فمن (¬*) ذلك: القصب الملون والشرب مما يلبس الرجال والنساء والدبيقي (^٣) والمقصور، وأن الثوب منه يبلغ مائة دينار، واختصاص تنيس بفن دون دمياط، وأن القصب والشرب لا يعملان إلا بدمياط، وأن الملون من كل فن الألوان لا يعمل إلا بتنيس. والقلموني (^٤) من كل لون وكل نقش والمناشف.
ومنها طراز الصعيد من الصوف في المطارف والشقاق، وأنها أوفى الصوف، فإن معاوية لم يدفئه لما علت سنه إلا صوف مصر.
_________________
(١) ابن ظهيرة ص ١٠٩ وما بين حاصرتين منه.
(٢) أورده ابن ظهيرة ص ١٠٩ نقلا عن ابن زولاق. (¬*) من هذه العلامة إلى مثلها فى آخر الكتاب أورده ابن ظهيرة ص ١٣١ تحت عنوان «فصل ملخص من كلام ابن زولاق. . . فمن ذلك القصب الملون، والدّبيقى، والمقصور. . .» وهذا الخبر والأخبار التالية لم نر فائدة من إحالتها إلى ابن ظهيرة فى كل واحد منها، فراجعها هناك إن شئت.
(٣) نسبة إلى دبيق، قرية من قرى مصر.
(٤) القلمونى: ضرب من الثياب يظهر للرائى بألوان مختلفة.
[ ٩٧ ]
ومن ذلك طراز الصعيد في عمل الستور، والمقاطع، والخيم، وفرش الطنافس (^١)، والمياتر، والأجلة (^٢)، والبراقع.
ومن ذلك اختصاصها بالقراطيس، وقد شرحنا في أول هذا الكتاب أنواعًا كرهنا إعادتها.
وبمصر نتاج الخيل (^٣) والبغال والحمير، يفوق نتاج سائر الدنيا، وليس في الدنيا فرس يشبه العتيق إلا فرس مصر.
ولا يعرف في الدنيا فرس يُردف (^٤) إلاّ فرس مصر، بسبب ارتفاع صدره.
وكانت الخلفاء، ومن تقدمهم، يؤثرون ركوب خيل مصر فإنها تجمع فراهة العتيق مع اللحم والشحم.
وذكر جعفر بن جَدار أن الوليد بن عبد الملك بن مروان أراد أن يجري الخيل، فكتب إلى كل بلد أن يتخير له خيار الخيل بها، فلما اجتمعت عنده عرضت عليه، فمرت به المصرية فرآها رقيقة العصب، ثم تأملها فوجدها لينة المفاصل والأعطاف، فقال: إن هذه الخيل ما عندها طائل (^٥)، فقال له عمر بن عبد العزيز وكان حاضرًا؛ وأين الخير كله إلا لهذه وعندها! فقال له: يا أبا حفص، ما تترك تعصبك لمصر على حال. فلما أجريت الخيل جاءت خيل مصر كلها سابقة، ما خالطها غيرها.
وبمصر، أشقر مروان (^٦)، ومنها الزعفراني، فرس مبارك، ومنها الجناح، فرس يحصب، وله قصة يوم الرهان، قد شرحتها في غير هذا الكتاب.
_________________
(١) الطنافس: جمع طنفسة، وهى البساط، والنمرقة فوق الرّحل.
(٢) البسط والأكسية ونحوها.
(٣) فى الأصلين «الحيوان» وقد اتبعت ما ورد بفضائل مصر لابن الكندى والفضائل الباهرة لابن ظهيرة.
(٤) يردف: يقبل الرديف، وهو الراكب خلف الراكب.
(٥) القدرة والفائدة والنفع.
(٦) فى الأصلين: أشقر مروان ديباجة. وقد اتبعت ما ورد بأنساب الخيل لابن الكلبى ص ١٣٢
[ ٩٨ ]
وكانت بمصر دور الخيل، عليها ضياع موقوفة، يبلغ مالها في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، سوى خيل أهل الجهاد والرباط.
