الشيوعية البدائية - أسباب زوالها -
أصول الملكية الخاصة - الرق - الطبقات
كانت التجارة أعظم مثير للعالم البدائي، لأنه لم يكن هناك مِلك، وبالتالي لم يكن هناك من نظم الحكم إلا قليل، قبل أن تدخل في حياة الناس وتجر وراءها ذيولها من أموال وأرباح، ففي المراحل الأولى من التطور الاقتصادي كانت الملكية محصورة- في الأعم الأغلب- في حدود الأشياء التي يستخدمها المالك لشخصه، وكان معنى الملكية هذا من القوة بحيث لازمت الأشياء المملوكة مالكها، فغالبًا ما دفنت معه في قبره (وانطبق هذا على الزوجة نفسها)، وأما الأشياء التي لا تتعلق بشخص المالك فلم تكن الملكية مفهومة بالنسبة إليها مثل هذا الفهم القوي، فلا يكفي أن نقول إن فكرة الملكية ليست فطرية في الإنسان، إنما يجب أن تضيف إلى ذلك أنها في مثل هذه الأشياء البعيدة عن شخصية المالك، كانت من الضعف في أذهان الناس بحيث تحتاج إلى تقوية مستمرة وتلقين مستمر.
فتكاد تجد الأرض في كل الشعوب البدائية ملكا للمجتمع بأسره، فالهنود في أمريكا الشمالية، وأهالي بيرو، وقبائل الهنود التي على تل تشيتاجونج، وأهل بورنيو، وسكان الجزر في البحر الجنوبي، مثل هؤلاء- فيما نرجح- كانوا يملكون الأرض جماعة ويحرثونها جماعة ويقتسمون الثمار جماعة، وفي ذلك قال هنود أوماها: "إن الأرض كالماء والهواء لا يمكن أن تباع"، وكذلك لم يكن بيع الأرض معروفا في سامُوا قبل قدوم الرجل الأبيض، ولقد وجد الأستاذ رِفرز
[ ١ / ٣١ ]
شيوعية الأرض لا تزال قائمة في مالينزيا وبولينزيا، ويمكنك أن تلحظها اليوم قائمة في داخل ليبريا (٣٥).
وأما شيوعية القوت فقد كانت أقل من ذلك انتشارًا، فمن المألوف عند "الهمج" أن من يملك طعامًا يقتسمه مع من لا يملك منه شيئًا؛ كما كان من المألوف كذلك للمسافرين إذا ما أرادوا طعامًا أن يقفوا عند أي دار يشاءون في طريقهم، بل كان من المألوف أن تستعين الجماعات التي ينزل بها القحط بجيرانها (٣٦)، وكان إذا ما جلس إنسان في الغابة ليأكل وجبته، توقع منه الناس أن يصيح لمن أراد أن يشاطره الطعام قبل أن يبدأ هو في تناوله، وبغير ذاك لا يكون الصواب في جانبه (٣٧)؛ فلما قص "تيرنر" على رجل من "ساموا" قصة فقير في لندن، سأله "الهمجي" في دهشة: "وكيف هذا؟ أليس هناك طعام؟ أليس له أصدقاء؟ أليس في المكان بيت للسكنى؟ أين إذن نشأ هذا الفقير؟ أليس لأصدقائه منازل" (٣٨)؟ والجائع من الهنود ما عليه ألا أن يسأل فيجاب سؤاله بالعطاء، فمهما يكن مورد الطعام ضئيلًا عند المعطي، فأنه لابد أن يعطي منه هذا السائل ما دام محتاجا؛ "فيستحيل أن تجد إنسانًا يعوزه القوت ما دامت الغلال موجودة في مكان بالمدينة" (٣٩)؛ وكانت العادة عند الهوتنتوت أن يقتسم من يملك أكثر من سواه هذه الزيادة حتى يتساوى الجميع؛ وقد لاحظ الرحالة البيض أثناء رحلاتهم في إفريقية قبل أن تدخلها المدنية، لاحظوا أن "الرجل الأسود" إذا ما قدمت له هدية من طعام أو غيره من الأشياء ذوات القيمة، فإنه يقسمها بين ذويه فورًا؛ وإذا ما أعطى المسافر بدلة لأحد هؤلاء السود، فسرعان ما يرى الموهوب يلبس من الهبة جزءًا كالقبعة مثلًا، ثم يرى صديقا له يلبس السراويل وصديقا آخر يرتدي السترة، وكذلك الإسكيمو لا يرون للصائد حقا شخصيا في امتلاك صيده، بل يلزم توزيعه على أهل القرية جميعًا، وكانت الآلات والمخزون من الطعام ملكا مشاعا بين الجميع وقد وصف "كابتن كارفر" Captain Carver
