(٨٦٧ - ١٠٤٩)
كانت روما آخر المدن التي وصل إليها الإصلاح. ذلك أن أهل هذه المدينة كانوا على الدوام مشاكسين صعاب المراس حتى في الوقت الذي كان فيه النسر الإمبراطوري يفيض بمخلبيه على الفيالق الضخمة يسيرها أينما شاء. أما في الوقت الذي نتحدث عنه فكل ما كان يعتمد عليه البابوات هو جيش مرابط ضعيف، ومكانة منصبه السامية، ورهبة دينهم، ولهذا وجدوا أنفسهم سجناء في أيدي أرستقراطية تحسدهم على منزلتهم وأهلين يضعف من تقواهم قربهم من عرش بطرس. وكان الرومان أعز نفسًا من أن يثأروا بالملوك كما كانوا أكبر من أن يرهبهم البابوات لطول ما ألفوا صحبتهم والاختلاط بهم، فقد كانوا يرون في خلفاء المسيح في الأرض رجالًا مثلهم يمرضون، ويخطئون، ويأثمون، ويغلبون، فلم تعد البابوية في اعتقادهم حصنًا حصينًا للنظام وملجأً عاصمًا للنجاة، بل أضحت طائفة من العمال يجمعون الصدقات من أوربا لمساكين روما. وكانت تقاليد الكنيسة تقضي بألا يختار البابا بغير رضاء رجال الدين في روما وأشرافها وجمهرة سكانها، وتفرق حكام أسبوليتو، وبنفنتوا، ونابلي، وتسكانيا، وأشراف روما شيعًا وأحزابًا كما كانوا في عهدهم القديم، وكان الحزب صاحب اليد العليا في المدينة يحيك الدسائس لاختيار البابا والسيطرة عليه. وقد عملوا جميعًا على تدهور البابوية في القرن العاشر إلى أحط مستوى وصلت إليه في تاريخها كلها.
من ذلك أنه في عام ٨٧٨ دخل لامبير Lambert دوق اسبوليتو مدينة روما على رأس جيشه، وقبض على البابا يوحنا السابع، وحاول أن يرغمه بتجويعه على تأييد ترشيح كارلومان لعرش الإمبراطورية. وفي عام ٨٩٧ أمر البابا استيفن
[ ١٤ / ٣٧٧ ]
السادس بأن تخرج جثة البابا فورموسوس Formosus، (٨٩١ - ٨٩٦) من قبرها، وترتدي الملابس الأرجوانية، وتحاكم أمام مجلس كنسي بتهمة مخالفتها بعض قوانين الكنيسة، ثم يحكم بإدانتها، وتجرد من ثيابها الكهنوتية، وتبتر على أعضائها وتلقى في نهر التيبر (٤٦). وثارت في العام نفسه ثورة سياسية في روما خلع على أثرها استيفن من منصبه، وقتل في السجن خنقًا (٤٧). وظل كرسي البابوية عدة سنين بعد ذلك الوقت لا ينال إلا بالرشا أو القتل، أو رغبات النساء ذوات القوام السامي والخلق الدنيء، وبقيت أسرة ثيوفيلاكت Theophylact، أحد كبار الموظفين في قصر البابا، ترفع البابوات إلى كراسيهم وتنزلهم عنها كما يحلو لها. واستطاعت ابنته مروزيا Marozia أن تنح في اختيار عشيقها سرجيوس الثالث لكرسي البابوية (٩٠٤ - ٩١١) (٤٨)، كما أفلحت زوجته ثيودورا في تنصيب البابا يوحنا العاشر (٩١٤ - ٩٢٨). وقد اتهم يوحنا هذا بأنه عشيق ثيودورا، ولكن هذا الاتهام لا يقوم عليه دليل قاطع (٤٩)، وما من شك في أنه كان زعيمًا ممتازًا في الشئون الزمنية، لأنه هو الذي عقد الحلف الذي رد زحف المسلمين على روما في عام ٩١٦. وظلت مريوزا تستمتع بعدد من العشاق واحدًا بعد واحد حتى تزوجت جويدو Guido دوق تسكانيا؛ وأخذا يأتمران لخلع يوحنا، وعملا على قتل أخيه بطرس أمام عينيه، ثم زج البابا في السجن حيث مات بعد أشهر قليلة ميتة لا تُعلم أسبابها، ثم رفعت مريوزا في عام ٩٣١ يوحنا الحادي عشر (٩٣١ - ٩٣٥) إلى كرسي البابوية، وكان الشائع على الألسنة أن يوحنا هذا ابن لها غير شرعي من سرجيوس الثالث (٥٠). وفي عام ٩٢٣ سَجَن ابنها ألبريك Alberic يوحنا هذا في قلعة سان أنجيلوا Sant' Angelo، ولكنه سمح له أن يصرف من سجنه شئون البابوية الروحية، وظل ألبريك يحكم روما اثنتين وعشرين سنة، كان فيها الطاغية المسيطر "على جمهورية رومانية". وأوصى وهو على فراش الموت بأن يخلفه من بعده ابنه أكتافيان Octavian
[ ١٤ / ٣٧٨ ]
وحمل رجال الدين والشعب على أن يعدوه باختيار أكتافيان بابًا بعد موت أجابتوس Agapetus الثاني. وتم له ما أراد، فأصبح حفيد مروزيا هو البابا يوحنا الثاني عشر، وامتازت مدة ولايته بضروب من التهتك والدعارة في قصر لاتيران Lateran، (٥١) .
