من أصناف البز (^٣) والأواني والفواكه والسلاح والطعام والشراب وجميع ما ينتفع به الناس وتدخره الملوك،
وكل كورة بمصر فإنما هي مسماة باسم ملك جعلها له أو لولده أو زوجته. كما سميت مصر باسم مالكها مصر بن بيصر (^٤).
فمنها: تِنِّيس (^٥) وبها ثياب الكتان الدبيقي (^٦) والمقصور (^٧)، والشفاف (^٨)، والأردية (^٩)، وأصناف المناديل والمناشف الفاخرة للأبدان
_________________
(١) نفس المصدر ص ١١٢ - ١١٣
(٢) المصدر السابق ص ١١٣ (¬*) من هذه العلامة إلى مثلها فى ص ٦٨ أورده ابن ظهيرة ص ٥٣ - ٧٠ نقلا عن ابن زولاق مع فروق يسيرة. وروايته هناك «قال ابن زولاق: وكل كورة منها مسماة باسم ملك. . .» وعنوان الفصل فى المقريزى ج ١ ص ٧٢ «ذكر أعمال الديار المصرية وكورها».
(٣) البز: الثياب.
(٤) ذكر ذلك السيوطى فى حسن المحاضرة ج ١ ص ٢٩ فى قوله: «وقال ابن زولاق: كل كورة بمصر فإنما هى مسماة باسم ملك جعلها له. . .».
(٥) النص فيه تحريف وسقط فى الأصلين، وقد اتبعت ما ورد لدى ابن ظهيرة ص ٥٣ وهو ينقل عن ابن زولاق.
(٦) نسبة إلى دبيق، قرية من قرى مصر، بليدة كانت بين الفرما وتنيس من أعمال مصر، وقد اندثرت ومكانها اليوم-كما ذكر محمد رمزى-يعرف بتل دبقو أو دبجو بالقرب من شاطئ بحيرة المنزلة (ياقوت، والقاموس الجغرافى لرمزى ق ١ ص ٢٤٣).
(٧) المقصور من الثياب: ثياب من نسيج أبيض رقيق من القطن.
(٨) نوع رقيق من الثياب يرى ما خلفه.
(٩) الأردية. جمع رداء، وهو ما يلبس فوق الثياب كالجبة والعباءة.
[ ٥٦ ]
والأرجل، والمخاد، والفرش القلموني المعلم (^١) والمطرز، ويبلغ ثمن الثوب المقصور منه مائة دينار فما فوقها، ولا يعلم في بلد ثوب يبلغ مائتي دينار فما فوقها، وليس فيه ذهب إلا بمصر (^٢). وبها ثياب النساء من الأصناف من المعلمات ما ليس في بلد، ومنها لغمر الدنيا (^٣). وليس في الدنيا ملك جاهلي ولا إسلامي يلبس خواصه وحرمه (^٤) غير ثياب مصر (^٥).
ومنها: دمياط، يعمل فيها القصب البلخي من كل فن، والشرب (^٦)، لا تشارك تنيس في شيء من عملها، وبينهما مسيرة نصف يوم، ويبلغ الثوب الأبيض بدمياط، وليس فيه ذهب، ثلاثمائة دينار، ولا يعمل بدمياط مصبوغ ولا يعمل بتنيس أبيض، وهما حاضرتا البحر، وبهما من صيد [البر] والبحر من الطير والحيتان ما ليس في بلد (^٧)
ومنها: الفرما (^٨) بها البسر (^٩) الفرماوي والرطب والتمر، إذا فرغت أرطاب
_________________
(١) المعلم: المخطط.
(٢) ابن ظهيرة ص ٥٣
(٣) ز: «وفيها نعم الدنيا».
(٤) ز: «خواص حرمه بحضرته»، وفى ح: «خواص خدمه بحضرته» وقد اتبعت ما ورد لدى ابن ظهيرة ص ٥٣ وهو ينقل عن ابن زولاق.
(٥) المصدر السابق.
(٦) الشرب: نوع عظيم الرقة والنفاسة من النسيج.
