(١٠٧٣ - ١٠٨٥)
كان من سوء حظ المسيحية أن وجدت فترة من الفوضى والضعف تفصل بين ولاية ليو التاسع وولاية بابا آخر من أقوى البابوات في تاريخ الكنيسة.
وهلدبراند اسم ألماني يوحي بأن صاحبه من أصل ألماني، ويفسره معاصرو جريجوري بأن معناه الشعلة الخالصة. وقد ولد من أبوين ينتميان إلى أسرة وضيعة في قرية سوفانو Sovano الواقعة في مستنقعات تسكانيا (١٠٢٣؟)، وتلقى تعليمه في دير سانت ماري القائم على تل الأفنتين في روما، ثم انضم إلى طائفة الرهبان البندكتيين. ولما أن خلع البابا جريجوري السادس من منصبه ونفي إلى ألمانيا في عام ١٠٤٦ صحبه هلدبراند في منفاه ليكون راعيًا خاصًا؛ وقد استفاد في السنة التي قضاها في كولوني الشيء الكثير عن ألمانيا، وكان ما تعلمه ذا فائدة كبيرة له الصراع الذي نشبت فيما بعد بينه وبين هنري الرابع؛ ولم يمض على عودته إلى روما إلا قليل من الوقت حتى جعله ليو التاسع مساعد شماس أصيل، وعينه مديرًا للولايات البابوية، واختاره في الوقت نفسه مندوبًا للبابا في فرنسا، وفي وسعنا أن ندرك من ارتقاء شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره إلى هذه المناصب العالية ما كان له من الكفاية في الشئون السياسية والدبلوماسية وظل البابا فكتور الثاني (١٠٥٥ - ١٠٥٧) واستيفن التاسع (١٠٥٧ - ١٠٥٨)، يستخدمانه في المهام الكبرى؛ ولما ارتقى نقولاس عرش البابوية في عام ١٠٥٩، وكان أكبر الفضل في ارتقائه إياه راجعًا إلى نفوذ هلدبراند نفسه، عين هذا الراهب الذي لا غنى عنه وزيرًا للبابا مع أنه لم يكن قد أصبح قسًا.
وكان هو الذي أقنع نقولاس ومجلس لاتران في عام ١٠٥٧ بإصدار مرسوم
[ ١٤ / ٣٩٢ ]
انتقل بمقتضاه حق انتخاب البابا إلى مجمع الكرادلة. وكان هدف هلدبراند من هذه الخطوة الحاسمة أن ينقذ البابوية من النبلاء الرومان والأباطرة الألمان، وكان الشاب الديني والحاكم السياسي قد وضع منذ ذلك الوقت المبكر خطته السياسية البالغة الأثر. وقد رأى أن ينقذ البابوية من السيطرة الألمانية بأن يغمض عينه من غارات النورمان وصلفهم في إيطاليا الجنوبية وأن يعترف بامتلاكهم ما انتزعوه من الأرض، ويوافق على مطامعهم، نظير تعهدهم له بحمايتهم الحربية. ورفع هلبراند في عام ١٠٧٣ إلى عرش البابوية بعد أن خدم ثمانية بابوات مدة خمس وعشرين سنة؛ ولقد قاوم هو هذا الاختيار لأنه كان يفضل أن يعمل من وراء هذا العرش، ولكن الكرادلة، والقساوسة، والشعب عامة نادوا قائلين: "إن القديس بطرس يريد أن يكون هلدبراند بابا! ". ولهذا رسم قسيسًا، ثم عين بابا، واتخذ لنفسه ذلك اللقب المبجل- جريجوري.
