كان في روما عدد لا حصر له من الجماعات تطلق عليها أسماء مختلفة: طوائف، وهيئات، واتحادات، ونقابات. كانت فيها جماعات للصناع، والتجار والمقاولين، والأندية السياسية، والإخوة السرية، والإخوة الدينية. ترى هل بقيت جماعة من هذه الجماعات فنشأت عنها النقابات الطائفية التي كانت قائمة في العصور الوسطى؟.
لدينا رسالتان من رسائل جريجوري الأول (٥٩٠ - ٦٠٤) تشيران إلى وجود هيئة من صناعي الصابون في نابولي، وأخرى من الخبازين في أترانتو؛ ونقرأ في كتاب قوانين الملك بوثارس Botharis اللمباردي (٦٣٦ - ٦٥٢) عن "الرؤساء الكوموسيين"، ويلوح أن هؤلاء كانوا كبار البنائين من كرمو Como ويسمي بعضهم بعضًا الزملاء Collegantes- أي الذين يزامل بعضهم بعضًا في جماعة واحدة (٨٠). وقد ورد ذكر جماعات لعمال النقل كانت قائمة في روما في القرن السابع وفي ورمز في القرن العاشر (٨١). وظلت النقابات القديمة قائمة في الإمبراطورية البيزنطية- إلى جماعة الخبازين في القرن السادس، والى هيئات الموثقين والتجار في القرن التاسع، والسماكين في القرن العاشر، والى موردي الأطعمة في القرن الحادي عشر. ونسمع عن جماعات الصناع في البندقية في القرن التاسع، وبجماعة للبستانيين بروما في القرن الحادي عشر (٨٢). وما من شك في أي أن الكثرة الغالبة من النقابات والاتحادات في الغرب قد قضت عليها غارات القبائل المتبربرة، وما أعقبها من فاقة، ومن عودة العمال إلى الأعمال الزراعية
[ ١٥ / ١١١ ]
ولكن يبدو أن بعضها قد بقي في لمباردي؛ ولما أن عادت التجارة والصناعة إلى الانتعاش في القرن الحادي عشر، كانت الظروف التي أوجدت الجماعات القديمة هي التي بعثت النقابات الطائفية بعثًا جديدًا.
ومن أجل هذا كانت النقابات الطائفية أقوى ما تكون في إيطاليا، حيث بقيت الهيئات والأنظمة الرومانية القديمة حافظة لكيانها على خير وجه. ففي فلورنس مثلًا نجد في القرن الثاني عشر اتحادات للحرف- كالموثقين، وصناع الملابس، وتجار الصدف، وأصحاب المصارف، والأطباء، والصيادلة، والبزازين، وتجار الفراء، والدابغين، وصانعي الأسلحة، وأصحاب النزل … (٨٣) ويلوح أن هذه النقابات الطائفية قد أنشئت على غرار نظائرها في القسطنطينية (٨٤). ويبدو أن تدمير الاتحادات الطائفية القديمة كان في شمال جبال الألب أتم منه في إيطاليا، ولكننا مع ذلك نجد لها ذكرًا في شرائع دجوبرت Dagobert الأول (٦٣٠)، وشرائع شارلمان (٧٧٩ - ٧٨٩)، وأوامر هنكمار كبير أساقفة ريمس (٨٥٢). وعادت النقابات الطائفية إلى الظهور في فرنسا وفلاندرز في القرن الحادي عشر، وسرعان ما تضاعف عددها وأطلق عددها وأطلق عليها اسم "المتصدقين" أو "الإخوة" أو "الشركات". وتفرعت النقابات الطائفية (الهانز) في ألمانيا من الجماعات القديمة markgenossenschaften- وهي هيئات محلية لتبادل المعونة، وأداء الشعائر الدينية، والاحتفال بالأعياد. واستحال كثير من هذه الجماعات قبل أن يحل القرن الثاني عشر إلى اتحادات للصناعات والحرف، وقبل أن يحل القرن الثالث عشر بلغت هذه الاتحادات من القوة درجة أمكنها بها أن تنازع المجالس البلدية سلطتها السياسية والاقتصادية (٨٥)، ولم تكن العصبة الهانسية إلا واحدة من هذه الاتحادات. وورد ذكر النقابات الطائفية الإنجليزية لأول مرة في قوانين الملك أين Ine، (٦٨٨ - ٧٢٦) فقد ذكر فيها لفظ "ججلدان" Gegilan- وهي جماعات كان يُساعد بعضها بعضًا
