١٠٩٥
سُرَّ ألفنسو ملك قشتالة وليون في عام ١٠٩٥ من الكونت هنري البرغندي أحد الفرسان الصليبيين الأسبان سرورًا جعله يزوجه بابنته تريزا، وأن يجعل من بائنتها مقاطعة من مقاطعات ليون تدعى البرتغال (^١) أعطاه إياها إمارة إقطاعية. ولم يكن هذا الإقليم قد استرد من المسلمين إلا قبل ذلك الوقت بإحدى وثلاثين سنة، وكان المسلمون لا يزالون يحكمون جزأه الواقع جنوب نهر منديجو Mondego. وساء الكونت هنري أن يكون أقل من ملك، فأخذ هو وزوجته منذ قرانهما يأتمران ليجعلا من إقطاعياتهما دولة مستقلة؛ ولما مات هنري (١١١٢) واصلت تريزا سعيها لنيل الاستقلال، وعلمت أعيان بلادها وأتباعها أن يفكروا على الدوام في حريتهم القومية، وشجعت مدنها على أن تحصن نفسها وتدرس فنون الحرب وأساليبها، وقادت بنفسها جنودها في حرب إثر حرب. وكانت في فترات السلم تحيط نفسها بالموسيقيين، والشعراء، والعشاق (٩٣). وهُزمت، وأُسرت، ثم أُطلق سراحها، وأعيدت إلى إقطاعياتها؛ وأنفقت المال جزافًا في حب محرم، وخُلعت عن عرشها، ونفيت مع حبيبها، وماتت فقيرة معدمة (١١٣٠).
وكان إلهامها واستعدادها هما اللذين أمكنا ولدها أفنسو الأول هنريك Affonsol Henriqnes (١١٢٨ - ١١٨٥) أن يحقق أغراضه: ذلك أن ألفنسو السابع صاحب قشتالة وعده بأن يعترف به حاكمًا مستقلًا تام السيادة على جميع البلاد التي ينتزعها من المسلمين جنوبي نهر الدوو. فهاجم هنري المسلمين
_________________
(١) هذا الاسم مشتق من ثغرها المسمى بورتس كالي Portus Cale عند الرومان والمسمى اليون أبرتو Oporto (الثغر).
[ ١٥ / ٢٥٠ ]
بكل ما روثه عن أبيه من شجاعة وتهور، وعن أمه من روح عالية وصلابة، وهزمهم في أوتريك Outrique (١١٣٩)، ونادى بنفسه ملكًا على البرتغال. وأقنع رجال الدين الملكين بأن يعرضا الأمر على البابا إنوسنت الثالث، فكان حكمه لصالح قشتالة، فما كان من أفنسو هنريك إلا أن نقض هذا الحكم بأن عرض مملكته الجديدة على البابا إقطاعيًا له. وقبل إسكندر الثالث هذا العرض واعترف به ملكًا على البرتغال (١١٤٣) على شريطة أن تؤدي جزية سنوية إلى كرسي روما (٩٤). وواصل أفنسو هنريك حروبه مع المسلمين، واستولى على سنتريمة Santarem ولشبونة، ومد رقعة مملكته إلى نهر التاجه Tagus. ووصلت البرتغال في عهد أفنسو الثالث (١٢٤٨ - ١٢٧٩) إلى حدودها الأرضية التي لها في الوقت الحاضر، وأصبحت لشبونة ثغرها وعاصمتها لموقعها الحربي على مصب نهر التاجه (١٢٦٣). وتقول إحدى الأساطير القديمة إن يولسيز- أوديسيوس Ulysses- Odysseus، هو الذي أنشأ المدينة وسماها باسمها القديم يولسبو Ulissipo الذي حرفه الناس فيما بعد بإهمالهم فكان أولسبو Olisipo أو لشبونة Lisbon.
ونغصت سني أفنسو الثاني الأخيرة الحربُ الأهلية التي شبت نارها بينه وبين ابنه دنيز Dinilz الذي كان يأخذه العجب من أن والده قد طال عمره أكثر مما يجب. وانتقل دنيز من هذه البداية المربية إلى حكم صالح طويل (١٢٧٩ - ١٣٢٥) عقد فيه الصلح بين ليون وقشتالة بحلف بينهما سببه الزواج، وامتنع النزاع بينه وبين وارث آخر للعرش بفضل توسط إزبل Isabel، زوجة دنيز الصالحة، وترك دنيز مجد الحروب ووجه جهوده إلى إصلاح حال بلاده من الناحيتين الثقافية والاقتصادية، فأنشأ مدارس زراعية وعلم الأهلين طرقًا للزراعة خيرًا من الطرق التي كانوا يجرون عليها، وغرس الأشجار لتمنع تعرية التربة، وشجع التجارة، وأنشأ السفن والمدن، ونظم للبرتغال أسطولًا حربيًا، وعقد
[ ١٥ / ٢٥١ ]
معاهدة تجارية مع إنجلترا، فاستحق بذلك اللقب الذي أطلقه عليه شعبه حبًا فيه وهو Re Lavrador أي الملك العامل. والحق أنه كان إدرايًا مجدًا، وقاضيًا عادلًا، يعين الشعراء والعلماء، وقد كتب هو أحسن ما كتب من الشعر في زمنه وبلاده، وبفضله ارتقت اللغة البرتغالية، فلم تعد كما كانت من قبل لهجة جليقية بل أضحت لغة أدبية؛ وقد صاغ في أغانيه الرعوية pastorellas أغاني شعبه صياغة أدبية، وشجع الشعراء الغزلين في بلاطه على أن يغتنوا بمباهج الحب وآلامه. وكان دنيز نفسه عليمًا بأحوال النساء، وكان يفضل أبناءه غير الشرعيين على ابنه الشرعي الوحيد. ولما أن خرج هذا الابن على أبيه؛ وحشد جيشًا ليخلع به أباه عن عرشه، ركبت إزبل، وكانت تعيش بعيدة عن مرح بلاط الملك ومباهجه، ووقفت بين القوتين المتحاربتين، وعرضت أن تكون أولى ضحايا نزاعهما وعنفهما. فاستحى زوجها وابنها من فعلهما وامتنعا عن القتال (١٣٢٣).
[ ١٥ / ٢٥٢ ]
الباب السادس والعشرون