١٠٨٥ - ١٢٩٤
ولم يقض على النزاع الذي قام به الكنيسة والدولة حول المناصب الكنسية بعد عهد جريجوري السابع وانتصار الإمبراطورية في الظاهر، بل ظل هذا النزاع قائمًا جيلًا من الزمان، تولى فيه عدة أحبار، وانتهى بتراض بين الطرفين في اتفاق ورمز Worms (١٢٢٢) الذي عقد بين البابا كلكستس الثاني Calixtus II والإمبراطورية هنري الخامس. وقد سلم هنري بمقتضى هذا الاتفاق بحق الكنيسة في "تعيين كل من يتمتعون بالخاتم والعصا، ورضي أن يجري انتخاب الأساقفة ورؤساء الأدير حسب القوانين الكنسية"، اي أن يقوم به رجال الدين أو الرهبان ذو الشأن" وأن يكون بمأمن من كل تدخل" واستخدام للمال. ووافق كلكستس على أن يجري انتخاب الأساقفة ورؤساء الأديرة الذين يمتلكون أرضًا من التاج في حضور الملك، وأنه إذا قام النزاع حول الانتخابات كان من حق الملك أن يفصل بين المتنازعين بعد استشارة أساقفة الإقليم، وأن على الأسقف أو رئيس الدير الذي يمتلك أرضًا من الملك أن يؤدي له جميع الالتزامات الإقطاعية التي يجب على التابع أن يؤديها للمتبوع (١١٨) وكانت اتفاقات مماثلة لهذا الاتفاق قد عقدت قبل ذلك الوقت مع إنجلترا وفرنسا. وأدعى كل من الطرفين أنه هو المنتصر، والحق أن الكنيسة تقدمت بهذه الاتفاقيات خطوة كبيرة نحو استقلالها بشؤونها، ولكن الروابط الإقطاعية ظلت تعطي الملك الكلمة المسموعة في اختيار الأساقفة في جميع أنحاء أوروبا (١١٩).
[ ١٦ / ٥٨ ]
وحدث في عام ١١٣٠ أن انقسمت هيئة الكرادلة شيعتين، اختارت إحداهما لكرسي البابوية إنوسنت الثاني واختارت الثانية أنكليتس الثاني Anacletus II. وكان أتكليتس ينتمي إلى أسرة بييرليوني Pierleoni الشريفة، ولكنه كان له جد يهودي اعتنق الدين المسيحي، وكان معارضوه يسمونه (الجد اليهودي)، وبعث القديس برنار، وهو رجل كان في غير هذا الظرف الخاص صديقًا لليهود، برسالة إلى الإمبراطور لوثير الثاني Lothaire II يقول إن "مما يجلل المسيح بالعار أن يجلس رجل من أصل يهودي على كرسي القديس بطرس" - وقد نسي قوله هذا أصل بطرس نفسه. وأيدت كثرة رجال الدين، وأيد ملوك أوروبا كلهم إلا واحدًا منهم، إنوسنت الثاني، وأخذت الجماهير في أوروبا تسلي نفسها بتوجيه المثالب لأنكليتس، واتهامه بأنه يضاجع المحرمات عليه، وينهب الكنائس المسيحية ليغنى بأموالها أصدقاءه اليهود، ولكن أهل روما ظلوا يؤيدونه إلى يوم وفاته (١١٣٨). وأكبر الظن أن قصة أنكليتس هي مصدر خرافة أندريس Andreais التي ذاعت في القرن الرابع عشر عن (البابا اليهودي) (١١٩).
