البدايات - الرياضة - الفلك - الطب - الجراحة
يرى هربرت سبنسر ذلك الأخصائي العظيم في جمع الشواهد للوصول إلى النتائج، أن العلم- كالأدب- بدأ بالكهنة، واستمد أصوله من المشاهدات الفلكية التي كانت تحدد مواقيت المحافل الدينية، ثم صِينَ في كنف المعابد ونُقِلَ عَبر الأجيال باعتباره جزءًا من التراث الديني (٢٣)؛ ولسنا نستطيع الجزم برأي في هذا، لأن البدايات لا تمكننا من معرفتها، سواء في العلم أو في غيره؛ وكل ما نستطيعه هو التخمين والظن؛ فيجوز أن يكون العلم- شأنه في ذلك شأن المدنيَّة بصفة عامة- قد بدأ مع الزراعة؛ فالهندسة في أولها كانت عبارة عن قياس الأرض المزروعة؛ وربما أنشأ علمَ الفلك حسابُ المحصول والفصول الذي يستدعي مشاهدة النجوم وإنشاء التقويم؛ ثم تقدم الفلك بالملاحة، وطَورَت التجارة علم الرياضة، كما وضعت فنونُ الصناعة أسس الطبيعة والكيمياء.
وربما كان العدُّ من أول ما شهد الإنسان من صور الكلام، ولا يزال العدُّ في كثير من القبائل يتم على صورة تبعث على الابتسام ببساطتها؛ فقد عَدَّ "التسمانيون" إلى العدد اثنين لم يجاوزوه: "بارمَرِى، كالاباوا، كاردِيا"- يعني: "واحد، اثنين، كثير" والهولنديون الجدد ليس لديهم كلمات للفظتي ثلاثة أو أربعة، بل هم يطلقون على ثلاثة كلمة "اثنين- واحد" وعلى أربعة كلمة "اثنين- اثنين"؛ وأهل
[ ١ / ١٣٤ ]
"دامارا" لا يقبلوا أن يبادلوا غنمتين بأربع عصي، لكنهم يقبلون أن يبادلوا غنمة بعَصَوَين، ثم يكررون العملية مرة أخرى؛ ولقد كان العَدُّ وسيلته الأصابع، ومن هنا نشأ النظام العشري؛ ولما أدرك الإنسان فكرة العدد اثني عشر، والأغلب أن يكون أدركه بعد حين من الزمن، فرح به لأنه كان مريحًا للنفس بقبوله القسمة على خمسة من الأعداد الستة الأولى؛ وهنا وُلد النظام الاثنا عشري في الحساب، وهو نظام لا يزال قائمًا، لا يريد لنفسه الزوال، في المقاييس الإنجليزية حتى اليوم؛ فاثنا عشر شهرًا تكوّن عاما، واثنا عشر بنسًا تكون شلنًا، و"الدستة" اثنا عشر، و"الجروسة" اثنا عشر "دستة" والقدم اثنا عشر بوصة؛ أما العدد ثلاث عشر، فهو على عكس سالفه، يأبى الانقسام، ولذا أصبح بغيضًا عند الناس، ومبعثًا للتشاؤم إلى الأبد؛ ولما أضيفت أصابع القدمين إلى أصابع اليدين، تكونت فكرة العشرين؛ ولا يزال استعمال هذا العدد في العدّ ظاهرًا في قول الفرنسيين "أربع عشرينات" ليدلوا على "ثمانين"؛ وكذلك استخدمت أجزاء أخرى من البدن معايير للقياس، فاليد كلها "للشبر" والإبهام للبوصة "اللفظتان في اللغة الفرنسية ينوب عنهما لفظة واحدة تؤدي المعنيين" والذراع حتى المرفق للذراع؛ والذراع كلها لمقياس آخر "يسمى ذراع الهندازة" والقدم للقدم؛ وفي عصر متقدم، أضيف الحصوات إلى الأصابع لتعين على عملية العدّ؛ ولا تزال الكلمة الإنجليزية للعدّ، " Calculate" تشير بأصلها اللغوي إلى أصلٍ معناه "حجر صغير" مما يدل على صغر المسافة التي تفصل القدماء السذج عن المحدثين، ولقد تمنى "ثورو" Thoreau أن يحيا هذه الحياة البدائية الساذجة، وأجاد التعبير عن حالة كثيرًا ما تعاود الإنسان فقال: "إن الرجل الأمين لا يكاد يجد الحاجة إلى عدّ يجاوز به أصابع يديه، وقد يضيف إليها أصابع قدميه في حالات نادرة؛ ثم يكدس ما بقى له بعد ذلك في كتلة واحدة؛ فرأيي هو أن نُجري أمورنا على نسق الاثنين أو الثلاثة، لا على نسق المائة أو الألف، فبدل
[ ١ / ١٣٥ ]
المليون، عُدَّ ستة فقط، وسجل حسابك على ظفر إبهامك" (٢٥).