(٧) أورده ياقوت بنصه مادة (دمياط) نقلا عن ابن زولاق، كما أورده أيضا ابن ظهيرة ص ٥٤ نقلا عن ابن زولاق وما بين حاصرتين منه.
(٨) قرية أم إسماعيل بن إبراهيم. . . وكانت على شط بحيرة تنيس. . . وبها قبر جالينوس الحكيم. . . ويذكر أهل مصر أنه كان منها طريق إلى جزيرة قبرس فى البر فغلب عليها البحر، كما كانت مدينة من أقدم الرباطات المصرية، وحصن مصر من جهة الشرق فى زمن الفراعنة، وقد اندثرت، وتعرف آثارها-كما ذكر رمزى-بتل الفرما، على بعد ثلاثة كيلو مترات من ساحل البحر المتوسط. (خطط المقريزى ج ١ ص ٩١، وقاموس رمزى ق ١ ص ٩١).
(٩) البسر: ثمر النخل قبل أن يرطب.
[ ٥٧ ]
الدنيا، وبسرها هو، فلم يبرح أكثر الشتاء حتى يجتمع مع الرطب الجديد، وليس هذا بالحجاز ولا اليمن ولا البصرة، وربما وزنت البسرة [منه فكانت] عشرين درهما، ولا يعرف بُسرٌ في خلقته (^١).
وفيها المناسج أيضًا الأبيض والمصبوغ.
ومنها: الجفار (^٢) وما فيه من الطير والجوارح، والمأكول والصيد والتمور، والثياب إلى ذكرها رسول الله ﷺ تعرف بالقسية (^٣)، تعمل بالقس (^٤). وبها الرمان العريشى، لا يعرف في قدره (^٥).
وما يعمل في الجفار من المكاتل (^٦) يحمل إلى سائر الآفاق.
وكان أحمد بن المدبر (^٧)، وهو عامل خراج مصر، أراد هدم أبواب من حجارة شرقي حصن الفرما لتحمل لبناء داره بمصر، فلما هدم منها حجرين خرج إليه أهل الفرما بالسلاح، وقالوا له: هذه الأبواب التي قال يعقوب ﵇ لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ [سورة يوسف: ٦٧]. فأمسك ابن المدبر عن الهدم.
_________________
(١) ابن ظهيرة ص ٥٤ وما بين حاصرتين منه.
(٢) الجفار: اسم لخمس مدن هى: الفرما، والبقارة، والورادة، والعريش، ورفح. والجفار كله رمل، وسمى الجفار لشدة المشى فيه على الناس والدواب، وهى أرض من مسيرة سبعة أيام بين فلسطين ومصر، أولها رفح من جهة الشام، وآخرها الخشبى من جهة مصر، وكانت متصلة العمارة فى أيام الفراعنة إلى المائة الرابعة من الهجرة (ياقوت ج ٢ ص ١٤٤ فما بعدها، وخطط المقريزى ج ١ ص ١٨٩).
(٣) القسية: تحرفت فى المطبوع من ابن ظهيرة إلى «العبسية».
(٤) لدى ياقوت مادة (القسّ) قال الليث: قسّ موضع فى حديث على ﵁ أن النبى ﷺ نهى عن لبس القسّىّ. قال أبو عبيد قال عاصم بن كليب وهو الذى روى الحديث: سألنا عن القسّىّ فقيل هى ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير. قال أبو بكر بن موسى: القسّ ناحية من بلاد الساحل قريبة إلى ديار مصر التى جاء النهى فيها.
(٥) ابن ظهيرة ص ٥٥
(٦) المكتل: زنبيل يعمل من الخوص، والجمع مكاتل.
(٧) فى الأصلين: «وقال العقاب الواردية: وكان أحمد بن المدبر. . .» وقد اتبعت ما ورد بمعجم البلدان لياقوت ج ٤ ص ٢٥٦، والفضائل الباهرة لابن ظهيرة ص ٥٥ وهو ينقل عن ابن زولاق.