وكان هدريان الرابع (١١٥٤ - ١١٥٩) مثلًا آخر لما يستطيع أن يرقى إليه من الدرجات الرفيعة ذوو المواهب السامية. فقد ولد من أسرة وضيعة في إنجلترا، وجاء إلى أحد الأديرة يطلب الصدقات. وارتفع نقولاس بريكسبير Nicholas Breakspear بجدارته وحدها إلى منصب رئيس الدير وإلى كردينال ثم إلى بابا. ووهب إيرلندة إلى هنري الثاني ملك إنجلترا، وأرغم بربروسه أن يستعيد السلطة التي كانت للأباطرة الألمان
[ ١٦ / ٥٩ ]
على البابوية، فدعا كلا الرجلين لأن يعرضا عليه مطالبهما. فأما الإسكندر فرفض الطلب، وأما فكتور فقبله، وأيد بربروسه في مجمع بافيا المقدس (١١٦٠) اختيار فكتور لكرسي البابوية، فما كان من الإسكندر إلا أن أصدر قرارًا بحرمان فرديك، وأعفى رعايا الإمبراطور من طاعته في الشؤون المدنية، وساعد الثورة القائمة عليه في لمباردية. وأذل انتصار الجامعة المباردية في ليانو (١١٧٦) فرديك، فعقد الصلح مع الإسكندر في مدينة البندقية، وقبل قدمي البابا مرة أخرى. وأرغم هذا البابا نفسه هنري الثاني ملك إنجلترا على أن يسير حافي القدمين إلى قبر بكت Becket، وأن يتلقى هناك درسًا في الطاعة من قساوسة كنتربري. وكان كفاح الإسكندر زمنًا طويلًا ونصره المؤزر في هذا الكفاح هما اللذين مهدا السبيل لبابا من أعظم البابوات على بكرة أبيهم.
ولد إنوسنت الثالث في أنياني القريبة من روما في ١١٦١. وكان وهو لا يزال يسمى أوتاربودي كنتي Lotariodi conti، ابن كونت سيني Segni يتصف بجميع المزايا التي يمتاز بها أبناء الأشراف ممن نالوا قسطًا كبيرًا من الثقافة. ثم درس الفلسفة واللاهوت في باريس، والشريعة الكنسية والمدنية في بولونيا Bologna، ولما عاد إلى روما استطاع بمهارته الدبلوماسية، وعلمه الواسع بالعقائد الدينية، وصلاته بأصحاب النفوذ، أن يرقى رقيًا سريعًا في المناصب الدينية، فكان وهو في الثلاثين من عمره شماسًا أكبر، ولما بلغ السابعة والثلاثين اختير بابا بإجماع الآراء وإن لم يكن قد اصبح قسيسًا (١١٩٨)، وجلس على كرسي البابوية في اليوم التالي ليوم اختياره، وكان من حسن حظه أن الإمبراطور هنري السادس الذي تمت له السيادة على إيطاليا وصقلية قد مات في عام ١١٩٧ وترك عرش الإمبراطورية لفرديك الثاني، وهو طفل في الثالثة من عمره. وانتهز إنوسنت هذه الفرصة السانحة، وكان في استخدامها جد عنيف: فقد طرد رئيس بلدية روما الألماني من منصبه، وأخرج الملتزمين الألمان من
[ ١٦ / ٦٠ ]
اسيوليتو Spoleto وبروجيا Perugia، وتقبل خضوع تسكانيا، وأعاد حكم البابا في الولايات البابوية، واعترفت به أرملة هنري سيدًا أعلى للصقليتين، وقبل هو أن يكون وصيًا عل ابنها، ولم تمض عشرة شهور حتى كان إنوسنت سيد إيطاليا بلا منازع.