وكان قصير القامة، وعادي الملامح، حاد البصر، عزيز النفس، صلب الإرادة، قويًا في الحق، واثقًا من النصر، تلهمه وتشحذ همته أربعة أغراض: أن يتم ما بدأه ليو من تقويم أخلاق رجال الدين، وأن يضع حدًا لتولي غيرهم المناصب الدينية، وأن يوحد أوربا كلها تحت سلطان كنيسة واحدة وجمهورية واحدة برياسة البابوية، وأن يوجه جيشًا مسيحيًا إلى بلاد الشرق ليسترد الأرض المقدسة من الأتراك. وقد كتب في عام ١٠٧٤ إلى أعيان برغندية وسافوي، وإلى الإمبراطور هنري الرابع، يرجوهم أن يجمعوا المال ويحشدوا الجند للقيام بحرب صليبية يعتزم أن يقودها بنفسه. فأما أعيان برغندية فلم يتحركوا لتلبية ندائه، وأما هنري فقد حال تزعزع مركزه فوق عرشه بينه وبين التفكير في حرب صليبية.
وكان مجلس لاتران المنعقد برياسة نقولاس الثاني وهلدبراند في عام ١٠٥٩ قد حرم من حظيرة الدين كل قس يحتفظ بزوجة أو سرية، ونهى المسيحيين
[ ١٤ / ٣٩٣ ]
عن حضور القداس الذي يقيمه قس يعرفون أنه يحتفظ بامرأة في بيته، ولم يشأ كثيرون من أساقفة لمبارديا أن يشتتوا أسر قساوستهم فأبوا أن يذيعوا هذه القرارات، وأخذ بعض رجال الدين المعروفين في تسكانيا يدافعون عن مبدأ زواج القساوسة ويقولون إنه يتفق مع الأخلاق ومع قوانين الكنيسة، وبذلك أصبح تنفيذ هذا التشريع غير مستطاع، وتذرع الوعاظ الخارجون على الدين بالرأي القائل إن القساوسة الذين يعيشون "آثمين" لا يستطيعون القيام بمراسيم العشاء الرباني الصحيحة فأخذوا ينادون متحمسين ببطلان هذه المراسم، مما اضطر البابوية إلى الرجوع في دعوتها هذه إلى جماهير المصلين (٧٨). ولما أصبح هلدبراند هو جريجوري السابع (١٠٧٣) تصدى لهذه المشكلة بعزيمة لا تنثني ولا تعرف الملل، فجدد مجمع ديني عقد في عام ١٠٧٤ قرارات ١٠٥٩، وأرسل جريجوري هذه القرارات إلى جميع أساقفة أوربا ومعها أمر صارم لهم بإذاعتها وتنفيذها بالقوة، وأباح لعامة الشعب ألا يطيحوا أمر من يخالفها من القساوسة. وكان لهذه الأوامر هي الأخرى رد فعل عنيف، فأعلن كثيرون من القساوسة أنهم يفضلون التخلي عن مناصبهم على التخلي عن أزواجهم، وعارض غيرهم في تنفيذ القرارات لأنها تفرض على الطبيعة البشرية قيودًا لا يقبلها العقل السليم، وتنبئوا بأن تنفيذها سينشر الاختلاط الجنسي السري وأعلن أتو أسقف كنستانس بأن يحبذ آراء قساوسته المتزوجين ويحميهم من العدوان، فما كان من جريجوري إلا أن أصدر قرارًا بحرمانه، وأعفى رعاياه من إطاعة أوامره. وخطا جريجوري خطوة أخرى في عام ١٠٧٥ فأمر أدواق سوابيا وكارنثيا، وغيرهم من الأمراء أن يلجئوا إلى القوة إذا دعت الضرورة لمنع من يقاومون أوامره من القساوسة من أداء واجبات مناصبهم: وإطاعة عدد من الأمراء الألمان، حرم كثيرون من القساوسة الذين أبوا أن يتخلوا عن أزواجهم من مناصبهم (٧٩). ومات جريجوري دون أن يتم له النصر، ولكن إربان الثاني، وبسكال الثاني،
[ ١٤ / ٣٩٤ ]
وكلكستوس Calixtus الثاني أكدوا قراراته ونفذوها، حتى إذا كان عام ١٢١٥ أصدر مجلس لاتران برياسة إنوسنت الثاني قرارًا نهائيًا بتحريم زواج القساوسة وأخذت هذه العادة بعد ذلك تزول.
