وهو أوّل أمير أمّر على أهل مصر فى الإسلام. ولهم عنه أكثر من عشرين حديثا، منها أن عمرو بن العاص، قال: أقرأنى رسول الله ﷺ فى القرآن خمس عشرة سجدة، منها فى المفصّل ثلاث، وفى سورة الحجّ سجدتان، حدثناه سعيد بن أبى مريم، عن نافع ابن يزيد، عن الحارث بن سعيد العتقى، عن عبد الله بن منين- من بنى عبد كلال- عن عمرو بن العاص.
[ ٢٧٦ ]
ومنها أن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «ما من قوم يظهر فيهم الربا إلّا أخذوا بالفناء، وما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب، «١» . حدثناه عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن عبد الله بن سليمان أن محمد بن راشد المرادى حدثه أن «٢» عمرو بن العاص طلع يوما المنبر فلم يسلّم، فقال رجل إنّ أبا عبد الله لمغضب، فقال: أما والله إنّكم لتعلمون «٣» أنى من أقلّ أصحاب رسول الله ﷺ رواية عنه، وأنه لم يمنعنى من «٤» الحديث عنه إلّا أنى كنت رجلا غزّاء، وإنى سمعت رسول الله ﷺ، يقول: ما من قوم يظهر فيهم.. ثم ذكر الحديث.
ومنها حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عمران بن أبى أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، قال: بعثنى رسول الله ﷺ فى سريّة وأمرنى عليها وفيهم «٥» عمر بن الخطّاب، فأصابتنى جنابة فى ليلة باردة شديدة البرد؛ فتيمّمت وصلّيت بهم، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ شكانى عمر إلى رسول الله ﷺ حتى كان من كلامه أن «٦» قال: صلّى بنا «٧» وهو جنب، فبعث إلىّ رسول الله ﷺ فسألنى، فقلت:
يا رسول الله، أجنبت فى ليلة باردة لم يمرّ علّى مثلها قطّ، فخيّرت «٨» نفسى بين أن أغتسل فأموت، أو أصلّى بهم وأنا جنب، فتيممّت وصلّيت بهم؛ فقال رسول الله ﷺ:
لو كنت مكانك فعلت مثل الذي فعلت.
هكذا حدثناه أبى عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن لهيعة. وحدثناه محمد بن عبد الجبّار المخزومىّ، حدثنا زيد بن الحباب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عمران بن أبى أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبى فراس يزيد بن رباح- مولى عمرو- عن عمرو.
[ ٢٧٧ ]
ومنها حديث موسى بن علىّ، عن أبيه، عن أبى قيس- مولى عمرو- عن عمرو، أن رسول الله ﷺ. قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السّحر» «١» .
حدثناه عبد الله بن صالح، حدثنا موسى بن علىّ، عن أبيه. وحدثناه أبى عبد الله ابن عبد الحكم قال: حدثنا الليث بن سعد عن موسى بن على.
ومنها حديث موسى بن علىّ، عن أبيه، عن عمرو بن العاص، أنه قال: بعث إلىّ رسول الله ﷺ، فقال: خذ عليك ثيابك وسلاحك؛ فأخذت علىّ ثيابى وسلاحى، ثم أقبلت إلى رسول الله فوجدته يتوضّأ، فصوّب فىّ النظر «٢» ثم طأطأه، ثم قال: «يا عمرو، إنى أريد أن أبعثك على جيش يغنمك الله ويسلّمك، وأرغب لك رغبة من المال صالحة، فقلت: والله يا رسول الله ما أسلمت للمال، ولكن أسلمت رغبة فى الإسلام وأن أكون معك، فقال: يا عمرو، نعم المال الصالح للرجل الصالح» «٣» حدثناه عبد الله بن صالح.
ومنها حديث موسى بن علىّ، عن أبيه، قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: ما أبعد هديكم من هدى نبيّكم، أمّا هو فكان أزهد الناس فى الدنيا، وأنتم أرغب الناس فيها. حدثناه عبد الله بن صالح، عن موسى بن علىّ.
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، أن علىّ ابن رباح أخبره أنه سمع عمرو بن العاص على المنبر، يقول: والله ما رأى قوما أرغب فيما كان رسول الله ﷺ يزهد فيه منكم، أصبحتم ترغبون فى الدنيا، وكان رسول الله ﷺ يزهد فيها، وما مرّ برسول الله ﷺ ثلاث من الدهر إلا والذي عليه أكثر من الذي له.
فقال رجال من أصحاب رسول الله ﷺ: قد رأينا رسول الله ﷺ يتسلّف.