ويدل ما لدينا من الشواهد على أنه كان أعظم أهل زمانه عقلًا، فقد ألف وهو في بداية العقد الرابع من عمره أربعة كتب في علوم الدين، تمتاز بغزارة المادة وبلاغة الأسلوب، ولكن هذه الكتب قد طغى عليها سنًا شهرته السياسية. وكانت عباراته التي ينطق بها في الشؤون البابوية تمتاز بالوضوح والتفكير المنطقي السليم، وقوة العبارة، ولولا منصبه الديني لبلغ في الفلسفة ما بلغه أكويناس، وبلغ في الأدب مبلغ أبلار وإن امتاز عنه بصدق العقيدة. وقد أكسبته عيناه الثاقبتان، وأكسبه وجهه السمر، مهابة لم ينقص منها قصر قامته. ولم تكن تعوزه الفكاهة، وكان يجيد الغناء، ويقرض الشعر، وكان رقيق الحاشية، وفي وسعه إذا شاء أن يكون رحيمًا، صبورًا، ومتسامحًا فيما يمس شؤونه الخاصة. أما فيما يختص بعقيدته وأخلاقه، فلم يكن يقبل اي أنحراف عن أحكام الكنيسة أو مبادئها الخلفية، وإذا كان عالم الإيمان والأمل المسيحيين هو الدولة التي دعي لحمايتها فقد كان يسعه للدفاع عنها. وكان وهو الذي ولد في مهد الثراء يعيش عيشة البساطة الفلسفية، طول حياته، طاهر اليد في عصر فشت فيه الرشوة في كل مكان (١٢٠). وما كاد يتولى منصبه حتى حرم على موظفي هيئة الكرادلة أن يتقاضوا أجرًا على ما يقومون به من أعمال. وكان يجب أن يرى كرسي الرسول بطرس يثري من مال العالم كله، ولكنه كان يصرف أموال البابوية بنزاهة معقولة. وكان دبلوماسيًا بارعًا، وكان له نصيب معتدل من النقائض الخلقية التي تلازم هذه الحرفة الممتازة (١٢١). وكأن الزمن قد عاد به
[ ١٦ / ٦١ ]
أحد عشر قرنًا إلى الوراء، فجعله إمبراطورًا رومانيًا رواقيًا أكثر منه مسيحيًا، لا يشك قط في أن من حقه أن يحكم العالم.
وكان من الطبيعي، وذكرى هؤلاء البابوات الأقوياء لا تزال مائلة في أذهان أهل روما، أن يقيم إنوسنت سياسته على الاعتقاد بقداسة منصبه ورسالته. ولهذا كان شديد الحرص على أبهة الاحتفالات البابوية وفخامتها، ولم ينزل قط أمام الجماهير عن قلامة ظفر من جلال منصبه وعظمته. وكان صادق الإيمان بأنه هو وارث السلطات التي يعتقد الناس عامة أن المسيح وهبها للحواريين وللكنيسة، فلم يكن في مقدوره أن يعترف بأن لأحد ما له هو من السلطان. ومن أقواله في هذا المعنى: "إن المسيح لم يترك لبطرس حكم الكنيسة كلها فحسب بل ترك له حكم العالم بأجمعه" (١٢٢) ولم يكن يدعي لنفسه السلطة العليا في الشؤون الأرضية أو الزمنية الخالصة، اللهم إلا في الولايات البابوية (١٢٣)، ولكنه كان يصر على أنه إذا ما تعارضت السلطة الروحية مع السلطة الزمنية وجب أن تسمو السلطة الروحية على السلطة الزمنية كما تسمو الشمس على القمر. وكان يستمسك بالمثل الأعلى الذي يستمسك به جريجوري السابع - وهو أن على الحكومات أن ترضي بأن يكون لها مكان في دولة عالمية يتولى البابا رياستها، على أن تكون له الكلمة العليا في جميع الشؤون القضائية، والأخلاقية، والعقائد الدينية، وأوشك في وقت ما أن يحقق هذا الحلم، فقد نفذ جزءًا من خطته على أثر استيلاء الصليبيين على القسطنطينية في عام ١٢٠٤، إذ خضعت الكنيسة اليونانية إلى أسقف روما، واستطاع أن يتحدث وهو مغتبط عن ثوب المسيح غير المخيط، وأخضع بلاد العرب وأرمينية البعيدة نفسها السيطرة الكرسي البابوي في روما، واستطاع أن يكون هو صاحب الحق في تعيين رجال الدين في مناصبهم، واندفع في سلسلة من المغامرات والنزاع الخطيرة انتهت بإرغام رؤساء الحكومات الأوروبية على الاعتراف، بسيادته عليهم سيادة لم يسبق لها من قبل مثيل.
