أحدثت الثورة الاقتصادية التي تمخض عنها القرنان الثاني عشر والثالث عشر ثورة أخرى في المجتمع ونظم الحكم، شأنها شأن الثورتين اللتين تمخض عنهما القرنان الثامن عشر والعشرون. ذلك أن طبقات جديدة نشأت في عالم السلطتين الاقتصادية والسياسية، وحققت للمدينة في العصور الوسطى ذلك الاستقلال القوي الذي نشأ عنه كثير من النزاع والخصام، والذي بلغ غايته في عصر النهضة.
هذا وإن الجدل الثائر حول الوراثة والبيئة ليمتد أثره إلى نشأة مدن أوربا كما يمتد إلى نشأة نقاباتها؛ ترى هل نشأت هذه المدن من البلديات الرومانية، أو أنها أثر من آثار التطور الاقتصادي الذي ظل يجري في مجراه زمنًا طويلًا؟ الحق أن كثيرًا من المدن الرومانية قد حافظت على وجودها المستمر خلال قرون الفوضى والفقر والانحلال؛ ولكن عددًا قليلًا منها في إيطاليا وفرنسا الجنوبية الشرقية هي التي احتفظت بالنظم الرومانية القديمة، ولم يحتفظ بالقانون الروماني القديم إلا أقل من هذا العدد القليل. وأما في شمال الألب فإن قوانين القبائل الهمجية طغت على التراث الروماني، وتسربت بعض العادات السياسية السائدة في القبيلة والقرية الألمانية إلى البلديات القديمة. وكانت الكثرة الغالبة من المدن القائمة في شمال جبال الألب تابعة للأملاك الإقطاعية يحكمها موظفون معينون من قبل سادة الإقطاع وتتحكم إرادتهم في شئونها، ذلك أن النظم البلدية كانت غريبة غير مألوفة عند الفاتحين التيوتون، أما النظم الإقطاعية فكانت هي الطبيعية
_________________
(١) هكذا كان العرب يسمون هذه الحكومات والمدن المستقلة في إيطاليا في رسائلهم كما ترى ذلك في صبح الأعشى. المترجم
[ ١٥ / ١٢٠ ]
المألوفة عندهم، ولهذا نشأت مدينة العصور الوسطى خارج إيطاليا من تطور المراكز والطبقات والسلطات التجارية.
وقامت المدينة الإقطاعية عادة على ربوات عالية، عند ملتقى الطرق، أو على ضفاف المجاري المائية الحيوية، أو عند الحدود. وكانت الصناعات والحرف المتواضعة التي تشغل بها سكان المدن قد نشأت ببطيء حول أسوار القصر الإقطاعي أو الدير المحصن؛ ولما خفت وطأة غارات الشماليين والمجر اتسع نطاق هذا النشاط القائم خارج الأسوار، وتكاثر عدد الحوانيت، واستقر التجار والصناع الذين كانوا من قبل أشخاصًا عابرين وأصبحوا من أهل المدن المقيمين الدائمين. غير أن الخوف وعدم الأمان عادا في أيام الحرب إلى ما كانا عليه من قبل، فأنشأ الأهلون المقيمون خارج السور سورًا ثانيًا أطول محيطًا من الخندق الإقطاعي ليحتموا في داخله هم وحوانيتهم وبضائعهم. وظل السيد الإقطاعي أو الأسقف يملك ويحكم هذه المدينة التي اتسعت رقعتها بوصفها جزءًا من أملاكه، ولكن سكانها المتزايدين كان يزاد بينهم العنصر التجاري والدنيوي، فأخذوا يتبرمون من الفروض والسيطرة الإقطاعية، ويعملون سرًا وعلنًا ليستخلصوا للمدينة حريتها.
