ذكر الحكماء أن عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة (^١): منها عشرون بمصر، والعشرة في سائر الدنيا، وهي: مسجد دمشق، وكنيسة الرها، وقنطرة سنجر، وقصر غمدان، وكنيسة رومية، وصنم الزيتون بصقلية، وحجر العوارى (^٢) ومسرقة وإيوان كسرى بالمدائن، وبيت الريح بتدمر، والأحجار الثلاثة ببعلبك، والخورنق والسدير بالحيرة، وكنيسة بيت المقدس (^٣).
ولمصر من العجائب ما يغنى عن هذا ويزيد عليه، فمن عجائبها: مدينه منف وقد ذكرناها.
ومن ذلك عين شمس، وهي هيكل الشمس، وبها قدت زليخا على يوسف ﵇ القميص.
وبها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما ولا من بنائهما، وهما محمولان على وجه الأرض بغير أساس طولهما في السماء خمسون ذراعا، فيهما صورة إنسان على دابة، وعلى رأسهما شبه الصومعتين من نحاس، فإذا جرى النيل رشحتا وقطر الماء منهما، وهما رصد لا تجاوزهما الشمس في الانتهاء، فإذا دخلت أول دقيقة من الجدي، وهو أقصر يوم في السنة، انتهت إلى العمود الجنوبي، وطلعت في ذلك اليوم على قبة رأسه، ثم تطرد بينهما ذاهبة وجائية سائر السنة، ويترشح من رأسهما ماء يجري إلى أسفلهما حتى يصيب أسفلهما وأصولهما فينبت العوسج (^٤) وغيره من الشجر (^٥).
_________________
(١) ذكر المقريزى ج ١ ص ٣١، والسيوطى ج ١ ص ٦٩ هذه العجائب مع اختلاف فى تفصيلها. وما بين حاصرتين عن ابن ظهيرة ص ١٤٨ فى الموضع الممائل.
(٢) هذا الحجر لم يذكره المقريزى وابن ظهيرة والسيوطى وهم يسردون عجائب البلاد.
(٣) ذكر ذلك المقريزى ج ١ ص ٣١، وابن ظهيرة ص ١٤٩ والسيوطى ج ١ ص ٦٥
(٤) العوسج: نوع من شجر الشوك.
(٥) أورده بنصه القزوينى فى آثار البلاد ص ٢٢٥ نقلا عن ابن زولاق.
[ ٦٩ ]
ومن عجائب عين شمس أن يحمل منذ أول الإسلام حجارتها إلى غيرها من البلاد وما تفنى (^١)
ومن عجائب مصر: لوبية مولد ذي القرنين، وبهما مقطع الرخام الأبيض. والأبلق، وغلب عليه البحر.
ومن عجائب مصر: البرابي بإخميم، وأنصنا وقوص وأعمالها، وبوصير، وسمنود، وفيها الصور أمثال الفرسان والرجالة ومعهم السلاح، وفيها صور السفن الصغار والكبار، ولا يتحرك أحد يريد مصر إلا ظهر ذلك في البربا.
ومنها ما عملته دلوكة ملكة مصر حين حصنت مصر من الأعداء وعملت البرابي والحائط المحيط بمصر وأعمالها المعروف بحائط العجوز، من حد رفح إلى حد إفريقية إلى الواحات إلى بلد النوبة، على كل ميل حرس معه جرس ليلًا ونهارًا، ويوقد [فيه] وقود لا تخبو [ناره] (^٢).
وحدثني بعض أهل البدو، وقال: حدثني أبو القاسم مأمون العدل-وقد كتبت أنا عن مأمون ولم أسمع هذا منه-قال: رأيت ببربا سمنود صورة عليها، درقة فيها كتاب لا أعرفه فنسخته في قرطاس فلما صرت إلى مصر صورته على درقة فما كنت أستقبل بها أحدًا إلا ولى هاربًا (^٣).
وقد ذكرنا قبل هذا الفصل القبة التي كانت بمنف وقصة بخت نصر فيها.