[ ١٦ / ٦٢ ]
هذا في خارج إيطاليا، أما في إيطاليا نفسها فكانت سياسته أقل من هذا نجاحًا: فقد عجز فيما بذله من جهود متعددة للقضاء على الحروب القائمة بين دول المدن الإيطالية، ونغص عليه أعداؤه السياسيون في روما حياته وجعلوها غير آمنة حتى في وقت من الأوقات يخشى المقام في عاصمته. كذلك أفلح الملك شفير Severre النرويجي (١١٨٤ - ١٢٠٢) في مقاومته بالرغم من صدور قرار الحرمان عليه (١٢٤) هو وبلاده، وتجاهل فيليب الثاني ملك فرنسا أمره حين عقد الصلح مع إنجلترا، وإن كان قد خضع لما أصر عليه البابا من أن يعيد زوجته التي هجرها، واقتنع ألفنسو التاسع صاحب ليون Leon أن يفارق برنجاريا Berengaria التي تزوجها لأنها من قريباته المحرمات عليه. واعترفت البرتغال، وأرغونة، وبلاد المجر، وبلغاريا، بأنها إقطاعيات بابوية، وأعطت البابا جزية سنوية، ولما رفض الملك جون أمر البابا بتعيين لانجتن Langton كبيرًا أساقفة منتربري اضطره البابا بقرار التحريم الذي أصدره على إنجلترا وبدهائه السياسي أن يضم إنجلترا إلى الأقطاعات البابوية. ووسع إنوسنت سلطانه في ألمانيا بأن أعان أتو الرابع على فيليب صاحب سوابيا Swabia ثم أعان فيليب على أتو، وحصل في كلتا الحالتين على منح وامتيازات للبابوية نظير انتصاره لكلا الطرفين المتنازعين، فضلًا عن تحرير الولايات البابوية مما كان يتهددها من التطويق، وأذكر الإمبراطور أن بابا من البابوات هو الذي "نقل" السلطة الإمبراطورية من اليونان إلى الفرنجة، وأن شارلمان لم يصبح إمبراطورًا إلا بعد أن مسحه البابا وتوجه، وأن في مقدور البابوات أن يستردوا ما منحوا. وحسبنا دليلًا على سلطان إنوسنت ما وصفه به زائر بيزنطي إلى رومة إذ قال أن إنوسنت "ليس خليفة بطرس بل خليفة قسطنطين" (١٢٥).
وقد أحبط ما بذله الحكام الزمنيون من جهود لفرض الضرائب على رجال الدين دون رضاء البابا، ورصد المال في الكرسي البابوي لمعونة القساوسة المحتاجين،
[ ١٦ / ٦٣ ]
وبذل ما في وسعه لتحسين تربية رجال الدين وتعليمهم، وقد رفع من منزلتهم الاجتماعية حين عرف الكنيسة بأنها ليست جميع المؤمنين المسيحيين بل هي جميع رجال الدين المسيحيين، وقاوم عادة استيلاء الأساقفة أو رؤساء الأديرة على العشور التي تجمع من الأبرشيات وحرمان قساوسة الأبرشية منها (١٢٦). وعمل على إصلاح ما كان في أديرة الرجال والنساء من تراخ وإهمال بأن نظم زيارات متتابعة لهذه الأديرة لمعرفة أحوالها والتفتيش عليها. واستطاع بفضل ما وضعه من التشريعات أن يحدد العلاقة بين رجال الدين وغير رجال الدين، وبين القساوسة والأساقفة، والأساقفة والبابوات. ورفع من شأن المجلس البابوي فجعله محكمة قديرة للمشورة، والإدارة، والقضاء، حتى أضحت وقتئذ أقدر هيئة حاكمة في زمانها، وقد ساعدت إجراءاتها ومصطلحاتها على تشكيل فن الدبلوماسية وطرائقها. وأكبر الظن أن إنوسنت نفسه كان أعظم أهل زمانه تبحرًا في القانون، وأنه كان قادرًا على أن يجد في المنطق والسوابق سندًا قانونيًا لكل قرار يصدره. وكان العلماء والمشترعون يهرعون إلى "مجمع الكرادلة" حيث كان يرأس هذه الهيئة بوصفها المحكمة الكنسية العليا، ليفيدوا من نقاشها وأحكامها في المسائل القانونية المدنية والدينية، وقد اسماه بعضهم "أبا القانون Pater Iuris (١٢٧)، وأسماه آخرون حبًا وتفكهًا سليمان الثالث (١٢٨).
