نشأ الإقطاع ليكون نظامًا عسكريًا لمجتمع زراعي غير مطمئن على نفسه؛ وكانت فضائله حربية أكثر منها اقتصادية. وكان ينتظر من سادة الإقطاع وأتباعهم أن يدربوا أنفسهم على الحرب وأن يكونوا في كل لحظة من اللحظات مستعدين لترك المحراث وانتضاء السيف.
وكان جيش الإقطاع هو الأداة الحكومية الإقطاعية، تنظمه روابط الولاء الإقطاعي وينقسم انقسامًا دقيقًا إلى طبقة فوق طبقة حسب درجات الشرف والمنزلة، فالأمير، والمركيز، والكونت، ورئيس الأساقفة، وهم قواد الجيش، والبارون، والسيد، الأسقف، ورئيس الدير، هم رؤساء الفرق، وكان الفرسان Knights أو Chevaliers هم راكبي الخيل، وكان الأتباع هم خدم البارونات أو الفرسان، وكاد حملة السلاح men-at-arms- الجيش المرابط في المقاطعات أو القرى-يحاربون مشاة، وكان من وراء الجيش الإقطاعي، كما نراه في الحروب الصليبية، حشد من الخدم Varlets يتبعون الجند سيرًا على الأقدام من غير نظام ولا قواد، وكانوا يساعدون الجيوش على انتهاب المغلوبين، ويريحون المعذبين ممن يسقطون في حومة الوغى، والجرحى من الأعداء بأن يجهزوا عليهم ببلطهم الحربية أو عصيهم الغليظة (٥٩). ولكن الجيش الإقطاعي كان في جوهره وأساسه هو الفارس مكررًا، ذلك أن المشاة قد فقدوا منزلتهم العليا بعد معركة هدريانوبل (٣٧٨)، ولم يستعيدوا هذه المنزلة إلا في القرن الرابع عشر، وكان الفرسان هم عماد الفروسية، وكان اسمهم وكل ما يتصل به من الأسماء الأخرى Cavalry، Chivalry، Caballero، Chevalier، Cavalier مشتقًا من اسم الفرس.
[ ١٤ / ٤٤٠ ]
وكان المحارب في عهد الإقطاع يستخدم الحربة، والسيف، والقوس، والسهم. وقد مد الفارس نفسه ووسع دائرتها حتى شملت سيفه، وأطلق عليه اسمًا ينم على إعزازه وحبه، وإن كان مما لا شك فيه أن الشعراء القصاصين هم الذين أطلقوا على سيف شارلمان اسم "المبتهجة" Joyeuse وعلى سيف رولان دورندل Durandel، وعلى سيف الملك آرثر اسم Excalibur. وكان لقوس عدة أشكال فقد تكون قوسًا بسيطة قصيرة، تشد عند الصدر، وقد تكون قوسًا طويلة تشد حول العين والأذن، وقد تكون قوسًا متقاطعة يشد وترها في محز بمقبضها، ثم تطلق فجأة، وقد يستخدم أحيانًا زند في إطلاقها، وتنطلق منها قذيفة من الحديد أو الحجر. وكانت القوس المتقاطعة أداة قديمة العهد، أما القوس الطويلة فكان أول من اشتهر باستعمالها إدورد الأول (١٢٧٢ - ١٣٠٧) في حروبه مع أهل ويلز. وكانت الرماية أهم عناصر التدريب العسكري في إنجلترا كما كانت من أهم العناصر في ألعاب الفروسية. وكان تطور القوس وإتقانها بداية تدهور النظام الإقطاعي من الناحية العسكرية، ذلك أن الفارس كان يستنكف أن يحارب راجلًا، ولكن الرماة كانوا يقتلون جواده، ويرغمونه على أن ينزل إلى الأرض التي لا تتفق وطبيعته. ووجهت آخر الضربات إلى الإقطاع في القرن الرابع عشر بعد اختراع البارود والمدافع، فقد أمكن بهما قتل الفارس المدرع وتدمير قصره من مساحة لا سلطان للفارس عليها لبعده عنها.
وإذ كان للمحارب الإقطاعي جواد يحمله، فقد كان يسعه أن يثقل نفسه بالدروع، ولهذا كان الفارس الكامل العدة في القرن الثاني عشر يغطي جسمه بالزرد من عنقه إلى ركبتيه-تستره شبكة ذات أكمام لذراعيه، وقلنسوة من الحديد تغطي كل رأس عدا عينيه، وأنفه، وفمه، وكانت ساقاه وقدماه تغطى بدروع من الزرد خاصة بها. فإذا كان في الحرب غطى رأسه فضلًا من غطائه السالف الذكر بخوذة من الصلب ذات وقاية من الحديد تحمي أنفه. وظهرت في
[ ١٤ / ٤٤١ ]
القرن الرابع عشر البيضة ذات الحافة الأمامية البارزة، والدرع المصنوع من الصفائح المعدنية لحماية الفارس من القوس الطويلة أو المتقاطعة، وبقيتا حتى القرن السابع عشر، ثم بطل استعمال الدروع كلها تقريبًا ليكون المحارب سريع الحركة. وكان للفارس ترس معلق في عنقه، يقبض عليه بيده اليسرى من سيور مثبتة في سطحه الداخلي، وكان هذا الترس يصنع من الخشب، والجلد، والأربطة الحديدية، ويزدان في وسطه بمشبك من الحديد المذهب، وهكذا كان الفارس في العصور الوسطى قلعة متحركة.