وعرف أتو الأول إمبراطور ألمانيا عن قرب ما وصلت إليه البابوية من انحطاط بعد أن توجه يوحنا الثاني عشر إمبراطورًا في عام ٩٦٢. فلما عاد إلى روما في عام ٩٦٣ بتأييد رجال الدين فيما وراء رجال الألب دعا يوحنا إلى المحاكمة أمام مجلس كنسي. واتهم الكرادلة يوحنا بأنه حصل على رشا نظير تنصيب الأساقفة، وأنه عين غلامًا في العاشرة من عمره أسقفًا، وأنه زنى بخليلة أبيه، وضاجع أرملته، وابنه أختها، وأنه حول قصر البابا إلى ماخور للدعارة. ورفض يوحنا أن يحضر أمام المجلس، أو أن يجيب عن هذه التهم، وخرج للصيد، فقرر المجلس خلعه، واختار بالإجماع مرشح أتو لكرسي البابوية، وكان هذا المرشح الذي أصبح البابا ليو الثامن (٩٦٣ - ٩٦٥) من غير رجال الدين. ولما عاد أتو إلى ألمانيا قبض يوحنا على زعماء الحزب الإمبراطوري في روما وبتر أعضائهم، وعمل على أن يعود إلى كرسي البابوية بقرار من مجلس خاضع لأمره (٩٦٤) (٥٢) ولما مات يوحنا (٩٦٤) اختار الرومان بندكت الخامس لكرسي البابوية، وأغفلوا شأن ليو. فعاد أتو من ألمانيا، وخلع بندكت، وأعاد ليو، بهذا اعترف ليو رسميًا بحق أتو وخلفائه الأباطرة في أن يلغوا إذا شاءوا اختيار أي بابا في المستقبل (^١). ولما مات ليو عمل أتو على اختيار يوحنا الثالث عشر خليف له (٩٦٥ - ٩٧٢). ثم سجن أحد أشراف الرومان بندكت السادس (٩٧٣ - ٩٧٤)، وقتله خنقًا، وفر بنيفازيو فرنكون Bonifazio Francone، وكان قد نصب نفسه بابا شهرًا من
_________________
(١) تعد الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ليو الثامن خارجًا على البابوية، ولا ترمي لأعماله أو قرارته قيمة ما.