ونشأت من التقاليد السياسية القديمة والحاجات الإدارية الجديدة جمعية من المواطنين وطائفة من الموظفين؛ وشرعت هذه الحكومة المحلية- الهيئة السياسية- تأخذ على عاتقها شيئًا فشيئًا تنظيم شئون المدينة- البقعة الجغرافية. واستخدم أفراد هذه الهيئة الذكاء الذي هو من طبيعتهم ليثروا سيد على سيد- الشريف على الأسقف، والفارس على الشريف، والملك على كل واحد من هؤلاء الثلاثة أو عليهم جميعًا. وسلك أهل المدن سبلًا كثيرة مختلفة ليحصلوا بها على حريتهم: منها أن يقسموا أغلظ الأيمان أن يمتنعوا عن أداء المكوس والضرائب التي يفرضها عليهم الشريف أو الأسقف، ويقاوموا من يريد جباتها منهم؛ ومنها أن يعرضوا على السيد الإقطاعي مبلغًا محدودًا من المال جملة واحدة
[ ١٥ / ١٢١ ]
أو قسطًا سنويًا يشترون به ميثاقًا ينص على حريتهم. ونال أهل المدن التي تدخل في أملاك الملك الخاصة استقلالهم الذاتي بهبات من المال يؤدونها له أو خدمات يقومون بها في الحرب. ومن المدن ما أعلنت استقلالها دون مبالاة، وثارت ثورات عنيفة دفاعًا عن هذا الاستقلال. فقد حاربت مدينة تور مثلًا اثنتي عشرة حربًا قبل أن تنال حريتها. وباع عدد من سادة الإقطاع المدينين أو المحتاجين، وبخاصة من كان يستعد منهم للحروب الصليبية، مواثيق بالحكم الذاتي للمدن التي يسيطرون عليها إقطاعيًا؛ وكانت هذه هي الطريقة التي نالت بها كثير من المدن الإنجليزية الحكم الذاتي من رتشرد الأول. ومن سادة الإقطاع، وبخاصة في فلاندرز، من أعطوا مواثيق بالحرية الناقصة للمدن التي كان نماؤها الاقتصادي سببًا في زيادة دخلهم. وقاوم رؤساء الأديرة والأساقفة هذه النزعة الاستقلالية أطول من غيرهم لأن يمينهم التي اقسموها حين تولوا مناصبهم كانت تحتم عليهم ألا ينقصوا موارد أديرتهم أو كراسيهم الأسقفية، وهي الموارد التي كانوا يعتمدون عليها في أداء واجباتهم الكثيرة، ومن اجل هذا كان كفاح المدن ضد حاكميها من رجال الدين شاقًا مريرًا إلى أقصى حد.
وكان ملوك أسبانيا يبسطون رعايتهم على الحكومات المحلية ليتخذوها معولًا لتقويض سلطان الأشراف المشاكسين، ولهذا كانت المواثيق التي منحوها للمدن كثيرة بعيدة المدى في الحرية، وعلى هذا الأساس نالت ليون Leon عهدها من ملك قشتالة في عام ١٠٢٠ ونالته برغوس Burgos في عام ١٠٧٣، وناجيرا Nagera في عام ١٠٧٦، وطليطلة في عام ١٠٨٥، ونالته بعدها بزمن قليل، كمبستيلا Compostela، وقادس، وبلنسية، وبرشلونة. وأفاد الإقطاع في ألمانيا، وأفادت المدن في إيطاليا، من الضعف الذي حل بالإمبراطورية والبابوية كلتيهما أثناء الحروب التي شبت بينهما بسبب التنازع على المناصب والسلطان وغير ذلك من أسباب الخصام بين الكنيسة والدولة، وكان للمدن القائمة في شمالي
[ ١٥ / ١٢٢ ]
إيطاليا من السلطان السياسي ما لا يكاد يعرف له نظير قبل ذلك الوقت او بعده؛ وكما كانت المجاري المتدفقة من جبال الألب تمد بمائها الأنهار العظيمة في لمبارديا وتسكانيا، فتحمل المتاجر وتخصب السهول، كذلك كانت تجارة أقاليم أوربا الواقعة في شمال الألب وتجارة آسيا الغربية اللتان تلتقيان في شمالي إيطاليا سببًا في نشأة طبقة تجارية وسطى استخدمت ثروتها في تجديد المدن القديمة، وتشييد مدن جديدة، وتشجيع الآداب والفنون بالمال الوفير، وبث روح العزة والإباء التي حطمت بها أغلال الإقطاع.
