وخلف عمرو بن العاص سبعين بهارا دنانير، والبهار جلد ثور ومبلغه إردبان بالمصري، فلما حضرته الوفاة أخرجه وقال: من يأخذه بما فيه، فأبى ولداه أخذه، [وقالا]، حتى يرد إلى كل ذي حق حقه، فقال: والله لا أجمع بين اثنين منهم، فبلغ معاوية فقال: نحن نأخذه بما فيه فأرسل وأخذه (^١).
وأما خراج مصر ومقاديره فقال بعض العارفين: ذكر أن فرعونًا من فراعنة مصر جبي خراج مصر اثنين وسبعين ألف ألف دينار، وأن من عمارته فيما روى المصريون أنه أرسل بويبة قمح إلى أسفل الأرض وإلى الصعيد في وقت تنظيف (^٢) الأرض والفراغ من العمارة، فلم يوجد لها موضع أرض فارغة تزرع فيها (^٣).
وروى أنه كان عند تناهى العمارة يرسل بأربع ويبات برسيم إلى الصعيد وإلى أسفل الأرض، فأي كورة وجد لها موضع خال وزرعت فيه ضرب عنق صاحب الكورة (^٤).
وروى أن ملوك مصر كانوا يقرون الضياع في يد أهلها بكراء معلوم [لا يزيد فيهم] ولا ينقص عليهم إلا في كل أربع سنين من أجل الظمأ [وتنقل اليسار] فإذا مضت أربع سنين نقض ذلك وعدل تعديلًا جديدًا، ورفق بمن يستحق الرفق، وزاد من يستحق الزيادة، ولا يحمل عليهم من ذلك ما يشق عليهم (^٥).
فإذا جبى الخراج كان للملك من ذلك الربع خالصا لنفسه، والربع الثاني [لجنده] ومن يقوى به على حربه وجباية خراجه ودفع عدوه، والربع الثالث في مصلحة الأرض وما يحتاج من جسور وحفر خلج والقوة للزارعين، والربع الرابع يخرج منه ربع ما يصيب كل قرية من خراجها فيدفن ذلك فيها لنائبة تنزل أو جائحة (^٦).
_________________
(١) المقريزى: الخطط ج ١ ص ٣٠١ وما بين حاصرتين منه، وانظر لذلك أيضا: الفضائل الباهرة ص ١٣٠
(٢) فى الأصلين «تطبيق» وقد اتبعت ما ورد بالخطط ج ١ ص ٧٤
(٣) المقريزى: الخطط ج ١ ص ٧٤
(٤) المصدر السابق.
(٥) ابن ظهيرة ص ١٢٢ وما بين حاصرتين منه.
(٦) المقريزى: الخطط ج ١ ص ٧٤ وما بين حاصرتين منه
[ ٨٦ ]
وأما (¬*) خراجها أيام يوسف الصديق ﵇ فحدثني الحسين بن علي بن كثير قال حدثني أبي قال: وجدت في بعض برابي الصعيد مكتوبا باللغة الصعيدية مما نقل بالعربية مبلغ ما كان يستخرج لفرعون يوسف يعني الريان بن الوليد-من أموال مصر بحق الخراج وسائر وجوه الجبايات لسنة واحدة على العدل والإنصاف والرسوم الجارية من غير تأول ولا اضطهاد، ولا مناقشة على عظيم فضل [كان في يد المؤدي لرسمه] (^١).
وبعد وضع ما يجب وضعه لحوادث الزمان نظرًا للمعاملين وتقوية لحالهم من العين أربعة وعشرين ألف ألف دينار، وأربعمائة ألف دينار، يخرج من ذلك ما ينصرف في عمارة البلد لحفر الخلج، والإنفاق على الجسور، وسدّ الترع، وإصلاح السبل (^٢)، ثم في تقوية من يحتاج إلى التقوية من غير رجوع عليه بها لإقامة العوامل والتوسعة في البدار وغير ذلك من ثمن الآلات وأجرة من يستعان به لحمل البذار وسائر نفقات تطريق (^٣) الأرض من ثمانمائة دينار، ولما يصرف في أرزاق الأولياء الموسومين بالصلاح ومن في جملتهم (^٤) من الشاكرية والغلمان وأشياعهم وعدة جملتهم مع ألف كاتب موسومين للدواوين سوى أتباعهم من الخزان ومن يجري مجراهم، وهم مائة ألف وأحد عشر ألف رجل (^٥) [من العين] (^٦) ثمانية آلاف ألف دينار، ولما ينصرف إلى الأرامل والأيتام-يرضون به من بيت المال وإن كانوا غير محتاجين إليه، لا يخلو حالهم من بر فرعون بهم- أربعمائة ألف دينار. ولما يصرف في كهنة برابيهم في بيوت صلواتهم مائتا ألف دينار. ولما يصرف في الصدقات مما يصبه صبا.
