(٢٠٤٩ - ١٠٥٤)
ثلاث مشاكل داخلية كان يضطرب بها قلب الكنيسة في ذلك الوقت: وهي المتاجرة بالمناصب في محيط البابوية والأسقفية، والزواج أو التسري بين رجال الدين من غير الرهبان، ووجود حالات متفرقة من الدعارة بين الرهبان أنفسهم.
فأما المتاجرة بالمناصب الكنسية وخدماتها فقد كانت هي المظهر الكنسي لما يعاصره من فساد في الشئون السياسية. ومن الناس الصالحين من كانوا هم أنفسهم مصدرًا لهذه المتاجرة، مثال ذلك أن أم جوبيرت النوجنتي Guibert of Nogen كانت شديدة الرغبة في أن تهبه الكنيسة، فقدمت المال لرؤسائها لكي جعلوه قسًا في إحدى الكنائس وهو في الحادية عشرة من عمره. وإذ كان الأساقفة في إنجلترا، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا يصرفون الشئون الروحية والزمنية جميعًا، وكانوا يقطعون أرضين، وقرى، ومدنًا في بعض الأحيان، ليستمدوا منها إيراداتهم، فقد كانوا ذوو المطامع من الناس يقدمون مبالغ طائلة للرؤساء الزمنيين ليظفروا بهذه المناصب، وكان الشرهون من الرؤساء لا يتورعون عن ارتكاب كل مأثم للحصول على هذه الرشا. وحسبنا أن نذكر أن غلامًا في العاشرة من عمره عين رئيس أساقفة في نربونة Narbonne نظير مائة ألف صليدي (٦١)، وأن فيليب الأول ملك فرنسا كتب إلى رجل أخفق في الحصول على منصب رئيس أساقفة يواسيه في إخفاقه يقول: "أتركني أجني المال من منافسك، ثم حاول أن تسقطه باتهامه بابتياع منصبه، وسترى بعد ذلك كيف نرضيه" (٦٢). وكان ملوك فرنسا يتبعون السنة التي سنها شارلمان فيعينون هم بانتظام أساقفة سان Sens، وريمس، وليون، وتور، وبورج، Bourges، أما في
[ ١٤ / ٣٨٤ ]
غيرها من المدن الفرنسية فكان الدوق أو الكونت هو الذي يعينهم (٦٣). وأضحت كثير من مناصب الأساقفة ميراثًا لبعض الأسر الشريفة، تختص به الصغار من أولادها أو غير الشرعيين منهم؛ وكان أحد البارونات في ألمانيا يمتلك ثماني أسقفيات ويورثها أبناءه (٦٤). ويزعم أحد الكرادلة الألمان (حوالي عام ١٠٤٨) أن الذين يبتاعون كراسي الأساقفة ومناصب الكنيسة قد باعوا الواجهات الرخامية في الكنائس، وألواح القرميد في سقفها، ليحصلوا من ثمنها على ما أدوه ثمنًا لمناصبهم (٦٥). وكان الذين ينالون المناصب بهذه الوسائل من رجال الدنيا لا من رجال الدين، يعيش الكثيرون منهم عيشة المترفين، ويشنون الحرب، ويغمضون أعينهم عن الرشا في المحاكم الأسقفية (٦٦)، ويعيشون أقاربهم في المناصب الكنسية، ويعبدون المال من دون الله، ويدينون له وحدة بالطاعة والولاء. ويقول البابا إنوسنت الثالث في وصف أحد رؤساء الأساقفة في نارين إنه لديه كيسًا من المال في الموضع الذي كان جب أن يكون فيه قلبه (٦٧). وقد أصبح ابتياع الكراسي الأسقفية أمرًا مألوفًا يقبله الناس العمليون على أنه أمر عادي لا غضاضة فيه؛ أما المصلحون فأخذوا ينادون بأن سمعان المجوسي قد استحوذ على الكنيسة (٦٨).
