فلسطين - مناخها - عهد ما قبل التاريخ - شعب
إبراهيم - اليهود في مصر - الخروج - فتح كنعان
في وسع كاتب مثل بُكَل Buckle أو مونتسكيو يريد أن يفسر تاريخ الأمة بالرجوع إلى موقع بلادها أن يجد ما يؤيد أقواله في فلسطين. إن بلادًا يبلغ طولها من دَاْن في الشمال إلى بير سبع في الجنوب نحو مائة وخمسين ميلًا، ويتراوح عرضها من مساكن الفلسطينيين في الغرب ومساكن السوريين والآراميين والعمونيين، والموآبيين والإدميين في الشرق خمسة وعشرين وثمانين ميلًا- إن بلادًا ضيقة الرقعة إلى هذا الحد لا يتوقع الإنسان أن يكون لها شأن في التاريخ أو أن تخلف وراءها أثرًا أعظم مما خلفته بلاد بابل أو أشور أو فارس، بل لعله أعظم مما خلفته مصر أو بلاد اليونان. ولكن كان من حسن حظ فلسطين أو من سوء حظها أن تقع بين عواصم النيل وعواصم دجلة والفرات. وهذا الموقع قد جاء إلى بلاد اليهود بالتجارة كما جاءها بالحرب؛ وكم من مرة ضيق على اليهود فلم يجدوا مخرجًا لهم من ضيقهم إلا بالانضمام إلى أحد الطرفين في الصراع القائم بين الإمبراطوريات الكبرى، أو بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون؛ وكم من مرة اجتاح المصطرعون بلادهم، وكان من وراء التوراة، ومن وراء صراخ أصحاب المزامير والأنبياء وعويلهم وطلبهم الغوث من
[ ٢ / ٣٢١ ]
رب السماء، كان من وراء هذا كله موقع اليهود الذي تتهدده الأخطار، بين شقي الرحى، من فوقهم دول أرض الجزيرة ومن تحتهم مصر.
ويحدثنا تاريخ الأرض المناخي مرة أخرى أن صرح الحضارة صرح مزعزع، وأن عدويها الألدين- الهمجية والجدب- يترصدانها ليقضيا عليها. لقد كانت فلسطين في يوم من الأيام " أرضًا تفيض لبنًا وعسلًا " كما تصفها كثير من الفقرات في أسفار موسى الخمسة (١)؛ وكان بوسفوس في القرن الأول بعد المسيح لا يزال يقول عن فلسطين وأهلها أن بها من "الأمطار ما يكفي حاجة الزراعة، وأنها جميلة، وأن بها كثيرًا من الأشجار، وأنها مملوءة بفاكهة الخريف البري منها والمنزرع …، وأن هذه الأشجار لا ترويها الأنهار ريًا طبيعيًا، ولكنها تنال معظم ما تحتاج إليه من الرطوبة من ماء المطر الذي لا ينقطع عنها قط" (٢). وكانت أمطار الربيع التي تسقي الأرض تخزن في الأيام الخالية في صهاريج أو ترفع إلى سطح الأرض مرة أخرى من آبار كثيرة العدد، وتوزع في أنحاء البلاد في شبكة من القنوات؛ وكان ذلك هو الأساس المادي للحضارة اليهودية. وكانت الأرض التي تروى بهذه الطريقة تنتج الشعير والقمح والذرة، وتجود فيها الكروم، وتثمر أشجارها الزيتون والتين والبلح وغيرها من الفواكه على منحدرات الجبال جميعها؛ فإذا داهمتها الحروب وخربت حقولها التي أخصبتها الصناعة، أو جاءها فاتح فأخرج منها إلى بلاد نائية الأسر التي كانت تعنى بهذه الحقول، زحفت الصحراء عليها فأفسدت في بضع سنين ما أصلحته الأيدي العاملة في أجيال. وليس لنا أن نحكم على جدب أرض فلسطين بما نشاهده فيها الآن من فياف مقفرة، وواحات قليلة ضئيلة، تواجه اليهود الذين عادوا الآن إلى تلك البلاد بعد ثمانية عشر قرنًا من النفي والعذاب والتشريد.