وكان آخر ما ناله من نصر بوصفه مشترعًا وبابا أن رأس في عام ١٢١٥ مجلس لاتران الرابع الذي عقد في كنيسة القديس يوحنا بروما. وأقبل على هذا المجلس العام الثاني عشر ألف وخمسمائة من رؤساء الأديرة، والأساقفة، ورؤساء الأساقفة، وغيرهم من علية رجال الدين والمندوبين فوق العادة من جميع الأمم ذات الشأن في العالم المسيحي المتحد. وكانت خطبة الافتتاح التي ألقاها البابا اعترافًا وتحديًا غاية في الجرأة إذ قال "إن أكبر سبب في فساد الخلق هو فساد رجال الدين أنفسهم، وهذا هو مصدر كل ما في العالم المسيحي من شرور: فقد
[ ١٦ / ٦٤ ]
انمحى الإيمان، وطمست معالم الدين ووطئت العدالة بالأقدام، وكثر الخارجون على الدين، وجرؤ الناس على الانشقاق، وازداد غير المؤمنين قوة، وانتصر المسلمون (١٢٩) ". ورضيت سلطات الكنيسة وعقولها المجتمعة في هذا المجلس أن يسيطر عليها رجل واحد سيطرة تامة، فكانت أحكامه هي قرارات المجلس، وقبلت هذه السلطات أن يعيد هو تعريف عقائد الكنيسة الأساسية، وأن يحدد معناها، وعرفت لأول مرة تعريفًا رسميًا عقيدة استحالة العشاء الرباني إلى لحم المسيح ودمه. وقبل المجلس قرارات البابا التي تطلب إلى غير المسيحيين في البلاد المسيحية أن يلبسوا شارة خاصة تميزهم من غيرهم، واستجاب بحماسة إلى دعوته بشن حرب على الملاحدة الألبجنسيين، ولكنه أيضًا أيده في الاعتراف بنقائض الكنيسة وعيوبها، وشهر ببيع المخلفات الزائفة، وانتقد انتقادًا شديدًا صكوك الغفران التي "لا تتورع بعض رجال الدين عن منحها ويسرفون في ذلك إسرافًا بعيدًا عن الحكمة، والتي أضحت مفاتيح الكنيسة بفضلها محتقرة، وفقدت التوبة ما كان لها من قوة" (١٣٠). وحاول المجلس أن يصلح حياة الرهبنة إصلاحًا شاملًا، وندد بإدمان رجال الدين الخمر وما انحدروا إليه من فساد في الأخلاق، وزواج في الخفاء، واتخذ بإزائهم إجراءات شديدة، ولكنه رفض ما ادعاه الألبجنسيون من أن كل اتصال بين الرجال والنساء إثم. وملاك القول أن مجلس لاتران الرابع كان في كثرة من حضره، وفي اتساع مداه وآثاره، أهم مجمع عقدته الكنيسة بعد مجلس نيقيه.
وبعد أن بلغ إنوسنت ذروة المجد في حياته أخذ ينهار مسرعًا نحو منيته العاجلة. ذلك أنه قد انهمك في توسيع سلطانه وإدارة أعماله انهماكًا دائمًا لم يخلد فيه قط إلى شيء من الراحة، وأنهك قواه وهو لا يزال في الخامسة والخمسين من عمره. ومن أقواله وهو يتحسر: "ليس لدي متسع من الوقت أفكر فيه في الشؤون السماوية، بل إني قلما أجد وقتًا للتنفس، ولقد كرست حياتي لغيري
[ ١٦ / ٦٥ ]
حتى كدت أصبح غريبًا عن نفسي (١٣١) " ولعله كان يسعه في آخر سنة من حياته أن يرجع بذاكرته إلى أعماله، وأن يحكم عليها حكمًا موضوعيًا أصدق من حكمه عليها في غمرة النزاع الذي كان وقت أن قام بها. لقد أخفقت الحملات الصليبية التي نظمها لاسترداد فلسطين، وكانت الحملة التي نجحت بعد وفاته هي التي أبيد فيها الألبجنسيون في جنوبي فرنسا بوحشية مجردة من كل رحمة. نعم إنه نال إعجاب مواطنيه، ولكنه لم ينل حبهم كما نال جريجوري الأول أو ليو التاسع، وقد شكا بعض رجال الدين من أنه كان ملكًا أكثر منه رجل دين، وظن القديس لتجاردس Lutgardia أنه لن يستطيع الفرار من النار إلا بشق الأنفس (١٣٢)، وحتى الكنيسة نفسها امتنعت عن أن تسلكه في عداد القديسين وفيهم من هم أقل وأكثر منه إطاعة لصوت الضمير، وإن كانت تفخر بعبقريته وتشكر له صادق جهوده.