[ ٥٨ ]
وإنما سمى العريش، لأن إخوة يوسف ﵇ لما أقحط الشام ساروا إلى مصر يمتارون (^١)، وكان ليوسف ﵇ أحراس على أطراف مصر من جميع جوانبها، فمُسكوا بالعريش، وكتب صاحب الحرس بالعريش إلى يوسف يقول له: إن أولاد يعقوب الكنعاني قد وردوا يريدون البلد للقحط الذي نزل بهم، فأبى أن يأذن (^٢) لهم، وعملوا لهم عريشا يظلون به من الشمس فسمى الموضع العريش، فكتب يوسف إلى عامله يأذن لهم في الدخول إلى مصر، وكان ما قصه الله تعالى في كتابه العزيز (^٣).
ومنها: مدينة المحلة وبنا وبوصير وسمنود، وما فيها من الكتان الذي يحمل إلى بلاد الإسلام وبلاد الكفر وأقاصي الدنيا، وبها الأترج (^٤) الجافي، وبها الإوز الذي ليس في خلقته ولا وزنه [مثيل له]، وربما [يكون] وزن الطير الواحد رطلًا (^٥).
وفي قوله ﷿: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [سورة الشعراء:٣٦] قال: بنا، وبوصير، وسمنود (^٦).
ومنها: دقهلة وكورتها التي يعمل فيها القرطاس [الطومار] (^٧) الذي يحمل منه إلى أقاصي بلاد الإسلام والكفر، وما في أعمال أسفل الأرض بمصر كورة. إلا وتختص بنوع [دون الأخرى] وسائر فواكه الشام في كور أسفل الأرض (^٨).
_________________
(١) يمتارون: يجمعون الميرة، وهى الطعام يجمع للسفر ونحوه.
(٢) لدى ابن ظهيرة ص ٥٥ وهو ينقل عن ابن زولاق «فإلى أن آذن لهم».
(٣) المصدر السابق.
(٤) شجر يعلو، ناعم الأغصان والورق والثمر، وثمره كالليمون الكبار.
(٥) المصدر السابق ص ٥٦ وما بين حاصرتين منه.
(٦) نفس المصدر.
(٧) القرطاس: الورق المصنوع من نبات البردى، والطومار: الصحيفة الكبيرة.
(٨) ابن ظهيرة ص ٥٦ وما بين حاصرتين منه.
[ ٥٩ ]
ومنها: إسكندرية وعجائبها، ومنارتها طولها مائتا ذراع وثمانون ذراعا، وفيها المرآة التي يرى فيها كل من يمر بالقسطنطينية.
وبها الملعب الذي كانوا يجتمعون فيه، لا يرى أحد منهم شيئًا دون صاحبه، وليس لأحد سر دون صاحبه من نظر أو سماع، البعيد والقريب فيه سواء (^١).
وكان بها عيد يعمل كل سنة يترامون فيه بالأكرة، فمن وقعت في كمه ترشح للملك، وكتب أسمه، ومن هذا كان سبب ولاية عمرو بن العاص، لأنه حضر هذا العيد في الجاهلية، وكان عمرو في النظارة، فوقعت الأكرة في كمه، فعجبت الروم والقبط من ذلك، وقالوا: وأنى لهذا العربي يملك مصر! فلم يزل ذلك في نفسه إلى أن كان من أمره ما كان (^٢). وقد شرحت ذلك في التاريخ، وفي أخبار عمرو.
وكان لهم عيد يعمل بالإسكندرية، يعمل في كل مائة سنة. حضره كعب ابن عدي العبادي قال: قدمت الإسكندرية فوافقت عيدا لهم يكون على رأس مائة سنة، فهم يجتمعون فيه يصنعون ما يصنعون من لهوهم ولعبهم، فلما فرغوا قام فيهم مناد على منبر، فناداهم: أيها الناس، أيكم أدرك عيدنا الماضي، فليخبرنا، أيهما أفضل، فلم يجبه أحد حتى ردد القول فيهم، فقال: اعلموا أنه ليس أحد يدرك عيدنا المقبل، كما لم يدرك هذا العيد من شهد العيد الماضي. فيكون ذلك موعظة، ويكثر فيهم الاعتبار والأسف (^٣).
وفي الإسكندرية السواري والمسلتان (^٤).
وعجائبها أكثر من أن تحصى، وخليجها مبلط بالرخام من أوله إلى آخره.
