ملك مصر ثلاثة وخمسون ملكا (^٨)، أولهم بيصر بن حام بن نوح، وآخرهم
_________________
(١) كذا فى الأصلين، ومثله لدى النويرى ج ١ ص ٣٥٣ وهو ينقل عن ابن زولاق، ولدى ابن ظهيرة ص ٨٨ «وادى».
(٢) النويرى ج ١ ص ٣٥٣، وابن ظهيرة ص ٨٨ وكلاهما ينقل عن ابن زولاق.
(٣) النويرى ج ١ ص ٣٥٣ نقلا عن ابن زولاق.
(٤) النويرى ج ١ ص ٣٥٣، وابن ظهيرة ٨٨ نقلا عن ابن زولاق.
(٥) المصدران السابقان نقلا عن ابن زولاق.
(٦) يزخر: يملأ.
(٧) ابن ظهيرة ص ٨٨ نقلا عن ابن زولاق.
(٨) ابن ظهيرة ص ١٤ نقلا عن ابن زولاق.
[ ٢٠ ]
هرقل الرومي وكسرى الفارسي، منهم أربعة وثلاثون فرعونا ممن طغى وتكبر وادعى الإلهية، ومنهم من عمر أربعمائة سنة وأقل وأكثر، ولم يكن فيهم أعتى ولا أشد من فرعون موسى (^١).
قالت عائشة ﵂: أقام فرعون بمصر أربعمائة سنة، وفي حديث آخر: ما صُدِع له رأس. ولم يكن من أولاد الملوك، وإنما أخذ ملك مصر بحيلة (^٢).
قال عبد الله بن عمرو: اختلف أولاد الملوك بمصر فيمن يكون الملك، فرضوا بمن يحكم بينهم وأن يكون من يطلع من الفج (^٣)، فطلع فرعون راكبًا على أتان بين عدلى (^٤) نطرون، يريد به السوق، فاعترضوه، وسألوه الحكم بينهم، وأخبروه باختلافهم، وأن يختار للملك واحدا منهم، فقال: أكره أن تخالفوني فأعطوه المواثيق أن لا يخالفوه، فقال لهم: قد اخترت نفسي أن أجلس وأوطئ (^٥) لكم الأمر، فلما تمكن أخذ يقتلهم واحدًا بعد واحد، وكان من خبره ما قصه الله ﷿ (^٦).
وقال موسى: يا رب، إن فرعون جحدك (^٧) مائتي سنة، وادعى أنه أنت مائتي سنة، فكيف أمهلته؟ فأوحى الله إليه: أمهلته لخلال فيه. إني حببت إليه العدل والسخاء، وحفظت له تربيتك، وفي حديث آخر: إنه عَمَّر بلادي، وأحسن إلى عبادي (^٨).
وكانت عساكره كثيرة عظيمة، مقدمته خمسمائة ألف سوى الجنبين
_________________
(١) ابن ظهيرة ص ٨٩ نقلا عن ابن زولاق.
(٢) نفس المصدر نقلا عن ابن زولاق.
(٣) الفج: الطريق الواسع.
(٤) العدل: نصف الحمل يكون على أحد جنبى البعير
(٥) وطأ الشئ: هيأه.
(٦) ابن ظهيرة ص ٨٩ نقلا عن ابن زولاق.
(٧) جحدك: أنكرك.
(٨) ابن ظهيرة ص ٩٠ نقلا عن ابن زولاق.
[ ٢١ ]
والقلب، ولم يخرج فرعون معه من زاد على الأربعين في السن ولا دون العشرين.
وأمر بشاة أن تسلخ، وقال: لا يفرغ منها حتى تحضروني خمسمائة ألف، فلم يفرغ منها حتى أحضروه ذلك أجمع (^١).
وكان في عسكره سبعون ألف فرس لونا واحدا. وقيل إنه ملك بمصر خمسمائة ألف سنة.
