(١٠٦٦ - ١٣١٨)
جلس هنري الثاني على عرش إنجلترا في عام ١١٥٤ وتولى البابوية في العام نفسه إنجليزي يدعى نقولاس بريكسبير Nicholas Breakspear وسمي باسم هدريان الرابع. وبعد عام من ذلك الوقت بعث هنري جون السلزبري إلى روما برسالة تنم عن كثير من الدهاء قال فيها إن أيرلندة في حال يرثى لها من الفوضى السياسية، والاضمحلال الأدبي، والانحطاط الخلقي، وعدم الاستقلال الديني والانحلال. وسأل البابا هل يسمح له بالاستيلاء على هذه الجزيرة التي تسودها النزعة الفردية، ويعيد إليها النظام الاجتماعي، ويرغمها على طاعة البابا هنري إلى طلبه، إذا جاز لنا أن نصدق جرالدس كمبرنسس Giraldus Cambrensis وأصدر مرسومًا بابويًا منح فيه هنري أيرلندة، مشترطًا عليه أن يعيد إليها الحكومة النظامية، وأن يجعل رجال الدين الأيرلنديين اكثر تعاونًا مع روما، وأن يُفرض بنس واحد، أي ما يعادل الآن (٨٣ slash ١٠٠ من الدولار الأمريكي) في كل عام على كل بيت في أيرلندة يؤدي إلى كرسي القديس بطرس (٥٢). ولم تكن مشاغل هنري وقتئذ تمكنه من أن يفيد من حالة الفوضى السائدة في أيرلندة، ولكنه ظل متحفزًا للإفادة منها.
وحدث في عام ١١٦٦ أن هزم تيرنان أورورك Tiernan o'Rourke، ملك بوفني Benfni درموت ماك مرو Dermot Mac Murrough ملك لينستر في حرب قامت بين الملكين لأن ثانيهما أغوى زوجة الأول. ولما طرد رعايا درموت مليكهم من البلاد فر هو وابنته الحسناء إيفا Eva إلى إنجلترا وفرنسا، وحصل على خطاب من هنري الثاني يؤكد فيه عطفه على فرد من رعاياه
[ ١٥ / ٢١٠ ]
يساعد درموت على استرداد عرش لينستر. وكانت نتيجة هذا التأكيد أن تلقي درموت من رتشرد فتز جلبرت Richdrd Fitz Gilbert إيرل بمبروك بويلز الملقب "بالقوس السمحة" وعدًا بالمساعدة العسكرية إذا تعهد له بأن يزوجه بإيفا وأن يخلفه على عرش مملكة درموت. وزحف رتشرد في عام ١١٦٩ على رأس قوة صغيرة من أهل ويلز إلى أيرلندة، وأعاد درموت إلى عرشه بمساعدة قساوسة لينستر، ولما توفي درموت (١١٧١) ورث مملكته. فما كان من روري أكنور Rory o' Connor ملك أيرلندة الأعلى وقتئذ إلا أن سار على رأس جيش لقتال الغزاة من أهل ويلز، وحاصرهم في دبلن وسد عليهم جميع المسالك. وهجم المحاصرون هجمة صادقة على الأيرلنديين وفكوا الحصار، وفر الإيرلنديون السيئو التدريب الناقصو العتاد. واستدعى هنري الثاني رتشرد فعبر البحر إلى ويلز، وقابل الملك، ووافق على أن يسلمه دبلن وغيرها من الثغور الأيرلندية، وأن يتولى ما بقي من لينستر إقطاعية من التاج البريطاني. ونزل هنري إلى البر قرب ووترفورد Waterford (١١٧١) على رأس قوة تبلغ أربعة آلاف رجل، وتلقي معونة رجال الدين الأيرلنديين، وقدمت له أيرلندة كلها عدا كونوت Connought وألسستر Ulster فروض الولاء، وتبدل فتح ويلز لأيرلندة فتحًا نورمانيًا- إنجليزيًا دون إراقة دماء. وعقد المطارنة الأيرلنديون مجلسًا دينيًا أعلنوا فيه خضوعهم للبابا خضوعًا تامًا، وقرروا أن تكون شعائر الكنيسة الأيرلندية من ذلك الحين متفقة مع شعائر كنيستي إنجلترا وروما. وسمح للكثرة الغالبة من ملوك أيرلندة أن يحتفظوا بعروشهم، على شريطة أن يعلنوا ولاءهم الإقطاعي لملك إنجلترا، وأن يؤدوا إليه جزية سنوية.
