السحر - طقوس الزراعة - أعياد الإباحة - أساطير الإله
المبعوث - السحر والخرافة - السحر والعلم - الكهنة
لما تصور الإنسان البدائي عالما من الأرواح يجهل طبيعتها وغاياتها، فقد عمل على استرضائها واجتلابها في صفه لمعونته ومن هنا كانت إضافته إلى الروحانية التي هي جوهر للديانة البدائية، سحرا هو بمثابة الروح من شعائر العبادة البدائية؛ فقد تصور البولينيزيون خضما حقيقيا مليئا بقوة السحر وأطلقوا عليه اسم "مانا" وكان الساحر في رأيهم إنما يُقطر لهم قطرات ضئيلة من هذا المورد الذي لا ينتهي،
[ ١ / ١١٠ ]
والذي يستمد منه قدرته على السحر؛ وكان ما يسمى "بالسحر التمثيلي" هو أول الطرائق التي كسب بها الإنسان بأداء أشباه الأفعال التي يريد من الآلهة أن يؤدوها له، كأنه بذلك يغريهم بتقليده، فمثلا إذا أراد الناس أن يستنزلوا المطر، صَبَ الساحر ماء على الأرض، والأفضل أن يصبه من أعلى الشجرة؛ ويحكى عن قبيلة الكفير أنها حين تَهددَها الجفافُ، طلبوا إلى مبشر أن يذهب إلى الحقول ويفتح مظلته؛ وفي سومطره، تصنع المرأة العقيم صورة طفل تضعها على حجرها راجية أن يجيئها بعد ذلك الجنين؛ وفي "أرخبيل بابار" تصنع المرأة- إذا ما أرادت لنفسها الأمومة- عروسا من قطن أحمر، وتقوم بحركات إرضاعها، وتقول صيغة سحرية معلومة؛ ثم تبعث إلى القرية بمن يشيع أنها حملت، فيجيء أصدقاؤها لتهنئتها؛ الحق أنه لا يستطيع أن يرفض تحقيق هذا الخيال إلا واقع عنيد؛ وفي قبيلة "دياك" في بورنيو، إذا أراد الساحر أن يخفف آلام امرأة تضع، يقوم هو نفسه بحركات الوضع على سبيل التمثيل، لعله بذلك يوحي بقوة سحره إلى الجنين أن يظهر، وأحيانا يدحرج الساحر حجرا على بطنه ثم يسقطه على الأرض، أملا أن يقلده الجنين المستعصي فتسهل ولادته؛ وفي العصور الوسطى كانوا يسحرون الشخص بأن يغزو الدبابيس في تمثال من الشمع يمثل صورته وهنود بيرو يحرقون الناس ممثلين في دُماهم، ويطلقون على هذا اسم إحراق الروح، وليس سواد الناس في العصر الحاضر بأرقى من هذا السحر البدائي في تخريفهم.
كانت طرائق الإيحاء بالتمثيل تُستخدم بصفة خاصة لإخصاب التربة، فأرباب العلم في زولو يشوون الأعضاء التناسلية للرجل إذا مات في عنفوانه، ثم يطحنونها ويسحقونها رمادًا يذر فوق الحقول؛ وبعض الشعوب تختار للربيع ملكًا وملكة من بين رجالها ونسائها، وتزوجهما في حفل علني، لعل التربة تصغي إلى الحفل ومغزاه فتسرع إلى أزهار النبات؛ بل إنهم في بعض
[ ١ / ١١١ ]
البلدان يضيفون إلى مثل ذلك الحفل أن يقوم العروسان فعلا بعملية التزاوج علنا، حتى لا يتركوا للطبيعة- على الرغم من أنها ليست سوى طين بارد جامد- عذرًا بأنها لم تفهم الواجب الذي طلبَ إليها أداؤه؛ وفي جاوة، يتصل الفلاحون وزوجاتهم اتصالا جنسيًا في حقول الأرز ليضمنوا خصوبة إنتاجها ذلك لأن البدائيين لم يفهموا نمو النبات بلغة النتروجين، بل فهموه- بالطبع دون أن يعلموا أن للنبات ذكورًا وإناثًا- على نفس الأساس الذي كانوا يعللون به إثمار المرأة؛ ثم أليس في استعمالنا لكلمات مثل إثمار للطبيعة وللمرأة معًا، ما يذكرنا بعقيدتهم تلك وما تنطوي عليه من شعر؟