وذكر بعض العلماء أنه كشف الطوال الأعمار، فلم يجد أطول عمرًا من سكان مريوط-كورة من كور الإسكندرية-وكانت لشدة بياضها لا يكاد يبين فيها
_________________
(١) المصدر السابق ص ٥٧
(٢) الولاة للكندى ص ٢٩، وابن ظهيرة ص ٥٧
(٣) ابن حجر: الإصابة ج ٥ ص ٦٠٥، وابن ظهيرة ص ٥٧
(٤) ابن ظهيرة ص ٥٨
[ ٦٠ ]
دخول الليل إلا بعد وقت، وكان الناس يمشون فيها في أيديهم خرق سود، خوفًا على أبصارهم، ومن شدة بياضها، لبس الرهبان السواد. وكان الخياط يدخل الخيط في الإبرة في الليل، وأقامت الإسكندرية سبعين سنة لا يسرج فيها سراج، ولا يعرف مدينة على طولها وعرضها، ورخامها يحمل إلى اليوم وما فنى (^١).
وبها مناسج الكتان والغلائل (^٢) والمعتب الذي يحمل إلى الآفاق. وبها مناسج الحصر الساماني والعبداني. وكان على الإسكندرية سبعة حصون، وسبعة خنادق (^٣).
وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب: إني فتحت مدينة فيها اثنا عشر ألف بقَّال يبيعون بقلًا وخضرًا وكان بها من الحمامات اثنا عشر ألف ديماس، أصغر ديماس فيها يسع ألف مجلس، كل مجلس يسع جماعة (^٤).
وكتب إلى عمر يقول: فتحت مدينة لا أصف ما فيها غير أني أصبت فيها [أربعة آلاف بنية بأربعة آلاف حمام] وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية وأربعمائة ملهى للملوك وكان عليها سبعة أسوار (^٥).
ووجد في أحد أبوابها مكتوبًا: أنا شداد بن عاد، بنيت هذه المدينة والحجر يومئذ كالطين يتعجن [والرخام كالشمع يلين] (^٦).
وأخذ عمرو بن العاص الجزية من ثلاثمائة ألف فأخذ من كل رأس رجل دينارين، فبلغت الجزية ستمائة ألف دينار (^٧).
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) الغلالة: القميص الرقيق، والمعتب: نوع من الثياب.
(٣) ابن ظهيرة ص ٥٨
(٤) المقريزى الخطط ج ١ ص ١٦٦
(٥) ابن سعيد: المغرب ص ٣٦، والمقريزى: الخطط ج ١ ص ١٦٦ وما بين حاصرتين منهما.
(٦) ابن ظهيرة ص ٥٩ وما بين حاصرتين منه.
(٧) فى الأصلين: ستمائة ألف رجال بالغين. وقد اتبعت ما ورد لدى ابن ظهيرة ص ٥٩ وهو ينقل عن ابن زولاق.
[ ٦١ ]
ولما دخل عمر بن عبد العزيز الإسكندرية في إمارته على مصر سأل عن عدد أهلها؟ فقيل له: هو ما لا يضبط، فقال: كتب هرقل ملك الروم، إلى المقوقس، صاحب الإسكندرية عرفني كم قبلك من اليهود؟ فأحصاهم، فكانوا ستمائة ألف، وأنكر هرقل خراب الإسكندرية.
وكتب يسأل عن السبب، فقال له جماعة من حكمائها: إن ذا القرنين أقام في بناء الإسكندرية ثلاثمائة سنة، وعمرت ثلاثمائة سنة، وهي في خراب منذ ثلاثمائة سنة (^١).
قال الحسن بن إبراهيم: ولهذا الكلام منذ قيل، أربعمائة سنة ولما بناها الإسكندر كان فيها سبعون ألف بناء، وسبعون ألفا يخندقون قناطرها. ووجد في تخومها تابوت من نحاس، فيه تابوت من فضة، فيه تابوت من ذهب، ففتح، فوجد فيه مكحلة من ياقوت أخضر، مرودها عرق زبرجد، فدعا القائم عليها، فكحل إحدى عينيه، فأشرقت له الكنوز والكيمياء (^٢).
