٥٦٦ - ٨٩٨
لم يكن في وسع بطارقة الكنيسة الشرقية أن يعترفوا بهذا السلطان الأعلى لأسقف روما لسبب واضح هو أنهم كانوا من زمن بعيد خاضعين لأباطرة الروم، وأن هؤلاء الأباطرة لم ينزلوا حتى عام ٨٧١ عن دعواهم بأن لهم السيادة على روما ومن فيها من البابوات. ولقد كان البابوات من حين إلى حين يوجهون النقد إلى الأباطرة، ويعصون أوامرهم، بل ويشهرون بهم؛ ولكن الأباطرة هم الذين كانوا يعينونهم في مناصبهم، ويخرجونهم منها، ويدعون المجالس الكنيسية إلى الانعقاد، وينظمون شئون الكنيسة بقوانين تسنها الدولة، وينشرون آراءهم وتوجيهاتهم الدينية على رجال الدين. ولكن ثمة ما يحد من سلطان الأباطرة الديني المطلق في العالم المسرحي الشرقي إلا سلطان الرهبان، ولسان البطريق، واليمين التي يقسمها الإمبراطور حين يتوجه البطريق بأن لا يبتدع بدعة ما في الكنيسة.
وكانت أديرة الرهبان والراهبات منتشرة وقتئذ في القسطنطينية-بل في بلاد الشرق اليونانية على بكرة أبيها. وكان عدد هذه الأديرة في القسطنطينية وحدها يفوق عددها في الغرب، حتى لقد استحوذت نزعته التنسك على بعض أباطرة بيزنطية أنفسهم، فكانوا يعيشون معيشة الزهاد بين ترف القصور، ويستمعون في كل يوم إلى القداس، ويتقشفون في طعامهم، ويندمون على خطاياهم كلما اقترفوها وكانت تقوى الأباطرة والأثرياء حين يموتون سببًا في اتساع الأديرة وكثرة عددها بما كان يهبه هؤلاء وأولئك لها من الهبات في أثناء حياتهم ويوصون لها به من المال بعد وفاتهم. وكان الرجال والنساء من أعلى
[ ١٤ / ٣٥٧ ]
الطبقات إذا ما أخافتهم نذر الموت يسعون لدخول الأديرة، ويسترضون ربهم بما يهبونها من الأموال التي تعفى بعدئذ من الضرائب، ومنم من كانوا يعطون بعض أملاكهم لدير من الأديرة على أن يتقاضوا منه في نظير ذلك مرتبًا سنويًا. وكانت أديرة كثيرة تدعى أن بها مخلفات لبعض القديسين الأجلاء، وكان الناس يعزون إلى الرهبان السيطرة على ما لهذه المخلفات من قدره على فعل المعجزات، ويقدمون إليهم المال راجين أن ينالوا من وراء استثماره لديهم أرباحًا طائلة لا يصدقها العقل. وقد شوه عدد قليل من الرهبان دينهم بكسلهم، وفسقهم، وتحزبهم، وشرههم، وإن كانت كثرتهم قد تمسكت بأهداب الفضيلة والسلام. وكان الرهبان جميعهم ينالون احترام الشعب، ويستمتعون بالثراء المادي، بل يستمتعون أيضًا بنفوذ سياسي لم يكن يسع إمبراطورًا ما أن يتجاهله. وكان ثيودور (٧٥٩ - ٨٢٦) رئيس دير استويودون Studion في القسطنطينية مثلًا أعلى في التقي والسلطان. وكانت أمه قد وهبته في طفولته إلى الكنيسة، فتطبع بجميع الطباع المسيحية إلى حد جعله يهنئ والدته أثناء مرضها الأخير باقتراب منيتها ومجدها. وقد وضع لرهبانه قانونًا للعمل، والصلاة، والعفاف، وتنمية مواهبهم العقلية لا يقل شأنًا عن قانون القديس بندكت في الغرب، ودافع عن استعمال الصور الدينية، وأنكر أمام الإمبراطور ليو الخامس بمنتهى الجرأة أن من حق السلطة الزمنية أن تتدخل بأية صورة في الشئون الكنسية. وقد نفى أربع مرات لعناده هذا ولكنه ظل في منفاه يقاوم محطمي الصور الدينية إلى يوم وفاته.
