أوصي فردريك لابنه كنراد بعرش الإمبراطورية، وعين مانفرد Manfred ابنه غير شرعي نائبًا عن الإمبراطور في إيطاليا، وشبت نار الفتنه في كل مكان تقريبًا في إيطاليا، وخضعت نابلي، واسبليتو، وأنكونا، وفلورنس لمبعوثي البابا، ونادى إنوسنت الرابع: "فلتبتهج السماء ولتفرح الأرض! " وعاد البابا منتصرًا إلى إيطاليا، واتخذ نابلي مقر قيادته الحربية، وزحف منها ليضم الصقليتيين إلى الولايات البابوية، ووضع الخطط ليفرض على مدن إيطاليا سيادة اقل سفورًا من سيادته على تلك الولايات. ولكن هذه المدن عقدت العزم على أن تحمي استقلالها من البابوات والأباطرة على السواء، وإن رضيت أن تشترك مع البابا في الصلوات. وكان إزلينو Ezzlino وابرتر بلافيسينو Uberto Pallavicino يسيطران على عدد من المدن ويدينا فيها بالولاء لنكراد. ولم يكن في قلب كلا الرجلين شيء من الاحترام للدين؛ فنشأ الإلحاد في أيامهما، وكان يخشى أن تفقد الكنيسة شمالي إيطاليا كله. وهبط كنراد الشاب فجاءة بجيش جديد من جبال الألب، وأعاد فتح البلدان الإيطالية المتذمرة، ودخل مملكة الصقليتين منتصرًا، ولكنه لم يدخلها إلا ليموت بالملاريا (مايو سنة ١٢٥٤). وتولى مانفرد قيادة قوات الإمبراطور، وبدد شمل جيش بابوي بالقرب من فجيا (٢ ديسمبر). وبلغت هذه الهزيمة مسامع البابا وهو على فراش الموت فمات بائسًا مغمومًا (٧ ديسمبر) يقول بصوت خافت: "رباه لقد أفسدت الإنسان عقابًا له على ظلمه".
[ ١٥ / ٢٩٧ ]
أما ما بقي من القصة فهو الفوضى السافرة، فقد شن البابا إسكندر الرابع (١٢٥٤ - ١٢٥٦) حربًا صليبية على إزلينو، جرح فيها هذا الطاغية ووقع في السر، وأبى أن يعوده الأطباء أو القساوسة أو أن يتناول الطعام، وأمات نفسه جوعًا، دون أن يتوب أو يقبل منه الاعتراف (١٢٥٩). وأسر أيضًا أخوه ألبريجو Alberigo، وكان مثله في وحشيته وجرائمه، وأرغم على أن يشهد بعينيه تعذيب أسرته؛ ثم انتزع لحمه من جسمه بالكلاليب، وشد وهو لا يزال حيًا إلى جواد؛ وجر على الأرض حتى مات (٤٩). واندفع المسيحيون والكافرون وقتئذ في الأعمال الوحشية ما خلا مانفرد المرح النَّغل، وبقي مانفرد طوال الست السنين التالية سيد إيطاليا الجنوبية بعد أن أوقع بالجيوش البابوية هزيمة أخرى عند منتابرتو Montaperto (١٢٦٠) . وكان يجد متسعًا من الوقت للغناء وكتابة الشعر "ولم يكن له مثيل على ظهر الأرض" على حد قول دانتي "في العزف على الآلات الوترية" (٥٠). ولما يئس إربان الرابع (١٢٦١ - ١٢٦٤) من أن يجد في إيطاليا من يرد مانفرد عن غيره، وأدرك أن البابوية يجب أن تعتمد من ذلك الوقت على حماية فرنسا إياها، طلب إلى لويس التاسع أن يقبل ملك الصقليتين إقطاعية من البابا. ورفض لويس هذا العرض، ولكنه أجاز لأخيه شارل دوق أنجو أن يقبل من إربان "مملكة نابلي وصقلية" (١٢٦٤). واخترق شارل إيطاليا على رأس ثلاثين ألفًا من الجنود الفرنسيين وبدد شمل جيش مانفرد الذي كان أقل من جيشه عددًا. وقفز مانفرد في وسط أعدائه ومات ميتة أشرف من ميتة أبيه. ونزل في العام الثاني صبي في الخامسة عشرة من عمره وهو كنرادين Conradin من ألمانيا ليتحدى شارل، ولكنه هزم عند تجلياكزو Tagliacozzo وضرب رأسه علنًا في ميدان السوق بنابلي عام ١٢٦٨. وانتهى بمقتله وموت إنزيو الذي طال سجنه بعد أربع سنين من ذلك الحين أجل بيت هوهنسناوفن نهاية محزنه، وأصبحت الدولة الرومانية المقدسة شيئًا لا وجود
[ ١٥ / ٢٩٨ ]
له إلا في المظاهر والحفلات، وانتقلت زعامة أوروبا إلى فرنسا.