قال: وكان الإسكندر طول أنفه ثلاثة أذرع، ثم عمر بها بعده جبير المؤتفكي خمسمائة عام لم يهجه أحد، وزبر في آخر العهد: بنيت وحفرت وأسست وعمرت حين لا موت ولا هرم (^٣).
وكنوز هذه المدينة في ساحل طبقة نحاس، وقفله ذهب، دخل هذا الساحل في البحر خمس عشرة ذراعًا وسيخرج على هذا الساحل على أمة مسلمة اسم نبيها أحمد (^٤) وفي هذا الساحل ما لا يقدر قدره من ذهب وفضه وتماثيل وحجارة الجواهر الكريمة (^٥).
_________________
(١) نفس المصدر.
(٢) أورده ابن ظهيرة بنصه ص ٥٩ نقلا عن ابن زولاق.
(٣) ياقوت ج ١ ص ١٨٤
(٤) ح: «محمد».
(٥) ابن ظهيرة ص ٦٠
[ ٦٢ ]
وقد شرحت ذلك مستقصى في التاريخ الكبير في أخبار الإسكندرية لأني قد أشرطت في كتابي هنا الاختصار.
وذكروا أن المنارة كانت في وسط المدينة، وإنما البحر زاد فأخرب ما قربها، ولما غلبت الأكاسرة على الإسكندرية، أراد خليفته أن يفرض على كل محتلم دينار لتعمر الإسكندرية، فقيل له: تبعث في خراب منذ ثلاثمائة سنة!.
وهي إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ التي ذكرها الله ﷿ في القرآن، وذكر بعض الرواة أن صاحبها كتب عليها: بنيت هذه المدينة والرخام يعجن كالشمع، والحجر كالطين.
وكان بالإسكندرية صنم من نحاس يجتمع إليه الحيتان، فيقرب الصيد على أهل الإسكندرية، اسمه شراحيل، فخرج إليه أسامة بن زيد عامل خراج مصر، فكتب إلى الوليد: قد غلقت علينا الفلوس، وبالإسكندرية صنم من نحاس، يجتمع إليه الحيتان أفتأذن لي في كسره؟
فأذن له فأمر بإنزاله، وكان على حجفة وسط البحر، فأنزل، وكسر، فوجدت عيناه ياقوتتين لا قيمة لهما، فكسره وضربه فلوسًا، وتفرقت الحيتان فلم ترجع إلى ذلك الموضع، وكان أسامة بن زيد نام وتمدد فكان طول قدم الصنم (^١).
وفيها من العجائب كثيرًا سنذكره في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
ومن أعمال مصر: جانبها القبلي وأوله بركة الحبش وهي البركة المعروفة، وفيها من أنواع الأرطاب والثمار والأعناب، أنواع لم تكن بالعراق ولا بالحجاز فيها البرني والبوني والبردي والصيحانى السكري والحلبانا وغيرها (^٢).
ومنها مدينة الفيوم، بناها يوسف ﵇ بالوحي، لأن الوزراء قالوا
_________________
(١) ابن ظهيرة ص ٦٠
(٢) اضطرب هذا النص فى الأصلين وقد اتبعت ما ورد بالفضائل لابن ظهيرة ص ٦٨ وهو ينقل عن ابن زولاق.
[ ٦٣ ]
لفرعون وهو الريان بن الوليد: إن يوسف في السجن، فأحضره واستخلفه وخلع عليه، وضرب له بالطبل أن يوسف خليفة الملك، فقام له بالأمر كله.
ثم سعى به إليه بعد أربعين سنة، فقالوا: قد خرف، فامتحنه بإنشاء الفيوم فأنشأها بالوحي، فعظم شأن يوسف، وكان يجلس على سرير، فقال له الملك: اجعل سريرك دون سريري بأربع أصابع ففعل.
ولما سار يعقوب إلى يوسف وكانت عدتهم ثلاثة وتسعون نفسًا بين رجل وامرأة فأنزلهم يوسف ما بين عين شمس إلى الفرما، وهي أرض برية، فدبرها وجعلها ثلاثمائة قرية وستين قرية، يجبى منها في كل يوم ألف دينار، وفيها أنهار [عدد أنهار] البصرة (^١).