_________________
(١) (¬*) من هذه العلامة إلى مثلها فى الصفحة التالية أورده المقريزى فى الخطط ج ١ ص ٧٥ فما بعدها.
(٢) من خطط المقريزى ج ١ ص ٧٥
(٣) فى الأصلين «المسميات» وقد اتبعت ما ورد بالخطط ج ١ ص ٧٥
(٤) فى الأصلين «تطبيق» وقد اتبعت ما ورد بالخطط.
(٥) لدى المقريزى فى الخطط ج ١ ص ٧٥ «الموسومين بالسلاح وحملته».
(٦) فى الأصلين «واحد وعشرين ألف» والمثبت رواية المقريزى.
(٧) من الخطط.
[ ٨٧ ]
وينادي برئت الذمة من رجل كشف وجهه لفاقة إلاّ حضر فيحضر لذلك من يحضر، لا يرد أحد، والأمناء جلوس فإذا رأوا إنسانًا لم تجر عادته بذلك أفرد بعد قبض ما يقبضه حتى إذا فرق المال واجتمع من هذه الطائفة عدة، دخل أمناء فرعون إليه وهنئوه بتفرقة المال ودعوا له بالبقاء الطويل والعز والسلامة، وأنهوا إليه حال الطائفة [المذكورة] (^١).
فيأمر بتغيير شعثها بالحمام واللباس، ثم تمد الأسمطة فيأكلون بين يديه ويشربون، ثم يستعلم من كل واحد سبب فاقته، فإن كان من آفة الزمان رد عليه مثل ما كان وأكثر، وإن كان عن سوء رأى وضعف تدبير ضمه إلى من يشرف عليه ويقوم بالأمر الذي يصلح له، من العين مائتا ألف دينار. ولما يصرف لنفقات فرعون الراتبة لسنة واحدة مائتا ألف دينار، فذلك جملة ما تبين وفصل في هذه الجهات المذكورة من العين تسعة آلاف ألف وثمانمائة ألف دينار (^٢).
ويحصل بعد ذلك ما يتسلمه يوسف ﵇ ويجعله لفرعون في بيت المال لنوائب الدهر و[حادثات] (^٣) الزمان مكنوزًا أربعة عشر ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار *.
قال: وكانت مصر يومئذ عمارتها متصلة أربعين فرسخًا في مثلها ولم تزل الفراعنة تسلك هذا المسلك إلى أيام فرعون موسى ﵇، فإنه عمرها عدلًا وسماحة، ثم خربت بعد فرعون موسى خرابًا أخبر الله ﷿ عنه بقوله ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [سورة الأعراف:١٣٧].
وكان فرعون الأول يجبيها تسعين ألف ألف دينار، يخرج من ذلك عشرة آلاف ألف دينار لمصالح الناس من أولاد الملوك وأهل التعفف، وعشرة آلاف ألف للولاة والجند والكتاب، وعشرة آلاف ألف لمصالح فرعون، ويكنزون لفرعون خمسين ألف ألف دينار (^٤).
_________________
(١) من الخطط.
(٢) تحرفت هذه العبارة فى الأصلين واعتمدنا فى تصويبها على ما جاء بالخطط ج ١ ص ٧٦
(٣) من الخطط.
(٤) ابن ظهيرة ص ١٢١
[ ٨٨ ]
وتتابع الظمأ بمصر ثلاث سنين أيام فرعون موسى، فترك فرعون لأهل مصر خراج ثلاث سنين، وأنفق على نفسه وعلى عساكره من خزائنه، فلما كانت السنة الرابعة أضعف (^١) الخراج، واستمر حتى اعتاض فرعون ما أنفقه (^٢).
ولما فتحها عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب سنة عشرين جباها عشرة آلاف ألف دينار، فكتب إليه عمر بن الخطاب يستعجزه ويقول له: جباها الروم عشرين ألف ألف دينار، فلما كان العام المقبل جباها عمرو أثنى عشر ألف ألف دينار (^٣).
وقال ابن لهيعة: جبى عمرو بن العاص [جزية] الإسكندرية ستمائة ألف دينار لأنه وجد ثلاثمائة ألف من أهل الذمة، فضرب عليهم دينارين دينارين (^٤).