حدثناه أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن علىّ بن رباح أنه سمع عمرو بن العاص.
ومنها حديث ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، أن مولى لعمرو بن العاص حدثه، أن عمرو بن العاص قال: إن رسول الله ﷺ، قال: لعمل شعيرة اليوم خير من مثقال قيراط بعد اليوم. حدثناه أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار.
[ ٢٧٨ ]
ومنها حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، أن ابن شماسة أخبره أن عمرا حين حضرته الوفاة دمعت عيناه، فقال له عبد الله: يا أبا عبد الله، أجزع من الموت يحملك على هذا؟ قال: لا. ولكن ما بعد الموت، فذكر له عبد الله مواطنه مع رسول الله ﷺ، والفتوح التى كانت «١» بالشام، فلما فرغ عبد الله من ذلك قال: لقد «٢» كنت على أطباق ثلاثة، لو متّ على بعضها علمت ما يقول الناس، بعث الله محمدا فكنت أكره الناس لما جاء به، أتمنّى لو أنّى قتلته، حتى بلغ كراهيتى لدين الله أنى ركبت البحر إلى صاحب الحبشة أطلب دم أصحاب رسول الله ﷺ، فلو متّ على ذلك قال الناس: مات عمرو مشركا، عدوّا لله ولرسوله، من أهل النار. ثم قذف الله الإسلام فى قلبى فأتيت رسول الله ﷺ، فبسط إلىّ يده ليبايعنى فقبضت يدى، ثم قلت: أبايعك على أن يغفر الله لى ما تقدّم من ذنبى، وأنا أظنّ حينئذ أنى لا آتى ذنبا فى الإسلام، فقال رسول الله ﷺ، يا عمرو: «إن الإسلام يجبّ ما قبله، وإن الهجرة تجبّ ما بينها وبين الإسلام» «٣» فلو متّ على هذا الطبق قال الناس: أسلم عمرو وهاجر مع رسول الله ﷺ، نرجو لعمرو عند الله خيرا كثيرا. ثم كانت إمارات وفتن وأنا مشفق من هذا الطبق.
فإذا أخرجتمونى فأسرعوا بى، ولا تتبعنّى نائحة ولا نار، وشدّوا علىّ إزارى؛ فإنى مخاصم، وسنّو «٤» علىّ التراب سنّا، فإنّ يمينى ليست بأحق «٥» بالتراب من يسارى، ولا تدخلن «٦» القبر خشبة ولا طوبة، ثم إذا قبرتمونى فامكثوا عندى قدر نحر جزور وتفصيلها أستأنس بكم. حدثناه أبو صالح عبد الله بن صالح وأسد بن موسى، عن الليث ابن سعد، حدثنا يزيد بن أبى حبيب، أن ابن شماسة أخبره أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة، ثم ذكر الحديث.
قال: وحدثنا عمرو بن سوّاد، حدثنا ابن وهب، أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ابن شماسة، عن عبد الله بن عمرو، عن عمرو. وزاد فيها فقال له عمرو تركت أفضل من ذلك، شهادة أن لا إله إلا الله.
[ ٢٧٩ ]
حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنى يزيد بن أبى حبيب، أخبرنى سويد بن قيس، عن قيس بن سمىّ، أن عمرا قال قلت: يا رسول الله، أبايعك على أن يغفر «١» لى ما تقدّم من ذنبى، فقال رسول الله ﷺ: إن الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبّ ما كان قبلها. قال «٢» عمرو فو الله إن كنت لأشدّ الناس حياء «٣» من رسول الله ﷺ، فما ملأت عينى «٤» منه ولا راجعته بما أريد حتى لحق بالله، حياء منه، ثم ذكر الحديث.
(* ومنها حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبى حبيب، عن راشد مولى حبيب بن أوس الثقفى، أن حبيبا حدّثه، وأن عمرو بن العاص حدثه، قال: لمّا انصرفنا من الخندق جمعت نفرا من قريش بينى وبينهم خاصّة، فقلت لهم: تعلّموا والله أنى أرى أمر محمد يعلو ما خالفه من الأمور علوّا منكرا، فهل لكم فى رأى قد رأيته؟ قالوا: وما هو؟ قال قلت: نلحق بالنجاشىّ فنكون عنده حتى ينقضى ما بيننا وبين محمد. فإن ظفرت قريش رجعنا إليهم، وإن ظفر محمد أقمنا عنده، فلأن أكون تحت يدى النجاشىّ أحبّ إلىّ من أن أكون تحت يدى محمد. قالوا: أصبت.