[ ١ / ٣٢ ]
هنود أمريكا الشمالية فقال "إنهم لا يعرفون من فوارق الملكية شيئا سوى الأدوات المنزلية … وهم أسخياء بعضهم لبعض غاية السخاء، وإذا ما فاض عند أحدهم فيض ونَقص عند الآخر ما يحتاج إليه، فلابد أن يسد الأول بفيضه نقص زميله" وكذلك كتب مبشر ديني يقول: "إن ما يثير الدهشة العميقة أن تراهم يعاملون بعضهم بعضًا برقة ومجاملة قَلَّ أن تراهما عند أكثر الأمم تحضرًا؛ وذلك بغير شك يرجع إلى لفظتي "ملكي" و"ملكك" اللتين قال عنهما القديس كريسوستم Chrysostom إنهما تخمدان في قلوبنا شعلة الإحسان وتشعلان نار الجشع، لا يعرفهما هؤلاء الهمج "ويقول شاهد آخر: " لقد رأيتهم يقتسمون الصيد إذا كان لديهم ما يقتسم، لكني لا أذكر مثلًا واحدًا لتنازعهم أو لتوجيههم النقد لطريقة التقسيم كأن يقولوا إنه غير عادل أو غير ذلك من أوجه الاعتراض؛ إن الواحد منه ليؤثر أن يرقد على معدته الخاوية، على أن يُتَّهم بأنه أبى أن يعين المحتاج. . . إنهم يعدون أنفسهم أبناء أسرة واحدة كبيرة" (٤٠).
لماذا اختفت الشيوعية البدائية حين نهض الإنسان إلى ما نطلق عليه في شيء من التحيز اسم المدنية؟ يعتقد "سمنر" Sumner أنها دلت على أنها ليست بيولوجية في اتجاهها لأنها عقبة في سبيل تنازع البقاء، وأنها لم تحفز الناس بما يكفي لتشجيعهم على الاختراع والنشاط والاقتصاد، وأن عدم مكافأتها للأقدر وعقابها لمن هو أقل قدرة سوى بين الكفايات تسوية تعاند النمو وتعارض التنافس الناجح مع سائر الجماعات (٤١)، وكتب "لوسكيل" Loskiel عن بعض القبائل الهندية في الشمال الشرقي يقول: "إنهم من الكسل بحيث لا يزرعون شيئًا بأنفسهم، بل يعتمدون كل الاعتماد على احتمال أن غيرهم لن يرفض أن يقاسموه في إنتاجه؛ ولما كان النشيط لا يتمتع من ثمار الأرض بأكثر مما يتمتع الخامل، فإن إنتاجهم يقل عاما بعد عام" (٤٢)؛ ومن رأى دارون أن المساواة التامة بين الفويجيين تقضي على كل أمل في تحضرهم (٤٣) أو ربما قال الفويجيون في ذلك إن المدنية
[ ١ / ٣٣ ]
إذا ما أتتهم فإنها ستقضي على المساواة القائمة بينهم؛ نعم إن الشيوعية طمأنت هؤلاء الذين خلصوا بحياتهم من حوادث الفقر والجهل وما يترتب عليهما من مرض في المجتمع البدائي، لكنها لم تنتشلهم من ذلك الفقر انتشالا، وأما الفردية فقد جاءت بالثراء، لكنها كذلك جرَّت معها القلق والرق، نعم إن الفردية حركت في الممتازين من الرجال قواهم الكامنة، لكنها كذلك نفخت نار التنافس في الحياة فأشعلتها، وجعلت الناس يحسون الفقر إحساسًا مريرًا، مع أن هذا الفقر لم يكن ليؤذي أحدًا حين استوى فيه الجميع (^١).