وبدت مشكلة المناصب الدينية أبسط من مشكلة زواج القسيسين. فإذا سلمنا بأن المسيح قد أنشأ الكنيسة، وهو الرأي الذي يجمع عليه الملوك والبابوات، اتضح أن رجال الكنيسة، لا العلمانيين هم الذين يحق لهم أن يختاروا الأساقفة ورؤساء الأديرة، ولهذا كان من أكبر العار ألا يكتفي الملوك بتنصيب الأساقفة، بل أن يخلعوا عليهم فوق ذلك (كما يحدث في ألمانيا) عصا الأسقفية وخاتمها-وهما الرمزان المقدسان للسلطة الروحية. ولكن الملوك كان لهم رأي لا يقل عن هذا وضوحًا. فما دام الأساقفة ورؤساء الأديرة يسلمون (كما يسلم معظم الأساقفة الألمان ورؤساء الأديرة منهم) أن الملوك قد وهبوهم الأرض والدخل، وألقوا عليهم التبعات الزمنية، فقد يبدو خليقًا بهم وعدلًا-حسب قوانين الإقطاع-أن يكون أولئك الرؤساء الدينيون-أو الأساقفة منهم في القليل-مدينين بمناصبهم وولائهم الزمني للملوك، كما ظلوا مدينين بها في غير تذمر في عهد قسطنطين وشارلمان. فإذا ما عفوا عن هذا الخضوع وذاك الولاء خرجت نصف الأراضي الألمانية-التي منحت في السنين السابقة للأسقفيات والأديرة-عن سلطان الدولة (٨٠)، وعما اعتاد أن يؤديه لها أصحابها من واجبات وخدمات. وارتاب الأساقفة الألمان وكثيرون من الأساقفة اللمبارد المنتمون إلى أصل ألماني والمدينون بمناصبهم إلى الألمان في نيات جريجوري وظنوا أنه يسعى للقضاء على استقلالهم الكنسي النسبي وإخضاعهم لكرسي روما إخضاعًا تامًا. أما جريجوري نفسه فكان راضيًا بأن يحتفظ الأساقفة بولائهم الإقطاعي للملك (٨١)، ولكنه لم يكن يرضى بأن يردوا الأراضي التي وهبها الملوك لهم (٨٢)، ذلك أن قانون الكنيسة لا يجيز انتقال ملكية أراضي الكنيسة لغيرها. وشكا جريجوري من أن تعيين غير
[ ١٤ / ٣٩٥ ]
رجال الدين في المناصب الكنسية قد نشأت عنه عظم المفاسد الخاصة لبيع المناصب الكهنوتية، والانغماس في الشرور الدنيوية، والفساد الخلقي وهي الآثام التي ظهرت في الأبرشيات الألمانية والفرنسية، ولهذا كان يرى أن من الواجب إخضاع الأساقفة لسلطان البابا، وإلا صارت الكنيسة الغربية، كما صارت الكنيسة الشرقية، تابعًا ذليلًا للدولة.