و[لما] (^١) أراد أحمد بن محمد بن المدبر-عامل خراج مصر-أن يعرف الخيل المعروفة بحسن المنظر، عرض خيل الشام من أرباب الضياع وأهل التجارة والصنائع، فكانت اثني عشر ألفا. فقال: خرب البلد، يريد أنها كانت أكثر من هذا.
وكانت لهم مطارد يختصونها لرياضة الخيل عند مقابر الأندلس حيال القرافة وكان غايتهم الموتى (^٢).
ومن خصائص مصر القمح اليوسفي، وزيت الفجل الحلو والحار، يدخل في الإدام والعلاجات.
وبها الأبنوس الأبلق، وبمصر دهن البلسان (^٣) هو لا ينبت إلا بمصر، والخوخ الزهري الأحمر، وليس هو في الدنيا.
وبمصر الأفيون (^٤) يحمل إلى الآفاق، وبمصر شراب العسل لا يعمل إلا بها، ويشترطه الخلفاء والوزراء على عمال مصر فيما يشترطونه، ورأيته في شرط يحيى بن خالد أيام الرشيد.
وبمصر السمك الأبرميس (^٥)، يحمل إلى الآفاق مملوحا، ويشترط على العمال.
وبمصر البُسر البرني الأحمر وليس هو فى الدنيا.
_________________
(١) من الفضائل الباهرة.
(٢) كذا فى الأصلين.
(٣) البلسان: شجر له زهر أبيض كهيئة العناقيد، وهو من الفصيلة البخورية، ويستخرج من بعض أنواعه دهن عطر ينبت بعين شمس بظاهر القاهرة.
(٤) الأفيون: عصارة ثمرة الخشخاش، ويستعمل للتخدير وتسكين الآلام.
(٥) نوع من السمك كان يعيش فى بحيرة تنيس.
[ ٩٩ ]
وبمصر تمر البُسر والبلح يتمر من غير أن يصير رطبا وليس هو في الدنيا.
وبمصر اللبخ (^١) وبها الخس وبها الكبريت وبها ريش الحواصل.
وبها الشمع الذي يفضل شمع الدنيا، وبها عسل النحل الذي يفوق [أعسال] (^٢) الدنيا.
وبها جبن الخيش والأقراص، وليس هما في الدنيا، وخل الخمر الذي يفوق خل الدنيا، وبها الترمس، وبها الجُلبان (^٣)، وبها الذرة، وبها النيدة (^٤).
ذكرت الحكماء أن مريم ﵍ صنعت النيدة لعيسى حين قلّ لبنها، ألهمها الله ﷿ عملها.
وأما الجلبان فإنه يقال: إن أكثر الرهبان عمش العيون بالعراق وغيرها لمداومتهم أكل العدس، وأهل مصر من الرهبان سالمون من ذلك لمداومتهم أكل الجلبان.
وبمصر البقر الجافي الخلق، حتى إن العضو منه يساوي ثمن الثور في سائر البلدان، ويوجد في جوف السمين إذا ذبح سبعمائة رطل شحم وأكثر منها، ويحمل منها إلى [ساحل] (^٥) القلزم، وجدّة، وعدن، وساحل الصين والهند لدهن السفن.
وحدثني سعد السمسار [بسوق البقر] (^٦) أن ثورًا ذبح بمصر، فوجد على كليته الواحدة ثمانون رطلًا شحمًا، وعلى الكلية الأخرى عشرون ومائة رطل، ووجد ببطنه خمسة قناطير شحم، فوزن جميع ما فيه من لحم وشحم فكان ألف رطل، وأخبرني أنه وجد ثورًا آخر بلغ وزنه ألفا وخمسمائة رطل.
_________________
(١) لدى النويرى فى الموضع المماثل فى نهاية الأرب ج ١ ص ٣٥٦ «وكان بها اللبخ، وهو ثمر فى قدر اللوز الأخضر إلا أن المأكول منه الظاهر، ورأيته أنا وأكلت منه سنة ثلاث وتسعين وستمائة».