وربما كانت بداية الفلك في قياس الزمن بحركات الأجرام السماوية وكلمة "مقياس" نفسها "في اللغة الإنجليزية measure" وكلمة شهر " month"- بل ربما كانت كلمة إنسان man أيضًا وهو الذي يقوم بالقياس- كل هذه الكلمات تَرتَدُّ- بغير شك- إلى أصل لغويَّ معناه القمر " moon" (٢٦) ذلك لأن الناس قاسوا الزمن بدورات القمر قبل قياسه بالأعوام بزمن طويل؛ فالشمس- مَثَلُها في ذلك مَثَلُ الأب لم تستكشف إلا في وقت متأخر نسبيا؛ وحتى اليوم ترانا نحسب موعد عيد الربيع " Easter" بأوجه القمر؛ وكان لأهل بولنيزيا تقويمَّ، العامُ فيه ثلاثة عشر شهرًا ينظمها القمر؛ فلما رأوا أن سنتهم القمرية تختلف اختلافا بيّنا عن مواكب الفصول، أسقطوا شهرًا قمريًا، وبذلك استعادوا التوازن بين سنتهم وبين الفصول (٢٧)؛ لكن استخدام الأجرام السماوية على هذا النحو المتزن كان شذوذًا بالقياس إلى التخبط في استخدامها للتنجيم، فالتنجيم قد سبق علم الفلك، وربما دام وجوده على الرغم من ظهور علم الفلك؛ ذلك لأن النفوس الساذجة أكثر اهتماما بالكشف عما يخبئه لها الغيب منها بمعرفة الزمن؛ فنشأت ألوف الخرافات عن تأثير النجوم في خُلُق الإنسان ونصيبه المقدور، ولا يزال كثير من هذه الخرافات مزدهرًا في يومنا هذا (^١) وربما لم تكن هذه الخرافات خرافات بالمعنى الصحيح، ويجوز أن تكون ضربا آخر من الخطأ في التعليل؛ وما العلم نفسه إلا الضرب الأول من ذلك الخطأ.
والإنسان البدائي لا يصوغ شيئًا من قوانين علم الطبيعة، ويكتفي بممارستها من الوجهة العملية؛ فلئن لم يكن في مقدوره أن يقيس مسار المقذوف في الفضاء،
_________________
(١) فيما يلي اقتباس من إعلان أذاعته قاعة البلدية في نيويورك عن برنامجها يوم ٥ مارس سنة ١٩٣٤: "فلان سيكشف الطالع لمن أراد؛ وهو المنجم لعلية القوم في نيويورك ولأرباب المهن الممتازين؛ والساعة تكلف عشرة ريالات".
[ ١ / ١٣٦ ]
إلا أنه يستطيع أن يصوب سهامه نحو الهدف فلا يخطئ؛ ولئن لم يكن لديه رموز كيماوية، إلا أنه يستطيع أن يميز بلمحة سريعة أي النباتات سام وأيها طعام، بل يستطيع أن يستخدم الأعشاب استخدامًا دقيقًا في شفاء أمراض البدن؛ والأرجح أن يكون أول من أمتهن حرفة الطب هن من النساء، لا لأنهن الممرضات الطبيعيات للرجال فحسب، ولا لأنهن جعلن من فن التوليد- أكثر مما جعلن من مهنة الارتزاق- أقدم المهن جميعًا فحسب؛ بل لأن اتصالهن بالأرض كان أوثق من اتصال الرجال بها، فأتاح ذلك لهن علما أوسع بالنبات، ومكنَهن من التقدم بفن الطب، ومَيَّزنَه عن التجارة بالسحر التي كان يقوم بها الكهنة؛ فمنذ أقدم العصور حتى عصر يقع في حدود ما تعيه ذاكرتنا، كانت المرأة هي التي تباشر شفاء المرضى؛ ولم يلجأ المريض عند البدائيين إلى طبيب يشفيه أو إلى ساحر إلا إذا أخفقت المرأة في أداء هذه المهمة (٢٨).
