطابلس أتاه بكتاب عهدهم.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن عبد الله الحضرمى، عن أبى قنان أيّوب بن أبى العالية الحضرمى، عن أبيه، قال: سمعت عمرو بن العاص على المنبر يقول: لأهل أنطابلس عهد يوفى لهم به.
قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: ولم يكن يدخل برقة يومئذ جابى خراج إنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها.
ووجّه عمرو بن العاص عقبة بن نافع؛ حتى بلغ «١» زويلة، وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين.
ذكر أطرابلس
قال ثم سار «٢» عمرو بن العاص حتى نزل أطرابلس فى سنة اثنتين وعشرين. حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: غزا عمرو بن العاص طرابلس فى سنة ثلاث وعشرين.
ثم رجع إلى حديث عثمان. فنزل على القبّة التى على الشرف «٣» من شرقيّها، فحاصرها شهرا، لا يقدر منهم على شىء، فخرج رجل من بنى مدلج ذات يوم من عسكر عمرو متصيّدا فى سبعة نفر، فمضوا غربىّ المدينة حتى أمعنوا عن العسكر، ثم رجعوا فأصابهم الحرّ، فأخذوا على ضفّة البحر، وكان البحر «٤» لا صقا بسور المدينة، ولم يكن فيما بين المدينة والبحر سور «٥»، وكانت سفن الروم
[ ١٩٨ ]
شارعة «١» فى مرساها «٢» إلى بيوتهم فنظر المدلجى وأصحابه، فإذا البحر قد غاض من ناحية المدينة، ووجدوا مسلكا إليها من الموضع الذي غاض منه البحر، فدخلوا منه حتى أتوا من ناحية الكنيسة، وكبّروا، فلم يكن للروم مفزع إلّا سفنهم؛ وأبصر عمرو وأصحابه السلّة «٣» فى جوف المدينة، فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم، فلم تفلت الرم إلا بما خفّ لهم من مراكبهم، وغنم «٤» عمرو ما كان فى المدينة
وكان من بسبرت متحصّنين (واسمها نبارة وسبرت السوق القديم وإنما نقله إلى نبارة عبد الرحمن بن حبيب سنة إحدى وثلاثين) فلما بلغهم محاصرة عمرو مدينة أطرابلس وأنه لم يصنع فيهم شيئا ولا طاقة له بهم أمنوا، فلما ظفر عمرو بن العاص بمدينة أطرابلس، جرّد خيلا كثيفة من ليلته، وأمرهم بسرعة السير، فصبّحت خيله مدينة سبرت وقد غفلوا، وقد فتحوا أبوابهم لتسرح ماشيتهم «٥»، فدخلوها فلم ينج منهم أحد، واحتوى عمرو على ما فيها ورجعوا إلى عمرو.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، أنه سمع أبا تميم الجيشانى يقول: غزونا مع عمرو بن العاص غزوة «٦» أطرابلس، فجمعنا المجلس ومعنا فيه هبيب بن مغفل، فذكرنا قضاء دين رمضان فقال هبيب بن مغفل: لا يفرق. وقال عمرو بن العاص: لا بأس أن يفرّق إذا أحصيت «٧» العدد.
ذكر استئذان عمرو بن العاص عمر بن الخطّاب فى غزوة إفريقية
وأراد عمرو أن يوجّه إلى المغرب فكتب إلى عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن أبى تميم الجيشانى: إنّ الله قد فتح علينا أطرابلس، وليس بينها وبين إفريقيّة إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها «٨»
[ ١٩٩ ]
ويفتحها الله على يديه فعل. فكتب إليه عمر: لا إنها ليست بإفريقية، ولكنّها المفرقة غادرة مغدور بها، لا يغزوها أحد ما بقيت.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل، عن مرّة ابن ليشرح المعافرى، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إفريقية المفرقة- ثلاث مرّات- لا أوجّه إليها أحدا ما مقلت عينى الماء.
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علىّ بن رباح، عن مسعود بن الأسود، صاحب رسول الله ﷺ وكان بايع تحت الشجرة؛ أنه استأذن عمر ابن الخطاب فى غزو «١» إفريقية، فقال عمر: لا، إن إفريقية غادرة مغدور بها.
