كان الذين كسبوا المعركة في النزاع التاريخي القائم حول تولي غير رجال الدين المناصب الكهنوتية هم أشراف ألمانيا- الأدواق واللوردة، والأساقفة، ورؤساء الأديرة. وقد سيطر هؤلاء على الملكية الضعيفة بعد هزيمة هنري الرابع؛ وأقاموا في البلاد نظامًا إقطاعيًا يعمل على تفكيكها وإضعاف سلطان حكومتها المركزية، وأدى هذا النظام إلى حرمان ألمانيا في القرن الثالث عشر من زعامة أوربا.
وخلع هنري الخامس (١١٠٦ - ١١٢٦) أباه عن العرش، وواصل كفاح أبيه ضد البارونات والبابوات. ولما رفض بسكال الثاني Paschael II أن يتوجه إمبراطورًا إلا إذا نزل عن حقه في تولية غير رجال الدين المناصب الكهنوتية، زج بالبابا والكرادلة في السجن. ولما مات ألغي الأشراف نظام الملكية الوراثية، وقضوا على الأسرة الفرنكونية Franconian، وولوا لوثير الثالث Lothair III السكسوني ملكًا على البلاد، وبعد ثلاثة عشر عامًا من ذلك الوقت أسس كنراد الثالث Conrad III أسرة هوهنستاوفن Hohenstaufen السوابية أقوى أسرة ملكية في تاريخ ألمانيا كله.
ولم يوافق الدوق هنري البافاري على من وقع عليه اختيار الناخبين، وأيده في هذا الرفض عمه ولف Welf أو جلف Guelf؛ وشب النزاع من هذا الوقت بين جلف وغبلين Ghibelline وهو النزاع الذي اتخذ في القرنين الثاني عشر
[ ١٥ / ١٧١ ]
والثالث عشر صورًا كثيرة، وكانت له نتائج متعددة (^١).
وحاصر جيش آل هوهنستاوفن العصاة البافاريين في بلده ويزبرج Weisberg وقلعتها. وتقول إحدى الروايات القديمة إن المدينتين المتنازعتين "هي ولف! " ز"هي ويبلنجّ" سجلتا اسم الطائفتين المقتتلتين، وتقول القصص الظريفة إنه لما قبل السوابيون المنتصرون استسلام المدينة على أن يؤمن النساء وحدهن من القتل، وان يسمح لهن بمغادرتها ومعهن كل ما يستطعن حمله، خرجت من القتل، وأن يسمح لهن بمغادرتها وهن يحملن أزواجهن على ظهورهن (٢٠). وعقدت هدنة في عام ١١٤٢ حين خرج كنراد للحرب الصليبية، ولكن كنراد أخفق في غرضه وعاد يجلله العار. وخيل إلى الناس أن بيت هوهنستاوفن قد تلطخ اسمه بالعار حين جلس على العرش أعظم رجل من رجاله.
وكان فريدريخ friedrich (سيد السلام) أو فردريك الأول (١١٥٢ - ١١٩٠) في سن الثلاثين حين اختير ملكًا. ولم يكن رجلًا مهيب الطلعة- فقد كان قصير القامة، أبيض البشرة، أصفر الشعر، ذا لحية حمراء أكسبته في إيطاليا اسم بربروسه Barbarossa، ولكنه كان ذا عقل صاف وعزيمة ماضية؛ قضي حياته في العمل لخير الدولة، وأعاد ألمانيا إلى زعامة العالم المسيحي وإن كان قد مني بكثير من الهزائم. وإذ كان يجري في عروقه دم آل هوهنستاوفن وآل ولف جميعًا، فقد نادى بسلم في البلاد Landfried، وصالح أعداءه، وهدأ أصدقاءه، وقضى بشدة على المنازعات، والاضطرابات، والجرائم. ويصفه معاصروه بدماثة الخلق، وباستعداده الدائم ابتسامة رقيقة جذابة، وإن كان "شديد الوطأة على الأشرار" حتى كانت قسوة قوانينه الجنائية، وهمجيتها عاملًا في تقدم الحضارة في ألمانيا. وكان الناس يثنون بحق على حياته
_________________
(١) كانت غبلين أو فبلنجن Waiblingen قرية من أملاك أسرة هوهنستاوفن. ومعنى هذا اللفظ هو "استاوفن العالية" وهو مشتق من اسم حصن جبلي وقرية في سوابيا.