ولكننا لا ينبغي لنا أن نضن عليه بأنه رفع الكنيسة إلى ذروة مجدها، وأوشك أن يحقق ما كانت تحلم به من أن تصبح دولة عالمية مسيطرة على شؤون الناس الأخلاقية. وكان هو أقدر حكام زمانه، يعمل لتحقيق أغراضه ببعد نظر، وإخلاص، ومزيج من الإصرار والمرونة، وجهود لا يكاد يصدقها الإنسان، فلما مات في عام ١٢١٦ كانت الكنيسة قد بلغت من دقة التنظيم، وعظيم الأبهة، وبعد الصيت، وقوة السلطان، ما لم تعرف له نظيرًا قبل، وما لم تستمع بعد إلا في فترات جدًا نادرة وقصيرة.
وليست لهونوريوس الثالث (١٢١٦ - ١٢٢٧) منزلة عالية في سجلات التاريخ القاسية، لأنه كان لرقة حاشيته عاجزًا عن أن يخوض بقوة الحرب الناشبة بين الإمبراطورية والبابوية، أما جريجوري التاسع (١٢٢٧ - ١٢٤١) فقد خاض غمار هذه الحرب بعزيمة تكاد تصل إلى درجة التعصب، وأن كان قد بلغ الثمانين من العمر حين جلس على كرسي البابوية وقد حارب فرديك
[ ١٦ / ٦٦ ]
الثاني وانتصر عليه انتصارًا كان من أثره أن تأخر عصر النهضة مائة عام، وهو الذي نظم محكمة التفتيش، ولكنه كان إلى ذلك مخلصًا إخلاصًا لا يرقي إليه الشك، تقيا إلى حد البطولة، قويًا في دفاعه عما حسبه أثمن ما يملكه بنو الإنسان وهو الدين الذي جاء به المسيح.
وهل كان هذا الرجل قاسيًا غليظ القلب، وهو الذي حمى كردينال فرانسس وهداه بحكمته، ولولا هذا لكان من الجائز أن يصبح من الملحدين المارقين. وقضى إنوسنت الرابع (١٢٤٣ - ١٢٥٤) على فردريك الثاني، وأقر استخدام محكمة التفتيش للتعذيب (١٣٣). وكان نصيرًا صادقًا للفلسفة، مساعدًا للجامعات، مؤسسًا لمدارس القانون. وكان اسكندر الرابع (١٢٥٤ - ١٢٦١) محبًا للسلم، رحيمًا، شفيقًا عادلًا "أدهش العالم بعده على الاستبداد" (١٣٤) ومعارضته لصفات أسلافه العسكرية" (١٣٥)، بفضل التقى عن السياسة، وقد مات "كسير القلب" كما يقول مؤرخ فرنسسكاني "ولم ينقطع يومًا عن التفكير فيما بين المسيحيين من نزاع متزايد رهيب" (١٣٦)، وعاد كلمنت الرابع (١٢٦٥ - ١٢٦٨) إلى امتشاق الحسام، ودبر هزيمة مانفرد Manfred، وقضى على أسرة هو هنستاوفن وعلى ألمانيا الإمبراطورية. ولما استعاد اليونان مدينة القسطنطينية تعرض الاتفاق القائم بين الكنيسة اليونانية والرومانية لخطر الزوال، ولكن جريجوري العاشر (١٢٧١ - ١٢٧٦) استحق جمد ميخائيل بليجوس Miehael Palealogus بمقاومته مطامع شارل دوق أنجو في الاستيلاء على القسطنطينية، فلما عاد إمبراطور الروم إلى ملكه أخضع الكنيسة اليونانية إلى روما، وعادت البابوية إلى ما كانت عليه من تفوق.
[ ١٦ / ٦٧ ]
الفصل الثامن