واختلف فيه، فقيل: كان من العماليق، وقيل: كان من القبط، ويكنى أبا مرة، وهو الوليد بن مصعب، وهو أول من خضب بالسواد لما شاب، دله عليه إبليس، ولعظم شأنه وعتوه ذكره الله ﵎ في خمس وعشرين سورة من القرآن.
وقد ذكرنا ما قالت عائشة، وغرَّقه الله ﷿ في اليم (^٢) بقضية [قضاها] على نفسه، وقد شرحتها في التاريخ الكبير (^٣).
ومن الفراعنة الذين خربوا الدنيا وغلبوا على مصر: بخت نصر، وهو من قرية من قرى بابل يقال لها: هو. دخل مصر في ستمائة ألف ما بين فارس وراجل، راكبا على فرس يشبه الأسد، وورد أنه كان متقلدًا سيفًا طوله عشرة أشبار وعرضه شبر، أخضر النصل (^٤) كالسلق ينحدر منه شبه ماء السِّدر (^٥)، وغمده من ذهب مرصَّع بالجوهر والياقوت الأحمر، مكتوب عليه كلام بالعجمي تفسيره بالعربي هذه الأبيات:
وأنت إن لم ترجُ أو تَتَّقِ … كالميت محمولا على نعشه
لا تنجش (^٦) … الشر فتصلى به
فقلَّ مَن يسلم من نجشه
_________________
(١) المصدر السابق ص ٩١ نقلا عن ابن زولاق.
(٢) اليم: البحر.
(٣) المصدر السابق وما بين حاصرتين منه.
(٤) النصل: الحد.
(٥) السدر: النبق.
(٦) نجش الشر: استثاره واستخرجه.
[ ٢٢ ]
وأخمِدِ الشر فأن هجته … فاحرص لأعدائك في جَشِّه
للبحر أقراشٌ لها صولة … فاحذر على نفسك من قرشه
إذا طغى الكبش بشحم الكلى … أدخل رأس الكبش في كرشه
وناطح الكبش له ساعة … تأخذه انطح من كبشه
فكم نجا من يد أعدائه … وميت مات على فرشه
من يفتح القفل بمفتاحه … نجا من التهمة في فّشِّه (^١)
ونابش الموتى له ساعة … تأخذه أنبش من نبشهِ
لله في قدرته خاتم … تجرى المقادير على نقشهِ (^٢)
واختلف في بخت نصر فقيل: إنه آمن من قبل موته، وقيل: إنه آمن فلم يقبل منه، لما قتل من الأنبياء.
وكان ابنه بلطاشم أعتى منه، فأوصته أمه بتقريب دانيال (^٣) ﵇ والاستماع منه، فقال لها: هو ساحر وينطق بالكذب، فقالت له قد كان أبوك يكرمه، فأحضر دانيال، وقال له مستهزئا به: ما كان من أمرنا؟ فأخبره، ثم قال له: فما يكون في يومنا هذا وليلتنا هذه؟ فقال: الغيب لله تعالى، ولكنني أرى مما علمني ربي أنك تقتل في هذه الليلة، فأمر بحبسه، وتحرز في ليلته تلك، وأمر الحراس، وقال لهم: من رأيتموه في قصري بعد مضجعي فاقتلوه، ولو ذكر لكم أني أنا هو، ثم دخل مرقده، وغلق على نفسه ليصبح ثم يقتل دانيال. فحركه جوفه فخرج إلى الخلاء، فبادر إليه من يقرب من الحرس، فقال لهم: أنا الملك. فقالوا: ما ندري ما تقول، وبادروا إليه فقتلوه، وأصبح مقتولا، فعظم شأن دانيال ﵇، ثم انصرف إلى بيت المقدس إلى منزله (^٤).
_________________
(١) فشه: فشّ القفل: فتحه من غير مفتاح.