_________________
(١) ربما كان من الأسباب التي تميل بالشيوعية إلى الظهور في بداية المدنية أنها تزدهر ازدهارًا سريعًا في أوقات القحط التي يندمج فيها الفرد في جماعته مدفوعا بعامل الخطر المشترك الذي يتهدد الجميع بالموت جوعا؛ أما إذا كثرت الخيرات وزال الخطر، فإن التماسك الاجتماعي بين الأفراد تقل شدته، بمقدار ما تزداد الفردية، فكأنما تنتهي الشيوعية حين يبدأ الترف؛ وإذا ما ازدادت حياة المجتمع تعقدًا، وأخذ تقسيم العمل بين الناس يقسمهم في أعمال مختلفة وصناعات مختلفة، يصبح من المتعذر- وتزداد الصعوبة شيئًا فشيئًا- أن تكون كل هاتيك الخدمات التي يقوم بها الأفراد على قدم المساواة من حيث قيمتها للمجتمع؛ وإذن فلا مناص من أن الفريق الذي مكنته زيادة قدرته عن الآخرين من القيام بالأعمال التي هي أكثر أهمية، سيأخذ من الثروة التي تنتجها الجماعة أكثر مما يقضي به التعادل في التقسيم؛ فكل مدنية نامية إن هي إلا مشهد تتكاثر فيه وجوه التفاوت بين الناس، إذ تتحد الفوارق الطبيعية الكائنة بين جهود الأفراد مع الفوارق الناشئة في الفرص السانحة، فتنتجان فوارق أخرى صناعية في الثروة والقوة؛ فإذا لم يكن هنالك قوانين، أو إذا لم يكن هناك طاغية، يعمل على كبح هذه الفوارق الصناعية، فإنها تضل آخر الأمر إلى درجة الانفجار، حين لا يجد الفقراء في أيديهم ما يخافون من ضياعه إذا ما أعلنوا العصيان فتهب الثورة بفوضاها التي تسوى بين الناس من جديد في فقر شامل. ومن هنا نرى حلم الشيوعية كامنًا في كل مجتمع حديث، لأنه ذكرى انحدرت للناس من حياة آبائهم الأولين حيث الحياة أبسط من حياتنا وأقرب إلى المساواة؛ فإذا ما وجد الناس أنفسهم في تفاوت يفرق بينهم وفي حالة من القلق على أرزاقهم، بحيث لم يعودوا يحتملون هذا القلق وذلك التفاوت، فإنهم يرحبون بالعودة إلى الماضي الذي يفيضون عليه من خيالهم مجالًا بأن يذكروا ما كان فيه من مساواة وينسوا ما كان يسوء من فقر؛ لهذا كله ترى الأرض يعاد تقسيمها حينًا بعد حين بانتظام سواء بحكم التشريع أو بمناهضته، سواء أتم هذا التقسيم الجديد بفضل " الجراثى" في روما أو اليعقوبيين في فرنسا أو الشيوعيين في الروسيا؛ وكذلك ترى الثروة يعاد تقسيمها حينًا بعد حين بانتظام، سواء أتم ذلك بمصادرة الأملاك مصادرة بالقوة، أم بفرض الضرائب على الدخول والتركات بحيث تؤدي إلى المصادرة في نهاية الأمر؛ وبعدئذ يبدأ السباق في سبيل الثروة والمتاع والقوة من جديد، ويتشكل الناس بحكم قدراتهم المختلفة في هيئة الهرم مرة أخرى فمهما يكن من أمر القوانين الموضوعة، فلابد للأقدر من الناس أن يظفروا بالتربة الأخصب بوجه من الوجوه، وأن يحتلوا المكانة الأعلى ويأخذوا نصيب الأسد؛ وسرعان ما تبيح لهم قوتهم أن يسيطروا على الدولة وأن يعيدوا سن القوانين أو يعيدوا شرحها بحيث تتفق وهواهم، فيأتي يوم يشتد فيه التفاوت بين الناس كما كان قبل؛ فالتاريخ الاقتصادي كله- في هذا الصدد- إن هو إلا نبضات قلب الكائن الاجتماعي؛ هو انقباض لهذا القلب الكبير ثم انبساط، يتمثلان في تركز الثروة تركزا طبيعيا ثم انفجار الثروة انفجارا طبيعيا كذلك.