[ ١٥ / ١٧٢ ]
الخاصة لما عرف عنه من تمسكه بأهداب العفة والفضيلة، وإن كان قد طلق زوجته الأولى لقربها إليه من ناحية العصب، وتزوج بوريثة كونت برغندية فنال بهذا الزواج مع عروسة مملكة.
وإذ كان يتوق لأن يتوجه البابا إمبراطورًا، فقد وعد يوجنيوس الثالث Eugenius III أن يساعده على الرومان المتمردين، والنورمان المشاكسين، إذا حقق البابا رغبته، وقدم الملك الشاب الفخور إلى نيبي Nepi القريبة من روما حيث التقى بهدريان الرابع البابا الجديد، وأغفل الشعيرة المعتادة القاضية بأن يمسك الحاكم الزمني زمام جواد البابا وركابه ويساعده على النزول. وبذلك نزل هدريان إلى الأرض من غير معونة، وأبى على فردريك "قبلة السلام" وتاج الإمبراطورية إلا إذا أدى فردريك هذه الشعيرة. وظل أعوان البابا والملك يومين كاملين يتناقشون في هذه المسألة ويجعلون تاج الإمبراطورية معلقًا على أداء المراسم الشكلية، حتى خضع فردريك آخر الأمر، فانسحب البابا وعاد إلى المدينة ممتطيًا صهوة جواده، وأمسك فردريك بزمام فرس البابا وركابه، وظل من ذلك الحين يتحدث عن الإمبراطورية المقدسة، يرجو من وراء هذا أن يعترف العالم بأن الإمبراطور هو البابا النائبان عن الله في الأرض.
وجعله لقبه الإمبراطوري ملكًا على لمبارديا أيضًا؛ ولم يكن حاكم ألماني بعد هنري الرابع يستمسك بحرفية هذا اللقب، ولكن فردريك سرعان ما بعث إلى كل بلد من بلدان إيطاليا الشمالية حاكمًا يصرف أمورها باسمه. وقبلت بعض المدن أولئك السادة الأجانب ولم يقبلهم بعضها. وإذ كان فردريك يحب النظام أكثر من الحرية، ولعله أيضًا كان يرغب في السيطرة على المنافذ الإيطالية لتجارة ألمانيا مع بلاد الشرق، فقد خرج في عام ١١٥٨ ليخضع البلاد الثائرة التي تعشق الحرية أكثر من النظام. واستدعى إلى بلاطه في رنكاجليا Roncaglia فقهاء القانون الذين كانوا يحيون الشريعة الرومانية في بولونيا؛ وسره أن يعرف
[ ١٥ / ١٧٣ ]
منهم أن هذه الشريعة تجعل الإمبراطور صاحب السلطة المطلقة على جميع أجزاء الإمبراطورية والمالك لكل ما فيها، وتخوله حق تعديل الحقوق الشخصية أو إلغائها إذا رأى في تعديلها أو إلغائها مصلحة للدولة. ورفض البابا اسكندر الثالث هذه الادعاءات لخوفه منها على حقوق البابوية الزمنية، وأيد هذه الرفض بإعلانه أن هذه الحقوق هبات من بيبين وشارلمان؛ ولما أصر فردريك على الاستمساك بمطالبه حرمه البابا من الكنيسة (١١٦٠). وانتقلت وقتئذ صيحات مدينتي جلف وغبلين لتمثل أولاهما مؤيدي البابا والثانية مؤيدي الإمبراطور. وحاصر فردريك مدينة ميلان العنيدة عامين كاملين، حتى إذا استولى عليها آخر الأمر حرقها عن آخرها (١١٦٢). وأغضبت هذه القسوة مدائن فيرونا، وفيسنزا، وبدوا، وترفيزو، وفرارا، ومانتوا، وبرشيا، وبرجامو، وكرمونا، وبياسنزا، وبارما، ومودينا، وبولونيا، وميلان، فعقدت فيما بينهما حلف جامعة المدن اللمباردية (١١٦٧) وهزمت جيوش تلك الجامعة جيش فردريك الألماني عند لنيانو في عام ١١٧٦، وأرغمته على أن يعقد هدنة تدوم ست سنين. واصطلح الإمبراطور والبابا بعد عام من ذلك الوقت، ووقع فردريك معاهدة صلح في كنستانس (١١٨٣) أعاد بها الحكم الذاتي إلى المدن الإيطالية. وأقرت هذه المدن في نظير هذا بالسيادة الاسمية للإمبراطورية عليها، ووافقت كرمًا منها وشهامة على أن تمد فردريك وحاشيته بما يلزمه من الزاد في زيارته للمبارديا.