وأخذ الأشراف يشنون من قصورهم الحصينة في الريف حربًا خاسرة على حركة استقلال المدن والحكم الذاتي فيها؛ فلما خضعوا لما لابد من الخضوع له، انتقلوا إلى الإقامة في المدن الكبيرة وأقسموا يمين الولاء لحكوماتهم المحلية. أما الأساقفة، الذين ظلوا قرونًا طوالًا الحكام الحقيقيين والحكام القادرين الحازمين لبلدان لمبارديا، فقد خضعوا لهذه الحكومات بمساعدة البابوات، وكانوا قد تجاهلوا هذه السلطة من زمن بعيد. فأخذنا نسمع منذ عام ١٠٨٠ عن "قناصل" يحكمون لوقا Lucca، ثم نجدهم في عام ١٠٨٤ في بيزا، وفي عام ١٠٩٨ في أرزو Arezzo، وفي عام ١٠٩٩ في جنوى، وفي عام ١١٠٥ في بافيا، وفي عام ١١٣٨ في فلورنس. وظلت مدائن شمالي إيطاليا حتى القرن الخامس عشر تعترف بسيادة الإمبراطورية الرسمية وتصدر أوراقها الحكومية باسمها (٩٧)؛ ولكنها كانت من الوجهة العملية الواقعية حرة مستقلة، وقد عاد إليها العهد القديم عهد المدينة- الدولة بكل ما فيه من فوضى ومن حافز.
وتطلب تحرير المدن في فرنسا كفاحًا عنيفًا في كثير من الأحيان؛ فقد أفلح الأساقفة الحاكمون في له مان Le Mans (١٠٦٩)، وكمبرية (١٠٧٦) وريمس (١١٣٩)، بما كانوا يصدرونه من أحكام الحرمان تارة وبالقوة تارة أخرى، أفلحوا في القضاء على الحكومات المحلية التي أقامها الأهلون؛ أما في
[ ١٥ / ١٢٣ ]
نوايون Noyon فقد منح الأسقف البلدة عهدًا بحريتها من تلقاء نفسه (١١٠٨)؛ وحررت سان كنتن St. Quentin نفسها في عام ١٠٨٠، وبوفيه في ١٠٩٩، ومرسيليا في ١١٠٠، وأمين Amiens في ١١٣، واغتنم أهل لاؤن Laon غياب أسقفهم الفاسد في عام ١١١٥ فأنشأوا حكومة ذاتية؛ فلما عاد رشوه بالمال حتى أقسم أن يحميها، ثم أغرى الملك لويس السادس بعد عام من ذلك الوقت بأن يقضي عليها. ونرى في وصف الراهب جويبرت النوجنتي Guibert of لما حدث بعدئذ مثلًا من عنف ثورة المدن في سبيل الحكم الذاتي:
في اليوم الخامس من أسبوع عيد الفصح … علا صخب مضطرب في جميع أنحاء المدينة، وأخذ الناس ينادون بأعلى أصواتهم "الحكم الذاتي المحلي"! … ودخل أهل المدينة وقتئذ فناء الأسقف، مشرعة سيوفهم، وبلطهم الحربية الصغيرة والكبيرة، وأقواسهم، وعصيهم الضخمة، وحرابهم، وكانوا جماعة جد كبيرة .. وهرع الأشراف من كل فج ليساعدوا الأسقف .. فقاوم هو وبعض أعوانه الأهلين بالحجارة والسهام … وخبأ نفسه في برميل … وأخذ يتوسل إليهم توسلًا يبعث الرحمة والأسى في النفوس، ويعدهم بأنه لن يكون أسقفهم بعد ذلك اليوم، وأنه سيهبهم ثروة لا حد لها، ويغادر البلاد. وبينا كانوا هم يسخرون منه بقلوبهم المتحجرة، إذ رفع رجل منهم يدعى برنار بلطته الحربية، وأطار بها مخ ذلك الرأس المقدس الآثم؛ وانفلت هو من الأيدي الممسكة به، ومات قبل أن يصل إلى الأرض إذ عالجته ضربة أخرى تحت وقب عينه وفوق أنفه. فلما قضي نحبه قطعت ساقاه، وأثحن بالجراح؛ وابصر ثيبوت Thibaut في إصبع الأسقف خاتمًا لم يقو على انتزاعه منها، فقطعها (٩٨).