[ ١ / ٣٤ ]
تستطيع الشيوعية أن تعيش في سهولة أكثر في مجتمعات دائمة الانتقال، لا يزول عنها الخطر والعوز؛ فالصائدون والرعاة ليس بهم حاجة إلى مِلك يحتفظون به، لكن لمّا أصبحت الزراعة صورة الحياة المستقرة، لم يلبث الناس أن تبينوا أن العناية بالأرض تبلغ أقصاها من حيث غزارة الثمر إذا ما عاد جزاء تلك العناية إلى الأسرة التي قامت بها؛ فنتج عن ذلك بحكم الانتخاب الطبيعي الكائن بين النظم الاجتماعية والأفكار، كما هو كائن بين الأفراد والجماعات ينتج أن الانتقال من الصيد إلى الزراعة استتبع تحولا من الملكية القبلية إلى ملكية الأسرة وبذلك أصبحت أكثر الوحدات الاجتماعية اقتصادا في نفقات الإنتاج، هي كذلك وحدة الملكية؛ فلما أن أخذت الأسرة شيئًا فشيئًا تتخذ الصورة الأبوية التي تركز السلطة كلها في أكبر الذكور سنا، أخذت الملكية كذلك يزداد تركزها شيئًا فشيئًا في أيدي أفراد، ثم نشأ التوريث لشخص معين عن شخص معين؛ ولما كان كثيرًا ما يحدث لفرد مغامر أن يغادر مرفأ الأسرة الآمن، ليضرب بمغامراته خارج الحدود التي وقف عندها ذووه، ثم ينتهي به العمل المتصل الشاق أن يستولي على قطعة أرض من الغابة أو الحَرج أو المستنقع؛ فإنه يحرص عليها حرصًا شديدًا لا يسمح لغيره بانتزاعها لأنها ملكه الخاص، حتى لتضطر الجماعة في النهاية أن تعترف بحقه فيها، وبهذا نشأ ضرب آخر من ضروب الملكية الفردية (٤٣ أ) ومثل هذا الاستيلاء على الأراضي أخذ يزداد اتساعًا حين ازداد السكان واستُنفِذَت قوة الأرض القديمة، حتى وصل الأمر في المجتمعات
[ ١ / ٣٥ ]
الأكثر تعقيدا من سواها، إلى أن باتت الملكية الفردية هي النظام السائد، ثم جاء اختراع المال فساعدته هذه العوامل بتيسيره لجمع الثروة ونقلها وتحويلها؛ واتخذت حقوق القبيلة القديمة وتقاليدها صورة الملكية بمعناها الدقيق، وأما المالك عندئذ فهو أهل القرية جماعةً أو الملك، ثم خضعت الملكية لإعادة التوزيع حينًا بعد حين؛ ومضى هذا العصر الذي جعل أمر الملكية يتذبذب فيه على هذا النحو من طرف إلى طرف، بين النظام القديم والنظام الجديد، وبعدئذ استقرت الملكية الفردية الخاصة استقرارًا لا شبهة فيه، وأصبحت هي النظام الاقتصادي الأساسي الذي أخذت به المجتمعات في العصور التي دوَّن أخبارها التاريخ.
لكن بينما كانت الزراعة تنشئ المدنية إنشاءً، فإنها إلى جانب انتهائها إلى نظام الملكية، انتهت كذلك إلى نظام الرق الذي لم يكن معروفا في الجماعات التي كانت تقيم حياتها على الصيد الخالص. لأن زوجة الصائد وأبناءه كانوا يقومون بالأعمال الدَّنيَّة، وكان فيهم الكفاية لذلك، وأما الرجال فقد كانت تتعاقب في حياتهم مرحلة تضطرب بنشاط الصيد أو القتال يتلوها مرحلة من فتور الاسترخاء والدَّعة بعد الإجهاد والعناء؛ ولعل ما تنطبع به الشعوب البدائية من كسل قد بدأ- فيما نظن- من هذه العادة، عادة الاستجمام البطيء بعد عناء القتال والصيد؛ ولو أنها لم تكن عندئذ كسلا بمقدار ما كانت راحة واستجمامًا؛ فلكي تحول هذا النشاط المتقطع إلى عمل مطرد، لا بد لك من شيئين: العناية بالأرض عناية تتكرر كل يوم، وتنظيم العمل.