ومن عجائب مصر: أمر الهرمين الكبيرين في جانبها الغربي، ولا يعلم في الدنيا حجر على حجر في هذا الوسع. سعة أربعمائة ذراع في أربعمائة ذراع، في ارتفاع أربعمائة ذراع.
في أحدهما قبر هرمس، وهو إدريس ﵇، وفي الآخر قبر تلميذه أغاثيمون، وإليهما تحج الصابئة، وكانا في سالف الدهر مستورين بالديباج، وكان مكتوبا عليهما: قد كسوناهما بالديباج فمن شاء بعدنا فليكسهما حصيرًا (^٤).
_________________
(١) اتبعت هنا ما ورد بالمصدر السابق وهو ينقل عن ابن زولاق.
(٢) ابن ظهيرة ص ١٥١ وما بين حاصرتين منه.
(٣) أورده المقريزى ج ١ ص ١٨٣ نقلا عن ابن زولاق.
(٤) أورده ياقوت ج ٥ ص ٤٠٠ نقلا عن ابن زولاق.
[ ٧٠ ]
وذكر بعض علماء مصر: قال حكيم من حكماء مصر: إذا رأيت الهرمين ظننت أنه لا يعملهما بشر، ولا يقدر الخلق على عمل مثلهما ولم يتولهما إلا خالق الأرض، ولذلك قال بعض من رآهما: ليس من شيء إلا وأنا أرحمه من الدهر إلا الهرمين فإني أرحم الدهر منهما، ولم يمر الطوفان على شيء إلا أهلكه وقد مرَّ عليهما ولم يؤثر فيهما، لأن إدريس ﵇ هو [الذي بناهما] قبل نوح وقبل الطوفان (^١).
ووجد عليهما مكتوب: إني بنيت هذين الهرمين خوفًا من آفة تكون في الأرض: غرق أرضي أو غرق سماوي، ومثل هذا وجد مكتوبًا على دير القصير.
وقال الشاعر في الهرمين:
حسرت عقول أولى النهى الأهرام … واستصغرت لعظيمها الأحلامُ
ملساء منّبقة البناء شواهق … قصرت لعالٍ دونهن سهامُ
لم أدر حين كبا التفكر دونها … واستوهمت لعجيبها الأوهامُ
أقبور أملاك الأعاجم هن أم … طِلّسم رَملِ كُنّ أم أعلامُ؟ (^٢)
ومن عجائبها: بربا سمنود وما فيه من التماثيل والصور وأمثلة قوم قد ملكوا بعد ذلك، حتى ذكر بعض العلماء أنه رأى فيه قوما عليهم الشاسيات وفي أيديهم الحراب، وفيه مكتوب: هؤلاء يملكون مصر (^٣).
ومنها: بربا دندرة، فيه عدد أيام السنة كوى، تدخل الشمس في كل يوم من كُوَّة لا ترجع إليها إلى مثله من قابل (^٤).
ومنها: منارة الإسكندرية، طولها مائتا ذراع وثمانون ذراعًا وكان فيها مرآة ترى [فيها] كل من يخرج من القسطنطينية (^٥).
_________________
(١) ابن ظهيرة ص ١٥٤ وما بين حاصرتين منه. راجع حاشية ٤ ص ١٧ بخصوص بناة الأهرام.
(٢) فتوح مصر ص ٦٤، والقزوينى آثار البلاد ص ٢٦٨ وياقوت ج ٥ ص ٤٠١، وابن ظهيرة ص ١٥٦، والسيوطى: حسن المحاضرة ج ١ ص ٧٠
(٣) الخطط ج ١ ص ١٨٣، وابن ظهيرة ص ١٥١
(٤) ابن ظهيرة ص ١٥١
(٥) المصدر السابق وما بين حاصرتين منه.
[ ٧١ ]
ومنها: السوارى والمناظر، وهو ملعب كانوا يجتمعون فيه يوما في السنة، وقد ذكرنا في أول الكتاب قصة عمرو والأكرة.
ومنها: عمودا الإعياء، وهما عمودان ملقيان، وراء كل واحد حصى يأخذ العييّ سبع حصيات للنصب، ويستلقي على أحدهما، ثم يرمى وراءه بالسبع حصيات، ويقوم ولا يلتفت ثم يمضى، فلا يحس شيئا (^١).