وكان من وراء هذا الصراع التاريخي صراع آخر هو صراع البابوية مع الإمبراطورية، وهل من حق هذه أو تلك أو توحد أوربا وتحكمها. وكان الأباطرة الألمان يدعون أن سلطتهم هم أيضًا سلطة مقدسة لأنها من ضرورات النظام الاجتماعي. ألم يقل الرسول بولس إن السلطات القائمة مقدرة من عند الله؟ أليسوا هم كما يقول البابوات أنفسهم ورثة إمبراطورية روما؟ فهم المدافعون عن حرية الجزء كما يدافع جريجوري عن وحدة الكل وعن النظام فيه؟ وكان يسوءهم هم أنفسهم-قبل حركة الإصلاح الديني بزمن طويل -أن ينساب الذهب في شكل أجور وهبات الكنيسة بطرس-من ألمانيا إلى إيطاليا (٨٣)؛ وكانوا يرون أن السياسة البابوية ليست إلا جهودًا تبذلها روما اللاتينية لإعادة سيطرتها القديمة على البلاد التي تزدريها إيطاليا وتسميها بلاد الشمال التيوتونية الهمجية. وكانوا يعترفون اعترافًا صريحًا بسلطان الكنيسة في الشئون الروحية، ولكنهم يؤكدون سلطان الدولة في الشئون الزمنية أو الدنيوية. وكان هذا يبدو في نظر جريجوري ثنائية مختلفة النظام، ويرى أن الاعتبارات الروحية يجب أن تعلو على الشئون المادية كما تعلو الشمس على القمر (٨٤)، ولهذا يجب أن تخضع الدولة للكنيسة-أن تخضع مدينة الإنسان لمدينة الله-في جميع المسائل التي لها مساس بالعقيدة، أو التعليم، أو الأخلاق، أو العدالة، أو التنظيم الكنسي. ألم يعترف ملوك فرنسا وأباطرة الدولة الرومانية المقدسة اعترافًا ضمنيًا بأن السلطة الروحية مصدر السلطة الزمنية وصاحبة السيادة عليها، وذلك حن ارتضوا أن يمسحهم
[ ١٤ / ٣٩٦ ]
البابوات أو يثبتوهم في مناصبهم؟ إن الكنيسة بوصفها نظامًا إلهيًا خليقة بأن تكون صاحبة السلطة العالمية؛ ومن حق البابا وواجبه، بوصفه خليفة الله في أرضه، أن يخلع الملوك غير الصالحين، وأن يؤيد أو يرفض اختيار البشر للحكام أو تنصيبهم حسب مقتضيات الأحوال (٨٥). وقد تساءل جريجوري في رسالة كتبها وهو غاضب إلى هرمان Hermann أسقف متز: "منذا الذي يجهل أن الملوك والأمراء يرجعون بأصولهم إلى الذين لا يعرفون الله، ثم يتعالون ويصطنعون العنف والغدر، ويرتكبون في الحقيقة جميع أنواع الجرائم … ويطالبون بحقهم في حكم من لا يقلون عنهم-أي الشعب-جشعًا وعماية وعجرفة لا تطاق؟ " (٨٦) وقد بدا لجريجوري، من نظرته إلى ما ساد أوربا من فرقة سياسية، وفوضى، وحروب، أن لا نجاة لها من هذا البؤس الذي خيم عليها دهرًا طويلًا إلا بقيام نظام عالمي تتخلى فيه هذه الدول عن بعض سيادتها التي تعض عليها بالنواجذ وتعترف بالبابا سيدًا اجتماعيًا لها، وبأنه هو الزعيم الأجل لجمهورية مسيحية، أوربية في القليل، إن لم تكن عالمية.
وكانت الخطوة الأولى في سبيل الوصول إلى هذه الغاية هي تحرر البابوية من السيطرة الألمانية، والخطوة الثانية هي إخضاع جميع الأساقفة للكرسي البابوي، إن لم يكن إخضاعًا تامًا، فإلى الحد الذي يتحتم معه أن يكون الذين يختارونهم هم رجال الدين وشعب الأبريشة بإشراف أسقف يرشحه البابا أو المطران، وألا يصبح الاختيار نهائيًا وقانونيًا إلا إذا أيده رئيس الأساقفة أو البابا نفسه (٨٧). وبدأ جريجوري عمله برسالة وجهها (١٠٧٣) إلى أسقف شالون Ch (lon أنذر فيها بأن يحرم فيليب أغسطس ملك فرنسا لأنه يبيع مناصب الأساقفة. ثم وجه في عام ١٠٧٤ الرسالة عامة إلى الأسقفيات الفرنسية يدعوها إلى التشهير بجرائم الملك في حضرته، وأن يمتنعوا عن أداء جميع الخدمات الدينية في فرنسا إذ أبى فيليب أن يصلح شأنه (٨٨). وظل غير رجال الدين رغم هذا يعينون في المناصب الدينية
[ ١٤ / ٣٩٧ ]
ولكن الأساقفة الفرنسيين ساروا على حذر وتركوا النزاع يحسم في ألمانيا نفسها.