وكانت المشكلة الأخلاقية بين رجال الدين العاديين تتأرجح بين الزواج والتسري. وكان زواج القساوسة في القرنين التاسع والعاشر أمرًا مألوفًا في إنجلترا وغالة وشمالي إيطاليا، وكان البابا هدريان الثاني نفسه متزوجًا (٦٩)؛ وكتب راثريوس Ratherius أسقف فيرونا (في القرن العاشر) يقول إن أساقفة أبرشيته كلهم تقريبًا متزوجون، ولم يستهل القرن الحادي عشر حتى كانت العزوبة بين رجال الدن غير الرهبان من الأمور الشاذة النادرة (٧٠). ومن الخطأ أن نعد زواج القساوسة مناقضًا للأخلاق الفاضلة وإن لم يتفق في كثير من الأحيان مع قوانين الكنيسة ومثلها العليا، ذلك أن زواجهم كان متفقًا مع عادات ذلك الوقت ومبادئه الأخلاقية؛ وكان القس المتزوج أسمى منزلة من القس العزب في مدينة ميلان (٧١)،
[ ١٤ / ٣٨٥ ]
لأن ثانيهما كان يتهم بالتسري-بل إن الرأي العام كان يتسامح في التسري نفسه أي في اختلاط رجل غير متزوج بامرأة غير متزوجة اختلاطًا جنسيًا منتظمًا. ويلوح أن الكثرة الغالبة من القساوسة الأوربيين كانوا يحيون حياة لا غبار فيها من الناحية الأخلاقية، وإنا لنسمع طوال العصور الوسطى عن قساوسة وأساقفة يعيشون معيشة طاهرة نقية مخلصين لمن يرعونهم، وإنا كنا لا ننكر أنه كان في أماكن متفرقة رجال شواذ يندي من فعالهم الجبين، فها هو ذا الأسقف بنيفاس يشكو إلى البابا زخاري Zachary في ٧٤٢ أن الأسقفيات تعطي "للشرهين من غير رجال الدين، وللزانين من القسيسين" (٧٢)، وأن بعض الشمامسة "يحتفظون بأربع سراري أو خمس" (٧٣). وقد اتهم بيد الموقر في هذا القرن بعينه "بعض أساقفة" إنجلترا بأنهم يضحكون ويهزلون، ويروون الأقاصيص، ويمرحون، ويسكرون و… يحيون حياة الملذات والفسق" (٧٤). وكثرت هذه التهم وأمثالها في أواخر الألف السنة الأولى بعد الميلاد؛ فها هو ذا رالف جلابر Ralph Glaber يصف قساوسة ذلك العهد بأنهم يشاركون أهله في فسادهم الخلقي، وها هو ذا راهب إيطاليا يدعى بطرس داميان Peter Damian (١٠٠٧ - ١٠٧٢) يعرض على البابا كتابًا يسمى Liber Gomorrhianus ويصف فيه بالمغالاة التي يتوقعها الإنسان من رجل متمسك بدينه، ما يرتكبه القساوسة من رذائل؛ وفي هذا الكتاب فصل عن "مختلف القضايا المتناقضة للطبيعة". ويطالب داميان في هذا الكتاب بقوة أن يحرم الزواج على رجال الدين.
وكانت الكنيسة من زمن بعيد تعارض زواج رجال الدين بحجة أن القس المتزوج يضع ولاءه لزوجه وأبنائه في منزلة أعلى من إخلاصه للكنيسة سواء أدرك ذلك أو لم يدركه، وأنه سيميل من أجلهم إلى جمع المال أو المتاع، وأنه سيحاول أن ينقل كرسيه أو مرتبه لأحد أبنائه، وأن هذا قد يؤدي إلى طبقة وراثية
[ ١٤ / ٣٨٦ ]
من رجال الدين في أوربا تشبه مثيلتها في بلاد الهند، وأن ما يضيفه هذا السلطان الاقتصادي على القساوسة ذوي الأملاك يزيد في قوتهم إلى الحد الذي تعجز معه البابوية عن السيطرة عليهم. ويضاف إلى هذا أن القس يجب أن يكرس حياته لله والكنيسة وبني الإنسان، وأن مستواه الأخلاقي يجب أن يعلو على مستوى أخلاق الشعب، وأن يضفي عليه مستواه هذا المكانة التي لا بد منها لاكتساب ثقة الناس وإجلالهم إياه. وكانت عدة مجالس كنسية قد طالبت بفرض العزوبة على القساوسة؛ وكان واحد منها-هو الذي عقد في بافيا عام ١٠١٨ - وقد أصدر قرارًا يفرض فيه العبودية الدائمة والحرمان من الميراث على جميع أبناء القسيسين (٧٥)، لكن رجال الدين ظلوا مع ذاك يتزوجون.