[ ١٥ / ١١٢ ]
فيما يفرض عليهم من مال "الفداء". وكانت كلمة جلد gild الإنجليسكسونية (التي اشتقت منها كلمة guild أي النقابة الطائفية في العصور الوسطى وهي قريبة في أصلها من كلمة geld الألمانية وكلمتي gold و yield الإنجليزيتين) تعني في أول الأمر الاشتراك في مال عام، ثم أصبحت تعني فيما بعد الاشتراك في الجماعة التي تشرف على هذا المال. ووردت أقدم إشارة إلى النقابات الطائفية الإنجليزية في عام ١٠٩٣، ولم يحل القرن الثالث عشر حتى كان لكل مدينة مهمة في إنجلترا تقريبًا نقابة طائفية أو أكثر من نقابة، وحتى كان نوع من "الاشتراكية النقابية" البلدية يسيطر على أحوال الناس في إنجلترا وألمانيا.
وكانت نقابات القرن الحادي عشر الطائفية جميعها تقريبًا نقابات للتجار، ولم تكن تضم إلا التجار المستقلين ورؤساء العمال، وكانت تحرم من الانضمام إليها جميع من يعتمدون على غيرهم، وكانت هيئات تعمل صراحة لفرض قيود على التجارة، فكانت عادة تحمل المدن التي توجد فيها على أن تمنع بالضرائب الجمركية الحامية المرتفعة أو بغيرها من الوسائل دخول السلع التي تنافس ما تصنعه هي؛ وإذا ما سمح لهذه البضائع الأجنبية بدخول المدينة بيعت بأثمان تحددها النقابة التي تؤثر دخولها في بضائعها هي. وكثيرًا ما كانت إحدى نقابات التجار الطائفية تحصل من المقاطعة أو الملك على ترخيص باحتكار سلعة أو سلع في الإقليم الذي تعمل فيه أو الدولة كلها. مثال ذلك أن الشركة الباريسية للنقل التجاري المائي كادت تملك نهر السين كله. وكانت النقابة الطائفية ترغم الصناع عادة بأوامر تصدرها المدينة أو بالضغط الاقتصادي على ألا تعمل معها أو برضاها وألا تبيع ما تنتجه إلا للنقابة أو عن طريقها.
وأصبحت أكبر هذه النقابات على مر الزمن هيئات متحدة قوية، تتجر في أنواع مختلفة من البضائع، وتشتري المواد الغفل جملة، وتؤمن التجارة من الخسائر، وتنظم توريد الطعام لمدنها ونقل فضلاتها، وترصف الشوارع، وتنشئ
[ ١٥ / ١١٣ ]
الطرق والأحواض وتعمق المرافئ، وتؤمن الطرق الرئيسية بتعيين الشرطة فيها، وتشرف على الأسواق، وتنظيم الأجور، وساعات العمل وظروفه، وشروط التمرن على الصناعات، وطرق الإنتاج والبيع، وأثمان المواد الخام والمصنوعات (٨٧). وكانت تحدد للسلع أربع مرات أو خمس مرات في كل عام "ثمنًا عادلًا" تراه حافزًا قويًا للإنتاج ومجزيًا لجميع المهتمين بها. وكانت تزن وتختبر وتعد جميع ما يشتري ويباع من الحاصلات المتصلة بحرفتها وفي الدائرة التي تعمل فيها، وتبذل كل ما في وسعها لتمنع البضائع المغشوشة أو المنحطة من دخول السوق (٨٨). وكانت النقابات تتحد لمقاومة اللصوص، وسادة الإقطاع، والمكوس، والعمال المشاكسين، والحكومات التي تفرض الضرائب الفادحة. وكان لها شأن كبير في السياسة، وكانت تسيطر على كثير من المجالس البلدية، وكثيرًا ما أمدت الأقاليم بتأييد قوى في كفاحها ضد الأشراف والأساقفة والملوك، ثم تطورت هي آخر الأمر فأصبحت هيئة ألجركية من التجار والماليين.
