١٠٩٦ - ١٣١١
كان إقليم فنيتو Veneto يقع إلى شمال كرارا ونهر البو، وكان هذا الإقليم يفخر بمدائنه الهامة- البندقية، وترفيزو، وبدوا، وفيسنزا، وفيرونا.
وفي هاذ العصر بالذات عظمت قوة البندقية، فأمكنها حلفها من أن تصل إلى ثغور بحر إيجة والبحر الأسود، حتى ليقال إن بنيها الذين كانوا في القسطنطينية في القرن الثاني عشر زادوا على مائة ألف، وإنهم كانوا يعيشون الرعب في أحد أحياء المدينة بوقاحتهم ومشاحناتهم. ثم انقلب مانيول Manuel إمبراطور الروم فجأة على البنادقة المقيمين في عاصمته، وألقي القبض على عدد كبير منهم، وأمر بان تصادر بضائعهم كلها (١١٧١)، وكان أهل جنوى هم الذين حرضوه على هذا العمل غيرة منهم وحسدًا. وأعلنت البندقية الحرب، وأخذ أهلها يعملون ليلًا ونهارًا لإنشاء أسطول، فلما كان عام ١١٧١ قاد الدوج فيتالي الثاني Doge Vitale Michieli II عمارة بحرية مؤلفة من ١٣٠ سفينة لقتال جزيرة عوبية Euboea ليتخذوها قاعدة بحرية لأعماله المقبلة ضد المضيقين. ولكن جنوده أصيبوا وهم على سواحل عوبية بمرض يقال إن سببه تسميم اليونان موارد الماء في الجزيرة! وهلك منهم آلاف مؤلفة بلغ من كثرتها أن السفن لم تجد بعد ذلك من يحاربون على ظهرها. وقاد الدوج عمارته عائدًا إلى البندقية، وفشا الطاعون فيها وأهلك عددًا كبيرًا من أهلها؛ ولما أن اجتمعت الجمعية وجهت اللوم إلى الدوج على هذه الكوارث، وأصيب بطعنة قاتلة (١١٧٢) (٧). ومن واجبنا ألا نغفل عن هذه الكوارث حين ندرس ما حدث في الحملة الصليبية الرابعة، والثورة الألجركية التي غيرت دستور البندقية.
[ ١٥ / ٢٦٥ ]
وخشي كبار التجار أن تنهار إمبراطوريتهم التجارية إذا دامت هذه الهزائم، فعقدوا النية على أن ينتزعوا من الجمعية العمومية حق انتخاب الدوج، وأن ينشئوا مجلسًا من صفوة الأهلين يكون أقدر على بحث شؤون الدولة وتصريفها، وعلى الوقوف في وجه أهواء الشعب واستبداد الدوج، ثم أقنعوا أكابر قضاة الجمهورية الثلاثة بأن يعينوا لجنة تضع للبلاد دستورًا جديدًا. وأوصت هذه اللجنة في تقريرها أن يختار كل حي من أحياء دولة المدينة الستة اثنين من كبار الأهلين يختار كل منهم أربعين من خيرة الرجال، وأن يتألف من الأربعمائة والثمانين عضوًا الذين يختارون على هذا النحو مجلس أعظم Maggior Conscglio يكون هو الهيئة التشريعية العامة للأمة ثم يختار المجلس الأعظم ستين عضوًا من أعضائه يكونون مجلس الشيوخ الذي يشرف على الشؤون التجارية والمالية والعلاقات الخارجية. وكان من هذه التوصيات ألا تجتمع الأرنجو Arrengo أي الجمعية الشعبية إلا للتصديق على اقتراحات الحرب والسلم أو رفضها، وأن يختار رجل من كل حي من الأحياء الستة يتألف منهم جميعًا مجلس خاص يحكم الدولة إذا ما أصبح عرش الدوج شاغرًا، وكان لابد من أن يقر هذا المجلس كل عمل حكومي يقوم به الدوج لكي يصبح هذا العمل مشروعًا. واختار أول مجلس أعظم انتخب بالطريقة السالفة الذكر أربعة وثلاثين من أعضائه، اختاروا من بينهم أحد عشر عضوًا، عقدوا اجتماعًا علنيًا في كنيسة سان ماركو اختاروا فيه الدوج (١١٧٣). ورفع الشعب عقيرته باحتجاج لحرمانه من حق اختيار رئيس الدولة، ولكن الدوج الجديد وجه الاضطراب وجهة أخرى بأن نثر النقود على الجموع المحتشدة (٨)، ولما اختار المجلس الأعظم أنريكو دنوولو Enrico Dandolo دوجًا في عام ١١٩٢ طلب إليه أن يقسم في يمين تتويجه أن يطيع جميع قوانين الدولة، وبهذا أضحت ألجركية التجارة صاحبة السلطة العليا في البلاد.