وتقام أعياد يختلط فيها الجنسان اختلاطًا بغير ضابط، وهي في معظم الحالات إنما تقام في فصل البذر، بمثابة أمر يوقف القوانين الخلقية حينًا) وهي تذكر الناس بما كان في علاقاتهم الجنسية في أيامهم الماضية من حرية نسبية (والغاية من هذه الأعياد إخصاب زوجات مَن بهم عقم من الرجال من جهة، وإيحاء للأرض في فصل الربيع بأن تخرج عن تحفظها الذي لازمته أيام الشتاء، لتتقبل ما بذروهُ فيها من بذور، وتهيئ نفسها لإخراج نتاج طيب من القوت، وتقام هذه الأعياد عند عدد كبير من الشعوب الفطرية، وخصوصًا بين أهل كامرون في الكونغو، والكفير، والهوتنتوت، والبانتو، وفي ذلك يقول "هـ. رولي" H. Rowley وهو من رجال الدين في بانتو:
"إن أعياد الحصاد شبيهة في خصائصها بأعياد "باخوس") عند اليونان (… فأنه يستحيل على إنسان أن يشاهدها دون أن يأخذه الخجل … فهم لا يكتفون في هذه الإباحة الجنسية الكاملة بضمَّ من تنصّر حديثًا، بل لا يكتفون بضمَّ من طالَ أمد تنصره، لكنهم يغرون أي زائر وقفَ ليشاهد حفلهم بالانغماس معهم في إباحتهم؛ عندئذ لا يحول الناس حائل دون الانغماس في الدعارة، وهم لا ينظرون إلى الزنا نظرة فيها أثر من معنى البشاعة، بسبب الظروف
[ ١ / ١١٢ ]
التي تحيط بهم حينئذ، بل أنهم لا يسمحون لرجل حضر الاحتفال أن يضاجع زوجته".
وتظهر أعياد كهذه في عصور المدنية التي دونّها التاريخ، فاحتفالات "باخي" عند اليونان، وأشباهها في روما وفي فرنسا إبان العصور الوسطى وفي إنجلترا وسائر الاحتفالات التهريجية التي نشاهدها في عصرنا، كل هذه من قبيل الأعياد الإباحية القديمة.
على أن شعائر الزراعة هذه تتخذ في بعض البلاد هنا وهناك صورة أقل ظرفًا مما ذكرنا- كما هي الحال عند البونيين Pawness وعند هنود جوايا كيل؛ فرجل يضحى به في وقت البذر حتى تخصب الأرض بدمائه- وفيما بعد خفت الصورة بعض الشيء، فاكتفوا بذبح الحيوان قربانًا-؛ حتى إذا ما حلّ موسم الحصاد فسّروه بأنه بعث للرجل الذي مات ضحيةً، فكانوا يخلعون عليه قبل موته وبعده جلال الآلهة؛ ومن هذا الأصل نشأت الأسطورة التي تروى في ألف صورة مختلفة كيف يموت الله في سبيل شعبه، ثم يعود إلى الحياة بعدئذ ظافرًا؛ وعمل الشعر على زخرفة السحر حتى حوله ضربًا من اللاهوت، واختلطت الأساطير تروى عن الشمس بشعائر الزراعة اختلاطًا فيه تناسق وانسجام، بحيث أصبحت الأسطورة التي تروى عن موت الإله وعودة ولادته، لا يقتصر مدلولها على موت الشتاء وعودة الحياة إلى الأرض في الربيع بل جاوزت ذلك إلى الانقلابين الآخرين: الصيفي والخريفي، وما يعقب ذلك من قصر النهار وطوله؛ ذلك لان حلول الليل لم يكن إلا جزءًا من هذه المأساة؛ فإله الشمس يموت كل يوم مرة ويولد كل يوم مرة، فكل غروب له بمثابة الاستشهاد على الصليب، وكل شروق هو بعث له ونشور.