وفيها الإوز، وفيها الأترج الأحمر الجافي، وبها الحصر الساماني والعبداني ومنابته، وبها الكتان الذي يغمر الدنيا (^٢).
وحدثني أحمد بن الحسن بن طرخان الكاتب قال: عملت الفيوم لكافور وإلى مصر في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، فعقد بها ستمائة ألف دينار، وعشرين ألف دينار (^٣). وهو عقد الرملة وطبرية ودمشق وأعمالهن لسنة في الأمن والعمارة.
وفي الفيوم من المباح الذي يعيش به أهل التعفف ما لا يضبط ولا يحاط بعلمه (^٤).
ومنها: بوصير قوريدس التي قتل بها مروان بن محمد، وزال ملك بني أمية فيها (^٥).
وبها الكتان الذي لا تخلو منه بلدان الإسلام وبلدان الشرك، وبها من الفواكه والأعناب ما ليس في غيرها.
_________________
(١) ياقوت وما بين حاصرتين منه وهو ينقل عن ابن زولاق.
(٢) انظر فى الفيوم ياقوت ج ٤ ص ٢٨٦، وقد أورد الأخبار الخاصة بالفيوم بنصها نقلا عن ابن زولاق. وانظر أيضا: خطط المقريزى وابن ظهيرة.
(٣) أورده ياقوت ج ٤ ص ٢٨٧ نقلا عن ابن زولاق، وابن ظهيرة ص ٦١ نقلا عن ابن زولاق أيضا.
(٤) ابن ظهيرة ص ٦١ نقلا عن ابن زولاق.
(٥) المصدر السابق.
[ ٦٤ ]
ومنها: مدينة أهناس، وأبنيتها وعجائبها. وهي مولد المسيح ﵇ (^١).
وأقامت مريم إلى أن نشأ عيسى وسارت به إلى الشام، وبها الثمار والزيتون (^٢) ومنها: مدينة البهنسا، وبها طراز الستور، الذي يحمل إلى الآفاق من بلدان الإسلام والكفر، ولا يخلو منه مجلس ملك منه في أقاصي البلدان برًّا وبحرًا (^٣).
ومنها: بلد الأشمونين وما يعمل فيه من الأرز والكتان، يحمل إلى سائر الآفاق (^٤).
ومنها: أسيوط وبها مناسج الأرمني والدمج الدبيقي، والمثلث، وسائر أنواع الكُسَا (^٥)، لا يخلو منه ملك إسلامي ولا جاهلي.
وبها الخس والسفرجل في كثرته يزيد على كل بلد (^٦).
ولما صورت الدنيا للرشيد لم يستحسن إلا كورة أسيوط، [لأن مساحتها] ثلاثون ألف فدان في استواء من الأرض، ولو وقعت فيها قطرة [ماء واحدة]، لانتشرت في جميعها، لا يظمأ منها شبر (^٧)، وهي إحدى متنزهات أبي الجيش أمير مصر (^٨).
ومنها أخميم بلد عظيم، فيه من العجائب والآثار والبرابي ومن الطلسمات (^٩)، ويحمل من غلاتها وفضلها إلى الآفاق.
_________________
(١) بخصوص هذا الموضوع راجع ص ١٣ حاشية ٥
(٢) نفس المصدر.
(٣) ابن ظهيرة ص ٦١
(٤) المصدر السابق ص ٦٢
(٥) مفرده الكسوة: وهى الثوب يستتر به ويتحلّى.
(٦) ابن ظهيرة ص ٦٢
(٧) كذا فى الأصلين ومثله لدى ياقوت ج ١ ص ١٩٤ وهو ينقل عن ابن زولاق ولدى ابن ظهيرة ص ٦٢ «زرع» وهو ينقل عن ابن زولاق كذلك.
(٨) المصدر السابق وما بين حاصرتين منه. وانظره لدى ابن الكندى ص ٤٠، كما أورده ياقوت ج ١ ص ١٩٣ بنصه نقلا عن ابن زولاق.