واجتمع في فبراير من عام ١٠٧٥ مجمع من الأساقفة الطليان في روما برياسة جريجوري، وأصدر قرارات تحرم بيع المناصب الكهنوتية، وزواج رجال الدين، وتعيين غيرهم في المناصب الكنسية. وأسرع جريجوري بعد صدور هذه القرارات إسراعًا عجيبًا فحرم خمسة أساقفة للمتاجرة بالرتب الكهنوتية، وكان هؤلاء الخمسة من مستشاري هنري الرابع، ثم أوقف، أسقفي بافيا وتورين، وخلع أسقف بياسنزا Piacenza وأمر هرمان أسقف بامبرج Bamberg بالحضور إلى روما ليبرئ نفسه من التهم الخاصة بالمتاجرة بالرتب الكهنوتية، ولما حاول هرمان أن يرشو رجال المحكمة البابوية خلعه جريجوري دون أدنى مجاملة، وطلب إلى هنري بأدب ولطف أن يرشح شخصًا يليق أن يخلفه أسقفًا لبامبرج. ولم يكتف هنري بترشيح أحد رجال حاشيته المقربين بل إنه خلع عليه عصا الأسقفية وخاتمها دون أن ينتظر موافقة البابا-وذلك إجراء إن كان يتفق مع العادة المتبعة، فإن فيه تحديًا صريحًا لقرار مجمع روما المقدس. وكأنما أراد هنري أن يجعل رفضه مطالب جريجوري مما ظهر بتحديه هذا فعين أساقفة لابرشيات ميلان، وفرمو Fermo، وأسبيلتو-وهي بلدان قريبة كل القرب من مقر البابا-وظل المستشارون المحرومون موضع عطفه ورعايته.
وبعث جريجوري في شهر ديسمبر من عام ١٠٧٥ برسالة احتجاج إلى هنري، وأمر حامليها بأن يضيفوا إليها رسالة شفوية ينذرون فيها الملك بالحرمان إذا ظل يتجاهل قرارات مجمع روما المقدس. فلما تلقى هنري الرسالة عقد مجلسًا من الأساقفة الألمان في ورمز (٢٤ يناير سنة ١٠٧٦) حضره أربعة وعشرون منهم، وتخلف عنه بعضهم. وقبل أن ينعقد المجلس اتهم هيو Hugh أحد الكرادلة الرومان جريجوري بالفسق، والقسوة، والسحر، وبأنه توصل إلى كرسي البابوية بالرشوة والعنف، وذكر الأساقفة بأن العادات التي ظلت سارية
[ ١٤ / ٣٩٨ ]
من قرون طوال تتطلب ألا يكون اختيار البابا مشروطًا بموافقة إمبراطور ألمانيا، ولم يكن جريجوري قد طلب هذه الموافقة. وكان مما شجع الإمبراطور على المضي في خطته أنه أخضع منذ قليل فتنة قامت في سكسونيا فعرض على المجلس اقتراحًا بخلع البابا، ووقع جميع من حضر من الأساقفة هذا القرار، وأيده مجلس من أساقفة لمبارديا عقد في بياسنزا، وبعث هنري بهذا القرار إلى جريجوري مذيلًا بهذه الحاشية المنتقاة: "من هنري الملك بأمر الله لا بالاغتصاب إلى هلدبراند الراهب المزيف لا البابا" (٨٩). وسلمت الرسالة إلى جريجوري في مجمع مقدس بروما (٢١ فبراير سنة ١٠٧٦)؛ وأراد الأساقفة الحاضرون كلهم البالغ عددهم مائة أسقف وعشرة أساقفة أن يقتلوا الرسول، ولكن جريجوري حماه؛ وحرم المجمع المقدس الأساقفة الذين وقعوا