كل ازدهار التجارة يمد جذوره في اتساع نطاق التجارة والصناعية، ويستمد غذاءه من هذا الاتساع. وكان استيلاء المسلمين على ثغور البلاد الواقعة في شرق البحر المتوسط وجنوبه، وعلى تجارة هذين القسمين، وغارات المسلمين وأهل الشمال والمجر على بلاد أوربا، وما حل بها من الاضطراب أيام خلفاء شارلمان، كان هذا كله سببًا في انحطاط الحياة الأوربية الاقتصادية والعقلية في القرنين التاسع والعاشر إلى الدرك الأسفل؛ فلما أن حمى الإقطاع الزراعة وأعاد تنظيمها، وروض قراصنة الشمال فأصبحوا الزراع والتجار النورمان، وصد الهون واعتنقوا الدين المسيحي، واستعادت التجارة الإيطالية معظم ثغور البحر المتوسط، وأعاد الصليبيون فتح البلاد الواقعة في شرق هذا البحر، واستيقظ الغرب في أثر اتصاله بحضارتين أرقى من حضارتا الإسلام وبيزنطية، لما حدث هذا كله أتيحت الفرصة في القرن الثاني عشر لانتعاش أوربا، ووجد الحافز القوي هذا الانتعاش، والوسائل المادية لازدهار الثقافة في القرن الثاني عشر، وواصلت هذا الانتعاش حتى منتصف القرن الثالث عشر أي إلى بداية نهاية العصور الوسطى.
[ ١٥ / ٧٠ ]
وكان شعار الفرد والمجتمع في ذلك العهد هو: يجب أن يتقدم الطعام على الفلسفة والثراء على الفن Primum est edere، deinde philosophari.
وكانت الخطوة الأولى في انتعاش الاقتصادي هي إزالة القيود التي كانت تعطل التجارة الداخلية. ذلك أن الحكومات القصيرة النظر كانت تفرض مائة ضريبة وضريبة على نقل البضائع وبيعها- تفرضها على دخول الثغور، وعبور القناطر، واستخدام الطرق أو الأنهار، أو القنوات، وعرض البضائع على المشترين في الأسواق والموالد. وكان سادة الإقطاع يرون أن من حقهم أن يجبوا الضرائب على البضائع المارة بأملاكهم كما تفعل الدول في هذه الأيام، وكان منهم من يبسط حماية حقة وخدمات صادقة للتجار إذ يمدنهم بالحراسة المسلحة وكرم الضيافة التي تيسر لهم القيام بأعمالهم (^١) ولكن تدخل الدول وسادة الإقطاع في شئون التجارة أدى إلى وجود اثنتين وستين محطة لجباية المكوس على طول نهر الإلب، وسبع وسبعين على نهر الدانوب …؛ وكان التاجر يؤدي ستين في المائة من بضاعته نظير نقلها في نهر الرين أو على شاطئيه (٢١). وتعرض التجار والمسافرون لأشد الأخطار في الطرق البرية والمسالك المائية الموبوءة بالحروب الإقطاعية، والجنود غير النظاميين، والأشراف اللصوص، والقرصان المنتشرين في الأنهار والبحار. غير أن "هدنة الله" و"سلم الله" يسرتا التجارة البرية بتحديدهما فترات للسفر آمنة أمانًا نسبيًا؛ كما أن ازدياد قوة الملوك قلل بعض الشيء من السرقات، وأوجد نظامًا موحدًا للمقاييس والموازين، وحدد العوائد والمكوس ونظمها؛ ومنعها منعًا باتًا من بعض الطرق والأسواق في أيام الموالد الكبرى.
_________________
(١) كان بعض سادة الإقطاع يعلقون دروعهم، أو يعلقون شعارهم الحربي، عند مداخل قصورهم علامة على استعادهم لاستضافة الغرباء. وهذا هو السبب في قيام النزل على جانبي الطرق تحمل أسماء مثل: "النسر الأحمر"، و"السبع الذهبي"، و"الدب الأريد".