وإنه لما يثير الدهشة في نفسك أن تعلم كم من الأمراض كان يشفيها هؤلاء البدائيون على الرغم من قصور علمهم بالأمراض (٢٩)؛ فالمرض عند هؤلاء السُّذَّج- فيما بدا لهم- كان نتيجة لحلول قوة غريبة عنه أو روح غريبة في بدنه- وهو تصور لا يختلف من حيث الجوهر عن النظرية التي تسود الطب الآن من تعليل المرض بدخول الجراثيم في الجسم؛ وأوسع طرق العلاج شيوعا بين البدائيين هو اصطناع رُقيَةٍ سحرية من شأنها أن تسترضي الروح الشريرة التي حَلَّت في البدن العليل؛ لعلها تنزاح عنه؛ وإذا أردت أن تعرف مدى رسوخ هذه الطريقة في أفئدة الناس بحيث لا تزول عنها أبدًا، فاقرأ قصة "خنزير جادارين" Gadarene Swine (٢٩)، وحتى اليوم ترى الناس يعللون الصرع بحلول روح شرير في البدن؛ وبعض العقائد الدينية المعاصرة تنص على طرائق معينة لإخراج مثل هذا الروح الشرير من جسم العليل إذا أريد شفاؤه؛ والكثرة الغالبة من الناس تعترف بالصلاة والدعوات على أنها تعين على الشفاء مع أقراص الدواء؛ وربما
[ ١ / ١٣٧ ]
كان البدائيون يقيمون طريقتهم في العلاج على نفس الأساس الذي يقيم عليه أحدث الطب طريقته، ألا وهو الشفاء بقوة الإيحاء؛ غير أن أفاعيل أولئك الأطباء الأولين كانت أشد استلفاتًا للنظر بأساليبها المسرحية، مما يصطنعه خلفاؤهم الذين ازدادوا عنهم حضارة؛ فقد كانوا يحاولون طرد الروح الحالّ في جسم المريض بتخويفه بما يلبسونه له من أقنعة مفزعة، وما يغطون به أجسادهم من جلود الحيوان، وبصياحهم وهذيانهم وتصفيقهم بالأيدي، و"الشخشخة" بالصفائح وامتصاص الشيطان من الجسم المريض بواسطة أنبوبة مجوفة؛ فكما كان يقول المثل السائر: "الطبيعة تشفى المريض، والعلاج يسرُّ المريض" وأما قبائل "بورورو" Bororos البرازيلية فقد تقدمت بالعلم خطوة حين كانت تطلب إلى الوالد شرب الدواء ليشفى بذلك طفله المريض، ولقد كان الطفل يشفى في اطّراد كاد أن يكون شاملا كاملًاا (٣٠).
وإلى جانب الأعشاب الطبية نجد بين الأساليب الصيدلية الكثيرة التي كان يلجأ إليها الإنسان البدائي، صوفًا من المخدرات المنومة التي أريد بها أن تخفف الألم وتهوّن الجراحات؛ فسموم مثل Curare الذي كثيرًا ما يضعونه على أطراف سهامهم؛ ومخدرات مثل نبات القنَّب والأفيون والكافور، هي أقدم تاريخًا من التاريخ؛ حتى ليرجع أحد المخدرات الشائعة بيننا اليوم إلى استخدام سكان بيرو لنبات الكوكا لهذه الغاية؛ ويحدثنا "كارتييه" Cartier كيف كان أهل "إراكوا" يشفون مرض الإسقربوط بلحاء أشجار التنّوب والشوكران وأوراقها (٣١) وكذلك عرف الجراحون البدائيون طائفة مختلفة من الجراحات والأدوات، فالولادة كانت تتم على نحو مُرضٍ، والكسور والجروح كانت تُضَمَّدُ وتُلَفُّ بمهارة (٣٢)؛ وبواسطة مُدى من الحجر الزجاجي الأسود، أو من الصّوَّان المرهف، أو أسنان السمك، كانوا يستخرجون الدم من "الخُرَّاجات" ويجففونها، كما كانوا يشرطون الأنسجة؛ وقد مارس البدائيون "تَربَنَةً"
[ ١ / ١٣٨ ]
الجمجمة منذ أيام هنود بيرو الأقدمين إلى أهل ملينزيا المحدثين؛ وكان الملنيزيون ينجحون في تسع حالات من كل عشر حالات بينما كانت الجراحة نفسها عام ١٧٨٦ تنتهي بالموت في كل الحالات بغير استثناء في مستشفى "أوتيل دييه" Hotel- Dieu في باريس (٣٣).
إننا نبتسم لجهل البدائيين، بينما نستسلم جادّين للأساليب الطبّية الكثيرة التكاليف في أيامنا؛ يقول "الدكتور أولفر وندل هولمز" Oliver Wendell Holms بعد حياة طويلة قضاها في شفاء المرضى:
"لن يتردد الناس في أداء شيء، بل ليس هناك شيء لم يؤدوه فعلا، في سبيل استعادة العافية وإنقاذ الحياة؛ فقد رضوا أن يغُرَقوا في الماء نصف إغراق، ويختنقوا بالغاز نصف اختناق؛ ورضوا أن يدفنوا في الأرض إلى أذقانهم، وأن يوصموا بالحديد المُحَمَّى مثل عبيد قادس؛ ورضوا أن يُقصَبُوا بالُمدَى كأنهم سمك القُدّ، وأن تثقب لحومهم بالإبرَ، وأن تُشعَلَ المشاعل على جلودهم، ورضوا أن يجرعوا كل صنوف المقززات، وأن يدفعوا لذلك كله أجرًا كأنما سَلقُ الجسم وإحراقه ميزةّ ثمينة، وكأنما "الفقافيق" نعمة، ودُودُ العَلَق ضرب من الترف" (٣٤).
[ ١ / ١٣٩ ]
الفصل الثالث