قال: ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: فأتى عمرو بن العاص كتاب المقوقس يذكر له فيه: إن الروم يريدون نكث العهد ونقض ما كان بينهم وبينه، وكان عمرو قد عاهد المقوقس على ألا يكتمه أمرا يحدث، فانصرف عمرو راجعا مبادرا لما أتاه وقد كان عمرو يبعث الجريدة من الخيل فيصيبون الغنائم ثم يرجعون.
ذكر عزل عمرو عن مصر
قال: حدثنا عبد الرحمن قال «٢» فتوفّى عمر رحمة الله عليه ومصر على أميرين:
عمرو بن العاص بأسفل الأرض، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح على الصعيد، قال وكانت وفاة عمر كما حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد مصدر «٣» الحاجّ سنة ثلاث وعشرين.
حدثنا سعيد بن عفير، قال: إنما كان عمر بن الخطّاب ولّى عبد الله ابن سعد من الصعيد الفيّوم. فلما استخلف عثمان بن عفّان، كما حدثنا عبد الله ابن صالح- أو غيره- عن الليث، طمع عمرو بن العاص «٤» لما رأى من عثمان أن يعزل له عبد الله بن سعد عن الصعيد، فوفد إليه وكلّمه فى ذلك، فقال له عثمان: ولّاه عمر
[ ٢٠٠ ]
ابن الخطاب الصعيد وليس بينه وبينه حرمة ولا خاصّة، وقد علمت أنه أخى من الرضاعة، فكيف أعزله عمّا ولّاه غيرى؟!.
وقال له فيما حدثنا سعيد بن عفير: إنك لفى غفلة عما كانت تصنع بى أمّه، وإن كانت لتخبأ لى العرق من اللحم فى ردنها حتى آتى.
قال ثم رجع إلى حديث الليث بن سعد، قال: فغضب عمرو، وقال: لست راجعا إلا على ذلك، فكتب عثمان بن عفان إلى عبد الله بن سعد يؤمّره على مصر كلّها، فجاءه الكتاب بالفيّوم. قال ابن عفير: بقرية منها تدعى دموشة «١» .
قال الليث فى حديثه فجعل لأهل أطواب جعلا على أن يصبّحوا به الفسطاط فى مركبه، وكان الذي جعل لهم كما يزعم آل عبد الله بن سعد خمسة دنانير، قال الليث:
فقدموا به الفسطاط قبل الصبح فأرسل إلى المؤذّن فأقام الصلاة حين طلع الفجر، وعبد الله بن عمرو ينتظر المؤذّن يدعوه إلى الصلاة؛ لأنه خليفة أبيه، فاستنكر الإقامة.
فقيل له صلّى عبد الله بن سعد بالناس.
وآل عبد الله يزعمون أن عبد الله بن سعد أقبل من غربىّ المسجد بين يديه شمعة، وأقبل عبد الله بن عمرو، من نحو داره بين يديه شمعة. فالتقت الشمعتان عند القبلة.
قال الليث فى حديثه: فأقبل عبد الله بن عمرو حتى وقف على عبد الله ابن سعد، فقال: هذا بغيك ودسّك. فقال عبد الله بن سعد: ما فعلت وقد كنت أنت وأبوك تحسدانى على الصعيد، فتعال حتى أولّيك الصعيد وأولّى أباك أسفل الأرض ولا أحسد كما عليه، فلبث عبد الله بن سعد عليها أميرا محمودا، وغزا فيها ثلاث غزوات كلهن لها «٢» شأن: إفريقية، والأساود «٣»، ويوم ذى الصّوارى. وسأذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله.
قال: وكان عزل عمرو بن العاص عن مصر، كما حدثنا يحيى بن عبد الله
[ ٢٠١ ]
ابن بكير، عن الليث بن سعد وتولية عبد الله بن سعد فى سنة خمس وعشرين.
ذكر انتقاض الإسكندرية
قال: عبد الرحمن «١» وقد كانت الإسكندرية كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، انتقضت وجاءت الروم عليهم منويل الخصىّ فى المراكب حتى أرسوا بالإسكندرية، فأجابهم من بها من الروم، ولم يكن المقوقس «٢» تحرّك ولا نكث.