وأخذت الهوة بين المسيحية اللاتينية واليونانية تزداد بسبب ما كان بين المذهبين في هذه القرون من اختلاف في اللغة والطقوس والعقائد، وكان مثلهما في هذا كمثل جنس من أجناس الكائنات الحية انقسم في المكان وتنوع على توالي الأيام. فقد كانت الطقوس، والأثواب الكهنوتية، والآنية، والزخارف المقدسة في الكنيسة اليونانية أشد تعقيدًا، وأكثر زخرفًا، وأعظم عناية بالناحية الفنية من
[ ١٤ / ٣٥٨ ]
مثيلاتها في الغرب. فكان ذراعا الصليب اليوناني مثلًا متساويتين، وكان اليونان يصلون وهم وقوف، أما اللاتين فكانوا يصلون راكعين؛ وكان اليونان يعمدون أطفالهم بأن يغمروهم في الماء المقدس، أما اللاتين فكانوا يرشون الماء عليهم؛ وكان الزواج محرمًا على القساوسة اللاتين ومباحًا للقساوسة اليونان؛ وكان القسيسون اللاتين يحلقون لحاهم، أما اليونان فكانوا يرسلونها إرسالًا يخلع عليهم مظهر التفكير؛ وتخصص رجال الدين اللاتين في الشئون السياسية، أما اليونان فتخصصوا في أمور الدين؛ وكانت الزندقة تنشأ على الدوام تقريبًا في بلاد الشرق الذي ورث عن اليونان شغفهم بتحديد ما لا حد له؛ ولقد نشأت بأرمينية حوالي عام ٦٦٠ من مبادئ الإلحاد الغنوطسية التي نادى بها بردسانس Bardesanes في بلاد الشام، ومن اتجاه الحركة المانوية نحو الغرب على ما يظن، شيعة من البولسيين Paulicians اشتق اسمها من اسم القديس بولس، لا تؤمن بالعهد القديم، ولا بالعشاء الرباني، ولا تقول بتعظيم الصور المقدسة ولا برمزية الصليب. وانتقلت هذه الطوائف وهذه النظريات كما تنتقل بذور النبات من بلاد الشرق الأدنى إلى البلقان، وإيطاليا، وفرنسا. وصبرت صبر أولى العزم على أقسى أنواع الاضطهاد، ولا تزال بقاياها موجودة إلى الآن في طوائف الملخاني Molokhani، والخليستي Khlysti، والدخوبور Dukhobors.
وكان الأباطرة أشد من الشعب إثارة للجدل القائم حول طبيعة المسيح الواحدة، وما من في أن الشعب لم يكن هو المسئول عن العبارة التي أدخلت على العقائد النيقية في طليطلة عام ٥٨٩، والتي نقول إن الروح القدس ينبعث من الابن كما ينبعث من الأب، والتي لم تقبلها الكنيسة اليونانية. وزادت الهوة بين الكنيستين. لقد كانت العقيدة النيقية تحدث عن "الروح القدس الذي ينبعث من الأب"، ex patre procedit وظل هذا القول كافيًا مدى ٢٥٠ عامًا؛
[ ١٤ / ٣٥٩ ]
ثم حدث في عام ٥٨٩ أن غيره مجلس من مجالس الكنيسة عقد في طليطلة فجعله ex patri filioque procedit أي المنبعثة من الأب والابن. وارتضت غالة هذه الإضافة، واعتنقها شارلمان وعض عليها بالنواجذ. واحتج رجال الدين اليونان وقالوا إن الروح القدس لا ينبعث من الابن بل ينبعث عن طريقه. ووقف البابوات بين هؤلاء وأولئك إلى حين، ولم تدخل هذه العقيدة رسميًا في المذهب اللاتيني إلا في القرن الحادي عشر.