وفرض على قبط مصر البالغين سوى الشيخ الفاني دينارين دينارين فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف رجل (^٥).
وقال بعض علماء مصر: فتحت مصر صلحا على دينارين دينارين إلا الإسكندرية فإنهم كانوا يؤدون الجزية والخراج.
فلما توفى عمر وولي عثمان عزل عمرو عن مصر وولى بعده عبد الله بن سعد ابن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة فجباها أربعة عشر ألف ألف لأنه زاد في الخراج ونقص في المؤن، فقال عثمان لعمرو بن العاص وكان عنده بالمدينة: درت بعدك اللقحة يا أبا عبد الله! فقال: أضررتم بالفصيل فأضرت تلك السنة بما بعدها، فلم يجبها بنو أمية وبنو العباس إلا دون الثلاثة آلاف ألف [دينار] (^٦) إلا في أيام هشام بن عبد الملك فإنه أوصى عبيد الله بن الحبحاب عامل خراجه في
_________________
(١) أضعف الخراج: جعله ضعفين
(٢) ابن ظهيرة ص ١٢٢
(٣) ابن ظهيرة ص ١٢٣
(٤) المقريزى: الخطط ج ١ ص ١٦٦ وما بين حاصرتين منه.
(٥) ابن ظهيرة ص ١٢٥
(٦) من الفضائل الباهرة ص ١٢٨
[ ٨٩ ]
مصر، بالعمارة، فجباها أربعة آلاف ألف ثم قصرت إلى سنة أربع وخمسين ومائتين فلما وليها أحمد بن طولون استقصى العمارة وبالغ فيها فجباها أربعة آلاف ألف (^١).
وذكر بعض علماء مصر عن عبيد الله بن الحبحاب عامل خراج مصر لهشام [أنه] خرج بنفسه للعمارة فوجد جميع ما يركبه النيل ثلاثين ألف ألف فدان (^٢)، سوى ارتفاع الجرف ووسخ الأرض (^٣).
وفي سنة سبع ومائة أول أيام هشام بن عبد الملك وصف عبيد الله بن الحبحاب طبقات معلومة منسوبة في الدواوين، ولم تزل إلى ما بعد ذهاب بني أمية، ومبلغها ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار، وثمانمائة وسبعة وثلاثون دينارا. منها على كور الصعيد ألف ألف وأربعمائة وعشرون دينارا ونصف والباقي على كور أسفل الأرض (^٤).
ثم ولى الوليد بن رفاعة لهشام فخرج بنفسه لإحصاء الجماجم والقرى، فأقام ستة أشهر بالصعيد، وبأسفل الأرض ثلاثة أشهر، فأحصى فوق عشرة آلاف قرية، أصغر قرية فيها خمسمائة جمجمة من القبط، يكون جملة ذلك خمسة آلاف ألف (^٥).
وروى ابن لهيعة أن الذي كان يحمل إلى معاوية في كل سنة ستمائة ألف دينار في فضل أعطيات الجند وما صرف إلى الناس وأن معاوية جعل على كل قبيلة من قبائل العرب رجلًا يدور على الناس (^٦)، يقول: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ وهل نزل بكم نازل؟ فيقال: ولد لفلان غلام، ولفلان جارية، فيقال:
_________________
(١) ابن الكندى ص ٣٧، والمقريزى ج ١ ص ٧٩، وابن ظهيرة ص ١٢٣
(٢) ذكر ذلك ابن الكندى ص ٣٧، والمقريزى فى الخطط ج ١ ص ٩٩، ويقصد بالعدد المبالغة.
(٣) ابن الكندى ص ٣٧
(٤) المقريزى: الخطط ج ١ ص ٩٩
(٥) ابن الكندى ص ٣٧، وحسن المحاضرة ج ١ ص ١٤٦
(٦) لدى ابن عبد الحكم ص ١٢٧ «المجالس».
[ ٩٠ ]
سَمُّوهم فيكتب. ويقولون: نزل بنا رجل من أهل اليمن بعياله فيكتب، فإذا فرغ أتى إلى الديوان بذلك (^١).
وكان الديوان في زمان معاوية أربعين ألفا منهم أربعة آلاف في مائتين مائتين (^٢).
وكان مسلمة بن مخلد يعطي أهل الديوان أعطياتهم وأعطيات عيالاتهم وأرزاقهم ونوائبهم ونوائب البلاد من الجسور (^٣) وأرزاق الكتبة وحملانَ القمح إلى الحجاز، ويرسل إلى معاوية الفضل ستمائة ألف دينار (^٤).