ونال هنري بغيته بمهارة فائقة واقتصاد في المال والأرواح، ولكنه أخطأ إذ ظن أن القوة التي تركها وراءه تستطيع المحافظة على السلم والنظام. يضاف إلى هذا أن عماله أخذوا يقتتلون لاقتسام الغنائم، كما شرع أعوانهم وجنودهم ينهبون
[ ١٥ / ٢١١ ]
البلاد دون أن تفرض عليهم إلا أقل رقابة، وسخر الفاتحون جهودهم لتحويل أهل أيرلندة إلى أرقاء أرض. وعمد الأيرلنديون إلى حرب العصابات يقاومون بها الفاتحين، وكانت نتيجة هذا أن هوت البلاد في وهدة الفوضى والدمار، وظلت ذلك قرنًا من الزمان، حتى عرض بعض الزعماء الأيرلنديين بلادهم على اسكتلندة في عام ١٣١٥. وكان ربرت بروس Robert Bruce الاسكتلندي قد هزم الإنجليز توا عند بنكبيرن Bannockbnrn قبل ذلك. ونزل إدوارد أخو روبرت في أيرلندة ومعه ستة آلاف رجل؛ وأصدر البابا يوحنا الثاني عشر قرارًا بحرمان كل من يساعد الأسكتلنديين، ولكن لأيرلنديين جميعهم تقريبًا ثاروا إجابة لنداء إدوارد، وتوجوه ملكًا على البلاد في عام ١٣١٦. ولكنه هزم وقتل بعد عامين من ذلك الوقت، وأخفقت الثورة وسط مظاهر الفقر واليأس.
ويقول رانلف هجدن Ranulf Higden، وهو رجل بريطاني عاش في القرن الرابع عشر، إن الاسكتلنديين شعب "مرح"، رجاله أقوياء، غلاظ إلى حد كبير، ولكنهم إذا امتزجوا بالإنجليز صلحت حالهم كثيرًا. وهم قساة على أعدائهم، يكرهون القيود أكثر من كراهيتهم كل شيء آخر، ويرون أن العار كل العار أن يموت منهم رجل في فراشه، والفخر كل الفخر أن يموت في ميدان القتال (٥٣).
وبقيت أيرلندة أيرلندية ولكنها فقدت حريتها، وأصبحت اسكتلندة بريطانية ولكنها بقيت حرة؛ وتضاعف عدد الإنجليز، والسكسون، والنورمان في الأراضي المنخفضة، وأعادوا تنظيم الحياة الزراعية حسب الأساليب الإقطاعية. وكان ملكولم الثالث Malcolm III (١٠٥٨ - ١٠٩٣) رجلًا محاربًا غزا إنجلترا عدة مرات، ولكن زوجته الملكة مرجريت كانت أميرة أنجليسكسونية نشرت اللغة الإنجليزية في البلاط الاسكتلندي، وجاءت إلى البلاد برجال الدين الذين يتكلمون اللغة الإنجليزية، وربت أبناءها على أسس التربية الإنجليزية واتخذ دافد الأول David I، (١١٢٦ - ١١٥٣) آخر هؤلاء الأبناء وأقواهم
[ ١٥ / ٢١٢ ]
الكنيسة أداته المختارة لحكم البلاد، وأنشأ في كلسو Kelso، ودراي بيرج Dryburgh، وملروز Melrose، وهولي رود Holyrood أديرة يتكلم رهبانها اللغة الإنجليزية، وجبى العشور (للمرة الأولى في اسكتلندة) لمعونة الكنيسة، وأغدق المال على الأساقفة ورؤساء الأديرة إغداقًا جعل الناس يحسبونه من القديسين وإن لم يكن منهم؛ وأضحت اسكتلندة في عهد دافد الأول كلها عدا مرتفعاتها ولاية إنجليزية (٥٤).