وقد كان عثمان بن عفّان عزل عمرو بن العاص وولّى عبد الله بن سعد، فلما نزلت الروم الإسكندرية، سأل «٣» أهل مصر عثمان أن يقرّ عمرا حتى يفرغ من قتال الروم؛ فإن له معرفة بالحرب وهيبة فى العدو ففعل، وكان على الإسكندرية سورها، فحلف عمرو بن العاص لئن أظهره «٤» الله عليهم ليهدمن سورها، حتى تكون مثل بيت الزانية تؤتى من كل مكان، فخرج إليهم عمرو فى البر والبحر.
قال عبد الرحمن «٥» وقال غير الليث: وضوى إلى المقوقس من أطاعه من القبط، فأما الروم فلم يطعه منهم أحد، فقال خارجة بن حذافة لعمرو: ناهضهم قبل أن يكثر مددهم «٦» ولا أمن «٧» أن تنتقض مصر كلّها، فقال عمرو: لا، ولكن أدعهم حتى يسيروا إلىّ، فإنهم يصيبون من مرّوا به فيخزى الله بعضهم ببعض.
فخرجوا من الإسكندرية ومعهم من نقض من أهل القرى، فجعلوا ينزلون القرية فيشربون خمورها ويأكلون أطمعتها وينتهبون ما «٨» مرّوا به، فلم يعرض لهم عمرو»
حتى بلغوا نقيوس، فلقوهم فى البرّ والبحر، فبدأت الروم والقبط، فرموا بالنشّاب فى الماء رميا
[ ٢٠٢ ]
شديدا، حتى أصابت النشّاب يومئذ فرس عمرو فى لبّته وهو فى البرّ فعفر «١» فنزل عنه عمرو، ثم خرجوا من البحر فاجتمعوا هم والذين فى البرّ، فنضحوا المسلمين بالنشّاب، فاستأخر المسلمون عنهم شيئا، وحملوا على المسلمين حملة ولّى المسلمون منها، وانهزم شريك بن سمىّ فى خيله.
وكانت الروم قد جعلت صفوفا خلف صفوف، وبرز يومئذ بطريق ممن جاء من أرض الروم على فرس له عليه سلاح مذهّب، فدعا إلىّ البراز، فبرز إليه رجل من زبيد يقال له حومل يكنّى أبا مذحج، فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان «٢»، ثم ألقى البطريق الرمح وأخذ السيف، وألقى حومل رمحه وأخذ سيفه، وكان يعرف بالنجدة، وجعل يصيح: أبا مذحج، فيجيبه: لبيك، والناس على شاطىء النيل فى البرّ على تعبئتهم وصفوهم، فتجاولا ساعة بالسيفين، ثم حمل عليه البطريق فاحتمله وكان نحيفا، ويخترط حومل حنجرا كان فى منطقته أو فى ذراعه، فضرب به نحر العلج أوتر قوّته فأثبته ووقع عليه، فأخذ سلبه، ثم مات حومل بعد ذلك بأيّام رحمة الله عليه، فرئى عمرو يحمل سريره بين عمودى نعشه حتى دفنه بالمقطّم.
ثم شدّ المسلمون عليهم، فكانت هزيمتهم، فطلبهم المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية، ففتح الله عليهم وقتل منويل الخصىّ.
حدثنا الهيثم بن زياد أن عمرو بن العاص قتلهم حتى أمعن فى مدينتهم، فكلّم فى ذلك فأمر برفع السيف عنهم، وبنى فى ذلك الموضع الذي رفع فيه السيف مسجد، وهو المسجد الذي بالإسكندرية الذي يقال له مسجد الرحمة؛ وإنما سمّى مسجد الرحمة لرفع عمرو السيف هنالك. وهدم سورها كله.
وجمع عمرو ما أصاب منهم فجاءه أهل تلك القرى ممن لم يكن نقض، فقالوا:
قد كنا على صلحنا، وقد مرّ علينا هؤلاء اللصوص فأخذوا متاعنا ودوابّنا وهو قائم فى يديك. فردّ عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه وأقاموا عليه البيّنة، وقال بعضهم لعمرو: ما حلّ لك ما صنعت بنا، كان لنا أن تقاتل عنّا لأنا فى ذمّتك، ولم ننقض، فأما من نقض فأبعده الله، فندم عمرو، وقال: يا ليتنى كنت لقيتهم حين خرجوا من الإسكندرية.