قرار ورمز، وأصدر البابا حكمًا مثلثًا بحرمان هنري، ولعنته، وخلعه، وأعفى رعاياه من يمين الطاعة له (٢٢ فبراير سنة ١٠٧٦). ورد هنري على هذا بأن أقنع أساقفة أو ترخت بأن يصبو على جريجوري "الراهب الحانث" اللعنات من منبر الكنيسة وروعت أوربا كلها بأن يخلع البابا إمبراطورًا، وروعت أكثر من هذا بأن يخلع الإمبراطور بابا ويلعنه الأساقفة. وتبين أن العاطفة الدينية كانت أقوى من العاطفة القومية، وسرعان ما تخلى الرأي العام عن الإمبراطور، وعادت سكسونيا إلى الثورة، ولما أن استدعى هنري أساقفة مملكته وأعيانها إلى مجلسين يعقدان في ورمز ومينز أغفلت دعوته إغفالًا يكاد يكون تامًا. بل كان ما حدث هو نقيض هذا فقد وجد الأشراف الألمان في هذه الظروف فرصة سانحة لهم لتقوية سلطتهم الإقطاعية ضد الملك فاجتمعوا في تريبور Tribur (١٦ أكتوبر سنة ١٠٧٦)، ووافقوا على حرمان الإمبراطور، وأعلنه أنه إذا لم يحصل على مغفرة سن البابا قبل اليوم الثاني والعشرين من شهر فبراير عام ١٠٧٧ فإنهم سيرشحون خلفًا له على العرش. وتم الاتفاق بين الأعيان ومندوبي البابا في
[ ١٤ / ٣٩٩ ]
تريبور أن يجتمع مجلس في أوجزبرج في اليوم الثاني من فبراير عام ١٠٧٧ برياسة البابا لتسوية شئون الكنيسة والمملكة.
ولجأ هنري إلى اسبير مغلوبًا على أمره لا يكاد يجد له معينًا. وكان يعتقد أن المجلس المقترح سيؤيد خلعه من ملكه، فبعث بالرسل إلى روما، يعرض على البابا أن يأتي هو بنفسه إليه ويسأله المغفرة؛ ورد عليه جريجوري بأنه مزمع أن يسافر قريبًا إلى أوجزبرج ولهذا فإنه لا يستطيع استقبال هنري في روما. وبينما كان البابا في طريقه إلى تلك المدينة استضافته في مانتوا ماتلدا كونتة تسكانيا وصديقته ومؤيدته؛ وهنا عرف أن هنري قد دخل إيطاليا؛ وخشي جريجوري أن يحشد الملك جيشًا من سكان لمبارديا المعارضين للبابا، فلجأ إلى قصر ماتلدا الحصين في كانوسا Oanossa، القائم فوق جبال الأبنين بالقرب من رجيو إميليا Reggio Emilia. وهناك في الخامس والعشرين من شهر يناير سنة ١٠٧٧، وفي يوم من أيام الشتاء الذي لم تشهد إيطاليا مثيلًا له في برودته، أقبل هنري، كما يقول التقرير الذي بعث به جريجوري إلى الأمراء الألمان:
"بنفسه إلى كانوسا … وليس معه إلا عدد قليل من أفراد حاشيته … ووقف بباب القصر، وحافيًا، وليس عليه إلا أثواب بالية من الصوف، يتوسل إلينا والخوف يملأ قلبه أن نغفر له ونعفو عنه. وظل يفعل هذا ثلاثة أيام رثا فيها كل من حولنا لشقوته، وجاءوا يشفعون له بدموعهم وصلواتهم … فرفعنا آخر الأمر الحرمان عنه وقبلناه مرة أخرى في حظيرة الكنيسة أمنا المقدسة" (٩٠).