لكنها لم تكن أقل استقلالًا مما كانت قبل، فقد استحال المهاجرون الإنجليز اسكتلنديين محبين لوطنهم الجديد، وخرج من بينهم آل استيورت Stuart وآل بروس Bruce. وغزا دافد الأول نورثمبرلند وافتتحها، ثم فقدها ملكولم الرابع (١١٥٣ - ١١٦٥)؛ وحاول وليم الأسد William the Lion (١١٦٥ - ١٢١٤) أن يستردها، فأسره هنري الثاني ولم يطلقه إلا بعد أن تعهد بإخضاع التاج الاسكتلندي لملك إنجلترا (١١٧٤). وبعد خمسة عشر عامًا من ذلك الوقت استطاع أن يتحلل من هذا العهد بأن ساعد رتشرد الأول بالمال في الحرب الصليبية الثالثة، ولكن الملوك الإنجليز ظلوا يطالبون بسيادتهم الإقطاعية على اسكتلندة. واسترد اسكندر الثالث (١٢٤٩ - ١٢٦٨) جزائر هبريدة Hebrides من النرويج، واحتفظ بصلات الود والصداقة مع إنجلترا، ووهب اسكتلندة عصرًا ذهبيًا يسوده السلم والرخاء.
وتنازع ربرت بروس، وجون بليول John Balliol ولدا دافد الأول على العرش بعد وفاة اسكندر. وانتهز إدوارد الأول ملك إنجلترا هذه الفرصة وتدخل في النزاع وأصبح بليول ملكًا على اسكلندة بفضل تأييده له، واعترف بسيادة إنجلترا العليا على بلاده (١٢٩٢). فلما أمر إدوارد بليول أن يجهز جيشًا ليقاتل مع إنجلترا في فرنسا، تمرد النبلاء والأساقفة الاسكتلنديون، وأمروا بليول أن يعقد حلفًا مع فرنسا على إنجلترا (١٢٩٥)، وهزم إدوارد الاسكتلنديين عند
[ ١٥ / ٢١٣ ]
ودنبار (١٢٩٦)، وتقبل خضوع أشراف البلاد، وخلع بليول عن العرش، وعين ثلاثة من الإنجليز ليحكموا اسكتلندة بالنيابة عنه، وعاد بعد ذلك إلى إنجلترا.
وكان كثيرون من النبلاء الاسكتلنديين يملكون أرضًا في إنجلترا، فكان عليهم لهذا السبب واجب الطاعة لمليكها. ولكن قدماء الغاليين الاسكتلنديين ساءهم هذا الاستسلام أشد الاستياء، فأعد واحد منهم يدعى وليم ولاس Willaim Wallace جيشًا من عامة الاسكتلنديين"، وبدد شمل الحامية الإنجليزية، وظل عامًا كاملًا يحكم إنجلترا نائبًا عن بليول. ثم عاد إدوارد وهزم ولاس في فولكيرك Falkirk (١٢٩٨)، وقبض عليه في ١٣٠٥، وأمر به فبقرت بطنه وقطعت أطرافه عملًا بقانون الخيانة الإنجليزي.
وأرغم مدافع آخر عن استقلال أيرلندة على الخروج إلى الميدان بعد عام من ذلك الوقت. ذلك أن ربورت بروس حفيد بروس الذي كان يطالب بالعرش في عام ١٢٨٦ تنازع مع جون كومين John Comn، من كبار ممثلي إدوارد الأول في اسكتلندة، وقتله. ولم يكن أمام بروس بعد هذا العمل إلا العصيان، فتوج نفسه ملكًا على اسكتلندة، وإن لم يؤيده إلا نفر من أعيان البلاد، وإن كان البابا قد حرمه جزاء له على جريمته. وزحف إدوارد مرة أخرى صوب الشمال ولكنه مات في الطريق (١٣٠٧). وكان عجز إدوارد الثاني نعمة على بروس وبركة، فقد انضوي رجال اسكتلندة ورجال الدين فيها تحت لواء طريد القانون، واستولت جيوشه يقودها أخوه إدوارد وسير جيمس دجلاس Sri James Douglas ببسالة عظيمة على إدنبرة، وغزت نورثمبرلند، وانتزعت درهام من الاسكتلندين. وزحف إدوارد الثاني في عام ١٣٠٤ على اسكتلندة بأكبر جيش شهدته البلاد في تاريخها الماضي كله، والتقى بالاسكتلنديين عند بنكبيرن Bannockburn. وكان بروس قد أمر رجاله بأن يحفروا أمام موقعه
[ ١٥ / ٢١٤ ]
حفرًا يخفونها عن الأعين، فلما هجم عليه الإنجليز سقط الكثيرون منهم في هذه الحفر، وهلك الجيش الإنجليزي حتى لم يكد يبقى منه أحد. واشتبك الأوصياء على إدوارد الثالث في حرب مع فرنسا في عام ١٣٢٨، ووقعوا معاهدة نورثمبتون Northampton، وتحررت اسكتلندة مرة أخرى.