[ ٢٠٣ ]
(١ وكان سبب نقض الإسكندرية هذا كما حدّثنا عن حيوة بن شريح، عن الحسن ابن ثوبان، عن هشام بن أبى رقيّة، أن صاحب إخنا قدم على عمرو بن العاص فقال:
أخبرنا، ما على أحدنا من الجزية فيصبر لها؟ فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة: لو أعطيتنى من الركن إلى السّقف، ما أخبرتك، إنما أنتم خزانة لنا إن كثّر علينا كثّرنا عليكم، وإن خفّف عنّا خفّفنا عنكم، فغضب صاحب إخنا «٢»، فخرج إلى الروم فقدم بهم فهزمهم الله، وأسر النبطىّ فأتى به عمرو، فقال له الناس: اقتله، فقال: لا، بل انطلق فجئنا بجيش آخر ١) .
حدثنا سعيد بن سابق، قال: كان اسمه طلما، وأن عمرا لمّا أتى به سوّره «٣»، وتوّجه، وكساه برنس أرجوان، وقال له: ايتنا بمثل هؤلاء؛ فرضى بأداء الجزية. فقيل لطلما؛ لو أتيت ملك الروم؟ فقال: لو أتيته لقتلنى، وقال قتلت أصحابى.
ذكر خراب خربة وردان
قال وكان عمرو حين توجّه إلى الإسكندرية خرب القرية التى تعرف اليوم بخربة وردان قال عبد الرحمن: واختلف علينا فى السبب الذي خربت له، فحدثنا سعيد ابن عفير، أن عمرا لما توجّه إلى نقيوس لقتال الروم عدل وردان «٤» لقضاء حاجته عند الصبح «٥»، فاختطفه أهل الخربة فغّيبوه، ففقده عمرو، وسأل عنه وقفا أثره فوجدوه فى بعض دورهم، فأمر بإخرابها وإخراجهم منها.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، قال: كان أهل الخربة رهبانا كلهم، فغدروا بقوم من ساقة عمرو فقتلوهم بعد أن بلغ عمرو الكريون، فأقام عمرو ووجّه إليهم وردان فقتلهم وخربها، فهى خراب إلى اليوم.
حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، قال: كان أهل الخربة أهل توثّب وخبث،
[ ٢٠٤ ]
فأرسل عمرو بن العاص إلى أرضهم، فأخذ له منها جراب فيه تراب من ترابها، ثم دعاهم فكلّمهم فلم يجيبوه إلى شىء فأمر بإخراجهم، ثم أمر بالتراب ففرش تحت مصلّاه، ثم قعد عليه، ثم دعاهم فكلّمهم فأجابوه إلى ما أحبّ، ثم أمر بالتراب فرفع، ثم دعاهم فلم يجيبوه إلى شىء حتى فعل ذلك مرارا، فلما رأى عمرو ذلك قال: هذه بلدة لا تصلح إلّا أن توطأ، فأمر بإخرابها. والله أعلم.
ذكر بعض ما قيل فى فتح الإسكندرية الثانى
ثم رجع إلى حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: فلما هزم الله الروم أراد عثمان عمرا أن يكون على الحرب، وعبد الله بن سعد على الخراج، فقال عمرو: أنا إذا كماسك البقرة بقرنيها وآخر يحلبها، فأبى عمرو.
حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حرملة بن عمران، عن تميم بن فرع المهرىّ، قال: شهدت فتح الإسكندرية فى المرّة الثانية فلم يسهم لى، حتى كاد أن يقع بين قومى وبين قريش منازعة، فقال بعض القوم: أرسلوا إلى أبى بصرة الغفارى وعقبة بن عامر الجهنى فإنهما من أصحاب رسول الله ﷺ فسلوهما عن هذا، فأرسلوا إليهما فسألوهما، فقالا: انظروا، فإن كان أنبت فأسهموا له، فنظر «١» إلىّ بعض القوم فوجدونى قد أنبتّ، فأسهموا لى.
(* حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن موسى بن علىّ، عن أبيه، عن عمرو بن العاص أنه فتح الاسكندرية الفتحة الأخيرة عنوة قسرا، فى خلافة عثمان ابن عفان، بعد موت عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، قال: كان فتح الإسكندرية الأوّل سنة إحدى وعشرين وفتحها الآخر سنة خمس وعشرين بينهما أربع سنين.
حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: كان فتح الإسكندرية الأول سنة اثنتين وعشرين. وكان فتحها الآخر سنة خمس وعشرين.