[ ١٥ / ٧١ ]
وكانت هذه الموالد عصب الحياة التجارية في العصور الوسطى. نعم إن البائعين الجوالين كانوا بطبيعة الحال يترددون ببضائعهم الصغيرة على الأبواب، والصناع يبيعون مصنوعاتهم في حوانيتهم، والبائعين والمشترين يجتمعون في المدن أيام الأسواق، والأشراف يقيمون الأسواق قريبة من قصورهم، والكنائس تسمح بإقامتها في أفنينها، والملوك يديرونها في مخازن في عاصمة ملكهم. نعم إن هذا كله كان يحدث، ولكن تجارة الجملة، والتجارة الدولية كانتا تتركزان في المواسم الإقليمية التي كانت تقام في أوقات معينة في لندن واستوربرج Stourbridge بإنجلترا؛ وفي باريس، وليون، وريمس، وإقليم شمبانيا بفرنسا؛ وفي ليل، وإيبر Ypres ودويه Douai، وبروج Bruge بفلاندرز، وفي كولوني، وفرانكفورت، وليبزج، ولوبك Lübeck بألمانيا، وجنيفا بسويسرا؛ ونفجورود بروسيا .. وكانت أشهر هذه الأسواق كلها وأحبها إلى الجماهير ما كان يقام منها بمقاطعة شمبانيا في لآني Lagny، إذا حل شهر يناير، وفي بار- على- الأوب Bar- sur- Aube أيام عيد الفصح، وفي بروفن Provins في شهري مايو وسبتمبر، وفي تراوي Troyes في شهري سبتمبر ونوفمبر. وكان كل موسم من هذه المواسم يدوم ستة أسابيع أو سبعة، وكان تعاقبها على هذا النحو بمثابة سوق دولية تدوم معظم أسام السنة. وكانت أماكنها مما ييسر اجتماع المتاجر والتجار القادمين من فرنسا والأراضي الوطيئة، ووادي نهر الرين، بالقادمين من بروفانس، وأسبانيا، وإيطاليا، وإفريقيا، وبلاد الشرق؛ وكانت هذه المواسم مصدرًا كبيرًا للثراء والسلطان لفرنسا في القرن الثاني عشر. ونشأت هذه المواسم في مدينة تراوي في القرن الخامس الميلادي، ثم اضمحل شأنها حين انتزع فليب الرابع (١٢٨٥ - ١٣١٤) شمبانيا من أمرائها المستنيرين ففرض عليها من المكوس والنظم ما أفقرها؛ فلما كان القرن الثالث عشر حلت محلها الثغور والتجارة البحرية.
[ ١٥ / ٧٢ ]
وكان بناء السفن والملاحة قد تحسنا تحسنًا بطيئًا منذ أيام الرومان، فقد كان لمئات من المدن الساحلية منارات حسنة لإرشاد السفن، وكان لكثير منها- كالقسطنطينية، والبندقية، وجنوى، ومرسيليا، وبرشلونة- أحواض واسعة. وكانت السفن في العادة ذات سطح واحد أو لا سطح لها على الإطلاق، وكانت حمولتها حوالي ثلاثين طنًا؛ وكان في مقدورها لصغر حجمها وقلة حمولتها أن تسير صعدًا في الأنهار مسافات بعيدة؛ ولهذا كان في مقدور سفن المحيطات أن تصل إلى أمثال مدائن نوبونة Narbonne، وبوردو، ونانت Nantes، ورون، وبروج، وبرمن، وإن كانت بعيدة بعض البعد عن البحار؛ ولهذا أضحت هذه المدن ثغورًا مزدهرة. وكانت بعض سفائن البحر المتوسط أكبر حجمًا من السفن السالفة الذكر، تحمل ستمائة طن وتتسع لألف وخمسمائة راكب (٢). وأهدت البندقية إلى لويس التاسع سفينة يبلغ طولها مائة قدم وثماني أقدام، وعدد بحارتها مائة وعشرة. وكان الطراز السائد لا يزال هو الطراز القديم ذا الكوثل المزخرف، والسارية أو الساريتين، والشراع أو الشراعين، والهيكل المنخفض ذي الصفين أو الثلاثة الصفوف من المجاذيف، وقد يصل عددها إلى مائتي مجذاف. وكان معظم المجذفين رجالًا أحرارًا متطوعين لأن البحارة العبيد كانوا قليلي العدد في العصور الوسطى (٣). وتقدم فن إدارة الشراع إلى الريح الذي كان معروفًا في القرن السادس تقدمًا بطيئًا حتى القرن الثاني عشر حين أضيفت إلى الشراع المربع القديم أشرعة أمامية وخلفية (٤)، ولكن القوة المحركة الرئيسية ظلت هي المجاذيف كما كانت قبل. وظهرت البوصلة البحرية، التي لا تعرف بدايتها على وجه التحقيق (^١)، في سفن المسيحيين حوالي عام ١٢٠٠ وجعل الملاحون الصقليون استعمالها مستطاعًا في المياه الهائجة بتثبيت
_________________
(١) ربما كانت نشأتها في أوربا؛ انظر مجلة اسيكيولوم Speculum عدد إبريل سنة ١٩٤٠ ص ١٤٦.