[ ١٤ / ٣٧٩ ]
الزمان، إلى القسطنطينية وحمل معه من كنوز البابوية كل ما استطاع أن يحمله. ثم عاد بعد تسع سنين من فراره، وقتل البابا يوحنا الثالث عشر (٩٨٣ - ٩٨٤)؛ وجلس على كرسي البابوية مرة أخرى، ومات ميتة هادئة في فراشه (٩٨٥) ورفعت الجمهورية الرومانية رأسها من جديد، وأمسكت بزمام السلطة، واختارت كرسنتيوس Crescentius قنصلًا. فانقض أتو الثالث على روما بجيش قوي لا تستطيع مقاومته، وبتفويض من رجال الدين الألمان، ليقضي على الفوضى بتنصيب راعي كنيسته الخاصة بابا باسم جريجوري الخامس (٩٩٦ - ٩٩٩). وقضى الإمبراطور الشاب على الجمهورية، وعفا عن كرسنتيوس، وعاد إلى ألمانيا. وما كاد يعود حتى أعاد كرسنتيوس الجمهورية، وخلع جريجوري (٩٩٧). فما كان من جريجوري إلا أن أصدر قرارًا بحرمانه، ولكن كرسنتيوس سخر منه، وعمل على أن يختار يوحنا السادس عشر بابا. فعاد أتو مرة أخرى، وخلع يوحنا، وسمل عينيه، وقطع لسانه، وجدع أنفه، أمر أن يطاف به في شوارع روما على ظهر حمار ووجهه نحو ذنبه. ثم قطعت رؤوس كرسنتيوس واثني عشر من الزعماء الجمهوريين، وعلقت أجسادهم على أسوار سانت أنجليو (٩٩٨) (٥٣). وعاد جريجوري إلى كرسي البابوية، وظل جالسًا عليه حتى مات مسمومًا، في أغلب الظن، عام ٩٩٨. وأجلس أتو في مكانه رجلًا أصبح من أنبه البابوات جميعًا.
ولد جربرت Gerbert من أسرة وضيعة بالقرب من أورلاك Aurillac من أعمال أوفرني Auvergne (حوالي عام ٩٤٠)، ودخل وهو صغير السن أحد الأديرة. ثم سافر إلى أسبانيا عملًا بمشورة رئيس الدير ليدرس علوم الرياضة، إلى أن كان عام ٩٧٠ فأخذه بوريل Borel كونت برشلونة معه إلى روما، حيث أعجب البابا يوحنا الثالث عشر بعلم الراهب وأوصى به أتو الأول خيرًا. وقضى جربرت عامًا في التدريس بإيطاليا وكان أتو الثاني من بين طلابه في ذلك الوقت أو بعده. ثم انتقل إلى ريمس ليتلقى علم المنطق في مدرسة كنيستها، وسرعان ما نراه
[ ١٤ / ٣٨٠ ]
رئيسًا لتلك المدرسة (٩٧٢ - ٩٨٢). وكان يعلم طائفة من العلوم غريبة في اختلافها تشمل شعراء اليونان والرومان الأقدمين؛ وكان يكتب باللاتينية كتابة ممتازة، وله عدة رسائل تكاد تضارع رسائل سيدونيوس Sidonius. وكان يجمع الكتب حيثما ذهب، وينفق ماله بغير حساب في نسخ صور من المخطوطات المحفوظة في دور الكتب المختلفة، ولعلنا مدينون بما لدينا من خطب شيشرون (٥٤). وكان حامل لواء العالم المسيحي في علوم الرياضة، وأدخل في البلاد صورة جديدة من الأرقام "العربية"؛ وكتب عن المعد والاسطرلاب، وألف رسالة في الهندسة النظرية؛ واخترع ساعة آلية، وأرغنًا يديره البخار (٥٥). وقد بلغ من مهارته في كثير من العلوم المختلفة أن اشتهر بعد وفاته بأنه كانت له قوى سحرية (٥٦).
ولما توفي أدلبيرو (٩٨٥) سعى جلبرت ليكون كبيرًا لأساقفة ريمس، ولكن هبوكابت عين بدله أرنولف Arnulf، وهو ابن غير شرعي من البيت الكارولنجي. ولما أخذ برنولف يأتمر بهيو أصدر مجلس كنسي قرارًا بخلعه على الرغم من احتجاج البابا، واختار جربرت رئيسًا للأساقفة (٩٩١). ولكن قاصدًا رسوليًا أقنع مجمعًا دينيًا عقد في مواسون Moisson بعد أربع سنين من ذلك الوقت بفصل جربرت من منصبه. فما كان من العالم المستذل إلا أن هرع إلى بلاط أتو الثالث في ألمانيا، حيث قوبل بأعظم مظاهر التكريم، وهيأ عقل المليك الشاب لفكرة إعادة الإمبراطورية الرومانية واتخاذ روما عاصمة لها. وعينه أتو كبيرًا لأساقفة رافنا، ثم عينه بابا في عام ٩٩٩. وتسمى جربربت باسم سلفستر Sylvester الثاني، كأنما أراد أن يقول إنه سيصبح سلفسترًا ثانيًا لقسطنطين ثان يوحد العالم مرة أخرى؛ ولو أنه هو وأتو عاشا عشر سنين أخرى لكان من المحتمل أن يحققا حلمهما، لأن أتو ابن أميرة بيزنطية، ولكان من المحتمل أيضًا أن يصبح جربرت ملكًا فيلسوفًا. ولكن المنية عاجلت جربرت في السنة الرابعة من جلوسه على
[ ١٤ / ٣٨١ ]
عرش البابوية، وتقول الإشاعة الرومانية إنه مات مسمومًا، سمته استفانيا Stephania عينها التي سمت أتو.