ووجد ليو التاسع أن كرسي الرسول بطرس قد افتقر لكثرة ما يوصي به رجال الدين من أملاك الكنيسة لأبنائهم، ولاستيلاء الأعيان على ضياع الكنيسة، ومن سطو قطاع الطرق على الحجاج الذي يأتون بالأدعية، والملتمسات، والنذور إلى روما، ولهذا وضع نظامًا لحماية الحجاج، وأعاد إلى الكنيسة ما خرج من أملاكها، وشرع يضطلع بهذا الواجب الثقيل، واجب تحريم بيع المناصب الكهنوتية، وزواج القساوسة. وقد بدأ عمله بأن أحال أعمال البابوية الداخلية والإدارية إلى الراهب المتبتل الحصيف الذي أصبح فيما بعد جريجوري السابع، ثم غادر روما في عام ١٠٤٩، معتزمًا أن يتعرف بنفسه أخلاق رجال الدين وأعمال الكنائس في مدائن أوربا الكبرى. وسرعان ما أعادت هيبته الشخصية، وصرامته غير المتكلفة، ما كان لرئيس الكنيسة الأعلى في قلوب الناس من إجلال؛ فأخفقت الرذيلة رأسها لمقدمه، وارتعت فرائص جدفري اللوريني الذي نهب الكنائس وتحدى الملوك حين أصدر البابا قرارًا بحرمانه، وخضع صاغرًا للجلد علنًا أمام مذبح الكنيسة التي خربها في فردان، وتعهد بأن يصلح ما خربه منها، وأخذ يعمل في إصلاحها بيديه. وعقد ليو محكمة بابوية في كولوني، وقوبل فيها بجميع مظاهر
[ ١٤ / ٣٨٧ ]
الإجلال من رجال الدين الألمان الذين كانوا يفخرون بوجود بابا ألماني ثم انتقل ليو إلى فرنسا ورأس محكمة في ريمس، وأخذ يفحص عن أخلاق رجال الدين وغير رجال الدين، وعن المناصب الكنسية، وانتهاب أملاك الكنيسة، وتحلل رهبان الأديرة من قوانينها، وانتشار الزندقة في البلاد. وأمر كل من حضر المحكمة من الأساقفة أن يعترف بخطاياه، فأخذ كل منهم، واحدًا بعد واحد، ومنهم رؤساء الأساقفة أنفسهم، يتهم نفسه. وأنبهم ليو أشد التأنيب، وأعفاهم من مناصبهم، وعفا عن بعضهم، وحرم أربعة من حظيرة الدين، واستدعى غيرهم إلى روما ليكفروا علنًا عن سيئاتهم. وأمر رجال الدين أن يخرجوا زوجاتهم وسراريهم، وأن يمتنعوا عن استعمال الأسلحة. ثم أصدر مجلس روما فضلًا عن هذا قرارًا يقضي بأن يختار رجال الدين وعامة الشعب الأساقفة ورؤساء الأديرة، وحرم بيع المناصب الكهنوتية، ونهى رجال الدين عن أخذ الأجور نظير تقديم القرابين، أو عيادة المرضى، أو دفن الموتى. وأجرى مجلس عقد في مينز (١٠٤٩) بإلحاح ليو، إصلاحات شبيهة بهذه الإصلاحات في ألمانيا. وعاد ليو إلى إيطاليا في عام ١٠٥٠ ورأس مجلس فرشلي Vercelli وحرم فيه آراء برنير التوري Beregner of Tours الخارجة على الدين.
ورد ليو بزيارته الطويلة الشاقة إلى شمالي أوربا ما كان للبابوية من هيبة ومنزلة سامية، وأعاد الإمبراطور الألماني رئيسًا للكنيسة الألمانية كما كان من قبل، وأرغم الأسقفيات الفرنسية والأسبانية على الاعتراف بسلطان البابا عليها، وخطا بعض الخطوات في سبيل تطهير الكنيسة من الرشا والدعارة. ثم قام بحملات أخرى في ألمانيا وفرنسا في عامي ١٠٥١، ١٠٥٢، ورأس جمعية كنيسة عظيمة في ورمز وأخرى في مانتو Mantua؛ ولما عاد آخر الأمر إلى روما اضطلع بذلك الواجب البغيض، واجب حماية الولايات البابوية بقوة السلاح. ذلك أن الإمبراطور هنري الثالث كان قد وهبه دوقية بنفنتو؛ ولكن بندلف Pandulf
[ ١٤ / ٣٨٨ ]
دوق كبوا أبى أن يقر هذه المنحة واستولى على هذه الدوقية واستمسك بها معتمدًا على تأييد النورمان أتباع ربرت جسكارد. وطلب ليو أن يرسل إليه جيش ألماني يساعده على طرد بندلف ولكنه لم يرسل إليه إلا سبعمائة رجل، ضم إليهم بعض الإيطاليين غير المدربين، وزحف بهم على النورمان، وكاد فرسانهم وحدهم يبلغون ثلاثة آلاف من القراصنة المهرة في الحروب. وأوقع النورمان بجيش ليو هزيمة منكرة، وأسروه، ثم ركعوا أمامه يطلبون إليه أن يعفو عنهم لأنهم قتلوا خمسمائة من رجاله. وساقوه بعدئذ إلى بنفنتو، حيث قدموا إليه ما يليق بمقامه من مجاملة وتكريم، ثم استبقوه سجينًا تسعة أشهر. وتحطم قلب ليو من الحزن وندم أشد الندم على امتشاق الحسام، فحرم على نفسه أن يلبس غير الخيش، وأن ينام إلا على بساط وحجر، وكان يقضي اليوم كله إلا القليل منه في الصلاة. وأدرك النورمان أنه مشرف على الموت، وأطلقوا سراحه، ودخل روما بين تهليل الشعب وفرحه، وعفا عن جميع الذين حرمهم، وأمر أن يوضع تابوت في كنيسة القديس بطرس. وجلس بجواره يومًا واحدًا مات بعده عند المذبح وجاء العرج، والبكم، والمجذومون من جميع أنحاء إيطاليا ليلمسوا جثته.
[ ١٤ / ٣٨٩ ]
الفصل الثامن