[ ١٥ / ٧٣ ]
الإبرة الممغنطة فوق قطب متحرك (٥)، ومع هذا فقد مرت مائة عام بعد هذا الاختراع قبل أن يجرؤ الملاحون- عدا أهل الشمال- على الابتعاد عن الأرض وتسيير السفن وسط البحار الواسعة. وكانت الملاحة المحيطية من ١١ فبراير إلى ٢٢ نوفمبر عملًا استثنائيًا، فقد كانت محرمة على سفن العصبة الهانسية Hansetic League، وكانت سفائن البحرين المتوسط والأسود تقف في هذه الفترة. وظلت الأسفار البحرية بطيئة كما كانت في الزمن القديم، فكان اجتياز المسافة من مرسيليا إلى عكا يتطلب خمسة عشر يومًا، ولم تكن الأسفار البحرية توصف لشفاء الأمراض، وكانت البحار موبوءة بالقرصان، وكثيرًا ما كانت السفن تتحطم أثناء سفرها، ولم تكن أقوى البطون تنجو من الاضطراب؛ ويحدثنا فروسار Froissart أن سير هرفية دخ ليون Sir Herve de Leon ظل يتخبط على ظهر السفينة خمسة عشر يومًا بين سوثمبتن Southampton وهارفلير Harflur، وأنه اعتل إلى حد لم يستطع بعده أن يستعيد صحته (٦). وكان يعوض المسافرين عن هذه المتاعب بعض التعويض أن أجور السفر كانت قليلة، فقد كان أجر عبور نقل القناة الإنجليزية (بحر المانش) ستة بنسات في القرن الرابع عشر، وكانت أجور نقل البضائع والأسفار البعيدة تتناسب مع هذا الأجر القليل، ولهذا امتاز النقل البحري على البري امتيازًا تبادلت بسببه خريطة أوربا السياسية فغي القرن الثالث عشر.
ولما استرد الصليبيون سردانية (١٠٢٢) وقورسقة (١٠٩١) من المسلمين فتح مضيق مسينا، والبحر المتوسط للملاحة الأوربية، كما استردت الحرب الصليبية الأولى جميع الثغور الجنوبية الواقعة على هذا البحر إلا القليل منها. فلما تحررت التجارة من هذه القيود ربطت أوربا بشبكة من الطرق التجارية لم تقتصر نتيجتها على اتصالها بالمسيحيين في آسيا، بل شملت كذلك اتصالها ببلاد المسلمين في إفريقيا وآسيا، ثم امتدت إلى أبعد من هذا، إلى بلاد الهند والشرق
[ ١٥ / ٧٤ ]
الأقصى. فقد كانت المتاجر تحمل من الصين أو الهند، وتجتاز التركستان، وفارس، والشام إلى موانئ سوريا وفلسطين؛ أو تخترق بلاد المغول إلى بحر الخزر ونهر الفلجا؛ أو تنقلها إلى الخليج الفارسي، ثم تسير صعدا في نهر الفرات ودجلة. ثم تجتاز الجبال والصحراوات إلى البحر الأسود، أو بحر الخزر، أو البحر المتوسط؛ أو تسير السفن في البحر الأحمر ثم تنقل بالقنوات أو القوافل إلى القاهرة أو الإسكندرية. وكانت التجارة- ومعظمها في القرن الثالث تجارة مسيحية- تنتشر من ثغور إفريقيا الإسلامية إلى آسيا الصغرى وبيزنطية، أو إلى جزائر قبرص، ورودس، وكريت (إقريطش)؛ أو إلى ثغور سلانيك، وبيرية، وكورنثة، وبتراس؛ أو إلى صقلية، وإيطاليا، وفرنسا، وأسبانيا. وكانت القسطنطينية تضيف بضائعها الكمالية إلى هذا التيار الجارف، وتغذى التجارة الصاعدة في نهر الدانوب والدنيبر إلى أوربا الوسطى، والروسيا، ودول البحر البلطي. واستولت مدائن البندقية، وبيزا، وجنوى على التجارة الغربية البيزنطية، وحاربت كما يحارب المتوحشون لكي تكون للمسيحيين السيادة على البحار.
