ولهم عنه تسعة أحاديث أغربوا بها- إلا حديثا واحدا رواه الناس معهم، وهو حديث البصل- منها حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: أخبرنى أبو عمران أسلم، أنه سمع أبا أيّوب الأنصارى، يقول: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة وأخبر بعير لأبى سفيان مقبلة فقال: هل لكم أن نخرج فنتلقّى هذه العير لعلّ الله يغنمناها؟ قلنا: نعم، فخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: ما ترون فى القوم؟ فإنهم قد أخبروا بخروجكم، قلنا: والله يا رسول الله، ما لنا طاقة بقتال العدوّ؛ ولكنّا أردنا العير، ثم قال: ما ترون فى قتال العدوّ؟ قلنا: لا طاقة لنا بقتالهم، فقال المقداد بن عمرو: إنّا لا نقول كما قال قوم موسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
«١» .
قال أبو أيّوب: فتمنّينا معشر الأنصار لو أنّا قلنا كما قال المقداد أحبّ إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، فأنزل الله على رسوله ﷺ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ
«٢» إلى قوله وَهُمْ يَنْظُرُونَ
ثم أنزل الله أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا
إلى قوله كُلَّ بَنانٍ
«٣» وقال وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
«٤» والشوكة الشرّ، وغير الشوكة العير.
فلما وعدنا الله إحدى الطائفتين إمّا العير وإمّا القوم طابت أنفسنا، ثم إن رسول الله ﷺ بعث رجلا لينظر؛ فأقبل الرجل فقال: رأيت سوادا ولا أدرى، فقال رسول الله ﷺ: هم هم، فأمرنا أن نتعادّ؛ ففعلنا؛ فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، فأخبرنا رسول الله ﷺ بعدّتنا فسرّ بذلك، وحمد الله، وقال: عدّة أصحاب طالوت.
ثم إنا اجتمعنا مع القوم فاصطففنا، فبدرت منا بادرة فقال ابن رواحة: يا
[ ٢٩٧ ]
رسول الله، إنى أريد أن أشير عليك، ورسول الله أفضل ممّا يشار عليه، إنّ الله أجلّ من أن يشكّ فى وعده، فقال: يا بن رواحة، لا تشكّنّ فى وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد.
وأخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب فرمى بها فى وجوه القوم؛ فانهزموا؛ فأنزل الله ﷿ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
«١» فقتلنا وأسرنا، فقال عمر بن الخطّاب:
لا يكون أسرى؛ فإنما «٢» نحن داعون «٣»؛ فقلنا معشر الأنصار إنما حمل عمر حسد لنا، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ، فقال: ادع لى عمر؛ فدعى؛ فقال له: إن الله قد أنزل ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
«٤» الآية. حدثناه أبى عبد الله ابن عبد الحكم، عن ابن لهيعة.
ومنها حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أسلم أبى عمران، عن أبى أيّوب الأنصارى، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: بادروا بصلاة المغرب طلوع النجم «٥» . حدثناه عبد الملك بن مسلمة.
حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة بن شريح، أخبرنا يزيد بن أبى حبيب، قال: حدثنى أبو عمران التجيبى، أن عقبة بن عامر صلّى صلاة الغرب فأخّرها ونحن بالقسطنطينيّة، ومعنا أبو أيّوب الأنصارى، فقال له أبو أيّوب: يا عقبة، أتؤخّر صلاة المغرب هذا التأخير وأنت من أصحاب رسول الله ﷺ فيراك من لم يصحبه فيظنّ أنه وقتها! قال أبو عمران، فقلت لأبى أيّوب: فمتى وقتها؟ فقال: كنّا نصلّيها حين تجب الشمس نبادر بها طلوع النجوم.
ومنها حديث الليث وحيوة بن شريح، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: حدثنى أسلم أبو عمران، قال: كنا «٦» بالقسطنطينيّة وعلى أهل مصر عقبة بن عامر صاحب رسول الله ﷺ، وعلى أهل الشأم فضالة بن عبيد، فخرج من أهل المدينة صف عظيم من الروم،
[ ٢٩٨ ]
وصففنا لهم صفا عظيما من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا وصاح الناس، سبحان الله! ألقى بيده «١» إلى التهلكة فقام أبو أيّوب الأنصارى، فقال: أيّها الناس، إنكم لتأوّلون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنّه لمّا أعزّ الله دينه وكثّر ناصريه، قلنا فيما بيننا بعضنا لبعض سرا من رسول الله: إنّ أموالنا قد ضاعت فلو أنا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله ﷿ فى كتابه يردّ علينا ما هممنا به. وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
«٢» فكانت التهلكة أن نقيم فى الأموال ونصلحها. فأمرنا بالغزو، فما زال أبو أيّوب غازيا فى سبيل الله حتى قبضه الله. حدثناه عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد. وعبد الله بن يزيد المقرئ، حدثناه عن حيوة بن شريح.
ومنها حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبيه، أنه قال: جمعنا وأبا أيّوب الأنصارى مرسى فى البحر، فلما حضر غداؤنا أرسلنا إلى أبى أيّوب وأهل مركبه، فأتانا أبو أيّوب فقال: دعوتمونى وأنا صائم، فكان علىّ من الحقّ أن أجيبكم، إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ للمسلم على أخيه المسلم ستّ خصال واجبة، فمن ترك خصلة منها فقد ترك حقا واجبا لأخيه عليه: إذا دعاه أن يجيبه، وإذا لقيه أن يسلّم عليه، وإذا عطس أن يشمّته، وإذا مرض أن يعوده، وإذا مات أن يتبع جنازته، وإذا استنصح له أن ينصحه» «٣» قال حدثناه المقرئ.
ومنها حديث ابن لهيعة، عن حيىّ بن عبد الله المعافرى، عن أبى عبد الرحمن الحبلى، عن أبى أيّوب الأنصارى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من فرق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين الأحبّة يوم القيامة» «٤» حدثناه أبو الأسود النضر بن عبد الجبّار، وعثمان بن صالح.
ومنها حديث ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن أبى عبد الرحمن، أن أبا أيّوب أتى رسول الله ﷺ بقصعة فيها بصل، فقال: «كلوا وأبى أن يأكله «٥» وقال: إنّى لست
[ ٢٩٩ ]
كمثلكم» «١» وزعم أبو عبد الرحمن أن أبا أيّوب لم يكن يأكل البصل نيا ولا طبيخا.
وتوفّى بالقسطنطينيّة سنة إحدى وخمسين غازيا مع يزيد بن معاوية.