ولقد أنفذ مسلمة في سنة من السنين إلى معاوية فلما نهضت الإبل لقيها برح ابن حسكل، فقال: ما بال مالنا يحمل ويخرج من بلادنا، ردّوه. فردّ حتى وقف على المسجد، فقال: أخذتم عطاءكم وأرزاقكم وعطاء عيالاتكم ونوائبكم؟ قالوا: نعم، فخلاها، وقال: لا بارك الله لهم (^٥).
وأرسل معاوية يحمل قمحًا من مصر ومالًا، فقام المصريون إلى مسلمة فقالوا: لا والله ولا قيراطا ولا ويبة فقال لهم مسلمة: إنما هو قرض يقرضه، فقالوا: نعم.
وقطع مروان بن محمد العطاء عن أهل مصر سنة واحدة، فلما كان العام المقبل جاء كتاب مروان يقول فيه لهم: إنما تأخر مال عطاء السنة الماضية لعدو دهمني، وقد أطلقت لكم مال هذه السنة فكلوه هنيئا مريئا، وأعوذ بالله أن أكون الخليفة الذي يخرج قطع العطاء على يديه.
وكان سليمان بن عبد الملك لما ولى استخلف أسامة بن زيد على خراج
_________________
(١) فتوح مصر ص ١٢٧
(٢) نفس المصدر.
(٣) فى الأصلين «والجسور» وقد اتبعت ما ورد بفتوح مصر ص ١٢٨، والخطط ج ١ ص ٧٩، وحسن المحاضرة ج ١ ص ١٥١
(٤) فتوح مصر ص ١٢٨، والخطط ج ١ ص ٧٩، وحسن المحاضرة ج ١ ص ١٥١
(٥) فتوح مصر ص ١٢٨
[ ٩١ ]
مصر، وكتب إليه أن احلب الدر حتى ينقطع، ثم احلب الدم حتى ينصرم، وهي أول شدة لحقت أهل مصر، فلما فعل أسامة بن زيد ما كتب به إليه، مدحه سليمان بن عبد الملك وقرظه، وقال: إن أسامة لا يرتشي دينارًا ولا درهمًا، فقال له عمر بن عبد العزيز: أنا أدلك على من هو شَرٌّ من أسامة، ولا يرتشي دينارا ولا درهما. [قال] من هو؟ قال: عدو الله إبليس، فغضب سليمان وقام [من مجلسه] (^١).
فلما توفي سليمان وولى عمر بن عبد العزيز كتب إلى مصر بعزل أسامة قبل أن يدفن سليمان، وولى الخراج بمصر حيان بن شريح، وأمره أن يحبس أسامة مقيدًا ستة أشهر وينادي عليه [في] كل جند (^٢).
وكتب أبو جعفر إلى محمد بن سعيد عامل خراجه على مصر يستحثه في الخراج، فكتب إليه يشكو اختلالها، وأنها تحتاج إلى إنفاق فإنها ترد أضعاف ما ينفق فوافق ورود هذا الكتاب إلى أبي جعفر خروج بني الحسن (^٣)، فكتب إليه أبو جعفر:
لا تَكسع الشَّولَ بأَغبَارها … إنك لا تدري من الناتج (^٤)
_________________
(١) ابن الكندى: فضائل مصر المحروسة ص ٣٧، وابن سعيد: المغرب ص ٧١، وابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج ١ ص ٢٣١ وما بين حاصرتين منها.
(٢) ابن الكندى: فضائل مصر ص ٣٨، وابن سعيد: المغرب ص ٧١ وما بين حاصرتين منهما.
(٣) ظهرت بمصر دعوة بنى الحسن بن على بن أبى طالب وتكلم بها الناس وبايع كثير منهم لبنى الحسن فى الباطن، وماجت الناس بمصر، وكاد أمر بنى الحسن أن يتم، وبينما الناس فى ذلك قدم البريد برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن على بن أبى طالب فى ذى الحجة سنة ١٤٥ هـ، وقد منع أهل مصر من الحج بسبب خروج هؤلاء العلويين، فلما قتل إبراهيم، أذن لهم فى الحج (الكندى: الولاة ص ١١١ - ١١٢، وابن تغرى بردى، النجوم الزاهرة ج ٢ ص ١).
(٤) البيت فى اللسان (كسع) وينسب للحارث بن حلزة، والمعنى: لا تغزر إبلك تطلب بذلك قوة نسلها، واحلبها لأضيافك، فلعل عدوّا يغير عليها، فيكون نتاجها له دونك.
