فمن ذلك أن الطور المقدس من [جبلها] المقطم وهو داخل فيما وقع عليه التقديس، وهو قوله ﷿: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [سورة طه:١٢] (^٥).
وقال كعب: كلم الله ﷿ موسى من الطور إلى طوى، فجعل المقطم من المقدس.
_________________
(١) ابن ظهيرة ص ١٢٨
(٢) المصدر السابق ص ١٢٩
(٣) غامرها: الغامر من الأرض خلاف العامر، وهو ما غمره ماء أو رمل أو تراب، وصار لا يصلح للزرع.
(٤) ابن ظهيرة ص ١٢٨
(٥) ابن ظهيرة ص ١٠٨ وما بين حاصرتين منه.
[ ٩٤ ]
وقال سعيد بن عفير: لما هرب موسى من منف خوفا من فرعون وقومه وحصل بطوى، سجد لله شكرًا، فسجدت معه كل شجرة بطوى، فكل شجرة بطوى منكسة إلى القبلة، وأن موسى ﵇ ناجى ربه بوادي المقطم، وله فيه مسجد (^١).
وقال عبد الله بن لَهِيعَة وقد نظر إلى الجبل المقطم: إن عيسى بن مريم ﵇ خرج من سفح الجبل وعليه جبة صوف وقد شد وسطه بشريط وأمه إلى جانبه، فالتفت إليها فقال: يا أمه، هذه مقبرة أمة محمد ﷺ، وفي بعض الأخبار أنه قال لها: هذه مقبرة أمة الفارقليط-يعني النبي ﷺ (^٢).
وقال عمرو بن العاص للمقوقس: ما بال جبلكم هذا أقرع لا نبات فيه كجبال الشام، فلو شققنا في سفحه نهرًا من النيل، وغرسنا فيه نخلًا؟ فقال المقوقس: وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجارًا ونباتًا وفاكهة، وكان ينزله المقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، فلما كانت الليلة التي كلم الله فيها موسى أوحى إلى الجبال: إني مكلم نبيًا من أنبيائي على جبل منكم، فسمت الجبال وتشامخت، إلا جبل بيت المقدس، فإنه هبط وتصاغر، فأوحى الله تعالى إليه لم فعلت ذلك؟ وهو به أعلم، فقال: إعظامًا وإجلالًا لك يا رب! فأمر الله الجبال أن يحبوه، كل جبل مما عليه من النبات، وجاد له المقطم بكل ما عليه، حتى بقى كما ترى، فأوحى الله إليه: إني معوضك على فعلك بشجر الجنة، أو بغراس الجنة (^٣).
وقيل لبعض علماء مصر: ما بال الجبال بالشام تنبت الجوز، والبلوط،
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) المقريزى: الخطط ج ١ ص ١٢٤، وابن ظهيرة ص ٨٣، والسيوطى: حسن المحاضرة ج ١ ص ١٣٨. والفار قليط: الرسول المبشر به.
(٣) ابن الكندى: فضائل مصر ص ٤٥، والبكرى: جغرافية مصر من كتاب الممالك والمسالك ص ٧٩، وابن سعيد: المغرب ص ١١، وابن ظهيرة ص ١٠٨، والسيوطى: حسن المحاضرة ج ١ ص ١٣٨
[ ٩٥ ]
والصنوبر، والفاكهة، وجبلكم [هذا] لا ينبت! فقال: جبلنا ينبت الذهب، والفضة، والزمرد، وجميع عقاقير الأدوية التي هي قوام الخلق، وشفاء الناس (^١).
وكان هرقل كره صلح المقوقس لعمرو، فكتب إليه إن كانت القبط رضيت فدعها وما رضيت، فأمضى المقوقس الصلح وسأل عمرو بن العاص إن مات أن يدفنه في أبي يحنس (^٢). وفي هذه السنة وهي سنة عشرين توفى هرقل.
وكان المقوقس أراد أن يبتاع سفح [الجبل] (^٣) المقطم من عمرو بن العاص بعشرين ألف دينار، فكتب عمرو إلى عمر بذلك، وأخبره أنها أرض لا نبات فيها، وأن المقوقس أخبرني أنه وجد في الكتب أنها غراس الجنة، فكتب عمر لا أعرف غراس الجنة لغير المؤمنين (^٤)، فاجعله مقبرة لهم.
فأول من حفر فيه رجل اسمه عامر، فقال عمرو بن العاص عمرت، فغضب المقوقس وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني، فعوضه عمرو أرض الحبش، فدفن المقوقس فيه النصارى (^٥).
[وسأل (^٦) كعب الأحبار رجلًا يريد السفر إلى مصر فقال له: أهد لي تربة من سفح مقطمها، فأتاه منه بجراب، فلما حضرت كعبًا الوفاة أمر به ففرش في لحده تحت جنبه وفعل مثل ذلك عمر بن عبد العزيز.
_________________
(١) ابن ظهيرة ص ١٩٢ وما بين حاصرتين منه.
(٢) فتوح مصر ص ٩٥،٩٦
(٣) من الفضائل الباهرة لابن ظهيرة ص ١٠٨
(٤) كذا فى الأصلين، ومثله لدى ابن ظهيرة ص ١٠٩ وهو ينقل عن ابن زولاق، وهو كذلك لدى المقريزى فى الخطط ج ١ ص ٢٤. ولدى ابن الكندى وابن سعيد والسيوطى «لغير المسلمين».
(٥) ابن الكندى: فضائل مصر ص ٤٥، وابن سعيد: المغرب ص ١١، وابن ظهيرة ص ١٠٨، والسيوطى: حسن المحاضرة ج ١ ص ١٣٨
(٦) النص ما بين الحاصرتين فيه تحريف وسقط فى الأصلين، وقد اعتمدنا فى تكملة النص وتصويبه على ما جاء بفضائل مصر لابن الكندى ص ٤٦، والخطط ج ١ ص ١٢٤، وابن ظهيرة ص ١٠٩، وحسن المحاضرة ج ١ ص ١٣٩
[ ٩٦ ]
وقال كعب في الجبل المقطم إنه لمقدس ما بين القصير إلى اليحموم، واليحموم: الجبل المطل على القاهرة].
وقال [الحسن] البصري في ذكر المقطم: إنه يحشر منه الشهداء يوم يحشر الخلق إلى الجبار، من رعاة الحق سبعون ألف ملك وشهيد، متوج فيخلد حميدًا، مطهرًا من ذنبه وعيبه، مشفعًا في القول عند ربه (^١).
وقد ذكرنا في كتابنا هذا من دفن بها من أصحاب رسول الله ﷺ المشهورين سوى من توفي منهم في عسكر عمرو بن العاص الذين فتحوا مصر.
ودفن في مقبرة مصر من أمرائها اثنان وسبعون، أولهم عمرو بن العاص، وآخرهم كافور الإخشيدي (^٢).