ودام هذا الكفاح مائة عام؛ وقتل الأهلون في فيزلاي Vezelay (١١٠٦) أرنود Arnaud رئيس الدير، وأقاموا فيها حكومة محلية؛ وثارت أورليان في عام ١١٣٧، ولكن ثروتها لم تفلح. ومنح لويس السابع مدينة سان Sens عهدًا
[ ١٥ / ١٢٤ ]
بحريتها في عام ١١٤٦، ولكنه ألغي هذا العهد بعد ثلاث سنين بناء على طلب من رئيس الدير الذي كانت تلك البلدة ضمن أملاكه؛ ثم قتل أهل المدينة رئيس الدير وابن أخيه، ولكنهم عجزوا عن إعادة الحكومة المحلية. وواصل أسقف تورناي الحرب الأهلية ست سنين (١١٩٠ - ١١٩٦) ليقضي على حكومتها المحلية، وأصدر البابا قرار بحرمان جميع أهل المدينة من الكنيسة؛ وثار أهل رون في يوم أحد الفصح من عام ١١٩٤ ونهبوا بيوت قساوسة كنيستها الكبرى، وفي عام ١٢٠٧ أصدر البابا قرارًا الحرمان على المدينة. وفي عام ١٢٣٥ استولى العامة على الحجارة التي جيء بها إلى المدينة لبناء كنيستها، واتخذوها قذائف ومتاريس في الثورة التي قاوما بها على أكبر رئيس ديني في غالة، وولى هو ومن معه من رجال الدين الأدبار، ولم يعودوا إلا بعد عامين من ذلك الوقت، لما أن حمل البابا لويس السابع على إلغاء الحكومة المحلية. وعجزت كثير من مدن فرنسا على نيل حريتها إلى أن قامت الثورة الكبرى، ولكن الكثرة الغالبة من المدن الفرنسية نالت حريتها بين عامي ١٠٨٠ و١٢٠٠، وبدأت أزهى عصورها بفضل ما بعثته فيها الحرية من روح دافعة قوية. وكانت الحكومات المحلية هي التي أنشأت الكنائس القوطية الكبرى.
وضم الملوك في إنجلترا المدن إليهم في كفاحهم ضد الأشراف بأن منحوا هذه المدن عهودًا تحقق لها قسطًا محدودًا من الحكم الذاتي. فقد منح وليم الفاتح مدينة لندن عهدًا من هذه العهود؛ ومنح هنري الثاني مدائن لنكلن، ودرهام، وكارليل Carlisle، وبرستل، وأكسفورد، وسلزبري، وسوثمبتن عهودًا شبيهة بهذا العهد؛ وابتاعت كمبردج في عام ١٢٠١ لنفسها حقوق الحكم المحلي من الملك يوحنا. ونزل الأشراف الحاكمون في فلاندرز عن كثير من الحقوق لمدائن غنت، وبروج، ودويه، وتورناي، وليل … ولكنهم تغلبوا على جميع ما بذلته المدن من محاولات للحصول على الاستقلال البلدي العام. وحصلت مدائن ليدن Lyden
[ ١٥ / ١٢٥ ]
وهارليم Haarlem، ورتردام، ودرودرخت Drodrecht، ودلفت Delft وغيرها من المدن الهولندية في القرن الثالث عشر على عهود بالحكم الذاتي المحلي. أما في المانيا فقد تطلب تحرير مدنها زمنًا طويلًا، وكان هذا لاتحرير في الغالب بطريق السلم؛ فقد منح الأساقفة الذين ظلوا عدة قرون يحكمون المدن حكمًا إقطاعيًا من قبل الأباطرة، إلى مدائن كولوني، وتريير Trier، ومتز، ومينز، واسبير، واسترسبورج، وورمز، ومنحوا هذه المدن حق اختيار موظفيها وسن قوانينها.