والتاريخ في فلسطين أقدم مما كان يظنه الأسقف أسشر Ussher، فقد
[ ٢ / ٣٢٢ ]
كشفت بقايا نيندرتالية قرب بحر الجليل، كما كشفت خمسة هياكل عظيمة نيندرتالية في كهف قرب حيفا. وليس ببعيد أن تكون الثقافة المُسْتِيرية التي ازدهرت في أوربا حوالي عام ٠٠٠ ر ٤٠ ق. م قد امتدت إلى فلسطين. فقد كشفت في أريحا (^١) أرض حجرات ومواقد من مخلفات العصر الحجري الجديد، وهي ترجع بتاريخ هذا الإقليم إلى عصر برنزي متوسط (٢٠٠٠ - ١٦٠٠ ق. م) جمعت في مدن فلسطين وسوريا من الثروة ما أغرى مصر بفتحها. وكانت أريحا في إبان القرن العشرين قبل الميلاد مدينة مسورة يحكمها ملوك يعترفون بسيادة مصر عليها. وقد وجدت في قبور هؤلاء الملوك التي كشفتها بعثة جارستانج Garstang مئات من المزهريات والهدايا الجنازية وغيرها من الأدوات التي تدل على وجود حياة مستقرة في تلك المدينة وقت سيطرة الهكسوس على مصر، وعلى وجود حضارة لا بأس بها في أيام حتشبسوت وتحتمس الثالث (٣). ويبدو من هذا الكشف وأمثاله أن الأزمنة المختلفة التي تبدأ بها تواريخ الشعوب في ظننا إن دلت على شيء فإنما تدل على جهلنا؛ وتدل ألواح تل العمارنة على أن الحياة في فلسطين وسوريا بالصورة التي تطالعنا في بداية تاريخ اليهود ترجع إلى قرب دخولهم في وادي النيل. ومن المرجح- وإن لم يكن من المؤكد- أن "الخبيرو" الذين تتحدث عنهم هذه الألواح كانوا عبرانيين (^٢).
_________________
(١) Jericho.
(٢) لقد أعادت الكشوف التي ذكرناها في هذا الفصل كثيرًا من الثقة إلى فصول سفر التكوين التي تقص تاريخ اليهود القديم. وإذا ما استثنينا من قصة اليهود، كما تميط عنها اللثام أسفار العهد القديم، حوادث المعجزات وخوارق العادات وأشباهها، رأينا أن هذه القصة قد صمدت للنقد وللبحوث التاريخية. وكل عام يمر يكشف فيه من الوثائق والآثار ما يؤيد أقوال العهد القديم. من ذلك أن القطع الخزفية التي استخرجت من تل الدوير في عام ١٩٣٥ م تحمل من النقوش العبرية ما يؤيد أجزاء من قصة سفري الملوك. وعلى هذا فإن من حقنا أن نقبل قصص التوراة مؤقتًا حتى نجد ما ينقضها. أنظر كتاب بيتري "مصر وإسرائيل" (Egypt & Israel) طبعة لندن ١٩٢٥ ص ١٠٨.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
ويعتقد اليهود أن شعب إبراهيم (أو أبراهام) جاءوا من أور في بلاد سومر (٥) واستقروا في فلسطين (حوالي ٢٢٠٠ ق. م) أي قبل موسى بنحو ألف عام أو أكثر؛ وأن انتصارهم على الكنعانيين لم يكن إلا استيلاء العبرانيين على الأرض التي وعدهم بها الله. والراجح أن أمرافَل الذي يقول عنه سفر التكوين (١٤: ١) أنه "ملك شنعار في تلك الأيام" كان هو أمربال والد حمورابي الذي كان يجلس قبله على عرش بابل (٦). ولم تصل إلينا من مصادر معاصرة إشارات مباشرة إلى خروج بني إسرائيل من مصر أو إلى هزيمة الكنعانيين (٧). وكل ما وصلنا من إشارات غير مباشرة هو ما كتب على اللوحة التي أقامها منفتاح (حوالي ١٢٢٥ ق. م) والتي وردت فيها هذه العبارة:
لقد غُلب الملوك وقالوا "سلاما! "
وخربت تحينو.
وهدئت أرض الحيثيين،
وانتهبت كنعان، وحلت بها كل الشرور، …
وخربت إسرائيل، ولم يعد لأبنائها وجود؛
وأضحت فلسطين أرملة لمصر،
وضمت كل البلاد. وهدئت؛
وكل من كان ثائرًا قيَّده الملك منفتاح
وليس في هذه الأقوال ما يدل على أن منفتاح هو فرعون الذي خرج بنو إسرائيل من مصر في عهده؛ وكل ما تثبته أن الجيوش المصرية اجتاحت فلسطين مرة أخرى. ولسنا ندري متى دخل اليهود مصر، وهل دخلوها أحرارًا أو عبيدًا (^١). ولربما كان من حقنا أن نرجح أن من هاجروا منهم إلى مصر
_________________
(١) لعلهم جاءوا مصر في أثر الهكسوس، ولعل سيطرة هؤلاء الساميين على مصر قد أتاحت لهم بعض الحماية (٩). ويرجع بيتري تاريخ دخولهم مصر إلى عام ١٦٥٠ ق. م، وتاريخ خروجهم منها إلى عام ١٢٢٠ ق. م (١٠)، وهو يعتمد في ذلك على ما ورد في التوراة من أن اليهود أقاموا في أرض مصر أربعمائة وثلاثين عامًا. تنبيه: رأينا في هذا الباب أن ننقل العبارات المقتبسة من الكتاب المقدس بنصها لا أن نترجمها عن الأصل الإنجليزي. (المترجم).