وكان مركز إيطاليا بين الشرق والغرب، موغلة في البحر المتوسط، وثغورها المتجهة إلى البحر في ثلاث جهات مختلفة، وبلدانها المشرفة على ممرات جبال الألب، مما يسر لها في ثلاث الاستفادة أكثر من سائر الأقطار من تجارة أوربا مع بيزنطية، وفلسطين، وبلاد المسلمين. فقد كان لها على البحر الأدرياوي مدائن البندقية، ورافنا، وريميني، وأنكونا، وباري، وبرنديزي، وتارنتو؛ وكان لها في الجنوب كروتون (أقروطونة)؛ وكان لها على الساحل الغربي رجيو، وسلرنو، وأملفي، ونابلي، وأستيا، وبيزا، ولوكا، وكانت هذه تنقل تجارة غنية واسعة؛ وكانت فلورنس المركز المصرفي لهذه التجارة تسيطر على شئونها المالية. وكان نهر الأرنو والبو ينقلان بعض هذه التجارة في داخل البلاد إلى مدائن بدوا،
[ ١٥ / ٧٥ ]
وفرارا، وكرمونا، وبياسنزا، وبافيا. وكانت روما تستولي على الإتاوات والعشور من سكان أوربا الأتقياء إلى كنائسها وأضرحتها؛ وكانت سينا Siena، وبولونيا تقعان عند ملتقى الطرق الداخلية الكبرى الكثيرة الإنتاج؛ وكانت ميلان، وكومو، وبريشيا، وفيرونا، والبندقية تجمع في أحجارها ثمار التجارة تنتقل فوق جبال الألب من حوضي الدانوب والرين؛ وكانت جنوى تسيطر على البحر الترهيني، كما كانت البندقية تتحكم في البحر الأدرياوي. وكان أسطول جنوى التجاري يتألف من مائتي سفينة عليها عشرون ألفًا من البحارة، وكانت ثغورها التجارية تمتد من قورسقة إلى طربزون. وكانت جنوى تتجر بكامل حريتها مع بلاد المسلمين كما تتجر معها البندقية وبيزا؛ وأسبانيا الإسلاميتين؛ وكانت كثير من هذه المدن الإيطالية تبيع الأسلحة للمسلمين في أيام الحروب الصليبية، وكان البابوات الأقوياء أمثال إنوسنت الثالث ينددون بالتجارة أيًا كانت مع المسلمين؛ ولكن الذهب كان أقوى أثرًا من الدين أو الدم المراق، ولهذا ظلت "التجارة المحرمة" تجري في مجراها العادي (٧).
واضمحلت جنوى من جراء حروبها مع البندقية، وتطلعت ثغور فرنسا الجنوبية وأسبانيا الغربية إلى نصيب من تجارة البحر المتوسط؛ واستعادت مرسيليا إلى حين ما كان لها في سابق أيامها من تفوق بعد أن كسدت تجارتها أيام سلطان المسلمين، ولكن منبلييه أخذت في خلال القرن الثاني عشر تنافسها في أن تكون باب فرنسا الجنوبي مدفوعة في هذه المنافسة بسكانها المختلفي الأجناس وثقافتها المتعددة الأصول- غالية، وإسلامية، ويهودية. وأفادت برشلونة من أهلها الذين يتمنى بعضهم إلى الأسر التجارية اليهودية القديمة التي بقيت فيها أن استردت من المسلمين. وإذا كانت جبال البرانس تفصل أسبانيا المسيحية عن سائر أوربا فقد وجدت في هذه المدينة وفي بلنسية وسيلة
[ ١٥ / ٧٦ ]
للاتصال بعالم البحر المتوسط. وكانت ثغور قادس، وبوردو، ولاروشل، ونانت ترسل سفنها لتسير بازاء ساحل المحيط الأطلنطي إلى رون، ولندن، وبروج؛ كما كانت جنوى في القرن الثالث عشر، والبندقية في عام ١٣١٧ ترسلان سفنهما إلى هذه الثغور الأطلنطية كلها مخترقة مضيق جبل طارق؛ وقبل أن يحل عام ١٣٠٠ كانت التجارة التي تعبر جبال الألب قد نقصت، وأخذت تجارة المحيط الأطلنطي تسمو بأمم هذا المحيط إلى تلك الزعامة التي ضمنها لها كولمبس فيما بعد.