وقام في هذه الأثناء نزاع آخر في ويلز أسفر عن نتيجة تختلف عن النتيجة السابقة. ذلك أن وليم الأول طالب بالسيادة عليها بوصف كونها جزءًا من مملكة هرولد Harold المنهزم. ولم يتسع له الوقت لضمها إلى فتوحه، ولكنه أقام على حدودها الشرقية ثلاث مقاطعات على رأس كل منها إيرل Earl، وشجع رؤساء هذه المقاطعات على أن يوسعوا حدودها في ويلز. وكان القراصنة النورمان يجتاحون وقتئذ ويلز الجنوبية، وهم الذين تركوا فتز Fitz (أي ابن) في بعض أسماء أهل تلك البلاد. ثم أخضع كدرجان آب بلدين Cadwgan ap Blepyn أولئك النورمان في عام ١٠٩٤؛ وهزم أهل ويلزا الإنجليز عند كروين Corwen في عام ١١٦٥؛ وشغل هنري الثاني بالنزاع مع بكت، فاعترف باستقلال ويلز الجنوبية تحت حكم مليكها المستنير رايس آب جرفيد Rhys ap Graffyn، (١١٧١)، وبسط لويلين الأكبر Llywelyn the Great حكمه على جميع البلاد بفضل مقدرته العظيمة في الحرب والسياسة؛ ثم تنازع أبناؤه فيما بينهم وأشاعوا الاضطراب في أنحاء البلاد، ولكن حفيده لويلين آب جرفيد (المتوفى عام ١٢٨٢) رد إلى البلاد وحدتها، وعقد الصلح مع هنري الثالث، وأنشأ لنفسه لقب أمير ويلز. وعقد إدوارد الأول عزمه على أن يضم ويلز واسكتلندة إلى إنجلترا، فغزا ويلز بجيش ضخم وعمارة بحرية قوية (١٢٨٢)؛ وقُتِل لويلين حين التقى مصادفة بقوة صغيرة على الحدود، وقبض إدوارد على أخيه دافد، وعلق رأسه بعد أن فصل عن جسمه هو ورأس لويلين من برج لندن، وتركهما حتى نحلت شعرهما الشمس والرياح والأمطار. وأضحت ويلز جزءًا من إنجلترا (١٢٨٤)،
[ ١٥ / ٢١٥ ]
وخلع إدوارد في عام ١٣٠١ لقب أمير ويلز على ولي عهد إنجلترا.
واحتفظ أهل ويلز في أثناء هذا الارتفاع والهبوط بلغتهم وعاداتهم، وظلوا يفلحون أرضهم الصلبة بشجاعة وجلد، ويسلون أنفسهم في الليل والنهار بالأقاصيص، والشعر، والموسيقى، والغناء. وصاغ شعراؤهم في ذلك الوقت قصص مابينوجيون Mabinogion، ومزجوا الأدب مزجًا فذًا مقطوع النظير بالحنان الصوفي ذي النغم الجميل. وكان الشعراء والمغنون الجائلون يجتمعون في كل عام في مجلس وطني نستطيع أن نرجع بتاريخه إلى عام ١١٧٦، تعقد فيه المباريات في الخطابة، والشعر، والغناء، والعزف على الآلات الموسيقية؛ وكان أهل ويلز مقاتلين بواسل، ولكنهم لم يكونوا يصبرون على الحرب الطويلة الأمد، وكانوا يتوقون إلى العودة إلى أوطانهم يحمون بأنفسهم نساءهم وأطفالهم وبيوتهم، وكان من أمثالهم مثل يتمنون فيه أن يكون "كل شعاع من أشعة الشمس خنجرًا يطعن صدور المحبين للحرب" (٥٥).
[ ١٥ / ٢١٦ ]
الفصل العاشر