والظاهر أن التضحية بالإنسان- التي ذكرنا من شتى صنوفها مثلًا واحدًا- قد أخذ بها الإنسان في كل الشعوب تقريبًا، فتظهر ها هنا يومًا وهنالك يومًا،
[ ١ / ١١٣ ]
فقد وجدنا في جزيرة كارولينا في خليج المكسيك تمثالًا كبيرًا معدنيًا أجوف لإله مكسيكي قديم، فوجدنا فيه رفات كائنات بشرية، لا شك أنها ماتت بالحرق قربانًا لله، وكلنا يسمع عن "مُلُخْ" الذي كان الفينيقيون والقرطاجنيون، وغيرهما من الشعوب السامية حينًا بعد حين، يقدمون له القرابين من بني الإنسان؛ ولقد شهد عصرنا الحاضر هذه العادة قائمة في روديسيا وربما كان منشأ هذه العادة أكل البدائيين للحوم البشر، فظنوا أن الآلهة تستمرئ من الطعام ما يستمرئون؛ ولما كانت العقيدة الدينية أبطأ تغيرًا من سائر العقائد، ثم لمّا كانت الشعائر الدينية أبطأ تغيرًا من العقائد نفسها، فقد امتنع الإنسان عن أكله للحم الإنسان، وبقى التقليد قائمًا بالنسبة للآلهة؛ ومع ذلك فقد تغيرت حتى هذه الشعائر الدينية بفضل تطور الأخلاق، بحيث طفق الآلهة يقلدون عبادهم في الزيادة من اصطناع الرقّة، واستسلموا للوضع الجديد فقبلوا لحم الحيوان طعامًا بدل لحم الإنسان، فَضُحّى بغزال بدل التضحية بافجينيا) في أساطير اليونان (كما ضُحّى بكبش بدل التضحية بابن إبراهيم؛ ومضى الزمان في تقدمه، فحرمت الآلهة حتى هذا الحيوان، لأن الكهنة آثروا أنفسهم بالطعام الشهي، وأخذوا يأكلون كل ما يمكن أكله من الضحية المقدمة، ثم يهبون الآلهة على مذبح القربان أمعاء الضحية وعظامها.
ولما كان الإنسان الأول يؤمن بأن قوة ما يأكله تنتقل إليه، فقد كان من الطبيعي أن ترد على خاطره فكرة أكل الإله؛ ففي كثير من الحالات كان يأكل لحم الإله البشري ويشرب دمه، ذلك الإله الذي عبده وسمّنه استعدادًا للتضحية به؛ لكن الطعام كثرت موارده وضمن الإنسان اطراده، فانتهى ذلك إلى زيادة الرحمة في فؤاده، ولذلك استبدل بالتضحية الإلهية رموزًا على هيئتها، واقتنع بأكلها، ففي المكسيك القديمة، كان يصنع تمثال لله من الغلال والحبوب والخضر، يعجن بدماء صبيان يضحّى بهم لهذه الغاية، ثم يأكلونه على أنه بديل
[ ١ / ١١٤ ]
ديني لأكل الله نفسه؛ وأشباه هذه الاحتفالات الدينية وجدناها بكثرة في القبائل البدائية، وكانت العادة أن يطلب إلى الناس أن يصوموا عن الطعام فترة قبل أكل التمثال المقدس، وكان الكاهن ساعتئذ يقول بعض العبارات السحرية ليحول بها التمثال المأكول إلى إله حقيقي.
ولئن بدأ السحر بالخرافة فإنه ينتهي بالعلوم، فألوف من أغرب العقائد جاءت نتيجة للفكرةا لروحانية القديمة، ثم نشأ عنها صلوات وطقوس عجيبة؛ فقبيلة "كوكى" Kukis كانت تلهب حماسة أبنائها في القتال بزعمها لهم أن الأعداء القتلى سيكونون لهم عبيدًا في الحياة الآخرة؛ ولكنك من ناحية أخرى ترى الرجل من قبيلة "بانتو" Bantu إذا قتل عدوًا له، حلق رأس نفسه، وطلى نفسه بروث الماعز، ليمنع روح الميت من العودة إليه والفتك به، وتكاد الشعوب البدائية كلها تجمع على فعل اللعنات وشر "العين الحاسدة" فلم يشك الأستراليون الأصليون في أن اللعنة ينطق بها الساحر القوي، تقضي على حياة اللعين وإن يكن منه على بعد مائة ميل؛ وبدأت العقيدة في السحر في أوائل مراحل التاريخ الإنساني، ولم تَزل عن الإنسان قط زوالا تاما؛ وعبادة الأصنام وغيرها مما يكون له قوة سحرية كالتمائم، أرسخ في القِدَم من السحر نفسه وأثبت منه جذورًا في النفوس؛ ولما كانت التمائم تُحَددُ لها مناطق القوة، بمعنى أن يكون لكل تميمة أثر في ناحية معينة دون غيرها، فإنك ترى بعض الشعوب تُثقِل أنفسها بأحمال منها لكي يكونوا على أهبة الاستعداد لكلما عسى أن تفجأهم به الأيام والأحجية إن هي إلا صورة متأخرة في الظهور، ومَثل من الأمثلة التي تعاصرنا، من الأصنام أو ما إليها من ذوات القوة السحرية، فنصف سكان أوروبا يلبسون المُدليَات والتمائم ليستمدوا بواسطتها وقاية ومعونة من وراء الطبيعة؛ إن تاريخ المَدنية ليعلمنا في كل خطوة من خطوات سيره، كم تبلغ قشرةُ الحضارة من الرقة والوهن، وكيف تقوم المدنية على شفا جُرُف هارٍ فوق
[ ١ / ١١٥ ]
قمة بركان لا يخمد سعيره، من وحشية بدائية وخرافة وجهل مكبوت، إن المدنية العصرية ليست سوى غطاء وضع وضعًا على قمة العصور الوسطى، ولا تزال تلك العصور ولن تزال باقية.