[ ٢٠٥ ]
قال غير ابن لهيعة: وأقام عمرو بن العاص بعد فتح الإسكندرية شهرا، ثم عزله عثمان وولّى عبد الله بن سعد.
قال غير ابن لهيعة فى حديثه عن يزيد بن أبى حبيب: وأقامت الخيس من البيما يقاتلون الناس سبع سنين بعد ما فتحت مصر، مما يفتحون عليهم من تلك المياه والغياض*) .
ذكر قدوم عمرو على عمر بن الخطاب
حدثنا عثمان بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: عاش عمر بن الخطاب بعد فتح مصر ثلاث سنين قدم عليه عمرو فيها قدمتين. قال ابن عفير: استخلف فى إحداهما زكريّاء بن الجهم العبدرىّ على الجند، ومجاهد بن جبر مولى بنى نوفل بن عبد مناف على الخراج وهو جدّ معاذ بن موسى النفّاط أبى اسحاق بن معاذ الشاعر فسأله عمر: من استخلفت؟ فذكر له مجاهد بن جبر، فقال له عمر: مولى ابنت غزوان؟
قال: نعم. إنه كاتب، فقال عمر: إن القلم «١» ليرفع بصاحبه.
وبنت غزوان هذه أخت عتبة بن غزوان، وقد شهد عتبة بدرا.
(٢ حدثنا عبد الملك بن هشام. قال: حدثنا زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق، قال: عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، حليف بنى نوفل بن عبد مناف ٢) قال: وخطّة مجاهد بن جبر، دار صالح صاحب السوق.
قال: ثم رجع إلى حديث ابن عفير، قال: واستخلف فى القدمة الثانية عبد الله ابن عمرو. فحدثنا عبد الملك بن مسلمة. وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث ابن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمرو بن العاص دخل على عمر بن الخطاب وهو على مائدته جاثيا على ركبتيه، وأصحابه كلهم على تلك الحال وليس فى الجفنة فضل لأحد يجلس، فسلّم عمرو على عمر فردّ ﵇. قال «٣» عمرو بن العاص؟
[ ٢٠٦ ]
قال: نعم. فأدخل عمر يده فى الثريد، فملأها ثريدا، ثم ناولها عمرو بن العاص، فقال:
خذ هذا. فجلس عمرو وجعل الثريد فى يده اليسرى ويأكل باليمنى، ووفد أهل مصر ينظرون إليه، فلما خرجوا قال الوفد لعمرو: أىّ شىء صنعت؟ فقال عمرو: إنه والله لقد علم أنى بما قدمت به من مصر لغنى عن الثريد الذي ناولنى، ولكنه أراد أن يختبرنى، فلو لم أقبلها للقيت منه شرّا.
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل، قال:
دخل عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب وقد صبغ «١» رأسه ولحيته بسواد، فقال عمر: من أنت؟ قال: أنا عمرو بن العاص. قال «٢» عمر: عهدى بك شيخا وأنت اليوم شاب، عزمت عليك إلّا ما خرجت فغسلت هذا «٣» .
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، قال:
قدم عمرو بن العاص من مصر مرّة على عمر، فوافاه على المنبر يوم الجمعة، فقال: هذا عمرو بن العاص قد أتاكم، ما ينبغى لعمرو أن يمشى على الأرض إلّا أميرا «٤» .
حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة عن مشرح بن عاهان، عن عقبة بن عامر، أن عمر ﵁ قال: ما ينبغى لعمرو أن يمشى على الأرض إلّا أميرا. قال الليث، وقال عمرو بن العاص: ما كنت بشىء أتجر منّى بالحرب.
ذكر وفاة عمرو بن العاص
قال ثم توفّى عمرو بن العاص فى سنة ثلاث، وأربعين. حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: توفّى عمرو بن العاص سنة ثلاث وأربعين، وفيها أمرّ عتبة بن أبى سفيان على أهل مصر، وفيها غزا شريك بن سمّى لبدة المغرب.
قال: حدثنا أسد بن موسى، وعبد الله بن صالح قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ابن شماسة أخبره أن عمرو بن العاص لمّا حضرته الوفاة دمعت عيناه، فقال عبد الله بن عمرو: يا أبا عبد الله، أجزع من الموت يحملك على هذا؟ قال:
[ ٢٠٧ ]