وأثرت فرنسا من أنهارها وهي الحبال السائلة التي تربط بها التجارة الأقاليم الواقعة على شطآنها وتوحدها. وبفضل هذه الأنهار- الرون، والجارونن واللوار، والساؤون، والسين، والواز Oise، والموزل ازدهرت تجارتها وأخصبت حقولها، ولم يكن في وسع بريطانيا وقتئذ أن تنافسها، ولكن الثغور الخمسة الواقعة على القناة الإنجليزية كانت ترحب بالسفن والبضائع الأجنبية. وكان نهر التاميز عند لندن محاطًا منذ ذلك العهد البعيد بأحواض السفن المتجاورة الممتدة على شاطئيه، وكانت تصدر منها المنسوجات، والصوف، والقصدير لتستورد بأثمانها التوابل من بلاد العرب، والحرير من الصين، والفراء من الروسيا، والخمور من فرنسا. وكان أنشط من هذه كلها وأنشط من أي ثغر في أوربا الشمالية مدينة بروج العاصمة التجارية والمنفذ الخارجي لبلاد فلاندرز بغلاتها الزراعية والصناعية. وعند هذه المدينة كان يتقاطع محورًا التجارة الأوربية المحور الشرقي الغربي والمحور الشمالي الجنوبي، كما كانا يتقاطعان عند البندقية وجنوى. وكان موقعها القريب من شاطئ بحر الشمال والمقابل لإنجلترا، مما يسرها استيراد الصوف الإنجليزي لينسج على الأنوال الفلمنكية والفرنسية. وكانت إلى هذا بعيدة في الداخل بعدًا يجعل ثغرها مأوى أمينًا للسفن. ولهذا اجتذبت إليها أساطيل جنوى والبندقية وفرنسا القريبة. وسمحت لهذه المدن بان توزع بضائعها بمائة طريق وطريق على الثغور
[ ١٥ / ٧٧ ]
الأصغر منها. ولما أن ازداد النقل البحري أمنًا ورخصًا، اضمحلت التجارة البرية، وحلت بروج محل المدن ذات المواسم التجارية، فأضحت السوق التي تلتقي فيها التجارة الأوربية؛ فكانت حركة النقل الثقيل على أنهار الموز Meuse، والشلد Scheldt والرين تحمل إلى بروج بضائع ألمانيا الغربية وفرنسا الشرقية لتصدر منهما إلى الروسيا، واسكنديناوة، وإنجلترا، وأسبانيا. وانتعشت بلدان أخرى بفضل هذه التجارة النهرية نذكر منها فلنسين Valencienne، وكمبريه Cambrai، وثورنيه Tonrai، وغنت Gnent، وأنتورب (أنفرس) Antwerp الواقعة على نهر الشلد؛ ودينان Dinant، وليبج Liege، ومسترخت Maestricht على نهر الموز.
وكانت بروج أشهر مدائن القسم الغربي من العصبة الهانسية، وكان منشأ هذه العصبة وأمثالها أن المدائن التجارية في أوربا الشمالية ألفت من بينها في القرن الثاني عشر أحلافًا مختلفة سماها الألمان هانسات Hanses أي اتحادات أو نقابات، تهدف إلى تشيع التعاون الدولي ضد المنافسة الخارجية، وإقامة هيئات متجانسة من التجار البعدين عن أوطانهم، وحماية أنفسهم من القراصنة، وقطاع الطرق، وتقلب العملة، والمدينين المماطلين، وجباة الضرائب، والمكوس الإقطاعية.
وكونت لند، وبروج، وإيبر، وترواي، وعشرون مدينة أخرى "اتحاد لندن"؛ وانضمت لوبك، التي أسست في عام ١١٥٨ لتكون مرقبًا خارجيًا للحرب والتجارة الألمانيتين مع اسكنديناوة، إلى هامبرج (١٢١٠)، وبروج (١٢٥٢) (^١) في اتحاد مشابه لهذا، انضمت إليه فيما بعد دانزج، وبرمن، ونفجورود، ودوربات Dorpat، ومجدبرج، وثورن Thorn، وبرلين، وفزبي Visby، واستوكهولم، وبرجن Bergen، ولندن؛
_________________
(١) ربما كان هذا التاريخ هو بداية العصبة الهانسية، وإن كان هذا الاسم لم يطلق عليه إلا في عام ١٣٧٠.