ولم تطو صحفية القرن الثالث عشر حتى كانت الثورة القائمة في سبيل الحكم المحلي قد تم لها النصر في أوربا الغربية، فقد خلعت المدن عن عاتقها نير سادتها الإقطاعيين، وتخلصت من الضرائب والمكوس الإقطاعية أو خفضتها، وحددت حقوق رجال الدين في أضيق نطاق، وإن كانت كثرتها الغالبة لم تنل حريتها كاملة. وحرمت المدن الفلمنكية إنشاء أديرة جديدة، والإيصاء بالأرض إلى الكنائس؛ وضيقت نطاق ما كان لرجال الدين من حق في أن يحاكموا أمام المحاكم الكنسية، ونازعتهم حقهم في أن يشرفوا على المدارس الابتدائية (٩٩). وكان رجال الطبقة الوسطى من التجار هم المسيطرين على الحياة البلدية والاقتصادية، واعترف بنقابات التجار الطائفية في كل الحكومات المحلية تقريبًا بأنها هيئات ذات حكم ذاتي. وكانت الحكومة المحلية هي ونقابة التجار الطائفية؛ وليس أدل على هذا من أن نقابات المدينة الطائفية هي التي كانت تختار عمدة Lord Manor لندن؛ ذلك أن امتلاك المال قد أصبح وقتئذ ولأول مرة في مدى ألف عام الآخذ في الازدياد يتحدى سلطان الأشراف ورجال الدين. ووجهت طبقة التجار الوسطى ثروتها، ونشاطها، وقدرتها للحصول على المنافع السياسية ووجهتها بدرجة أعظم مما كانت
[ ١٥ / ١٢٦ ]
توجه في الزمن القديم، وإن كان في ذلك عظيمًا في ذلك الوقت نفسه؛ فقد حرمت الفقراء في معظم المدن من المجالس والوظائف العامة، واستبدت بالفلاح والصانع، واحتكرت مكاسب التجارة، وأرهقت الأهلين بالضرائب الفادحة، وأنفقت معظم إيراد الحكومة المحلية في المنازعات الداخلية أو الحروب الخارجية التي تبغي بها الاستحواذ على الأسواق والقضاء على المنافسين. وحاولت أن تقضي على هيئات الصناع، وحرمت عليهم حق الإضراب، وإلا تعرضوا للإعدام أو النفي، وكان ما تضعه من القواعد لتحديد الأثمان والأجور يهدف إلى مصالحها هي، والى إلحاق الأذى الشديد بالطبقة العاملة (١٠٠). وحدث وقتئذ ما حدث في أيام الثورة الفرنسية، فكانت هزيمة سادة الإقطاع نصرًا لطبقة رجال الأعمال أكثر مما كانت لسائر الطبقات.
غير أن الحكومات المحلية للمدن كانت على الرغم من هذه المساوئ تأكيدًا جليلًا للحرية الإنسانية؛ فقد كان سكان المدينة إذا سمعوا دقات الجرس من برجها يسارعون إلى الاجتماع ليختاروا حكامها، وكان للمدن جيشها الإقليمي الخاص بها، تدافع به عن نفسها أقوى الدفاع، حتى استطاعت أن تهزم به جيوش الإمبراطور المدربة في لنيانو (١١٧٦)، وحاربت به بعضها البعض حتى أنهكت قواها جميعًا. نعم إن مجالسها الإدارية لم تلبث أن ضعف نظامها حتى أضحت أرستقراطية من التجار، ولكن الجمعيات البلدية كانت أولى الحكومات النيابية منذ عهد تيبيريوس، وكانت هي لا العهد الإنجليزي الأعظم Magns Carta مبدأ الديمقراطية الحديثة (١٠١)؛ وهي التي أحلت مناقشة الشهود مناقشة قانونية منظمة محل البقايا الرجعية للقوانين والقبلية- الأيمان، والمبارزة، والتحكيم الإلهي- واستبدلت بالفداء أو ثمن الدم الغرامات أو السجن، أو العقاب البدني، وهي التي قللت من المماطلة والتأجيل في تطبيق القانون، وأحلت التعاقد القانوني محل العلاقات الإقطاعية والولاء الإقطاعي، ونشأت فيها
[ ١٥ / ١٢٧ ]
مجموعة كاملة جديدة من القوانين المنظمة لشئون المال والتجارة قامت على أساسها حياة جديدة في أوربا.