وكان لكل نقابة طائفية في العادة غرفتها الخاصة، وكان بعض هذه الغرف في العصور الوسطى صروحًا مزخرفة أحسن زخرف. وكان لها طائفة من الموظفين الكبار، ومسجلين، وخزنة للأموال، ومأمورين، وشرطة … وكانت لها محاكمها الخاصة يحاكم فيها أعضاؤها، وكانت تحتم على أعضائها أن يعرضوا منازعاتهم على محكمة النقابة الطائفية قبل أن يلجئوا إلى قانون الدولة. وكانت تفرض على أعضائها أن يمدوا بالمعونة زملائهم النقابيين في حالات المرض والكوارث، وأن تنقذهم أو تفتديهم إذا هوجموا أو سجنوا (٨٩). وكانت تشرف على أخلاق أعضائها وآدابهم، وثيابهم، وتفرض عقوبة على كل من يحضر اجتماعاتها بغير جورب. وحدث أن اشتبك عضوان من نقابة التجار في ليستر Leicester في تلاكم في سوق بسطن Boston فما كان من زملائهما إلا أن فرضوا عليهما غرامة قدرها برميل من الجعة، يشربه أعضاء النقابة (٩٠). وكان لكل نقابة
[ ١٥ / ١١٤ ]
طائفية عيد سنوي تمجد فيه شفيعها القديس، يبدأ بصلاة قصيرة يقضون بعدها اليوم كله في يدمنون الشراب. وكانت النقابة تشترك في تمويل كنائس المدينة صغيرها وكبيرها وتزيينها، وفي إعداد التمثيليات الدينية التي نشأت منها المسرحيات الحديثة وفي تمثيلها. وكان كبار رجالها يمشون الاستعراضات البلدية بأثوابهم الزاهية، رافعين أعلام حرفهم في مواكب فخمة. وكانت تؤمن أعضاءها من الحريق، والفيضان، والسرقة، والسجن، والعجز، والشيخوخة (٩١). وكانت تنشئ المستشفيات، وبيوت الصدقات، وملاجئ الأيتام والمدارس؛ وتتحمل نفقات جنازات الموتى والصلوات التي تنجي أرواحهم من العذاب في المطهر، وقلما كان الأغنياء من أعضائها ينسونها في وصاياهم.
وكان أرباب الحرف في كل صناعة ممنوعين عادة من الانضمام إلى نقابات التجار الطائفية، وإن كانوا خاضعين لنظمها الاقتصادية وسلطانها السياسي، ولهذا أخذوا في القرن الثاني عشر يؤلفون في كل بلدة نقابات طائفية خاصة بهم، فنجد في ١٠٩٩ نقابات لطوائف النساجين في لندن ولنكلن، وأكسفورد، وحذا حذوهم بعد قليل من ذلك الوقت القصارون ودابغو الجلود، والقصابون، والصياغ … وانتشرت هذه النقابات الطائفية في القرن الثالث عشر في جميع أنحاء أوربا وسميت فيها بأسماء مختلفة كأرباب الحرف، والجمات، فكان في مدينة البندقية منها ثمان وخمسون، وفي جنوى ثلاث وثلاثون، وفي فلورنس إحدى وعشرون، وفي كولوني ست وعشرون، وفي باريس مائة. وفي عام ١٢٤٥ أصدر إتين بوالو Etienne Boileau " شهبندر التجار" في أيان لويس التاسع "كتابًا للحرف" رسميًا أثبت فيه القواعد والنظم الخاصة بمائة نقابة طائفية ونقابة قائمة في باريس. ومما يثير الدهشة ما يحتويه هذا التثبت من تقسيم للعمل: فكانت في صناعة الجلد مثلًا اتحادات خاصة بعمال السلخ، والدباغة، والأساكفة، وصناع عدد الخيل، وصناع السروج، وصناع الأدوات
[ ١٥ / ١١٥ ]
الجلدية الدقيقة. وكان في النجارة اتحادات خاصة بكل من عمال الصناديق، والأثاث، وبناء السفن، وصناع العجلات، والبراميل، وفاتلي الحبال. وكانت كل نقابة طائفية تحرص على أسرار حرفتها، وتحيط ميدان عملها بسياج يصد عنه من لا ينتمي إليه، وتشغل نفسها بكثير من المنازعات القضائية الخاصة بهذه الحرفة (٩٢).