وكانت الحصون عادة هي أهم وسائل الدفاع وأجداها في الحروب الإقطاعية. فكان في وسع الجيش الذي يهزم في ميدان القتال أن يجد له ملجأ داخل أسوار بيت الشريف، وكان في وسعه أن يقف من العدو وقفته الأخيرة داخل البرج. واضمحل علم الحصار في العصور الوسطى لأن ما يلزم لدك أسوار الأعداء من تنظيم وعدد كان أغلى وأشق من أن يطيقه الفرسان أصحاب المكانة العالية، ولكن فن المدمر والجندي الملغم ظل باقيًا في تلك العصور. كذلك قل شأن الأساطيل في عالم كانت النزعة الحربية فيه أقوى مما تحتمله موارده. وقد ظلت السفائن الحربية شبيهة بسفائن الأقدمين-تحمل فوق سطوحها أبراج القتال، ويدفعها بالمجاذيف الرجال الأحرار أو الأرقاء المشدودين إليها. وكان ما ينقص الرجل أو السفينة من القوة يستعاض عنه بالزينة، فكان بناء السفن والفنانون في العصور الوسطى يضعون على خشب السفينة طبقة من القار تقيه من تأثير الماء والهواء، ثم يطلونها من فوقه. بالألوان الزاهية الممتزجة بالشمع-بيضاء أو قرمزية أو زرقاء في لون ماء البحر الشديدة الزرقة، وكانوا يذهّبون جؤجؤها وأسيجتها، ويقيمون في مقدمها ومؤخرها تماثيل لأناس، وحيوانات، وآلهة. وكانت الأشرعة تلون بألوان زاهية، بعضها أرجواني، وبعضها ذهبي، وكانت سفينة السيد تنقش عليها شارة درعه.
وتختلف حروب العصور الوسطى عن الحروب القديمة والحديثة في كثرة
[ ١٤ / ٤٤٢ ]
عددها، وقلة نفقاتها وعدد من يقتلون فيها. فأما كثرة العدد فكان سببها أن كل سيد كان يدعي لنفسه حق محاربة كل رجل لا تربطه به روابط الإقطاع، كان كل ملك حرًا في أن يعمد إلى السرقة الشريفة سرقة أراضي غيره من الحكام. وإذا ذهب الملك أو الشريف إلى الحرب، كان على أتباعه وأقاربه حتى الطبقة السابعة أن يتبعوه ويقاتلوا معه أربعين يومًا، ولا يكاد يوجد يوم من أيام القرن الثاني عشر لم تكن فيه حرب في جزء من أجزاء البلاد المعروفة الآن باسم فرنسا، وكان أسمى ما بلغه الفارس من الصفات أن يكون محاربًا بارعًا، وكان ينتظر منه أن يكيل أو يتلقى الضربات القوية في سرور أو جلد، وكانت أعظم أمنية له أن يموت ميتة المحارب في "ميدان الشرف"، لا "ميتة الأبقار" في الفراش (٦٠)، ولقد شكا برثولد الراتسبوني Berthold of Ratisbon من "قلة عدد السادة الذين يصلون إلى السن الصحيحة أو يموتون الميتة الصحيحة" (٦١) ولكن راتسبون هذا كان من الرهبان.
ولم تكن الحرب شديدة الخطورة، فها هو ذا أردركس فيتالس Ordericns Vitalis يصف معركة بريمول Br (mule (١١١٩) بقوله إنه "لم يقتل إلا ثلاثمائة من الفوارس التسعمائة الذين كانوا يحاربون" (٦٢)؛ وقد أسر أربعمائة فارس في معركة ننشبريه Tinchebrai (١١٠٦)، التي كسب فيها هنري الأول ملك إنجلترا بلاد نورمندية، ولكن فارسًا واحدًا لم يقتل من فرسان هنري. وفي واقعة بوفين Bouvine (١٢١٤) وهي من الوقائع الحاسمة التي كانت أشد معارك العصور الوسطى هو لا قتل مائة وسبعون فارسًا من الألف والخمسمائة الذين اشتركوا في القتال (٦٣). وكانت الدروع والقلاع تجعل الميزة في الحرب للدفاع، فقد كان من الصعب أن يقتل الرجل الكامل العدة إلا إذا قطع رأسه وهو راقد على الأرض، ولم يكن هذا العمل مما ترضى عنه الفروسية. كذلك كان أسر الفارس وقبول فديته أدنى إلى الصواب من قتله والتعرض للانتقام الدموي، وها هو ذا فرواسار
[ ١٤ / ٤٤٣ ]
Froissart يحزنه أن قتل في إحدى المعارك "كثيرون من الأسرى كان مستطاعًا أن يجني من افتدائهم ٤٠٠. ٠٠٠ فرنك (٦٤) ". وكانت قواعد الفروسية، والحكمة المتبادلة بين الفرسان بعضهم وبعض، تحض على مجاملة الأسرى، والاعتدال فيما يطلب من الفداء، وكان من المعتاد أن يطلق سراح الأسير إذا وعد بشرفه أن يعود ومعه فديته قبل وقت معين، وقلّما كان فارس يحنث في هذا الوعد (٦٥). وكان الفلاحون هم الذين قاسوا أشد البلاء في حروب الإقطاع. وكان كل جيش في فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، يغير على أراضي أتباع عدوه وأرقاء أرضه وينهب بيوتهم ويستولي على كل ما لم يجمع من الماشية في داخل أسواره، وكان كثيرون من الفلاحين بعد هذه الحروب يجرون محاريثهم، وهلك الكثيرون منهم جوعًا لقلة ما أنتجته الأرض من الحبوب.