وسرعان ما استحالت هذه الديمقراطية الفتية نظامًا اقتصاديًا شبه اشتراكي تحت إشراف الدولة. فكانت الحكومة المحلية للمدينة تسك عملتها، وتنظم الأشغال العامة وتشرف عليها، وتنشئ الطرق، والقناطر، وتشق القنوات، وترصف بعض شوارع المدينة، وتنظم توريد المؤن لها، وتحرم الإجباء (^١)، والاحتكار، وابتياع السلعة كلها من السوق، وأوجدت الاتصال المباشر بين البائع والمشتري في الأسواق والمواسم التجارية؛ وفحصت عن المكاييل والمقاييس، وفتشت السلع، وعاقبت من يغش فيها، وفرضت الرقابة على الصادرات والواردات، وخزنت الحبوب للسنين العجاف، وأمدت السكان بالحبوب بأثمان معتدلة في أوقات الأزمات، ونظمت أثمان الأطعمة الأساسية والجعة. وكانت إذا وجدت أن الثمن الذي حددته لسلعة مرغوب فيها منخفض انخفاضًا يقلل إنتاجها، أجازت لبعض أثمان الجملة أن توازن نفسها بطريق المنافسة، ولكنها أنشأت محاكم أو "جلسات" للخبز والجعة تعمل على بقاء أثمان الأشتات في هاتين السلعتين متناسبة تناسبًا دائمًا مع أثمان القمح أو الشعير (١٠٢). وكانت بين الفينة والفينة تنشر قوائم بالأثمان المعتدلة، مفترضة أنه لابد أن يكون لكل سلعة "ثمنًا عادلًا" يتضمن ثمن المادة المصنوعة منها وأجر العمل اللازم لإنتاجها، وقد أغفلت هذه النظرية عامل العرض والطلب وما يطرأ على قيمة النقد من تقلبات. واحتكرت بعض الحكومات المحلية- مثل حكومة بال Basel وجنوى تجارة الملح، كما احتكرت غيرها مثل حكومة نورمبرج صنع خمورها، ومنها ما كانت تخزن الحبوب في مخازن البلدية (١٠٣). وكانت الضرائب الجمركية الحامية التي
_________________
(١) أجبأ الزرع باعه قبل بدء صلاحه. المترجم
[ ١٥ / ١٢٨ ]
تفرضها البلديات تحول دون تداول البضائع (١٠٤)، كما كان يعطل هذا التداول أحيانًا إرغام أصحاب التجارة العابرة على أن يعرضوا بضاعتهم للبيع في المدينة قبل أن تخرج منها (١٠٥). وكان يحدث في تلك الأيام ما يحدث في أيامنا هذه فيحتال بعض المواطنين المتمردين للخروج على هذه القواعد؛ كما كانت الأسواق السوداء كثيرة العدد (١٠٦)، وكانت الأضرار الناشئة من بعض هذه القيود أكثر من نفعها، ولهذا أهملت بعد زمن قليل.
غير أننا يحق لنا نقول بوجه عام أن قامت بها الحكومات المحلية لمدائن العصور الوسطى من أعمال ينطق بمهارة رجال الأعمال الذين كانوا يشرفون عليها وبشجاعتهم. فقد استعملت أوربا بفضل توجيههم الحكيم في القرنين الثاني عشر والثالث عشر برخاء لم تعرف له مثيلًا منذ سقوط روما. وتكاثر سكان أوربا في عهد هذا النظام تكاثرًا لم يكن له نظير منذ ألف عام على الرغم من انتشار الأوبئة والمجاعات والحروب. وكان أولئك السكان قد أخذوا يتناقصون في القرن الثاني، وأكبر الظن أنهم وصلوا إلى الحد الأدنى في القرن التاسع؛ ثم أخذ عددهم يزداد مرة أخرى في الفترة الواقعة بين القرن الحادي عشر والموت الأسواد (١٣٤٩) بفضل انتعاش التجارة والصناعة؛ ويغلب على الظن أن أهل الإقليم المحصور بين الموزل والرين قد تضاعفوا عشرة أضعاف، ولعلهم بلغوا في فرنسا عشرين مليونًا، أي أنهم لا يكادون يقلون عما كانوا عليه في القرن الثاني عشر (١٠٧). وقد كان من آثار الثورة الاقتصادية أن أخذ السكان يهاجرون من القرى إلى المدن. نعم إن القسطنطينية البالغ عدد سكانها ٨٠٠. ٠٠٠، وقرطبة وبالرم البالغ عدد سكانهما نصف مليون كانتا مزدحمتين بالسكان من زمن بعيد؛ ولكن عددًا قليلًا من المدن القائمة في شمال جبال الألب هي التي كان يسكنها قبل عام ١١٠٠ أكثر من ثلاثة آلاف نسمة (١٠٨).