قال قلت: اجمعوا له أدما فإنه أحبّ ما يهدى إليه من بلادنا، قال: ففعلنا، ثم خرجنا، فبينا نحن قد دنونا منه إذ نظرت إلى عمرو بن أميّة قد بعثه رسول الله ﷺ إلى النجاشىّ، قال فقلت: هذا والله عمرو بن أميّة قد بعثه محمد، ولو قد قدمت «٥» بهداياى إلى النجاشى ثم سألته إيّاه؛ فأعطانيه؛ فقتلته، فرأت قريش أنى قد أجزأت «٦» حين يقتل رسول محمد.
قال فلما دخل عليه عمرو بن أميّة وفرغ من حاجته، دخلت عليه فحيّيته بما كنّا
[ ٢٨٠ ]
نحيّيه، فقال النجاشى: مرحبا، ما أهديت إلى «١» يا صديقى؟ قال قلت: أيّها الملك، قد أهديت لك «٢» هدايا، قال: ثم قدّمت إليه هداياى «٣» فقبلها، وبهجت «٤» بما قال لى، قال فقلت له: أيها الملك، إنى قد رأيت ببابك رسول محمد وهو لنا عدو، أعطنيه أضرب عنقه؛ فإنه رسول رجل هو لنا عدوّ، قال: فمدّ يده ثم غضب وضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره. قال: فوددت لو أنّى انشقّت لى الأرض فدخلت فيها فرقا «٥» منه.
ثم قال: تسألنى رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتى موسى أعطيكه لتقتله «٦» ! قال قلت: أيها الملك، فإن ذاك لكذلك أنه ليأتيه الناموس الأكبر الذي يأتى موسى؟ قال: نعم، والذي نفس النجاشىّ بيده. ويحك يا عمرو، فأطعنى «٧» واتّبعه، والذي نفسى بيده ليظهرنّ هو ومن اتّبعه على من سواهم على من «٨» خالفهم، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قال قلت: أفتبايعنى له على الإسلام؟ قال: نعم، قال: فبسط يده فبايعنى له، فخرجت على أصحابى وقد حال رأيى عمّا كان عليه معهم.
قال: فانطلقت تهوى بى راحلتى حتى لقيت خالد بن الوليد، قال قلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: أريد والله أن اذهب فأسلم؛ فقد والله استقام الشأن واستبان الميسم. قال فقلت: وأنا والله.
قال: فانطلقنا حتى جئنا رسول الله ﷺ، فدخلنا عليه المسجد، فتقدّم خالد فبايعه «٩»، ثم تقدّمت فبايعت؛ فقلت: يا رسول الله، أبايعك على أن يغفر «١٠» لى ما تقدّم من ذنبى، ولم أذكر ما تأخّر، قال فقال رسول الله ﷺ: بايع يا عمرو: فإن الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبّ ما كان قبلها*) .
[ ٢٨١ ]
حدثناه أسد بن موسى، حدثنا يحيى بن أبى زائدة، عن محمد بن إسحاق،.
وحدثنا عبد الملك بن هشام، عن زياد بن عبد الله البكّائى، عن محمد بن إسحاق.
وتوفّى عمرو بن العاص يوم الفطر سنة ثلاث وأربعين، وصلّى عليه عبد الله بن عمرو، ودفن بالمقطّم من ناحية الفجّ: يكنىّ أبا عبد الله. وكان «١» طريق الناس يومئذ إلى الحجاز؛ فأحبّ أن يدعو له من مرّ به. أخبرنا بذلك ابن عفير.
حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، قال: قبر «٢» فى مقبرة المقطّم ممّن عرف من أصحاب رسول الله ﷺ خمسة نفر: عمرو بن العاص السهمىّ، وعبد الله بن الحارث ابن جزء الزّبيدىّ، وعبد الله بن حذافة السهمىّ، وأبو بصرة الغفارىّ، وعقبة بن عامر الجهنى.
وشرك أهل مصر فى الرواية عنه من أهل المدينة: قبيصة بن ذؤيب. قال عبد الرحمن: ولد عام الفتح، وأبو مرة مولى عقيل بن أبى طالب واسمه يزيد، وعروة ابن الزبير، وقد اختلف فى سعيد بن المسيّب فقالوا: سمع منه، وقالوا: بل إنما سمع من ابنه عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن شرحبيل. ومن أهل الكوفة: قيس بن أبى حازم.
ومن أهل البصرة: أبو عثمان النهدىّ وغيرهم.