ولم يكن تردد جريجوري طوال هذا الوقت ناشئًا من قسوة قلبه، بل إنه قد قرر مصالحة هنري دون أن يستشير الأمراء الألمان، وكان يعرف أنه إذا خرج هنري عليه بعد أن عفا عنه، ثم حرمه مرة أخرى، فإن هذا الحرمان لن يكون له من الأثر ما كان لحرمانه الأول، ولن يؤيده الأشراف بنفس القوة التي أيدوه بها من قبل؛ ولن يسهل على العالم المسيحي أن يفهم كيف يأبى خليفة
[ ١٤ / ٤٠٠ ]
المسيح أن يعفو عن هذا التائب الذليل. وكان هذا الحادث نصرًا روحيًا لجريجوري، ولكنه كان إلى جانب هذا نصرًا دبلوماسيًا رائعًا لهنري، فقد استعاد به عرشه من تلقاء نفسه وعاد جريجوري بعد ذلك إلى روما وقضى العامين التاليين في إصدار التشريعات الكنسية التي كانت تهدف قبل كل شيء إلى إرغام القساوسة على عدم الزواج. غير أن الأمراء الألمان نادوا برودلف أمير سوابيًا ملكًا على ألمانيا (١٠٧٧) وبدا أن سياسة هنري قد أخفقت. لكنه بعد أن تحرر من اللعنة البابوية لقي عطفًا جديدًا من الشعب الذي لم يكن شديد الحب للأشراف، فحشد جيشًا جديدًا لتأييده، وظلت ألمانيا عامين كاملين تمزقها الحروب الداخلية. وظل جريجوري يتذبذب طويلًا، ثم أعلن تأييده لرودلف وحرم هنري مرة أخرى، وحرم على المسيحيين أن يخدموه، وعرض على من يتطوع تحت راية رودلف أن يغفر له خطاياه (مارس سنة ١٠٨٠) (١٩).
وفعل هنري ما فعله من قبل لم يتحول عند قيد شعره. فجمع في مينز مجلسًا من الأعيان والأساقفة الموالين له؛ وخلع المجلس جريجوري، وأيد مجلس من أساقفة ألمانيا وشمالي إيطاليا عقد في بركسن Brixen قرار الخلع، ونادى بجيبير Guibert كبير أساقفة رافنا بابا، وعهد إلى هنري أن ينفذ قراراته. واجتمع الجيشان المعاديان على ضفاف نهر السال Ssale في سكسونيا (١٥ أكتوبر سنة ١٠٨٠)، وهزم هنري ولكن رودلف قتل في المعركة. وبينما كان الأعيان منقسمين على أنفسهم بشأن من يختارونه خلفًا له، دخل هنري إيطاليا، واخترق لمبارديا دون أن يلقى مقاومة، وجيش وهو يخترقها جيشًا آخر، وضرب الحصار على روما. واستغاث جريجوري بربرت جسكارد ولكن ربرت كان بعيدًا عنه، فاستغاث بوليم الأول وكان جريجوري قد وافق على فتحه إنجلترا وأيد هذا الفتح، ولكن وليم لم واثقًا من أنه لا يريد أن يفقد هنري حجته الملكية. ودافع أهل روما عن رئيسهم الديني دفاع الأبطال، ولكن هنري استطاع أن يستولي
[ ١٤ / ٤٠١ ]
على جزء كبير من روما وفيه كنيسة القديس بطرس، وفر جريجوري إلى كاستلوسانتا أنجيلو Caslello Sant Angelo. واجتمع مجمع مقدس في قصر لاتران بدعوة من هنري، وخلع جريجوري وحرمه، ونادى باسم بجيبير بابا باسم كلمنت الثالث (٢٤ مارس سنة ١٠٨٤)، وبعد أسبوع من ذلك الوقت توج كلمنت هنري إمبراطورًا، وظل هنري سيد روما عامًا كاملًا.