وهكذا هزم فردريك في إيطاليا ولكنه انتصر في جميع البلاد الأخرى، وأفلح في تثبيت دعائم السلطة الإمبراطورية على بولندة، وبوهيميا، وهنغاريا. وفرض من جديد على رجال الدين الألمان، بالفعل إن لم يكن بالقول، جميع حقوق تولي المناصب التي كان يطالب بها هنري الرابع، وكسب معونة هؤلاء الرجال حتى على البابوات أنفسهم (٢١). ونعمت ألمانيا بما ناله من مجد، وسرها أن تستدعيه من إيطاليا، واغتبطت بمواكب الفرسان التي كانت تسير في حفلات
[ ١٥ / ١٧٤ ]
تتويجه، وزيجاته، وأعياده. وخرج الإمبراطور الشيخ في عام ١١٨٩ على رأس مائة ألف من الرجال إلى الحرب الصليبية الثالثة، ولعله كان يرغب في أن يؤلف من الشرق والغرب إمبراطورية رومانية تعود إلى رقعتها القديمة. ومات الإمبراطور غريقًا في قليقية بعد عام من ذلك الوقت.
وكان فردريك كما كان شارلمان مشبعًا إلى أقصى حد بالتقاليد الرومانية، وقد أنهك قواه بما بذله من الجهد لإحياء ماضيها الميت. وحزن أنصار الملكية المطلقة المعجبون بها لما مني به من الهزائم، وعدوها انتصارًا للفوضى، أما عشاق الديمقراطية فيسرون بها ويرونها مراحل في طريق الحرية. وإذا ما نظرنا إلى أعماله بعينه هو رأيناه على حق فيما فعل؛ فقد كانت ألمانيا وإيطاليا تسيران مسرعتين في طريق الفساد واختلال النظام، ولم تكن سلطة غير سلطة الإمبراطورية القوية تستطيع القضاء على المنازعات والاضطرابات الإقطاعية والحروب القاتمة بين المدن المختلفة، وكان لابد أن يستتب النظام ليمهد السبيل إلى نشأة الحرية القومية. ونسجت حول فردريك الأول في عهود الضعف الألمانية المقبلة أقاصيص دالة على حب الشعب له، وخلع على بربروسه بعد حين من الصفات ما كان القرن الثالث عشر يتصور وجوده في حفيده: فقيل إنه لم يمت بحق بل كل ما في الأمر أنه كان نائمًا في جبال كيفهوزر Kyffhauser بثورنجيا Thuringia، وكان في مقدور الناس أن يروا لحيته الطويلة تنمو مخترقة ما يغطيه من الرخام؛ وسوف يستيقظ من نومه في يوم من الأيام، وينفض الثرى عن كتفيه، ويعيد إلى ألمانيا النظام والقوة. ولما أنشأ بسمارك دولة ألمانيا الموحدة قال هذا الشعب الفخور إنه هو بربروسه نهض ظافرًا من قبره (٢٢).
وكاد هنري السادس (١١٩٠ - ١١٩٧) يحقق حلم أبيه، فقد انتزع في عام ١١٩٤ جنوبي إيطاليا وصقلية من النورمان بمعونة جنوى وبيزا، وخضعت له إيطاليا كلها عدا الولايات البابوية. وضمت بروفانس، ودوفينيه Cauphine،
[ ١٥ / ١٧٥ ]
وبرغندية؛ وألساس، ولورين، وسويسرا، وهولندة، وألمانيا، والنمسا، وبوهيميا، ومورافيا، وبولندة ضمت هذه كلها إلى أملاك هنري، واعترفت إنجلترا بسيادته عليها، وأدى له المسلمون الموحدون الجزية، وطلبت إنطاكية، وقليقية، وقبرص أن تضم إلى الإمبراطورية، وكان هنري ينظر بنهم إلى فرنسا وأسبانيا، وقد وضع الخطط للاستيلاء على بيزنطية، وكانت الفرق الأولى من جيشه قد أبحرت إلى بلاد الشرق حين أصيب بزحار البطن وقضي نحبه في صقلية وهو في الثالثة والثلاثين من عمره.