وأما تنظيم العمل فيظل مُنحَلَّ العرى لَدُنّىَّ النشاط ما دام الناس يعملون لأنفسهم؛ لكنهم إذا كانوا يعملون لغيرهم فإن تنظيم العمل لا بد أن يعتمد في النهاية على القوة والإرغام؛ وذلك أن نشأة الزراعة وحدوث التفاوت بين الناس انتهيا إلى استخدام الضعفاء اجتماعيًا بواسطة الأقوياء اجتماعيًا، ولم يتنبه الظافر في القتال قبل ذلك إلى أن الأسير الذي ينفعه هو الأسير الحي، وبذلك قلت
[ ١ / ٣٦ ]
المجازر وقل أكل الناس بعضهم لحوم بعض، كلما زاد نظام الرق اتساعًا (٤٤) وإذن فقد تقدم الإنسان من حيث الأخلاق تقدمًا عظيمًا حين أقلع عن قتل زميله الإنسان أو أكله، واكتفى من أعدائه باسترقاقهم؛ وإنك لترى تطورا كهذا يتم اليوم على نطاق واسع، إذا أقلعت الأمم الظافرة عن الفتك بالعدو المغلوب، واكتفت باسترقاقه عن طريق التعويض الذي تقتضيه إياه؛ ولما استقر نظام الرق على أسسه وبرهن على نفعه، أخذ يزداد نطاقه بأن أضيف إلى الرقيق طوائف أخرى غير الأسرى، فأضيف إليهم المَدِينون الذين لا يوفون الدَّين، والمجرمون الذين يعاودون الإجرام، هذا إلى إغارات تُشَنُّ عمدًا لاجتلاب الرقيق؛ وهكذا كانت الحرب بادئ الأمر عاملا على نشأة الرق؛ ثم أصبح الرق عاملا على شن الحروب.
ولعل نظام الرق حين امتدت به القرون قد اكسب الجنس البشري تقاليده وعاداته من حيث العمل، فلن تجد بيننا أحدًا يقدم على عمل شاق عسير إذا كان في مقدوره أن يتخلص منه بغير أن يتعرض لشيء من العقاب البدني أو الاقتصادي، وإذن فقد بات الرق جزءًا من النظام الذي استعد به الإنسان للقيام بالصناعة، هذا فضلًا عن أنه عمل على تقدم المدنية بطريق غير مباشر، بأن زاد من الثروة فَخَلق الفراغ لفئة قليلة من الناس، ولما مَضَت قرون على هذا النظام، جعل الناسُ ينظرون إليه كأنه نظام فطري لا غنى عنه، بهذا قال أرسطو وكذلك بارك القديس بولس هذا النظام الاجتماعي الذي لا بد أن يكون قد بدا لعينيه في عصره نظامًا قضى به الله.
هكذا أخذت الزراعة وأخذ نظام الرق، كما أخذ تقسيم العمل وما يقتضيه من اختلاف بين الناس، أخذ كل هذا يستبدل شيئًا فشيئًا بالمساواة التي كانت قائمة في الجماعة الطبيعية تفاوتًا وانقسامًا إلى طبقات "ففي الجماعة البدائية لا ترى- على وجه العموم- فارقًا بين حرّ وعبد، ولا تجد فيها رقا ولا طبقات، ثم
[ ١ / ٣٧ ]
لا تدرك من الفوارق بين الرئيس وتابعيه إلا قدرًا ضئيلًا" (٤٥). وبالتدريج ازدادت الآلات والصناعات تعقدًا، فعمل ذلك على إخضاع الضعيف العاجز إلى مشيئة القوي الماهر، وكان كلما ظهر اختراع جديد، أصبح سلاحًا جديدًا في أيدي الأقوياء، فزاد من سلطانهم على الضعفاء واستغلالهم لهم (^١) ثم عمل نظام التوريث على اتساع الهوة بأن أضاف إلى الامتياز في الفُرَص السانحة امتيازًا في الأملاك، فقسمت المجتمعات التي كانت يومًا متجانسة إلى عدد لا يحصيه النظر من طبقات وأوساط؛ وأحس الأغنياء والفقراء بغناهم أو فقرهم إحساسًا يؤدي إلى التشاحن، وأخذت حرب الطبقات تسري خلال عصور التاريخ كأنها خيط أحمر، فاقتضى هذا النزاع بين الطبقات قيام الدولة التي لم يعد عن قيامها محيص لتنظيم تلك الطبقات ولحماية الأملاك ولشن الحروب ولتنظيم السلام.
_________________
(١) وكذلك في عصرنا أدى سيل الاختراعات الذي نسميه بالثورة الصناعية إلى توسيع التفاوت الطبيعي بين الناس.
[ ١ / ٣٨ ]
الباب الثالث