(٢) من الفضائل الباهرة ص ١٣٣
(٣) الجلبان: جنس من نباتات عشبية من الفصيلة القرنية، بعضها تؤكل بذوره، وبعضها يزرع لأزهاره، وهو من أغذية الأكرة والفلاحين.
(٤) نوع من الفطائر كان يصنع بمنفلوط وغيرها من القمح بعد تركه أياما فى الماء، ثم تجفيفه وطحنه، ثم وضعه تدريجيا فى إناء به ماء ساخن لينضج.
(٥) من الفضائل الباهرة.
(٦) من الفضائل الباهرة.
[ ١٠٠ ]
وبمصر الزرافة وليست إلا بمصر وبمصر الكركدن (^١) وبها عتاق الخيل، وبها البقرة الخيسية (^٢) مؤبدة للحلاب، ولا تعرف الحرث، ويعمل من حلابها جبن الخيش والأقراص والملعب (^٣) تحمل إلى سائر الآفاق.
وبمصر الحطب السنط، الذي لا رماد له، ولا يعرف حطب أدوم وقودًا منه ولا أجف وذكر عمرو بن بحر الجاحظ أنه من عجائب مصر، وله منابت وغابات إذا دخلتها عساكر العرب وأهل الفساد، لم يقدر عليهم.
وبها الفحم الجافي من السنط، وبها الفراريج الزبلية، لا تكون إلا بمصر، يباع منها في كل سنة بخراج إقليم كبير وهي من أقوات مصر.
وقال بعض حكماء مصر: نحن أكثر الناس قندًا، وشهدًا، وعبدًا وخيلًا وبغالًا وحميرًا، ونفرًا. وعتيق الخيل بمصر ليس لأحد مثلها.
ويجتمع بمصر ما يتفرق في الأزمنة في [غيرها (^٤)] فتجتمع فيها ثمار الشتاء مع ثمار الصيف، والرطب القديم مع الرطب الجديد، والنرجس مع الورد، وهو من أعجب ما يذكر، وما يقطعه الحر يوجد فيها في الحر، وما يقطعه البرد يوجد في البرد لاعتدال حرها وبردها، لأنها من الإقليم الثالث والرابع، فهي سالمة من حرّ الأول والثاني ومن برد السادس والسابع. وكانت العلماء تقول: من دخل مصر فلم يستغن لا أغناه الله.
وقال الرشيد: مصر موروثة عن يوسف ﵇.
وقال أبو جعفر المتوكل لسليمان بن وهب وقد ولاه خراج مصر: انظر يا سليمان بين يديك فإن مصر سلة الخبز. وقالت العلماء: مصر المشبعة وقالوا: من شرب من النيل بطينه، وركب البراذين لم تنله علة.
_________________
(١) الكركدّن: حيوان ثديىّ من ذوات الحوافر، وهو هندى وإفريقى.
(٢) الخيسية: نسبة إلى بلدة خيس من كور الحوف الغربى بمصر التى اشتهرت فيما يبدو بنوع خاص من البقر. راجع ياقوت، مادة: خيس.
(٣) كذا فى الأصلين، ومثله لدى ابن ظهيرة ص ١٣٥ وهو ينقل عن ابن زولاق.
(٤) من الفضائل الباهرة ص ١٣٥
[ ١٠١ ]
وليس في الدنيا نهر تجري فيه السفن أكثر من نيل مصر، ويحمل المركب الواحد ما يحمله خمسمائة بعير وأكثر.
وقالت الحكماء في مصر: إنها تغني في الصيف عن الخيش والثلج وبطون الأرض، وفي الشتاء عن الوقود والفراء، وجعل شتاؤها ربيعًا، وصيفها قيظًا، كل ما تعده الملوك لغير مصر، فهي مستغنية عنه كالمُرَمَّلات (^١) في الصيف، والخيش، والثلج، والكافور، والصندل، و[ما يتخذ] (^٢) في الطرق والأسواق في سائر البلاد سواها التي لا يقدر ساكنوها على التصرف في بردها ولا حرها، ومصر كما قال الشاعر:
وكالفصل (^٣) … تغدو الريح فيه مريضة
فلا حره حر ولا برده برد
وقالوا: هي كالفصل اعتدالًا، وكالعُرُوات في نيسان طيبًا، وغير محتاجة إلى استعمال المرتك (^٤) في الصيف، كفعل أهل البصرة من حكها، ومعافاة من رمد أهل الكوفة [وركود هواء بغداد] (^٥) ومن برد الجبل كأرمينية وبلدان خراسان، والجزيرة التي يقيم ساكنوها الشهر وأكثر لا يظهرون، ومن لم يعد قوته (^٦) هلك.