(٢) تحرف بعض هذه الأبيات فى الأصلين وقد اعتمدت فى تصويبها على ما جاء بمختصر تاريخ دمشق ج ٥ ص ١٥٩
(٣) دانيال: نبى غير مرسل، كان فى زمن بخت نصّر، مات ودفن بالسوس (عرائس المجالس للثعلبى المفسر ص ٣٤١).
(٤) أورده ابن ظهيرة ص ٩٢ نقلا عن ابن زولاق.
[ ٢٣ ]
وانتهى الأمر في ملك مصر أن تنازعت فيه الروم والفرس، واقتتلوا. وكان المسلمون بالحجاز إذا بلغهم ظهور الروم على الفرس فرحوا فلما اقتتل الفريقان وظهرت الفرس على الروم، بلغ المسلمين فساءهم، فأنزل الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ﴾ [سورة الروم ١ - ٥] فأخبرهم رسول الله ﷺ بما أنزل عليه فسرهم ذلك (^١).
ثم اتفق الأمر بين الروم والفرس، وأن تكون مصر بينهم نصفين فيها صاحب لهرقل، وصاحب لكسرى، فكل ما بمصر من بناء بالآجر فهو للفرس، وما فيها من بناء الحجارة للروم (^٢).
ومنها القبة التي في قصر الشمع هي اليوم مسجد مبنية بالحجر، وكانت بيت نار للفرس، وأتى الله ﷿ بالإسلام فأزال الجميع (^٣).
ولما فتح عمرو بن العاص مصر وأجلى من فيها من المشركين إلى الإسكندرية وخرج إلى الإسكندرية ففتحها، واصطلح مع المقوقس خليفة هرقل فصار في جملة عَمرو خلق من الروم والقبط، ففرق عمرو بين الروم والفرس وجعلهم في طرفي البلد، فأسكن الروم الحمراوات، وبهم سميت الحمراء، وأسكن الفرس بني وائل ولهم إلى اليوم مسجد يعرف بمسجد الفارسيين.
وكان عمرو بن العاص قد سافر في الجاهلية إلى بيت المقدس مع رفقاء له يرعون إبلًا لهم، فنزل على عمرو راهب في يوم شديد الحر وهو يرعى إبل أصحابه ونام عنده بعد أن سقاه ماء، وخرجت حية تريد الراهب فقتلها عمرو،
_________________
(١) ابن ظهيرة ص ١٩
(٢) ابن ظهيرة ص ١٨
(٣) نفس المصدر.
[ ٢٤ ]
فانتبه الراهب فقال: أحييتني مرتين، والله لأعطينك ديتي مرتين. كم الدية عند العرب؟ فقال: مائة من الإبل فقال: لسنا أصحاب الإبل، ولكن أصحاب دنانير. فقال له الدية ألف دينار. فقال له صِر إلى مصر أعطينك ديتي مرتين، فسار معه عمرو إلى مصر، فانتظر أصحابه ببيت المقدس فأعطاه ذلك، ورأى عمرو طريق مصر وملكها (^١).
فلما فتح عمر بن الخطاب الشام حسن له عمرو المسير إلى مصر فامتنع عُمر، فلم يزل به عَمرو حتى أنفذه في أربعة آلاف فقاتلوه بالفرما ثم هزمهم إلى قصر الشمع وحاصرهم ستة أشهر.
وكتب إلى عمر بن الخطاب يستمده، فأمده بثمانية آلاف منهم أربعة آلاف رجل، وأربعة حسبهم عليه بأربعة آلاف لأنهم كانوا يعدون كذلك، منهم: الزبير ابن العوام، وعبادة بن الصامت، والمقداد بن الأسود، وخارجة بن حذافة (^٢).
وفتحت مصر وامتنع عمرو من قسمتها وطالبه الزبير بقسمتها، فكتب إلى عمر يستأذنه، فقال: لا تقسمها. ومن هذا زعم الليث بن سعد فقيه مصر أنها فتحت صلحا. وقال مالك: فتحت عنوة، وبلغ قوله الليث فقال: نحن أعلم ببلدنا (^٣).