وتدل الآمال التي كانت تخامرهما، كما تدل الحركات السياسية الدائبة على العمل في العالم حولهما، على قلة من كان فيه من المسيحيين الذين يعتقدون جادين أن العالم سينتهي في العام المتمم للألف بعد الميلاد. فقد حدث في بداية القرن العاشر أن أعلن مجلس كنسي أن القرن الأخير من حياة العالم قد استهل (٥٧)، وظلت أقلية ضئيلة في نهاية ذلك القرن تؤمن بهذا القول وتستعد ليوم الحساب، أما الكثرة الغالبة فظلت تسير سيرتها المألوفة، وتعمل، وتلعب، وتأثم، وتصلي، وتحاول أن تطيل حياتها بعد سن الشيخوخة. ولسنا نجد شواهد على استيلاء الذعر على عقول الناس في عام ١٠٠٠ بل إننا لا نجد زيادة في هبات الناس إلى الكنيسة (٥٨).
وعادت البابوية سيرتها الأولى من الضعف والانحلال بعد موت جربرت، فأخذ أعيان تسكيولوم Tusculum متحالفين مع الأباطرة الألمان يشترون مناصب الأساقفة، ويبيعون البابوية، وقلّما كانوا يحاولون التستر على عملهم هذا. وكان بندكت الثامن (١٠١٢ - ١٠٢٤) الذي رشحوه لهذا المنصب الأخير رجلًا ذكيًا قويًا؛ ولكن بندكت (١٠٣٢ - ١٠٤٥) الذي عين بابا في الثانية عشرة من عمره دنس منصبه بحياة الفحش (٥٩)، إلى حد جعل الشعب يثور عليه ويخرجه من روما. غير أنه عاد مرة أخرى بتأييد تسكيولوم، فلما أتعبه منصب البابوية باعها إلى جريجوري السادس (١٠٤٥ - ١٠٤٦) بألف (أو ألفي) رطل من الذهب. وأدهش جريجوري روما بأن كان البابا مثاليًا أو أقرب ما يكون إلى المثالية. ويلوح أن الذي دفعه إلى ابتياع منصب البابوية هو رغبته الصادقة في أن يصلح شأنها ويحررها ممن كانوا يسيطرون عليها ولم يكن أمراء تسكيولوم راغبين في هذا الإصلاح، ولهذا أعادوا بندكت العاشر إلى كرسي البابوية، ولكن حزبًا آخر رفع سلفستر الثالث إلى عرشها. واستغاث القساوسة
[ ١٤ / ٣٨٢ ]
الإيطاليون بالإمبراطور هنري الثالث ليقضي على هذه المهازل، فجاء إلى استتري Stutri القريبة من روما وعقد فيها مجلسًا كنسيًا زج سلفستر في السجن، وقبل استقالة بندكت، وخلع جريجوري لاعترافه بأنه ابتاع منصب البابوية. وأقنع هنري المجلس بألا سبيل غلى انتشال الكنيسة من هذه الوهدة إلا بتنصيب بابا أجنبي تحت حماية الإمبراطور، واختير لهذا المنصب أسقف بامبرج Bamberg ولقب كلمنت Clement الثاني (١٠٤٦ - ١٠٤٧)، ولكنه مات بعد عام واحد من اختياره، كما قضت على خليفته دسموس Damasus الثاني (١٠٤٧ - ١٠٤٨) الملاريا التي كانت وقتئذ تنتشر باستمرار من مناقع كمبانيا التي لم تجفف. ثم وجدت البابوية آخر الأمر في ليو التاسع (١٠٤٩ - ١٠٥٤) رجلًا يستطيع أن يواجه مشاكلها بشجاعة، وعلم، واستقامة، وصلاح، قلّما رأت روما نظيرًا له من زمن بعيد.
[ ١٤ / ٣٨٣ ]
الفصل السابع