وقام في هذه الأثناء كفاح بين الإرادات أضيف إلى الكفاح بين الآراء، فقد كان من بين الرهبان الذين فروا من وجه محطمي الأصنام راهب يدعى إجناثيوس Ignathius ابن الإمبراطور ميخائيل الأول، واستدعت الإمبراطورة ثيودورا هذا الراهب في عام ٨٤٠ وعينته بطريقًا. وكان رجلًا تقيًا شجاعًا، شنع على قيصر بارداس Caesar Bardas رئيس الوزراء لأنه طلق زوجته وعاشر أرملة ابنه، ولما أصر بارداس على معاشرة أرملة ابنه المحرمة عليه طرده إجناثيوس من الكنيسة، فما كان من بارداس إلا أن نفى إجناثيوس، ورفع غلى عرش البطريقية أعظم علماء ذلك العصر وأكثرهم تهذيبًا (٨٥٥). كان فوتيوس (٨٢٠؟ -٨٩١) يتقن علوم اللغة، والخطابة، والعلوم الطبيعية، والفلسفة؛ وكانت محاضراته التي يلقيها في جامعة القسطنطينية قد اجتذبت إليه طائفة من الطلاب المخلصين المتحمسين فتح إليهم مكتبته وبيته. وكان قبل أن يرقى إلى مقام البطريقية قد تم موسوعة في مائتين وثمانية بابا استعرض في كل واحد منها أحد الكتب المهمة ونقل نماذج منه. وبفضل هذه الموسوعة الضخمة بقيت لنا فقرات كثيرة من الآداب القديمة، وارتفع فوتيوس بفضل هذه الثقافة الواسعة فوق تعصب الشعب، الذي عجز عن أن يفهم السر في بقائه مرتبطًا برباط الود
[ ١٤ / ٣٦٠ ]
والصداقة مع أمير كريت. واستاء رجال الدين في القسطنطينية حين رأوه يرتفع فجأة من بين العلمانيين إلى مقام البطريقية، وأرسل نقولاس الأول مبعوثيه إلى القسطنطينية لينظروا في الأمر، وقرر في رسائله إلى الإمبراطور ميخائيل الثالث وإلى فوتيوس المبدأ القائل بأن أية مسألة خطيرة من المسائل الكنيسة لا يصح أن يفصل فيها في أي مكان من غير موافقة البابا. وعقد الإمبراطور مجلسًا كنسيًا أقر تعيين فوتيوس، وانضم مبعوثو البابا إلى المؤيدين، فلما عادوا إلى روما أنكر عليهم نقولاس عملهم واتهمهم بأنهم قد خرجوا على التعليمات التي وجهها إليهم، وأمر الإمبراطور بأن يعيد إجناثيوس إلى منصبه، فلما تجاهل الإمبراطور هذا الأمر أصدر قرارًا بحرمان فوتيوس (٨٦٣). وهدد بارداس بأنه سوف يبعث جيشًا ليخلع نقولاس، ورد عليه نقولاس ردًا بليغًا سخر فيه منه وأشار إلى خضوع الإمبراطور للمغيرين على أملاكه من الصقالبة والمسلمين:
"إنا نحن لم نغز كريت، ولم نقفز نحن صقلية من أهلها، ولم نخضع نحن بلاد اليونان، ولم تحرق الكنائس في ضواحي القسطنطينية، وبينما يفتح هؤلاء الوثنيون (أملاكك) ويحرقونها، ويخربونها، تبعث إلينا أيها المغتر تهددنا بهول جيوشك. إنك تطلق بارباس Barabbas وتقتل المسيح (٢٧) ".
ودعا فوتيوس والإمبراطور مجلسًا كنسيًا آخر إلى الانعقاد، وأصدر هذا المجلس قرارًا بحرمان البابا (٨٦٧) وشنع على "إلحاد" الكنيسة الرومانية، ومن بينها انبعاث الروح القدس من الأب والابن، وحلق القساوسة للحاهم، وتحريم الزواج على رجال الدين. وأضاف فوتيوس إلى هذا قوله: "ولقد أصبحنا بفضل هذه العادات نرى في الغرب كثيرين من الأطفال لا يعرفون آباءهم".
وبينما كان الرسل اليونان يحملون هذا الهزل إلى روما إذ تبدل الموقف فجأة (٨٦٧) بجلوس بازيل الأول على عرش الإمبراطورية. وكان بازيل قد قتل قيصر بارداس، وأشرف على اغتيال ميخائيل الثالث. ونادى فوتيوس أن
[ ١٤ / ٣٦١ ]
الإمبراطور الجديد قاتل سفاح، ورفض أن يمنحه العشاء الرباني. ورد عليه بازيل بأن دعا مجلسًا كنسيًا إلى الانعقاد، ونفى فوتيوس، وأعاد إجناثيوس، ولما مات إجناثيوس بعد ذلك بقليل، استدعى بازيل فوتيوس؛ وأعاده مجلس كنسي إلى مقام البطريقية، ووافق البابا يوحنا السابع على هذا القرار (وكان نقولاس الأول قد مات). وبهذا تأجل إلى حين انشقاق للكنيستين الشرقية والغربية إحداهما عن الأخرى بموت بطلي هذا الانشقاق.
[ ١٤ / ٣٦٢ ]
الفصل الخامس