[ ٢ / ٣٢٤ ]
كانوا في بداية الأمر قليلي العدد (١١)، وأن وجود الآلاف المؤلفة منهم في مصر أيام موسى كان نتيجة لكثرة تناسلهم، وأن شأنهم في ذلك الوقت كان كشأنهم في جميع العصور، فقد كان "عددهم يتضاعف وينمو كلما زاد اضطهادهم وتعذيبهم" (١٢). وأن قصة "استعباد" اليهود في مصر، وتسخيرهم في أعمال البناء الضخمة، وتمردهم، وهربهم- أو هجرتهم- إلى آسية لتحمل في ثناياها أدلة كثيرة على صدقها، وإن اختلط بها بطبيعة الحال كثير من الأقوال الغريبة وخوارق العادات كما يحدث عادة في جميع الكتابات التاريخية في الشرق القديم.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وحتى قصة موسى نفسها يجب ألا نتعجل فنرفضها من غير بحث وتحقيق، وإن كان من العجيب حقا أنه لم يرد له ذكر على لسان عاموس أو إشعيا، وهما اللذان سبقت خطبهما تأليف أسفار موسى الخمسة بنحو قرن من الزمان (^١).
ولما سار موسى باليهود إلى جبل سيناء، لم يكن في سيره هذا إلا متبعًا نفس الطريق الذي كانت تسلكه البعثات المصرية التي تبحث عن الفيروز منذ ألف عام. وتبدو الآن قصة الأربعين عامًا التي تاهوا فيها في الصحراء، والتي كان يظن من قبل أنها قصة غير معقولة، تبدو الآن من الأمور التي يقبلها العقل، لأنها تصف مسير قوم من البدو الذين كانوا طوال عهدهم قومًا رحلًا، كما أن هزيمتهم للكنعانيين ليست إلا مثلًا آخر لانقضاض جموع جياع على جماعة مستقرين آمنين. وقتل المهاجمون من الكنعانيين أكثر من استطاعوا قتلهم منهم وسبوا من بقي من نسائهم، وجرت دماء القتلى أنهارًا، وكان هذا القتل كما تقول نصوص الكتاب المقدس "فريضة الشريعة التي أمر بها الرب موسى".
_________________
(١) ينقل يوسفوس عن مانيثون- وهو مؤرخ مصري عاش في القرن الثالث قبل الميلاد- قوله أن سبب خروج بني إسرائيل من مصر هو رغبة المصريين في أن يتقوا شر وباء فشى بين اليهود المستعبدين المملقين، وقوله أن موسى نفسه كان كاهنًا مصريًا خرج للتبشير بين اليهود "المجذومين"، وأنه علمهم قواعد للنظافة على نسق القواعد المتبعة عند كهنة المصريين (١٣). ويفسر المؤرخون اليونان والرومان قصة الخروج هذا التفسير (١٤)، ولكن نزعتهم المعادية للسامية تجعلنا قليلي الثقة بأقوالهم. وفي التوراة آية تؤيد قول َوارْد Ward أن الخروج لم يكن إلا إضرابا عن العمل. وهذه هي الآية المشار إليها: "فقال لهما ملك مصر لماذا يا موسى وهرون تبطلان الشعب من أعماله اذهبا إلى أشغالكما" (١٥). وموسى اسم مصري لا اسم يهودي؛ ولعله اختصار للفظ أحموس (١٦). ويقول الأستاذ جارستانج عضو بعثة مارستن Marston التابعة لجامعة لفربول أنه كشف في مقابر أريحا الملكية أدلة تثبت أن موسى قد أنجته (في عام ١٥٢٧ ق. م بالتحقيق) الأميرة حتشبسوت (الملكة حتشبسوت فيما بعد) وأنه تربى في بلاطها بين حاشيتها، وأنه فر من مصر حين جلس على العرش عدوها تحتمس الثالث (١٧). وهو يعتقد كذلك أن المخلفات التي وجدت في هذه القبور تؤيد قصة سقوط أريحا (يشوع ٦). ويرجع سقوطها إلى حوالي عام ١٤٠٠ ق. م كما يرجع الخروج إلى عام ١٤٤٧ ق. م (١٨). ولما كانت هذه التواريخ لا تعتمد إلا ما ورد منقوشا على الجعلان والخزف، فإن من واجبنا أن نأخذها بالشك المقرون بالاهتمام.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
و"زكاة للرب" (١٩). ولما استولوا على مدينتين من المدن قتلوا من أهلهما ٠٠٠ ر ١٢ رجل. ولسنا نعرف في تاريخ الحروب مثل هذا الإسراف في القتل والاستمتاع به، ومثل هذه السهولة في تعداد القتلى إلا في تاريخ الآشوريين. ويقال لنا أن "الأرض استراحت من الحروب أحيانًا" (٢٠) فقد كان موسى من رجال السياسة المتصفين بالصبر والأناة، أما يشوع فلم يكن إلا جنديًا فظًا؛ وقد حكم موسى حكمًا سلميًا لم تسفك فيه دماء وذلك بما كان يفضي به من أحاديث جرت بينه وبين الإله، أما يشوع فقد أقام حكمه على قانون الطبيعة الثاني، وهو أن أكثر الناس قتلًا هو الذي يبقى حيًا. وبهذه الطريقة الواقعية التي لا أثر فيها للعواطف استولى اليهود على الأرض الموعودة.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الفصل الثاني