[ ١٥ / ٢٦٦ ]
وأثبت دندولو، وكان وقت اختياره في الرابعة والثمانين من عمره، أنه من أقدر الزعماء في تاريخ البندقية؛ فقد استطاعت البندقية في أيامه، وبفضل سياسته المكيفلية، وبسالته الشخصية، أن تثأر لنفسها من الكارثة التي حلت بها عام ١١٧١، فتستولي على القسطنطينية وتنهبها في عام ١٢٠٤، وبهذا أصبحت البندقية القوة المسيطرة على الجزء الشرقي من البحر المتوسط، والبحر الأسود؛ وانتقلت الزعامة التجارية في أوربا من بيزنطية إلى إيطاليا. وساعد أهل جنوى في عام ١٢٦١ اليونان على استعادة القسطنطينية، وكوفئوا على عملهم هذا بأن منحوا فيها ميزات تجارية؛ ولكن أسطول البندقية هزم أسطول جنوى بالقرب من صقلية بعد ثلاث سنين من ذلك الوقت، وأرغم إمبراطور الروم على أن يرد إلى البندقية مركزها الممتاز في عاصمة ملكه.
وتوجت الألجركية الظافرة هذه الانتصارات الخارجية بضربة دستورية جديدة. فقد عرض الدوج بيترو جرادنجو Pietro Gradenigo في عام ١٢٩٧ على المجلس الأعظم اقتراحًا، حمله على الموافقة عليه، يقضي بألا يختار لعضوية هذا المجلس إلا من كان من أعضائه منذ عام ١٢٩٣ أو كان من أبنائهم الذكور (٩). وكان من أثر "إغلاق المجلس" في وجه المواطنين أن حرمت الكثرة الغالبة من الشعب من الوظائف العامة، وأن وجدت طبقة مغلقة لا يستطيع الانتماء إليها إلا أبناء أعضائها. وأنشئ "كتاب ذهبي" Libro d'oro لتسجيل عقود الزواج والوفيات بين أفراد هذه الطبقة الأرستقراطية ليضمن به نقاءها واحتكارها للسلطان، وبهذا جعلت الألجركية التجارية نفسها ألجركية المولد. ولما أن دبر الشعب ثورة على هذا الدستور الجديد، سمح لزعمائه بأن يدخلوا قاعة المجلس ثم شنقوا من فورهم.
ولا يسعنا إلا أن نقر بأن هذه الألجركية السافرة القاسية قد أحسنت الحكم، فقد كانت في محافظتها على الأمن والنظام، وفي حسن توجيهها للسياسة العامة،
[ ١٥ / ٢٦٧ ]
وفي العمل على استقرار القانون وبسط سلطانه، تفضل غيرها من المجتمعات الإيطالية في العصور الوسطى. وسبقت القوانين التي سنتها البندقية لتنظيم أعمال الأطباء والصيادلة أمثالها في فلورنس بنصف قرن من الزمان؛ وحرمت القوانين في عام ١٣٠١ قيام الصناعات المضرة بالصحة بين المساكن، وأخرجت من البندقية جميع الصناعات التي تنفث الدخان المؤذي في الهواء. وكانت قوانين الملاحة شديدة مفصلة، كما كانت جميع الواردات والصادرات خاضعة لرقابة الدولة وسيطرتها، وكانت التقارير الدبلوماسية تعني بأحوال التجارة أكثر من عنايتها بالشؤون السياسية، وأصبحت الإحصاءات الاقتصادية للمرة الأولى جزءًا من الحكم في هذه المدينة (١٠).