وكانت نقابة الحرف الطائفية تتخذ لها شكلًا دينيًا، وقديسًا شفيعًا، وتنزع إلى الاحتكار؛ وكانت في هذا كله تساير روح العصر الذي تعيش فيه. ولم يكن في وسع أحد عادة أن يشتغل بحرفة إلا إذا كان عضوًا في النقابة الخاصة بها (٩٣) وكان جميع المنتمين إلى الحرفة هم الذين يختارون زعماءها مرة في كل عام، ولكنهم كانوا كثيرًا ما يختارون لأقدميتهم في النقابة أو لثروتهم. وكانت أنظمة النقابة- بالقدر الذي تسمح به نقابات التجار، وأوامر البلديات، والقوانين الاقتصادية- تعين الأحوال التي يعمل فيها أعضاؤها، والأجور التي يتقاضونها، والأثمان التي يحددونها. وكانت قواعد النقابات تحدد عدد الرؤساء في كل منطقة، وعدد الصبيان الذين يدربون عند كل رئيس، وتحرم استخدام نساء في الصناعات عدا زوجة الرئيس؛ كما كانت تحرم استخدام الرجال بعد الساعة السادسة مساء، وتعاقب الأعضاء لما يطلبونه من أثمان عالية، وما عساهم يقدمون عليه من معاملات غير شريفة أو يصنعونه من سلع يستخدمون فيها مواد بالية. وكانت النقابة في كثير من الأحيان تدمغ منتجاتها بطابعها أو علامتها التجارية ليكون هذا شهادة منها بجودة نوعها، وكان هذا العمل موضع فخر لها (٩٤)؛ وقد أخرجت نقابة النسيج في بروج من المدينة عضوًا من أعضاء النقابة زور طابع مدينة بروج على بضاعة رديئة (٩٥). وكانت النقابة تعارض في قيام المناقشة بين الرؤساء في زيادة مقدار الإنتاج أو خفض ثمنه، خشية أن يتمكن أعظم الرؤساء مهارة أو أكثرهم جدًا من أن يزيدوا ثروتهم على حساب غيرهم من الرؤساء،
[ ١٥ / ١١٦ ]
ولكنها كانت تشجع المنافسة التي قوم بين الرؤساء أو بين المدن لتحسين نوع المنتجات. وكانت نقابات الحرف تقوم بما تقوم به نقابات التجار من بناء المستشفيات والمدارس، وتقوم بالتأمين المختلف الأنواع، وتقدم المعونة إلى الفقراء من أعضائها، والبائنات إلى بناتهم، وتدفن موتاهم، وتعني بأراملهم، وتتبرع بالعمال والمال لبناء الكنائس الصغير والكبيرة، وتصور العمليات التي تؤديها، وتنقش شاراتها على زجاج الكنائس.
ولم تمنع النزعة الأخوية بين رؤساء نقابات الحرف أن يكون فيها درجات متفاوتة في العضوية والسلطان، فكان في الدرجة السفلى منها صبي التمرين الذي يبلغ العاشرة أو الثانية عشرة من العمر، يرسله والداه ليعيش مع صانع متمرن مدة من الزمن تتراوح بين ثلاث سنين واثنتي عشرة سنة، ويقوم بخدمته في حانوته ومنزله. وكان يمنح في نظير هذه الخدمة الطعام، والكساء، والمأوى، وتعلم الحرفة، ويعطى في السين الأخيرة من الخدمة أجرًا وأدوات؛ فإذا ما قضي مدة التمرين أعطى منحة من المال يبدأ بها عمله مستقلًا، فإذا هرب من معلمه أعيد إليه وعوقب على هربه، فإذا داوم على الهرب حرم عليه الاشتغال بالحرفة. وإذا أتم خدمته عين عاملًا بالمياومة، ينتقل من رئيس إلى رئيس ويعمل بأجر يومي. فإذا مر عليه وهو بهذه الحال عامان أو ثلاثة أعوام، وكان لديه من المال ما يستطيع به فتح حانوت مستقل امتحن لمعرفة كفايته الفنية أمام لجنة من أعضاء نقابته الطائفية، فإذا اجتاز الامتحان أصبح رئيسًا. وكان يطلب إلى الرئيس أحيانًا- ولم يكن هذا إلا في أواخر العصور الوسطى- أن يعرض على رؤساء النقابة عينة من صنعه يرضون عنها.