واتخذ شارل نابلي عاصمة له، وأوجد في الصقليتين أرستقراطية وبيرقراطية فرنسيتين، وأقام فيها جيشًا فرنسيًا، ورهبانًا وقساوسة فرنسيين، وحكم البلاد وجني الضرائب بوسائل استبدادية جعلت أهلها يتمنون لو يعث فردريك حيًا، كما جعلت البابا كلمنت الرابع يتمنى لو أن البابوية لم تنتصر. وبينما كان شارل يستعد لقيادة أسطوله لفتح القسطنطينية إذ ثار العامة في بالرم يوم الاثنين التالي لعيد القيامة من عام ١٢٨٢ بعد أن انطلق حقدهم الكامن في صدورهم لأن جنديًا فرنسيًا أساء الأدب مع عروس صقلية، وقتل الغوغاء كل فرنسي في المدينة. وليس أدل على الحقد الدفين الذي كان يغلي في صدور الصقليتين من الوحشية التي كانت تدفع رجالهم لأن يشقوا بسيوفهم أرحام النساء اللاتي حملن من الجنود أو الموظفين الفرنسيين ثم يطأون الأجنة الأجنبية حتى تموت تحت أقدامهم (٥١). وحذت مدن أخرى حذو بالرم حتى قتل ثلاثة آلاف من الفرنسيين في مذبحة تعرف باسم "مذبحة صلاة المساء" لأنها بدأت في ساعة تلك الصلاة. ولم ينج من القتل رجال الدين في الجزيرة؛ فقد هاجم الصقليون المعروفون بالتقي والصلاح الكنائسي والأديرة وذبحوا الرهبان والقساوسة دون أن يعبأوا بكرامة رجال الدين. وأقسم شارل دوق أنجو أن ينتقم من الجزيرة انتقامًا لا تنمحي آثاره مدى ألف عام، وتوعدها بأن يتركها "صخرة صماء جرداء خالية من السكان" (٥٢). وحرم البابا مارتن Martin الرابع العصاة من حظيرة الدين وأعلن حربًا صليبية على صقلية. ولما عجز الصقليون عن حماية أنفسهم عرضوا الجزيرة على بدرو الثالث صاحب أرغونة. وجاء بدرو إلى الجزيرة بجيش وأسطول وثبت أسرة أرغونة ملوكًا على صقلية (١٢٨٢). وبذل شارل كل ما في وسعه ليسترد الجزيرة ولكن جهوده ذهبت أدراج الرياح، فقد دمر أسطوله، ومات وهو منهوك القوى مغمومًا حزينًا
[ ١٥ / ٢٩٩ ]
في فجيا (١٢٨٥). واكتفى خلفاؤه بعد سبعة عشر عامًا من الكفاح غير المجدي بمملكة نابلي.
أما المدن الإيطالية القائمة في شمال روما فقد أخذت تثير الخصام بين الإمبراطورية والبابوية، واستطاعت بذلك أن تحتفظ بنوع من الحرية الطائشة الجموحة. وظلت أسرة دلا توري Della Torre تحكم ميلان عشرين عامًا حكمًا ارتضاه سائر أهلها، ثم استولت على زمام الأمور عصبة من النبلاء بزعامة أتوفسكنتي Otto Visconti عام ١٢٧٧، وأنشأ آل فسكنتي الملقبين بالكبتاني (الرؤساء) أو الدوتشي duci حكومة ألجركية حازمة قديرة حكمت المدينة مائة وسبعين عامًا. وكانت الكونتة ماتلدا قد أوصت للبابوية بإقليم تسكانيا بما فيه مدائن أرزو Arezzo، وفلورنس، وسينا Siena، وبيزا، ولوكا (١١٠٧)؛ ولكن هذه السيادة البابوية الصورية قلما كانت تنقص من حق مدائن الإقليم في أن تحكم نفسها أو تولي عليها من تختارهم من الطغاة.