[ ١٥ / ١٢٩ ]
وقبل أن يحل عام ١٢٠٠ كان في باريس نحو مائة ألف، وفي كل من دويه، وليل، وإيبر، وغنت، وبروج نحو خمسين ألفًا؛ وكان في لندن عشرون ألفًا. وقبل أن يحل عام ١٣٠٠ كان في باريس ١٥٠. ٠٠٠ ألفًا، وفي البندقية، وميلان، وفلورنس مائة ألف (١٠٩)، وفي سينا Siene ومودينا ٣٠. ٠٠٠ (١١٠)، وفي لوبك، ونورمبرج، وكولوني ٢٠. ٠٠٠، وفي فرانكفورت، وبال، وهمبرج، ونوروك، ويورك ١٠. ٠٠٠. وغني عن البيان أن هذه الأرقام تقريبية وأنها عرضة إلى الخطأ الكبير.
وكان ازدياد السكان نتيجة من نتائج التطور الاقتصادي وسببًا من أسبابه في آن واحد: فأما أنه نتيجة من نتائج هذا التطور فلأن الناس أصبحوا يأمنون على أنفسهم وأموالهم أكثر من ذي قبل، وأنهم صاروا أقدر مما كانوا على استغلال مصادر الثروة الطبيعية بفضل تقدم الصناعة، وأن الأطعمة والسلع قد زاد انتشارها بفضل رواج التجارة وازدياد الثروة. وأما أنه كان سببًا من أسبابه فلأنه أوجد أسواقًا مطردة الاتساع للتجارة والصناعة، للأدب، والتمثيل، والموسيقى، والفن، وكان تنافس الحكومات المحلية وتفاخرها سببًا في توجيه ثروتها إلى بنا الكنائس، وأبهاء المدن، وأبراج النواقيس، والفساقي، والمدارس، والجامعات؛ وعبرت الحضارة البحار والجبال في إثر التجارة؛ فانتقلت من بلاد الإسلام وبيزنطية إلى إيطاليا، وأسبانيا، وتخطت جبال الألب إلى ألمانيا، وفرنسا، وفلاندرز، وبريطانيا. وأصبحت العصور المظلمة إحدى الذكريات الماضية، وتمخضت أوربا مرة أخرى عن حياة فنية نشيطة.
وليس من حقنا أن ندعي أن مدينة العصور الوسطى هي الأمثل الأعلى لما يجب أن تكون عليه المدن. نعم إنها تبدو للناس في هذه الأيام في صورة جميلة، يتوج تَلاًّ فيها قصر منيع، ويحيط بها سور ذو أبراج، فيها بيوت وأكواخ، وحوانيت ذات سقف من القش أو القرميد تزدحم حول الكنيسة أو القصر الحصين
[ ١٥ / ١٣٠ ]
أو الميدان العام. ولكننا يجب أن نضيف إلى هذه الصورة أن شوارعها كانت أزقة ضيقة ملتوية، (وتلك أحسن وسيلة للدفاع ومنع وهج الشمس) يسير فيها الناس والماشية على وقع حوافر الدواب وطقطقة الأحذية الخشبية، وأصوات المارة وهم سائرون فيها على مهل في ذلك العصر الذي لم تكن فيه آلات تريح عضلاتهم وتبلي أعصابهم. وكانت تحيط بكثير من مساكن المدينة حدائق، وأخنان الدجاج، وحظائر الخنازير، ومراعي البقر، وأكوام الروث. وكانت لندن من المدن الشديدة على أهلها، فأمرت "كل من يربي خنزيرًا أن يحتفظ به في بيته"، أما في غيرها فقد كانت الخنازير تجوس بملء حريتها خلال أكوام الفضلات المكشوفة (١١١). وكانت الأمطار تملأ الأنهار من حين إلى حين فتطفي على الحقول والمدن، حتى كان الناس يسيرون بالقوارب تدفعها المجاذيف إلى قصر وستمنستر (١١٢). وكانت الشوارع تظل بعد المطر مليئة بالوحل عدة أيام؛ وكان للرجال وقتئذ يحتذون أحذية طويلة، وأما النساء فكن يحملن في عربات وكراسي تتقلب من حفرة إلى حفرة. وقد رصفت بعض المدن شوارعها الرئيسية بالحجارة في القرن الثالث عشر، أما الكثرة الغالبة منها فقد ظلت شوارعها غير مرصوفة، تتعثر فيها الأقدام وتنبعث منها الروائح الكريهة. وكانت للأديرة والقصور الحصينة وسائل صالحة لصرف الفضلات (١١٣)، أما الأكواخ فلم يكن لها من هذا، وكانت في أماكن متفرقة من المدينة ميادين كَلِئة، بها مضخة يستقي منها الناس وحوض ترتوي منه الحيوانات المارة.