ولا يسع الفيلسوف إلا أن يَقبَل راضيًا هذا الفقر من الإنسان إلى معونة مما فوق الطبيعة تبعثفي نفسه الطمأنينة؛ ويجد لنفسه العزاء في علمه بأن الأدب المسرحي والعلوم تنشأ عن السحر، كما ينشأ الشعر عن مذهب الروحانية؛ فقد بين لنا "فريزر" Frazer- في شيء من المبالغة لا نستغربه من مبدع موهوب- أن أمجاد العلم تمتد بجذورها إلى سخافات السحر؛ لأنه كلما أخفق الساحر في سحره استفاد من إخفاقه هذا استكشافًا لقانون من قوانين الطبيعة، يستعين بفعله على مساعدة القوى الطبيعية في إحداث ما يريد أن يحدثه من ظواهر؛ ثم أخذت الوسائل الطبيعية تسود وترجح كفتها شيئًا فشيئًا، ولو أن الساحر كان دائمًا يخفي هذه الوسائل الطبيعية ليحتفظ بمكانته عند الناس، ما استطاع إلى إخفائها من سبيل، بأن يعزو الظاهرة التي أحدثها للسحر الذي استمده من القوى الخارقة للطبيعة- وهذا شبيه جدًا بأهل هذا العصر حين يعزون الشفاء الطبيعي لوَصفَات وعقاقير سحرية؛ وعلى هذا النحو كان السحر هو الذي أنشأ لنا الطبيب والصيدلي، وعالم المعادن، وعالم الفلك.
لكن الطريق أقصر بين الفلكي والساحر منها في سائر ضروب العلماء؛ ذلك لأنه لما تعددت طقوس الدين وتعقدت، لم يَعد الرجل العادي يقدر على استيعابها جميعًا، والإلمام بها جميعًا ومن هنا نشأت طبقة خاصة أنفقت معظم وقتها في مهام الدين ومحافله؛ وأصبح الكاهن باعتباره ساحرًا، بما له من قدرة على الذهول الروحي وتلقي الوحي وتوجيه الدعاء المستجاب، أقر بصلة بإرادة الأرواح أو الآلهة بحيث يستطيع تحويل تلك الإرادة إلى ما فيه نفع الإنسان؛ ولما كان هذا الضرب من العلم والمهارة هو في رأي البدائيين أهم ضروب العلم والمهارة جميعًا،
[ ١ / ١١٦ ]
ثم لما تصوروا أن القوى الخارقة للطبيعة لها أثرها في حياة الإنسان عند كل منعطف في الطريق، فقد أصبحت قوة رجال الدين مساوية لقوة الدولة؛ وجعل الكاهن) أو القسيس (منذ أقدم العصور إلى أحدثها ينافس الجندي المقاتل في سيادة الناس والإمساك بزمامهم، حتى لقد راح الفريقان يتناوبان ذلك، وحسبنا في التمثيل لذلك أن نسوق مصر، ودولة اليهود وأوروبا في العصور الوسطى أمثلة.
إن الكاهن لم يخلق الدين خلقًا، لكن أستخدمه لأغراضه فقط، كما يستخدم السياسي ما للإنسان من دوافع فطرية وعادات؛ فلم تنشأ العقيدة الدينية عن تلفيقات أو ألاعيب كهنوتية، إنما نشأت عن فطرة الإنسان بما فيها من تساؤل لا ينقطع وخوف وقلق وأمل وشعور بالعزلة؛ نعم إنا لكاهن قد أضر الناس بإبقائه على الخرافة وباحتكاره لضروب معينة من المعرفة، لكنه مع ذلك عمل على حصر الخرافة في نطاق ضيق، وكثيرًا ما كان يحمل الناس على إهمال شأنها، وهو الذي لقن الناس بداية التعليم والتهذيب، وكان بمثابة المستودع وأداة التوصيل بالنسبة للتراث الثقافي الإنساني المتزايد؛ وكان عزاء للضعيف في استغلال القوى له استغلالًا لم يكن عنهم نصرف ولا محيص؛ كما أصبح الفعل الفعال الذي أعان الدين على تغذية الفنون، وتدعيم بناء الأخلاق الإنسانية المترنح بدعامة من القوة العليا؛ فلو لم يجد الناس بينهم كاهنًا لخلقوه لأنفسهم خلقًا.