وكان لسينا كما كان لكثير غيرها من المدن التسكانية ماض تعتز به، يرجع إلى أيام التسكانيين الأقدمين. وكانت غارات البرابرة قد خربت تلك المقاطعة، ولكنها انتعشت في القرن الثامن لأنها أضحت محطة وسطي في طريق الحج والتجارة بين فلورنس وروما. ونحن نسمع عن وجود نقابات طائفية للتجار بتلك المدينة في عام ١١٩٢ ثم بمثلها للصناع ثم لأصحاب المصارف، حتى أصبح بيت بونسنيوري Buonsignori الذي أنشئ فيها عام ١٢٠٩ من أشهر المؤسسات التجارية والمالية في أوروبا كلها، وكان له وكلاء في جميع أنحائها، وبلغت القروض التي أمد بها التجار، والمدن، والملوك، والبابوات مبلغًا لا يكاد يصدقه العقل. وكانت فلورنس وسينا تتنازعان السيطرة على طريق فرنسيسا Via Francesa الذي يصل كلتيهما بالأخرى، وظلت المدينتان التجاريتان تحارب كلتاهما الأخرى حروبًا منقطعة منهكة من عام ١٢٠٧ إلى عام ١٢٧٠؛ وانضمت سينا إلى الأباطرة في الكفاح
[ ١٥ / ٣٠٠ ]
القائم بين البابوية والإمبراطورية لأن فلورنس انحازت إلى جانب البابوية، وكان انتصار مانفرد عند منتابرتو Montaperto (١٢٦٠) في واقع الأمر نصرًا لسينا على فلورنس. ومع أن أهل سينا كانوا يقاتلون البابا، فإنهم كانوا يعزون ما نالوه من نصر في تلك الواقعة إلى قديستهم الشفيعة العذراء أم الإله. ووهبوا مدينتهم لمريم إقطاعية لها، وطبعوا على نقدهم تلك العبارة الدالة على الزهو والخيلاء وهي دولة العذراء، وضعوا مفاتيح المدينة تحت قدمي العذراء في الكنيسة الكبرى التي سموها باسمها. وكانوا في كل عام يحتفلون بذكرى انتقالها إلى السماء ويقيمون لذلك احتفالًا رهيبًا مثيرًا. فقد كان جميع المواطنين من سن الثامنة عشرة إلى سن السبعين يسيرون إلى الكنيسة (duomo) في ليلة العيد وبيد كل منهم شمعة مضاءة في موكب فخم وراء قساوستهم وكبار موظفيهم، فإذا أتوا الكنيسة جددوا يمين الولاء والطاعة إلى العذراء. وكان موكب آخر يسير في يوم العيد نفسه ويتألف من ممثلين للمدن والقرى والأديرة المفتوحة أو التابعة لسينا، وكان هؤلاء المندوبون يسيرون أيضًا إلى الكنيسة يحملون الهدايا، ويجددون يمين الطاعة والخضوع لحكومة مدينة سينا ولملكتها. وكانت سوق عامة تقام في ميدان المدينة في هذا اليوم، ويستطيع الأهلون أن يشتروا فيها بضائع آتية من مائة مدينة، ويقوم فيها البهلوان والمغني والموسيقي بأدوارهم، ولم يكن يزيد عن عدد الذين يؤمنون وكر الميسر في المدينة إلا من يؤمنون ضريح مريم نفسها.
وكانت الأعوام المائة التي بين ١٢٦٠، ١٣٦٠ هي التي بلغت فيها ذروة عظمتها، ففي هذه السنين المائة شادت كنيستها (١٢٤٥ - ١٣٣٩)، وأنشأت قصرها العام الذائع الصيت (١٣١٠ - ١٣٢٠)؛ وبرج الأجراس الجميل (١٣٢٥ - ١٣٤٤). ونحت نقولو بيزانو Nccolo Pisano فسقة فخمة للكنيسة في عام ١٢٦٦؛ ولم يحل عام ١٣١١ حتى كان دوتشيو دي بيوننسنيا Duccio di Buoninsegna قد شرع يزين كنائس المدينة بعدد من أقدم روائع صور النهضة
[ ١٥ / ٣٠١ ]
الزيتية، بيد أن هذه المدينة الفخورة كانت تقوم بأعمال لا تحتملها مواردها، وكان نصر منتابرتو ضربة قاضية على سينا، فقد اصدر البابا المهزوم قرار الحرمان على المدينة، وحرم دخول البضائع فيها أو أداء الديون لها، وأفلس عدد كبير من مصارفها، حتى إذا كان عام ١٢٧٠ ضم شارل دوق أنجو المدينة المعذبة إلى عصبة الجلف (أو العصبة البابوية). وظلت سينا من ذلك الحين تسيطر عليها وتفوقها منافستها القوية الفاتحة في الشمال والتي لا تشعر نحوها بشيء من الرحمة.
[ ١٥ / ٣٠٢ ]
الفصل السابع