(٩) البرابى: بيوت الحكمة، وهى الدور التى كان المصريون القدامى يتعلمون فيها العلوم، وخاصة اللاهوتية. والطلسمات: خطوط وأعداد سحرية، وكل ما هو غامض أو مبهم كالألغاز والأحاجى.
[ ٦٥ ]
ومنها: أنصنا وما بها من العجائب والأبنية والآثار، وكان بها اثنا عشر ألف عريف (^١) على السحرة، وبها شجر اللبخ الذي ليس هو في بلد من البلدان.
ومنها: طرفا، وبها طراز الصوف من الشفاف والمطارف (^٢) المطرز والمعلم والأبيض والملون، يحمل إلى سائر الآفاق، وأقاصي البلدان، يبلغ الثوب منه خمسين دينارًا، ويبلغ المطرف منها مثل ذلك، يحمل إلى بلدان العرب والعجم.
ومنها: البلينا وأدفو، وما يختص به من الخل الذي يحمل إلى الآفاق، لا يقارنه خل بها وجد ولا الري.
ومنها: قوص وما فيها من التمر والخل والحطب الذي لا رماد له، والفحم الجافي، وسائر أنواع التمور والكروم، ومعادن الذهب والزمرد.
ومنها: أسوان وما فيها من التمور المختلفة وأنواع الأرطاب.
وذكر بعض العلماء أنه كشف أرطاب أسوان، فما وجد بالعراق شيئًا إلا وهو فيه، وفيه ما ليس بالعراق (^٣).
وأخبرني أبو رجاء الأسواني محمد بن أحمد الفقيه، صاحب القصيدة الكبيرة (^٤)، أنه يعرف بأسوان رطبا في أشد ما يكون من خضرة السلق (^٥).
وأمر الرشيد أن يجمع له أنواع التمور بأسوان، من كل صنف تمرة واحدة، فجمعت، فكانت ويبة، وليس هذا بالعراق ولا بالحجاز، ولا يعرف في الدنيا بسر يتتمر قبل أن يصير رطبًا إلا بأسوان، ولا يتتمر بلحا قبل أن يصير بُسرًا إلا بأسوان (^٦).
_________________
(١) العريف: القيم بأمر القوم وسيدهم.
(٢) المطارف: جمع مطرف، وهو رداء أو ثوب من خز مربع ذو أعلام.
(٣) أورده ياقوت بنصه ج ١ ص ١٩٢ نقلا عن ابن زولاق.
(٤) كذا فى الأصلين، ولدى الأدفوى فى ترجمة أبى رجاء ص ٤٨٥ «بلغنى أنه سئل قبل موته: كم بلغت قصيدتك؟ قال: ثلاثين ومائة ألف بيت»، وقد بقى علىّ فيها أشياء تحتاج إلى زيادة. . .، ونظم فيها كتاب المزنى، وكتب الطب والفلسفة». ولدى ياقوت ج ١ ص ١٩٢ وهو ينقل عن ابن زولاق «صاحب قصيدة البكرة» ولدى ابن ظهيرة ص ٦٦ وهو ينقل عن ابن زولاق «صاحب القصيدة البكرية».
(٥) أورده ياقوت ج ١ ص ١٩٢، وابن ظهيرة ص ٦٦ كلاهما نقلا عن ابن زولاق.
(٦) المصدران السابقان.
[ ٦٦ ]
وسألت عن ذلك بعض أهل أسوان، فقال: كل ما تراه من تمر أسوان ليِّنًا فهو مما يتتمر بعد أن صار رطبًا، وما رأيته أحمر ومغير اللون فهو ما يتتمر بعد أن صار بُسرًا، وما وجدته أبيض فهو ما يتتمر بلحًا (^١).
وبأدفو، تمر يكون ثلاث تمرات ذراع تعرف بالهلالية، وفيها تمر يعرف بقرن الغزال ملوى مثله. . . (^٢) تمر يؤكل نواه ويرمي قشره لأنه حشف.
وبأدفو تمر لا يقدر على أكله حتى يدق في الهاون، مثل السكر، فيكون عوضًا عن السكر (^٣).