ومصر معافاة من ميازيب الشام وتواتر السحب، وفي الشتاء من الحمرة والصفرة، والآيات (^٧) الهائلة التي تنغص العيش، وتبلي الجسم، ولا يهنأ طعام ولا شراب.
وقال بعض الحكماء: عوفيت مصر من مشاتي الجبال، ومصايف عُمان،
_________________
(١) المرملات: النسج الرقيق.
(٢) من الفضائل الباهرة.
(٣) أى أن جوها يطرد على وتيرة واحدة كأنه فصل واحد.
(٤) الحجر المحرق ويكون من سائر المعادن (الجواليقى: المعرب ص ٣٦٥ حاشية ١،٢).
(٥) من الفضائل الباهرة.
(٦) لدى ابن ظهيرة وهو ينقل عن ابن زولاق «ومن لم يعرفوا به هلك».
(٧) لدى ابن ظهيرة ص ١٣٦ وهو ينقل عن ابن زولاق «والثياب».
[ ١٠٢ ]
وغلاء العراق، وصواعق تهامة، ودماميل الجزيرة، وجرب اليمن، وطواعين الشام، وطُحَال البحرين، وحمى خيبر، وزلزال شيراز، وعقارب نصيبين، وعسكر مكرم.
وفضلت العلماء مصر على البصرة لعذوبة نيل مصر وشدة حلاوته، وأنه يجري على رمل وطين حر، واختلاط ماء البصرة بالملح، وأنه يجري على السباخ، وقال الشاعر:
بئس البلاد أن يرتب بها الفتى … سباخ وآجام يطيف بها البحر
ومدح الناس مصر وفضلوها على الكوفة لأن نهرها من الفرات، وربما جف حتى يحفروا فيه الآبار، وأن جسر الكوفة سبع سفائن، وجسر مصر جسران، نحو مائة، بينهما جزيرة، وهي مدينة، ولا يكاد يُرى بالكوفة نخل إلا معوجة. وقالوا في مصر كلامًا محفوظًا: جبلها ذهب، ونيلها عجب، ورجالها قصب (^١)، ونساؤها لعب، وهي لمن غلب.
وقالوا في أهل الكوفة: أقرأ الناس، والقرآن لا يجاوز تراقيهم، وفي أهل البصرة: نعم وردن معًا، وصدرن شتى، وقالوا في أهل الشام: أطوع الناس لمخلوق، وأعصاهم لخالق، وأجرؤهم على أمر لا يدرون ما هو. وقالوا في أهل الحجاز: أجرؤهم على فتنة، وأعجزهم عنها. وقالوا في أهل الموصل: كنيسة بين قريتين. وقالوا في أهل واسط: منزل بين كنيفين.
وذكروا الحديث المسند أن مصر يساق إليه أقل الناس أعمارًا، والبلدان فيها الطوال الأعمار والقصار، وإن طول الأعمار من شرف (^٢) خيبر، وحوالي تهامة، ووادي فرغانة، وقد جعل لمصر نصيب من ذلك، فجعل طول الأعمار بمريوط، وقرى الجفار.
وقد ذكرنا لمصر من الفضائل ما أغنى وكفى، ووصفنا الحكماء الذين كانوا بها، وأنها معدن الحكمة التي انتشرت في أيدي الناس، وليس يوجد في الدنيا بلد زينة أهله زينة مصر في أبنيتها ونهرها وإتقان أمرها، وبالله التوفيق.
_________________
(١) أى طوال كالقصب.
(٢) وهو ما قبلك من الجبل وعلا من السفح.
[ ١٠٣ ]