وكادت الزراعة تكون غير معروفة في البندقية، أما الصناعات اليدوية فكانت متقدمة لأن هذه المدينة استوردت من مدن البحر المتوسط القديمة فنونًا وحرفًا كادت تقضي عليها الاضطرابات السياسية في الغرب، واشتهرت مصنوعات الحديد، والشبه، والزجاج، والأقمشة المنسوجة من خيوط الذهب والحرير، واشتهرت كلها في القارات الثلاث، وأكبر الظن أن بناء القوارب للتنزه، أو الاتجار، أو الحرب كان أعظم صناعات البندقية. وقد وصلت هذه الصناعة إلى مرحلة الإنتاج الرأسمالي بالجملة، والتمويل الجماعي، وكادت تصل إلى المرحلة الاشتراكية لسيطرة أكبر عميل لهذه الصناعة وهو الدولة. وكانت سفائن جمالية المنظر عالية الجؤجؤ، منقوشة الأشرعة، في بعضها مائة وثمانون مجذافًا تربط البندقية بالقسطنطينية، وصور، والإسكندرية، ولشبونة، ولندن، وعشرات من المدن الأخرى بسلسلة ذهبية من المرافئ والمتاجر. وكانت بضائع من وادي البو تصل إلى البندقية كي يعاد شحنها منها إلى الخارج؛ وكانت بضائع مدن نهر الرين تأتيها بعد أن تجتاز جبال الألب لتنتشر من موانيها في عالم البحر المتوسط؛ وكان مصفق المدينة Rialto أكثر الأماكن حركة في سائر أنحاء أوربا،
[ ١٥ / ٢٦٨ ]
يزدحم بالتجار، والملاحين ورجال المصارف القادمين من مائة قطر، ولم تكن ثروة شمالي أوربا تضارع غناء هذه المدينة التي يرتبط كل شيء فيها بعجلة التجارة والمال، والتي كانت السفينة الواحدة من سفنها التي ترسل إلى الإسكندرية تعود منها بربح يعادل ألفًا في المائة من المال المستثمر في بضائعها- إذا لم تلاق عدوًا، أو قرصانًا، أو عاصفة مدمرة (١١). وقصارى القول أن البندقية كانت أغنى المدن الأوربية في العصور الوسطى، ولعلها لم يكن يضارعها في ثرائها إلا المدائن الصينية التي وصفها ماركو بولو ابن البندقية وصفًا لا نستطيع تصديقه.
إلا أن العقيدة تضمحل كلما زادت الثرة. ولقد كان البنادقة يكثرون من استخدام الدين في الحكم، ويواسون من لا أصوات لهم في إدارة الشؤون العامة بالمواكب ويمنونهم بجنة النعيم؛ غير أن الطبقات الحاكمة قلما كانت تسمح للمسيحية أو للحرمان من حظيرة الكنيسة بأن يعترض سبيل الحرب أو الأعمال المالية، فقد كان شعارها "نحن بنادقة، ونحن بعد ذلك مسيحيون Siamo Veneziani poi Cristiani" (١٢)، وتطبيقًا لهذا الشعار لم يكن لرجال الدين نصيب ما في الحكم (١٣)، وكان التجار البنادقة يبيعون السلاح والرقيق، ويمدون المسلمين الذين يقاتلون المسيحيين بالمعلومات الحربية (١٤). وكان شيء من التسامح يصحب هذا الحرص على الكسب المتميز بسعة الأفق؛ فقد كان في وسع المسلمين أن يأتوا إلى البندقية وهم آمنون، وكان اليهود- وخاصة في الجيودكا Giudecca جزيرة أسبنالنجا Spinalunga يقيمون شعائر دينهم في معابدهم وهم آمنون.
وقد ندد دانتي بـ"فجور البنادقة الطليق" (١٥)، ولكن ليس من حقنا أن نصدق ما يوجهه من نقد رجل يصب اللعنات ذات اليمين وذات الشمال. وأكثر من أقوال دانتي دلالة على أخلاق البنادقة تلك العقوبات الصارمة الواردة
[ ١٥ / ٢٦٩ ]
في الشرائع البندقية لتوقع على الآباء الذين يحرضون أبناءهم على الفسق، وتلك القوانين التي تكرر وضعها بلا جدوى لمنع الارتشاء في الانتخابات (١٦). والصورة التي تنطبع في أذهاننا منها هي صورة أرستقراطية صارمة ساطعة اعتادت منظر بؤس الجماهير فلم تعد تتأثر به؛ وسوقة تخفف من حدة الفقر بمباهج الحب الطليق. ونحن نسمع منذ عام ١٠٩٤ عن مواكب "الكرنفال" وذكرت "المساخر" لأول مرة في عام ١٢٢٨؛ وفي عام ١٢٩٦ جعل مجلس الشيوخ اليوم السابق للصوم الكبير عيدًا شعبيًا. يزدان فيه السكان- رجالًا ونساء- بأغلى أثوابهم وأبهى زينتهم، فكانت النساء ذوات الثراء يتوجن أنفسهن، بتيجان أو قلانس أو عمائم منسوجة بخيوط الذهب، تتلألأ عيونهن تحت أقنعة من نسيج الذهب أو الفضة، وفي أعناقهن عقود من اللؤلؤ، وفي أيديهن قفاوات من جلد الشموا Chamois أو نسج الحرير، وفي أقدامهن أخفاف أو أحذية من الجلد، أو الخشب، أو الفلين، حمراء اللون أو ذهبية؛ وأثوابهن من نسيج التيل الرفيع أو الحرير العادي أو المشجر أو المطرز، والمنثورة، عليه الجواهر، يكشف عن أعناقهن وما تحت أعناقهن، فكن بذلك فتنة لأهل زمانهن وشاهدًا على ما فيه من فضائح وآثام. وكن يضعن على رؤوسهن شعرًا مستعارًا، ويستعملن الأدهان الملونة والمساحيق، ويصمن لكي تصبح أجسامهن نحيلة رشيقة (١٧). وكن يسرن بكامل حريتهن وسط الجماهير في أي وقت يردن، ويشتركن في غواية وخفر في حفلات اللهو والتنزه في القوارب، ويستمعن في سرور إلى الشعراء الغزلين الذين أدخلوا أساليب الغناء البروفنسية في موضوعات الحب الأبدية.