[ ١٥ / ٧٨ ]
وبلغ هذا الاتحاد عنفوانه في القرن الرابع عشر، وكان يضم وقتئذ اثنتين وخمسين بلدة، ويشرف على مصاب جميع الأنهار الكبرى- الرين، والويزر weser، والألب، والأودر، والفستيولا- التي تنقل غلات أوربا الوسطى إلى بحر الشمال والبحر البلطي؛ وكان هذا الحلف يسيطر على تجارة أوربا الشمالية من رون إلى نفجورود؛ وظل مدة طويلة يحتكر مصايد الرنجة في البحر البلطي وتجارة القارة الأوربية مع إنجلترا. ولقد أنشأ الحلف محاكم للفصل فيما يشجر بين أعضائه من نزاع، والدفاع عنهم فيما يقام عليهم من قضايا من البلدان الخارجة عنه، وكان في بعض الأحيان يحارب بوصفه سلطة مستقلة. وقد سن الحلف قوانين لتنظيم العمليات التجارية بل والسلوك الأخلاقي بين أعضائه مدنًا كانوا أو رجالًا؛ وكان يحمى التجار المنظمين إليه من الشرائع الاستبدادية، والضرائب والغرامات غير القانونية؛ ويفرض على أعضائه مقاطعة المدن التي تسيء إليه، ويعاقب المماطلين في الدفع، والمخلين منضمة إليه، والمشترين بضائع مسروقة. وأنشأ محطة تجارية في كل مدينة منضمة إليه، وجعل تجاره خاضعين لقوانينه الألمانية أينما ذهبوا، وحرم عليهم الزواج من الأجنبيات.
وظلت العصبة الهانسية قرنًا من الزمان عاملًا الحضارة، فقد ظهرت البحر البلطي وبحر الشمال من القراصنة، ونظفت المجاري المائية؛ وعدلتها فجعلتها مستقيمة، ورسمت خرائط للتيارات البحرية والمد والجزر، وأبانت عليها موضع القنوات، وأنشأت المنارات البحرية، والثغور، والقنوات، وسنت القوانين البحرية وجمعتها في كتب؛ وجملة القول أنها أحلت النظام مكان الفوضى في تجارة أوربا الشمالية. ولقد ضمت هذه العصبة طبقة التجار، وألفت منهم هيئة قوية فحمت بذلك الطبقة الوسطى من الأشراف، وعملت على تحرير المدن من سادة الإقطاع؛ وليس أدل على قوتها من أنها قاضت ملك فرنسا لأن جنوده أتلفوا بضائع العصبة، وأرغمت ملك إنجلترا على أن يؤدي ما يلزم من النفقات
[ ١٥ / ٧٩ ]
لإقامة الصلوات طلبًا لنجاة أرواح تجار العصبة الهانسية الذين أغرقهم الإنجليز (٨). ويفضل هذه العصبة انتشرت تجارة الألمان ولغتهم وثقافتهم نحو الشرق إلى بروسيا، وليفونيا Livonia، وإستونيا Estonia، ورفعت بلدان كونجزبرج K؟nigsburg، وليباو Libau، وميمل Memel، وريجا Riga إلى مصاف المدن الكبرى. وكانت العصبة تتحكم في أثمان البضائع التي يتجر فيها أعضاؤها وأوصافها، وبلغ اشتهار أعضائها بالاستقامة أن استخدم الإنجليز لفظ Easterlings أي (رجال الشرق) بمعنى "نقي أوصاف" وأن أضيف بهذا المعنى إلى لفظي فضة أو ذهب بمعنى موثوق به أو صادق.
ولكن العصبة الهانسية أضحت على مر الزمن عاملًا من عوامل الاستبداد والحماية معًا؛ فقد أسرفت في فرض القيود الاستبدادية على استقلال أعضائها، وأرغمت المدن على الانضمام إليها باستخدام سلاح المقاطعة تارة وبالعنف تارة أخرى، وقاومت المدن والأحلاف المنافسة لها بجميع الوسائل الطيبة منها والخبيثة، ولم تتورع عن استئجار القراصنة للإضرار بتجارة أولئك المنافسين؛ وبلغ من أمرها أن نظمت لها جيوشًا خاصة، وأقامت من نفسها دولة داخل كثير من الدول؛ وبذلت كل ما في وسعها للضغط على طبقة الصناع التي تستمد منها بضائعها وظلم هذه الطبقة، ولهذا أصبح الكثيرون من العمال وغيرهم من الناس يخشونها ويحقدون عليها، ويرون أنها أقوى وسيلة من وسائل الاحتكار قيدت بها التجارة في أي وقت من الأوقات. ولما أن ثار العمال في إنجلترا عام ١٣٨١ طاردوا كل المنضمين إلى العصبة الهانسية، واقتفوا آثارهم في أماكن العبادة داخل الكنائس، وقتلوا كل من لم يستطيعوا النطق بلفظي Cheese Bread (الخبز والجبن) بلهجة إنجليزية (٩).