وكان الصائغ الذي تخرج على هذا النحو- أو الرئيس كما كانوا يسمونه- يمتلك أدواته، وكان في العادة ينتج سلع الاستهلاك التي يطلبها المستهلك مباشرة، وكان هذا المستهلك في بعض الأحيان يقدم له المادة الغفل، وكان يحق له أن يأتي
[ ١٥ / ١١٧ ]
أي وقت ليراقب سير العمل. ولم يكن الوسيط في هذا النظام هو الذي يسيطر على المسالك القائمة بين صانع السلعة والمنتفع بها. وكانت السوق التي ينتج لها الصانع هي التي تحدد ما ينتجه، وكانت هذه السوق عامة أو لأهواء المستثمرين أو المشترين البعيدين عنه؛ ولم يكن يعرف ما يطرأ على السوق من تقلبات اقتصادية جنونية بين رخاء تارة وكساد تارة أخرى. وكانت ساعات عمله كثيرة تختلف من ثمان إلى ثلاث عشرة ساعة- ولكنه كان يختارها بنفسه، ويعمل على مهل، ويستمتع بكثير من الأعياد الدينية، وكان يأكل الطعام المغذي المفيد، ويبتاع الأثاث المتين ويلبس الثياب البسيطة الطويلة الأجل، وكانت له حياة ثقافية لا تقل عن حياة الصانع في هذه الأيام إن لم يكن خيرًا منها. نعم إنه لم يقرأ كثيرًا، وكان لهذا ينجو من كثير من السخف الباطل المضل، ولكنه كان يشترك اشتراكًا فعليًا في المغاني، والمراقص، والتمثيليات، والشعائر الدينية التي تقام في بيئته.
وظلت النقابات الطائفية طوال القرن الثالث عشر يزداد عددها، ويعظم سلطانها، وكانت قيدًا ديمقراطيًا يحد من سلطان نقابات التجار الألجركية. غير أن نقابات الصناع الطائفية أصبحت على مر الزمن أرستقراطية عمال، تنزع إلى قصر رؤساء الصناع على أبناء الصناع أنفسهم، وخفض أجور عمال المياومة الذين ثاروا عليها في القرن الرابع عشر ثورات كثيرة أضعفت سلطانها، وتضع العقبات المطردة الزيادة في سبيل من يريدون الانضمام إليها، أو الدخول في البلدان التي تقوم فيها (٩٦). على أنها كانت منظمات ممتازة لعصر صناعي، كثيرًا ما ضيقت صعاب النقل فيه الأسواق التي تصرف فيها السلع وجعلتها مقصورة على المشترين المحليين، ولم تكن رؤوس الأموال المتجمعة من الكثرة والسيولة بحيث تكفي
[ ١٥ / ١١٨ ]
لتمويل الأعمال التجارية والصناعية الواسعة النطاق. فلما ظهرت الأموال المتجمعة فقدت النقابات، سواء كانت نقابات تجار أو أرباب حرف، ما كان لها من إشراف على السوق، ومن ثم فقدت ما كان لها من إشراف على ظروف العمل. وقضت الثورة الصناعية على هذه النقابات في إنجلترا بسبب ما حل بها من نكبات ناشئة من تغير الأحوال الاقتصادية؛ ثم ألغتها الثورة الفرنسية إلغاء فجائيًا تامًا، لأنها كانت في نظر القائمين بهذه الثورة لا تتفق مع حرية العمل وكرامته، وهما الحرية والكرامة اللتان كلفتهما قبل في ساعة من ألمع الساعات.
[ ١٥ / ١١٩ ]
الفصل السادس