ومنها: القبة الخضراء ملبسة نحاسًا كأنه الذهب الإبريز، لا يبليه القدم، ولا يخلقه الدهر.
ومنها قصر يعرف بقصر فارس، وفيه كنيسة تسمى بأسفل الأرض، مدينة على مدينة، ليس مثلها في الدنيا.
ومنها: جبل الكهف، ومنها قرية تعرف بزماخير من أرض الصعيد، بها جبل عليه كتابة ظاهرة بينة لا يصل إليها أحد، يلوح فيها خط مخلوق، باسمك اللهم ربها.
ومنها: جبل الطيلمون، وعجائبه.
ومنها: الحجر الذي يعدى بالناس [في البحر] (^٢) ويعود بآخرين، بنواحي دلالات.
ومنها: بصعيد مصر، سنطة معروفة مشهورة متعالية، في بعض البساتين تهدد بالقطع فتذبل وتعل وتضمر، ثم يقال لها قد عفونا عنك وتركناك فترجع وتخضر وتورق وتفرش (^٣).
وقد ذكرنا جملة من عجائبها ونيلها وفضائله وأبنيتها وبرابيها وفضائل أعمالها ومنف وعين شمس.
ومنها: شعب البوقرات بناحية أشمون، من أرض الصعيد وهو في جبل الكهف، فيه صدع تأتيه البوقرات في يوم في السنة معروف لكل طائر على الأرض، فيدخل كل طائر منقاره في ذلك الصدع ولا تزال كذلك إلى أن يمسك
_________________
(١) أورده القلقشندى فى صبح الأعشى ج ٣ ص ٣١٨
(٢) من ابن ظهيرة ص ١٥٣
(٣) ابن ظهيرة ص ١٥٣، وابن إياس: بدائع الزهور ج ١ ص ١٧
[ ٧٢ ]
بمنقار واحد منها، فيموت، ويبقى معلقا إلى أن تذروه الرياح، فتنصرف جميع الطيور ويكون ذلك كالقربان لها (^١).
ومنها: السمكة الرعادة، إذا وضع ابن آدم رجل أو امرأة يده عليها لم يتمالك أن يضطرب جسمه اضطرابًا شديدًا.
ومنها: الحيات العظام تبتلع الرجل ويكون مجرها في الأرض بخط محراث ثورين.
ومنها: حية معروفة عرض إصبع تسير ساعات إلى أن تفنى، حدثني بذلك أبو عمر محمد بن يوسف.
وبمصر مجمع البحرين، وهو البرزخ الذي ذكره الله تعالى بقوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ [سورة الرحمن ١٩ و٢٠] وقال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [سورة النمل:٦١] وهما بحر الروم والصين، والحاجز بين أيلة والقلزم والفرما.
ومنها: العجائب في الوحوش وعظمها وكثرتها، ومصايد مصر وجميع جوانبها من القبلة من جهة الصعيد وحلوان وما والاها من جهة الشرق وما يلي المقطم ونواحيه من جهة المغرب، وهو نواحي الأهرام ووادي هبيب.
ومنها: البحرين وما يلي نواحي الشام، وعجائبها لا تفنى.
وأخبرني عمر بن أبي عمر عن أبيه قال: قال لي أبو الحسن محمد بن الحسين بن عبد الوهاب عامل مصر وفي مجلسه وجوه الناس: أليس ما بمصر ليس هو في الدنيا! فقلت أشياء كثيرة تحتاج إلى وقت وعمل، فقال: ما يحضرك الساعة؟ فقلت الذي يحضرني الساعة، ثلاثة أشياء: الهرمان والمقبرة في سعتها وأبنيتها ونيلها وعجائبه في كلام طويل. قال أبو عمر: ليس هذا موضع ذكره.
_________________
(١) النص فيه تحريف وسقط فى الأصلين، وقد اعتمدنا فى تكملة النص وتصويبه على ما جاء بالخطط ج ١ ص ٣١، وابن ظهيرة ص ١٥٣
[ ٧٣ ]