غير أن ربرت جسكارد عاد من حروبه مع بيزنطية في عام ١٠٨٥، واقترب من روما على رأس جيش مؤلف من ٣٦. ٠٠٠ رجل، ولم يكن عند هنري جيش يستطيع به ملاقاة هذه القوة، ففر إلى ألمانيا، ودخل ربرت العاصمة، وحرر جريجوري، ونهب روما، وخرب نصفها، وأخذ معه جريجوري إلى مونتي كسينو. واشتد غضب العامة في روما على النورمان غضبًا لم يستطع معه البابا حليفهم أن يأمن على نفسه في ذلك المكان. وعاد كلمنت إلى روما متظاهرًا بأنه البابا، وذهب جريجوري إلى سالرنو، وعقد فيها مجمعًا مقدسًا آخر، وحرم هنري مرة أخرى، ثم خارت قواه الجسمية والروحية وقال: "لقد كنت أحب العدالة وأمقت الظلم، ولهذا فإني أموت منفيًا". ولم يكن قد تجاوز الثانية والستين من عمره، ولكن النزاع المرير الذي خاض غماره قد حطم أعصابه وهد قواه، ولم تترك له هزيمته الظاهرة على يد الرجل الذي عفا عنه في كانوسا رغبة في الحياة. ومات جريجوري في سالرنو في الخامس والعشرين من مايو عام ١٠٨٥.
وبعد فلعله كان متغطرسًا فوق ما يجب في حبه العدالة، ومتحمسًا فوق ما يجب في كرهه للظلم؛ وليس من حق الرجل العملي أن يرى ما في مركز عدوه من عدالة، بل إن ذلك من حق الفيلسوف وحده؛ ولقد استطاع إنوسنت الثالث بعد مائة عام من ذلك الوقت أن يحقق جانبًا كبيرًا من حلم جريجوري، وهو جمع العالم تحت لواء خليفة المسيح، ولكنه حققه بروح أكثر اعتدالًا من روح جريجوري وبوسائل دبلوماسية أكثر من وسائله حكمة. ومع هذا فإن
[ ١٤ / ٤٠٢ ]
إنوسنت لم يظفر بهذا النصر إلا بفضل هزيمة جريجوري، ولقد تعلق هلبراند بأعلى مما يستطيع إدراكه، ولكنه رفع البابوية مدة عشر سنين إلى أعلى ما عرفته من المجد والقوة قبل أيامه. ولقد انتصر في حربه العوان على زواج القسيسين، وهي الحرب التي لم يقبل فيها مهادنة، وبذلك أعد لخلفائه قساوسة لا يدينون بالولاء لغير الكنيسة فزادت بذلك قوتها إلى أقصى حد. وانتهت حروبه ضد بيع الرتب الكهنوتية وحلول غير رجال الدين في المناصب الدينية بنصر وإن جاء متأخرًا، ولكن آراءه كانت لها الغلبة في النهاية، وبذلك أصبح أساقفة الكنيسة خدمًا طائعين للبابوية. وقد أدى استخدامه للمبعوثين البابوية إلى بسط سلطان البابوات على كل أبرشية في العالم المسيحي، وهو الذي وضع الخطة التي حررت انتخاب البابا من سيطرة الملوك. وسرعان ما رفعت هذه الانتخابات إلى عرش البابوية طائفة متسلسلة متصلة الحلقات، من الرجال الذين أدهشوا العالم بقوتهم وعظمتهم، ولم تمض على موت جريجوري عشر سنين حتى اعترف ملوك العالم ونبلاؤه بإربان الثاني زعيمًا لأوربا جميعها في ذلك المزيج المؤلف من المسيحية، والإقطاع والفروسية، والاستعمارية، وهو المزيج المعروف عندنا باسم الحروب الصليبية.
[ ١٤ / ٤٠٣ ]
الباب الثاني والعشرون