وحاول الملوك والأمراء أن يحتفظوا بالسلم الداخلية في فترات بين الحروب؛ ونجح في هذه المحاولات الأدواق النورمنديون في نورمندية، وإنجلترا وصقلية، وكونت فلاندرز في بلاده، وكونت برشلونة في قطلونية، ونجح هنري الثالث مدى جيل من الزمان في ألمانيا؛ وفيما عدا هؤلاء كانت الكنيسة صاحبة الفضل في تقييد الحروب، فقد أصدرت عدة مجالس كنسية في فرنسا بين عامي ٩٨٩ و١٠٥٠ قرارًا بتحديد "سلم إلهية" وأنذرت كل من يستخدم العنف في الحرب مع غير المقاتلين بالحرمان من حظيرة الدين. ونظمت الكنيسة الفرنسية حركة تدعو إلى السلام في عدة مراكز مختلفة، وأقنعت كثيرين من الأشراف بأن يمتنعوا عن الحروب الخاصة بين بعضهم وبعض، ثم لم تكتف بهذا بل أقنعتهم فوق ذلك أن يشتركوا معها في تحريمها، وقام فلبرت أسقف تشارتر Fulbert of Chatrres (٩٦٠ - ١٠٢٨) يحمد الله في ترنيمة ذائعة الصيت لوجود فترة من السلام غير عادية. ورحبت الجماهير ترحيبًا حماسيًا بهذه الحركة، وأخذ الصالحون ينبئون بأنه لن تمض خمس سنين حتى يكون جميع سكان العالم
[ ١٤ / ٤٤٤ ]
المسيحي قد وافقوا على برنامج السلام (٦٦)، وأعلنت مجالس الكنيسة الفرنسية من عام ١٢٠٧ وما بعدها "هدنة الله"، ولعلها في هذا كانت تذكر تحريم المسلمين للحرب في الأشهر الحرم فقالت: على الناس جميعًا أن يمتنعوا عن أعمال العنف طوال أيام الصوم الكبير، وفي موسم الحصاد وقطاف الكروم (من ١٥ أغسطس إلى ١١ نوفمبر)، وفي أعياد محددة، وفي جزء من كل أسبوع-كان عادة من مساء الأربعاء إلى صباح الاثنين، وأجازت هذه الهدنة في صورتها النهائية قيام الحروب الخاصة أو الحروب الإقطاعية ثمانين يومًا في السنة. وقد أثمرت هذه النداءات والإنذارات ثمرتها، فقضى على الحروب الخاصة شيئًا فشيئًا بتعاون الكنيسة، وبقوة الملوك المتزايدة، ونشأة المدن والطبقات الوسطى، واستنفاد النشاط العسكري في الحروب الصليبية، وأضحت هدنة الله في القرن الثاني عشر جزءًا من القانون المدني والقانون الكنيسة في أوربا الغربية، وحرم مجلس لاتران الثاني (١١٣٩) استخدام العدد الحربية ضد الناس (٦٧)، واقترح جرهوه الريخززبرجي Gerhoh of Reichersburg أن يحرم البابا جميع الحروب بين المسيحيين بعضهم وبعض، وأن يُعرض كل ما يشجر من النزاع بين الحكام المسيحيين على التحكيم البابوي (٦٨). ورأى الملوك أن الوقت لم يحن بعد لتنفيذ هذا الاقتراح، فكانوا يثيرون الحروب القومية أكثر من ذي قبل كلما نقصت الحروب الفردية. وكان البابوات أنفسهم في القرن الثالث عشر، وهم يحركون البيادق البشرية ليظفروا بالسلطان، وكان هؤلاء البابوات يستخدمون الحرب أداة من أدوات السياسة.
[ ١٤ / ٤٤٥ ]
الفصل الخامس