وكانت بيوت المدن القائمة في شمالي الألب تقريبًا من الخشب، ولم يكن فيها بيوت من الآجر أو الحجارة إلا بيوت أغنى الأشراف والتجار، وكانت الحرائق كثيرة، وإذا شبت انتشرت في معظم الأحيان في جميع المدينة لا يعوقها
[ ١٥ / ١٣١ ]
عائق. ولنضرب لذلك مثلًا مدائن رُوَن، وبوفيه، وأراس، وتراوي، وبروفن، وبواتيه، ومواساك Moissac فقد دمرتها كلها الحرائق في عام ١١٨٨، ودمرت رون النارست مرات بين عامي ١٢٠٠ و١٢٢٥ (١١٤)، ولم يعتد الناس صنع السقف من القرميد إلا في القرن الرابع عشر، وكانت النار تكافح بالدلاء تستخدمها فرق باسلة عاجزة، وكان في المدينة خفراء مسلحون بخطاطيف طويلة يهدمون بها البيت المحترق إذا كان وجوده خطرًا على غيره من البيوت. وإذ كان الأهلون جميعًا يرغبون في السكنى بجوار القصر الحصين ليأمنوا بذلك على أنفسهم وأموالهم، فقد كانت المباني ترتفع عدة أطباق تصل أحيانًا إلى ستة، وكانت الأطباق العليا تبرز في الشارع بروزًا يكسيها روعة ويجعلها خطرًا يهدد المارة. وكانت المدن تصدر قرارات تحدد بها ارتفاع المباني.
وكان في وسع الأهلين أن يستمتعوا بالحياة في مدينة العصور الوسطى على الرغم من هذه الصعاب التي قلما كان يحس بها الناس، لأنها كانت تعمهم كلهم تقريبًا، فقد كانت الأسواق مزدحمة بالناس، وكان حديثهم كثيرًا، وأثوابهم وبضائعهم زاهية جذابة، وكان البائعون الجائلون ينادون على سلعهم بأعلى أصواتهم، والصناع لا ينقطعون بتمثيل مسرحية دينية في أحذ الميادين، أو موكب ديني يسير أحيانًا في أحد الشوارع يشترك فيه التجار المزهوون، والصناع الأقوياء، ورجال الدين بأثوابهم الوقورة، ورجال الدنيا بثيابهم الزاهية، وترتل فيها الأناشيد. أو تكون كنيسة فخمة تشاد في المدينة، أو تطل فتاة حسناء من شرفة منزل، أو تدق نواقيس برج المدينة تدعو المواطنين إلى الاجتماع أو إلى امتشاق الحسام. وفي المساء تدق الأجراس تهيب بالأهلين أن يعودوا سراعًا إلى بيوتهم،
[ ١٥ / ١٣٢ ]
لأن الشوارع كانت محرومة من الأضواء، ما عدا ضوء الشموع يتراءى من نوافذ البيوت وضوء مصباح هنا وهنا أمام ضريح. فإذا أراد كبير من أهل المدينة أن يسير فيها ليلًا سبقه خدمه يحملون المشاعل أو الفوانيس والسلاح لأن رجال الشرطة قلما كان لهم وجود. وكان المواطن الحكيم يبكر في العودة إلى داره فرارًا من ملل الليالي الظلماء، وعلمًا منه بأن الديكة سوف توقظه بصياحها في مطلع الفجر، وأن العمل في انتظاره يطلب إليه أن ينجزه.
[ ١٥ / ١٣٣ ]
الفصل السابع