واستولت العصبة في عام ١١٦٠ على جزيرة جتلاند Gotland التابعة
[ ١٥ / ٨٠ ]
للسويد واتخذت فزبي قاعدة وحصنًا لتجارة البحر البلطي، وأخذت بعدئذ عقدًا بعد عقد، تبسط سيطرتها على تجارة الدنمرقة، وبولندا، والنرويج، والسويد، وفنلندة، والروسيا. وعلى سياسة تلك البلاد، حتى قال آدم البرمني Adam of Bremen: إن تجار العصبة الهانسية في القرن الثالث عشر "بلغوا من الكثرة مبلغ ورث البهائم .. وكانوا يبذلون من الجهد للحصول على جلد طير الغطاس كأن في هذا الجلد نجاتهم إلى ابد الدهر (١٠). واتخذ هؤلاء التجار مقرهم في نفجورود القائمة على نهر فلخوف Volkhov، وأقاموا فيها بوصفهم حامية تجارية مسلحة، واتخذوا كنيسة القديس بطرس مخزنًا لبضائعهم، وأحاطوا مذبحها بدنان الخمر، وأقاموا على هذه المخازن حراسة أشبه بحراسة الكلاب المتوحشة، وعنوا في أثناء ذلك بأداء جميع ما يتطلبه التقي والصلاح من الشعائر الدينية (١١).
ولم تقنع العصبة بهذا بل وجهت أفكارها نحو السيطرة على تجارة نهر الرين، وأرغمت كولوني على الخضوع لها مع أنها كانت صاحبة عصبة مستقلة. أما في جنوب تلك المدينة فقد وقفت في وجهها عصبة الرين المؤلفة في عام ١٢٥٤ من كولوني، ومينز، وأسبير Speyer، وورمز، واستربرج، وبازل. وفي جنوب هذه المدائن كانت أجزبرج Augsburg، وألم Ulm، ونورمبرج Nuremberg تقوم بالتجارة الآتية من إيطاليا؛ ولا نزال حتى اليوم نرى في البندقية مستوع هذه التجارة المسمى Fondaco de Fedeschi القائم على القناة الكبرى. وقامت رجنزبرج Regensburg وفينا على الطرف الغربي لنهر الدانوب، ذلك الشريان العظيم الذي كان يحمل غلات الأجزاء الداخلية من ألمانيا إلى بحر إيجة عن طريق سلانيك، أو إلى القسطنطينية والروسيا والبلاد الإسلامية وبلاد الشرق عن طريق البحر الأسود. وهكذا دارت التجارة الأوربية الداخلية دورة كاملة، وعمت التجارة الخارجية في العصور الوسطى في كل مكان.
[ ١٥ / ٨١ ]
ترى أي صنف من الناس كان أولئك التجار الذين كانوا يرسلون بضائعهم في هذه الطرق مجتازة أرضين كثيرة متباينة يسكنها أقوام ذوو وجوه مرتابة ولغات غريبة وعقائد متحاسدة متباغضة؟ لقد كان أولئك التجار ينتمون إلى شعوب مختلفة ويأتون من بلاد كثيرة متباينة، ولكن عددًا كبيرًا منهم كان من الشوام، واليهود، والأرمن، واليونان. وقلما كانوا من صنف رجال الأعمال الذين نعرفهم اليوم رجالًا آمنين جالسين خلف مكاتبهم في مدنهم؛ بل كانوا في العادة ينتقلون في البلدان مع بضائعهم؛ وكثيرًا ما كانوا يقطعون مسافات طويلة ليبتاعوا بأرخص الأثمان ما يحتاجونه من البضائع من الأماكن التي تكثر فيها، ثم يعودون ليبيعوها غالية في البلدان التي يندر فيها وجودها. وكانوا في العادة يشترون ويبيعون بالجملة en gross كما يقول الفرنسيون. وقد ترجم الإنجليز لفظ grosser إلى grocer ثم أطلقوا اللفظ بهذه الصيغة grocer على من يبيع التوابل بالجملة (١٢). وكان التجار خلائق مغامرين، ومرتادين؛ وفرسان القوافل مسلحين بالخناجر والرشا، متأهبين للقاء قطاع الطرق، والقراصنة، وآلاف مؤلفة من البلايا والمحن.