[ ٩٢ ]
فزاد ذلك في انكسارها واختلالها (^١).
وروينا أن عمرو بن العاص حين فتح مصر، قال للمقوقس: إنك وليت مصر ثلاثين سنة، فبم تكون عمارتها؟ قال: بخصال؛ منها حفر خلجها وسد جسورها وترعها، ولا يؤخذ خراجها إلا من غلتها، ولا يقبل مطل أهله، ويوفي لهم بالشروط، وتدر الأرزاق على العمال لئلا يرتشوا، وترفع عن أهلها المعاون (^٢) والهدايا لتكون قوة لهم، فبهذا تعمر مصر ويتوفر خراجها (^٣).
وقال جعفر بن جدار الكاتب: سئل بطريق من الروم عن خراج بلد الروم كله، فذكره، فإذا هو خراج كورة من كور مصر (^٤).
وكتب الرشيد إلى محفوظ بن سليمان عامل خراج مصر: مصر مورثي عن يوسف الصديق ﵇، فاجعل همك بها هما واحدا فإنها همي وأنت أنت.
وذكر بعض علماء الأخبار (^٥): أن خراج العراق لم يكن قط أوفر منه لأيام عمر بن عبد العزيز، فإنه بلغ مائة ألف ألف درهم وسبعة عشر ألف درهم (^٦) ولم تكن مصر قط أقل خراجًا من أيام عمرو بن العاص فإنه بلغ أثنى عشر ألف ألف دينار (^٧).
_________________
(١) النص فيه تحريف وسقط فى الأصل، وقد اعتمدنا فى تكملة النص وتصويبه على ما ورد لدى ابن الكندى فى فضائل مصر المحروسة ص ٣٨
(٢) المعاون: أطلقت فى سنة ٢٥٠ هـ وما بعدها على الأموال الهلالية (أى غير الخراجية) كالضرائب التى كانت تفرض على الكلأ الذى ترعاه البهائم، وتسمى المراعى، وعلى صيد البحر، وتسمى المصايد. كما كان يطلق على هذه الأموال اسم المرافق. والمال الهلالى عدة أبواب كلها أحدثها ولاة السوء. ولمزيد من التفصيل راجع المقريزى: الخطط ج ١ ص ١٠٣
(٣) ابن الكندى: فضائل مصر المحروسة ص ٣٨، والمقريزى: الخطط ج ١ ص ٧٤، وابن ظهيرة: الفضائل الباهرة ص ١٢٤ نقلا عن ابن زولاق.
(٤) ابن ظهيرة ص ١٢٨
(٥) فى الأصلين «الأديان» والمثبت رواية ابن ظهيرة.
(٦) رواية المقريزى «فإنه بلغ ألف ألف درهم وسبعة عشر ألف درهم».
(٧) المقريزى: الخطط ج ١ ص ٢٧، وابن ظهيرة ص ١٢٨
[ ٩٣ ]
وكان محفوظ بن سليمان عامل خراج مصر يقول: الأرض ظئر لك وترابها ثديها، ونداها لبنها وحلفاؤها ابنها، والزرع ابنك دفعته إليها ترضعه، فإن تركتها وابنها مالت إليه بذرها، وإن أخذت منها ابنها إلى ابنك درها. قال: وهو من أحسن الكلام في العمارة، والحض على تنقية الأرض وتطييبها وإزالة وسخها.
وكان محفوظ بن سليمان من حذاق عمال الخراج، وله قصص قد شرحتها في التاريخ الكبير، وجمع المعتضد حين ولى عهد المعتمد على أبي الجيش وجوه الأموال بمصر خاصة، فكان مبلغها خمسة آلاف ألف دينار سوى الشامات، وكانت الشامات بأربعة آلاف سوى الثغور فإنه لم يذكرها، وإنما أثبت ذلك عليه لما كتب إليه أبو الجيش يذكر عجز المال.
وقال بعض علماء مصر: وكانت الخلفاء تسمى مصر سلة الخبز (^١).
وقال سليمان بن وهب: لما قلدني المتوكل خراج مصر، قال لي: يا سليمان، انظر ما بين يديك، فمصر مصر، وهي سلة الخبز (^٢).
وقال أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز قاضى العراق: سألت أحمد بن محمد بن المدبر بالشام عن مصر، فقال: كشفتها فوجدت عامرها أضعاف غامرها (^٣)، ولو اشتغل السلطان بعمارتها لوفت له بخراج الدنيا (^٤).