ولم يكن هنري قد حسب حساب مناخ هذه البلاد التي فتحها وأعد العدة لاتقاء ثأرها منه. ولم يكن له إلا ولد واحد هو طفل في الثالثة من عمره، وأعقبت موته فترة من الفوضى دامت نحو عشر سنين أخذ المطالبون بالعرش فيها يقتتلون فيما بينهم. ولما أن بلغ فردريك الثاني سن الرشد تجددت الحرب بين الإمبراطورية والبابوية، تجددت في إيطاليا على يد ملك ألماني- نورماني أصبح إيطاليا، سنتحدث عنه فيما بعد حين نتكلم على إيطاليا. وأعقبت موت فردريك الثاني (١٢٥٠) نحو ثلاثين عامًا أخرى من الفوضى يسميها شلر: "العهد المرعب الذي لا سادة فيه"، باع فيه الأمراء الناخبون عرش ألمانيا لكل مستضعف يتركهم أحرارًا في أن يوطدوا أركان سلطانهم المستقبل. وتكشف عهد الفوضى عن نهاية أسرة هوهنستاوفن، وأنشأ رودلف الهبسبرجي في عام ١٢٧٣ أسرة جديدة واتخذ فينا عاصمة له. وأراد رودلف أن يكسب تاج الإمبراطورية، فوقع في عام ١٢٧٩ إعلانًا يعترف فيه بخضوع السلطة الملكية البابوية خضوعًا تامًا؛ ويتخلى فيه عن جميع مطالبه في إيطاليا الجنوبية وصقلية. ولم يصبح رودلف إمبراطورًا قط، ولكنه استطاع بشجاعته، وإخلاصه، ونشاطه أن يعيد النظام والرخاء إلى ألمانيا، وأن ينشئ أسرة قوية ظلت تحكم النمسا وهنغاريا حتى عام ١٩١٨.
وبذل هنري السابع (١٣٠٨ - ١٣١٣) آخر الجهود لتوحيد ـألمانيا وإيطاليا
[ ١٥ / ١٧٦ ]
فعبر جبال الألب (١٣١٠) بمعونة ضئيلة من الأشراف الألمان وقوة صغيرة من فرسان الوالون Walloon، ورحبت به كثير من مدن لمبارديا، وكانت قد سئمت حرب الطبقات ونزاع المدن بعضها مع بعض، وتاقت نفسها إلى التحرر من سلطان الكنيسة عليها. ورحب دانتي بالغزاة برسالة عن الملكية، أعلن فيها بشجاعة تحرر السلطة الزمنية من السلطة الروحية، وطلب فيها إلى هنري أن ينقذ إيطاليا من سيطرة البابوية، ولكن الجلف من أهل فلورنس أصبحت لهم الغلبة في البلاد، وسحبت المدن المشاكسة تأييدها، ومات هنري، وهو محوط بالأعداء، بحمى الملاريا وهي الداء الذي تجزي به إيطاليا بلين الفنية والفنية عاشقيها المملقين.
وصدت ألمانيا في الجنوب حواجز من طبيعة الأرض، واختلاف العنصر، واللعنة، فوجدت لها مخرجًا وتعويضًا في جهة الشرق، فاستردت الهجرات والفتوح والاستعمار الألماني والهولندي ثلاثة أخماس ألمانيا من الصقالبة؛ وانتشر الألمان الكثير والنسل على ضفتي الدانوب ووصلوا هنغاريا ورومانيا؛ وأقام التجار الألمان أسواقًا وثغورًا في فرانكفورت على الأودر، وفي برسلاو، وبراج، ودانترج وريجا ودوربات Dorpt وريفال Reval، ومراكز تجارية في كل مكان في الرقعة الممتدة من بحر الشمال والبحر البلطي إلى جبال الألب والبحر الأسود. لقد كانت فتوحهم وحشية، ولكن النتائج أدت إلى رقي لا يستطاع تقديره في حياة سكان الحدود الاقتصادية والثقافية.