وربما كان أشد ما يضايقهم هو اختلاف الشرائع وتعدد جهات التقاضي، وكان من أهم أعمالهم وضع قانون دولي للتجارة والملاحة يتقدم على مر الأيام. لقد كان التاجر إذا سافر برًا يخضع إلى قضاء محكمة جديدة، وربما خضع إلى قوانين مختلفة في أملاك كل سيد إقطاعي، وكان من حق هذا السيد أن يستولي على بضائعه إذا سقطت على الأرض في الطريق، وإذا جنحت سفينته أصبحت بمقتضى "قانون التحطيم" من حق السيد الذي جنحت عند ساحل أرضه؛ وكان مما يفتخر به أحد السادة البريطانيين أن صخرة خطرة في ساحل بلاده كانت أثمن درة في تاجه (١٣). وظل التجار يقاومون هذا الظلم الصارخ عدة قرون حتى بدءوا يلغونه تدريجًا في القرن الثاني عشر. وكان التجار اليهود
[ ١٥ / ٨٢ ]
الدوليون قد جمعوا في هذه الأثناء طائفة من القوانين التجارية يسيرون على هديها؛ وأصبحت هذه النظم فيما بعد أساس القانون التجاري في القرن التجاري في القرن الحادي عشر (١٤). وأخذ هذا القانون التجاري ينمو عامًا بعد عام بما يضاف إليه من الأوامر التي يصدرها النبلاء أو الملوك لحماية التجار أو الزوار القادمين من الدول الأجنبية؛ وأنشئت محاكم خاصة لتنفيذ القانون التجاري؛ ومما هو خليق بالذكر أن هذه المحاكم قد أغلقت ضروب الإثبات والمحاكمات القديمة كالتعذيب، والمبارزة، والتحكيم الإلهي.
وكان التجار الأجانب قد حصلوا منذ القرن السادس الميلادي بمقتضى قوانين القوط الغربيين على حقهم في أن يحاكموا في المنازعات الخاصة بهم وحدهم أمام مندوبين من بلادهم؛ وهكذا بدأ النظام القنصلي الذي تقيم الأمة التجارية حسب نصوصه "قناصل" لها في خارج بلادها أي مستشارين لحماية مواطنيها ومساعدتهم. ولقد أنشأت جنوى قنصلية لها من هذا النوع في عكا عام ١١٨٠، وحذت المدن الفرنسية حذوها في هذا العمل في أثناء القرن الثاني عشر؛ وكان ما عقد من الاتفاقات لتبادل هذه الحقوق القنصلية من خير المصادر التي استمد منها القانون الدولي في العصور الوسطى.
وكان قدر من القانون البحري قد ظل قائمًا من العهود القديمة؛ فلم يمح هذا القانون قط بين تجار رودس المستنيرين، بل كان من أقدم الشرائع البحرية "قانون أهل رودس" الصادر في عام ١١٦٧. وأصدرت قوانين أوليرون Lois d'Oleron في أواخر القرن الثاني عشر جزيرة في البحر قرب ساحل بوردو لتنظيم تجارة الخمور ثم أخذتها عنها فرنسا وفلاندرز، وإنجلترا. ونشرت العصبة الهانسية قانونًا مفصلًا في القواعد والنظم البحرية يسير عليه أعضائها: وقد نص فيه على ما يجب اتخاذه من الاحتياطات لضمان سلامة الركاب والبضائع، وعلى الحقوق التي يتمتع بها الناجمون ومن ينجونهم وواجبات ربابنة السفن وملاحيها
[ ١٥ / ٨٣ ]
وأجورهم، والشروط التي يصح للسفينة التجارية أو يجب عليها بمقتضاها أن تتحول إلى سفينة حربية. وكانت العقوبات المقررة في هذه القوانين صارمة، ولكن يلوح أن هذه الصرامة كانت واجبة لتثبيت التقاليد والعادات الخاصة بالأنظمة البحرية، وبث الثقة بها والاعتماد عليها في قلوب الخاضعين لها. ذلك أن العصور الوسطى قد ظلت تؤدب الناس عشرة قرون ليظل أهل هذا الزمن الحديث أحرارًا أربعمائة عام.
[ ١٥ / ٨٤ ]
الفصل الثاني