ومنها: الجانب الغربي، وهو الجيزة، وفي إقليمها من النخيل والكروم وأنواع الفواكه والأبنية، لا تزيد البصرة على نخيلها ومراعيها، وعذوبة مائها.
وفي جانبها الأهرام، [وبها الأترج المكعب، والزهر في غير وقته، والورد والبنفسج في تشرين الأول]. ذكرها النبي ﷺ، وفضل سكنها، وبارك في غرسها (^٤).
ومنها: منف، وأبنيتها وعجائبها وأصنامها ودفائنها وكنوزها التي لا تحصى.
ذكر علماء مصر أن منف كانت ثلاثين ميلا في عشرين ميلا بيوتا متصلة، وفيها بيت فرعون، قطعة واحدة سقفه وفرشه وحيطانه حجر أخضر (^٥).
وذكر بعض علماء مصر قال: دخلت منف، فرأيت عثمان بن صالح-عالم مصر-جالسا على باب الكنيسة بمنف، فقال: تدري ما على باب هذه الكنيسة مكتوب؟ قلت: لا. قال: عليها مكتوب لا تلوموني على صغرها، فإني اشتريت
_________________
(١) نفس المصدرين.
(٢) مكانها فى الأصلين ثلاث كلمات لا تفهم.
(٣) ابن ظهيرة ص ٦٦
(٤) ابن ظهيرة ص ٦٩ وما بين حاصرتين منه، وقد ذكر عقب إيراده لهذا الخبر «كذا قال ابن زولاق. قلت: ولعلها كانت قديما بما وصف، وأما الآن فليست كذلك».
(٥) أورده ياقوت ج ٥ ص ٢١٤ نقلا عن ابن زولاق، كما أورده ابن ظهيرة أيضا ص ٦٩ نقلا عن ابن زولاق.
[ ٦٧ ]
كل ذراع بمائتي دينار لشدة العمارة، قال عثمان بن صالح: وعلى باب هذه الكنيسة وكز موسى ﵇ الرجل فقتله (^١).
وبها كنيسة الأسقف، لا يعرف طولها من عرضها، مسقفة بحجر واحد، حتى لو أن ملوك الدنيا قبل الإسلام جعلوا همتهم [على أن يعملوا] مثلها، ما أمكنهم ذلك (^٢).
وبها آثار الأنبياء والحكماء. وهي منزل يوسف ﵇، ومن كان قبله.
ومنزل فرعون موسى، وكانت له عين شمس، وإنما بني المرقب على قرنة الجبل موضع مسجد أحمد بن طولون اليوم، لأنه كان إذا أراد فرعون الركوب من منف إلى عين شمس، أوقد صاحب المرقب بمنف، فأوقد صاحب المرقب على الجبل، فإذا رأى صاحب عين شمس الوقود تأهب لمجيئه، وكذلك كان يصنع إذا أراد الركوب من عين شمس إلى منف ولذلك سمى الموضع تنور فرعون (^٣).
وكان بمنف (^٤) قبة فيها صور ملوك الأرض، متى تحرك منهم ملك يريد مصر بعج الموكل بالقبة بطنه بحربة فيتلف ذلك الملك في موضعه. فلما أراد بخت نصر مصر، أرسل رجلا يثق به، وأعطاه مائة ألف درهم صلة. فاحتال حتى صاهر امرأة من الموكلات بحفظ القبة، ودخل القبة وسأل عن الصور، ورأى صورة بخت نصر فقال للمرأة التي تزوجها: ما هذه الصورة؟ فعرّفته، فقال لها في خلوة: فمتى ينجو صاحب هذه الصورة؟ قالت يدهن صدره بدم خنزير، فأخذ دم خنزير وطلا صورة بخت نصر وهرب وعاد إلى بخت نصر، فأخبره فسار إلى مصر، وكان من أمره ما كان *.
***
_________________
(١) المصدران السابقان نقلا عن ابن زولاق.
(٢) ياقوت ج ٥ ص ٢١٤ وما بين حاصرتين منه وهو ينقل عن ابن زولاق.
(٣) نفس المصدر نقلا عن ابن زولاق.
(٤) ابن ظهيرة ص ٧٠
[ ٦٨ ]