وكان انهماك الأباطرة في هذه الفترة السالفة الذكر في شئون إيطاليا، وحاجتهم المتكررة إلى ضمان تأييد الأشراف والفرسان، أو مكافأتهم على هذا التأييد بهبات الأرض أو السلطان، وما طرأ على سلطة الملوك الألمان من الضعف بسبب مقاومة البابا لهم وخروج اللمبارد عليهم، كان هذا كله قد ترك الأشراف أحرارًا يتملكون الأرض في الريف، وينزلون الفلاحين منزلة الرقيق؛ فعلًا بذلك شأن الإقطاع في القرن الثالث عشر في ألمانيا بينما كان سلطان الملوك يقضي عليه
[ ١٥ / ١٧٧ ]
في فرنسا. وأصبح الأساقفة الذين قربهم الأباطرة الأولون ليكونوا في ظهر الأشراف، أصبح هؤلاء طبقة ثانية من النبلاء، لا يقلون ثروة وقوة واستقلالًا عن الأشراف الدنيويين. ولم يحل عام ١٢٦٣ حتى عهد الإقطاعيون إلى سبعة من الأشراف- هم كبراء أساقفة مينز وتريير، وكولوني، ودوقا سكسونيا وبارفيا، وكونت بلاتين ومارجريف (^١) برندنبرج حق اختيار الملك. وحد هؤلاء الناخبون من سلطان الحاكم، واغتصبوا الامتيازات الملكية، واستولوا على أراضي التاج. ولقد كان يسعهم أن يعملوا عمل الحكومة المركزية ويهيئوا للأمة وحدتها، ولكنهم لم يفعلوا، بل كانوا فيما بين الانتخابين يسيرون كما يحلو لهم، ولم تكن أمة ألمانية قد وجدت بعد، وكل ما كان موجودًا هم السسكون والسوابين، والبافاريون، والفرنجة … وكذلك لم يكن هناك برلمان قومي، بل كانت في البلاد المختلفة مجالس إقليمية تسمى لاندتاج Landtage. ولما قام مجلس ريشستاغ Reichstag أو مجلس لمجموعة البلاد الألمانية في عام ١٢٤٧، اضمحل فيما بين عهدي الانتخاب، ولم يعل شأنه إلا في عام ١٣٣٨، وكانت طائفة من الموظفين- من رقيق الأرض أو الأحرار المعينين من قبل الملوك. يؤلفون بيروقراطية مفككة ويكسبون نظام الحكم نوعًا من الاستمرار غير المترابط. ولم يكن للبلاد عاصمة موحدة يتركز فيها ولاء الشعب واهتمامه؛ ولم تكن هناك مجموعة موحدة من القوانين تحكم بها البلاد كلها، فقد احتفظ كل إقليم بعاداته وقوانينه رغم ما بذله بربروسه من الجهد لفرض القانون الروماني على ألمانيا كلها. وحدث في عام ١٢٢٥ أن صيغت قوانين سكسونيا في كتاب واحد سمي المرآة السكسونية Sachsenspiegel، وفي عام ١٢٧٥ صيغت قوانين سوابيا وعاداتها في "المرآة السوابية" Schwabenspiegel؛ وأيد هذان القانونان ما كان للشعب من حق
_________________
(١) مارجريف Margrave لقب من ألقاب الأشراف في ألمانيا يعادل لقب مركيز في فرنسا. المترجم
[ ١٥ / ١٧٨ ]
قديم في اختيار ملوكه، وما كان للفلاحين من حق الاحتفاظ بحريتهم وأرضهم، وقالت المرآة السكسونية في هذا الصدد إن رق الأرض والاستعباد يتعارضان مع الطبيعة البشرية ومع إرادة الله، وأن أصلهما يرجع إلى القوة أو الغش (٢٣)، لكن رق الأرض أخذ مع ذلك ينمو ويزداد.
وكان عهد آل هوهنستاوفن (١١٨٣ - ١٢٥٤) أعظم العهود الألمانية قبل بسمارك. نعم إن عادات الشعب وآدابه كانت لا تزال خشنة غليظة، وكانت قوانينه مضطربة هي والفوضى سواء، وأخلاقه خليطًا من الأخلاق المسيحية والوثنية، ومسيحيته نصف ستار لانتهاب الأراضي واغتصابها من أصحابها. كذلك لم تكن ثروة الشعب أو وسائل نعيمه تضارع ثروة شعب إيطاليا أو فلاندرز إذا وازنا مدينة في ألمانيا بمدينة مثلها في ذينك البلدين الأخيرين. ولكن الفلاحين الألمان كانوا مجدين كثيري النسل، وكان التجار الألمان مغامرين ذوي إقدام، والأشراف أكثر سكان أوربا ثقافة وقوة، والملوك هم الرؤساء الزمنيين للعالم الغربي يحكمون بلادًا تمتد من نهر الرين إلى نهر الفستيولا، ومن نهر الرون إلى جبال البلقان، ومن البحر البلطي إلى الدانوب، ومن بحر الشمال إلى صقلية. ونشأت وترعرعت مائة مدينة ومدينة بفضل حياتها الاقتصادية الناشطة، وكان لكثير منها صكوك ومواثيق تؤيد حكمها الذاتي؛ وأخذت على مر السنين تزداد ثروتها وتزدهر فنونها حتى كانت في عصر النهضة فخر ألمانيا وشاهدًا على عظمتها ومجدها، وإنا ليعترينا الآن الأسى والحزن على ما كان لها من جمال زال ولم يبق له وجود.
[ ١٥ / ١٧٩ ]
الفصل السابع