ولم يكن البنادقة يميلون في هذا الوقت إلى الثقافة. نعم إنهم كانت لهم مكتبة عامة طيبة، ولكن أنهم قلما كانوا يفيدون منها، ولم يسهموا بنصيب في العلوم، ولم يخلفوا وراءهم شعرًا خالدًا ظهر في وسط هذا الثراء المنقطع النظير.
[ ١٥ / ٢٧٠ ]
وكانت المدارس كثيرة عندهم في القرن الثالث عشر، ولدينا ما يدل على أنهم كانوا يعطون الطلاب الفقراء منحًا تمكنهم من مواصلة الدرس، ولكننا نعرف أنه كان لديهم في القرن الرابع عشر قضاة لا يعرفون القراءة (١٨). وكانوا يقدرون الموسيقى أعظم تقدير، أما الفن فلم يكن قد وصل إلى الدرجة العالية التي بلغها فيما بعد؛ غير أن الثراء كان يأتي إلى البندقية بالفن من بلاد كثيرة، وكان ذوق الأهلين آخذًا في الارتقاء؛ وكانت أسسه توضع في هذه الفترة وبخاصة فن الزجاج، وقد بقي لهم بعض ما كان للرومان الآخرين من حذق فيه.
وليس من حقنا أن نصور البندقية في ذلك العصر بتلك الصورة الجميلة التي وجدها عليها فاجنر Wagner أو نتشه في القرن التاسع عشر. فقد كانت بيوتها مقامة من الخشب، وشوارعها من الأرض العادية؛ وإن كان طريق سان ماركو قد رصف بالآجر في عام ١١٧٢؛ وكان الحمام موجودًا في المدينة منذ عام ١٢٥٦. وبدأ البنادقة يقيمون الجسور على القنوات وكان أصحاب القوارب ينقلون الناس في القناة العظمى. أما القنوات الجانبية الصغرى فالراجح أنها كانت أقل بهجة مما هي عليه الآن؛ ذلك أن النضوج الكامل في كل شيء يتطلب بعض الوقت. غير أن ما في الشوارع والقنوات من عيوب لا يمكن أن يحجب عن العين عظمة مدينة ترتفع جيلًا بعد جيل من مناقع البحر الضحل وضبابه، أو يحول بين الإنسان وبين الدهشة من شعب يدفع هامته من الخراب والعزلة ليغطي سطح البحر بسفنه ويجبي المال ويستورد الجمال من نصف العالم.
وكانت مدينة ترفيزو Treviso وتخومها تقع بين البندقية وجبال الألب، ولن نقول عن هذه المدينة إلا أن أهلها كانوا يجبون الحياة حبًا جمًا، ويسمونها بلد الحب ويقولون إن المدينة احتفلت في عام ١٢١٤ بعيد
[ ١٥ / ٢٧١ ]
قصر الحب، فأقيم قصر من الخشب علقت فيه الطنافس والأقمشة المزركشة، وتيجان الزهر، وجاءت نساء المدينة فأمسكن بالقصر وهن مسلحات بالماء المعطر، والفاكهة، والأزهار، ثم أقبل الفرسان الشبان من أهل البندقية ينافسون شباب بدوا المرح الجريء في حصار السيدات، ويمطرونهن وابلا مماثلًا لقذائفهن؛ ويقال إن البنادقة كسبوا المعركة بأن خلطوا الأزهار بقطع النقود الذهبية. ومهما يكن سبب هذا النصر فقد سقط الحصن وحامياته الحسان في أيديهم (١٩).
[ ١٥ / ٢٧٢ ]
الفصل الرابع