لم يكن في أوربا الغربية في بداية العصور الوسطى إلا طبقتان: طبقة الألمان الغالبين وطبقة الأهلين المغلوبين. وكانت الكثرة الغالبة من الأشراف الذين وجدوا فيما بعد في إنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وشمالي إيطاليا من أبناء الفلاحين، وظلوا يعتزون بهذه العلاقة العنصرية حتى في أثناء حروبهم. وكانت الطبقات في القرن الحادي عشر ثلاثًا: هي الأشراف الذين يحاربون، ورجال الدين الذين يصلون، والفلاحون الذين يشتغلون. وأصبح هذا التقسيم تقليدًا ثابتًا إلى حد ظن الناس معه أنه منزل من عند الله. وكان معظم الفلاحين، كما كان معظم النبلاء، يرون من واجب الإنسان أن يبقى في الطبقة التي ولد فيها قانعًا بها البقاء صابرًا عليه.
وأضافت الثورة الاقتصادية التي قامت في القرن الثاني عشر طبقة جديدة إلى هذه الطبقات الثلاث- أهل المدن أو الطبقة الوسطى العاملة- وقوامها الخبازون والتجار، ورؤساء أرباب الحرف من أهل المدن، ولم تكن هذه الطبقة قد ضمنت وقتئذ أرباب المهن، وكانت تسمى في فرنسا الطبقة الثالثة. وقد سيطرت هذه الطبقة على الشئون البلدية، واستطاعت أن تصل إلى مقاعد البرلمان الإنجليزي، والديت Diet الألماني، والكورتز Cortes الأسباني، والى الجمعية العامة States General للطبقات وهي مجلس فرنسا القومي النيابي الذي لم يجتمع إلا نادرًا؛ ولكن هذه الطبقة الجديدة قلما كان لها أثر في السياسة القومية قبل القرن الثامن عشر، فقد ظل الأشراف يحكمون الدولة ويصرفون شئونها الإدارية، وإن أصبحوا في ذلك الوقت أقل من غيرهم سلطانًا في المدن؛ ذلك
[ ١٥ / ١٤٠ ]
أنهم كانوا يعيشون في الريف (إلا في إيطاليا)، ويحتقرون سكان المدن، ويخرجون من طبقتهم كل من تزوج من أفراد الطبقة الوسطى، ولا يشكون في أن حكم الأشراف لا بديل منه، إلا حكم رجال الأعمال الأثرياء، أو رجال الدين أصحاب الأساطير، أو رجال الحرب الطغاة.
وكان التجار الأغنياء يبرمون من غطرسة الأشراف، ويحتقرون ويستغلون طبقة الصناع، ويقيمون في بيوت مزخرفة، ويبتاعون الأثاث الجميل، ويتغذون بالأطعمة المجلوبة من خارج البلاد، ويلبسون الثياب الغالية. وكانت نساؤهم يغطين أجسامهن الكبيرة بالحرير والفراء والمخمل والجواهر؛ وكان مما آلم جين النافارية Jenne of Navarre ملكة فرنسا وحز في نفسها أن وجدت ستمائة من نساء الطبقة الثالثة في بروج قد خرجن من هذا لاستقبالها في ثياب لا تقل فخامة عن ثيابها هي. وشكا الأشراف من هذا وأخذوا يطالبون بأن تسن القوانين لوقف تيار هذا التظاهر الوقح؛ وسنت من حين إلى حين قوانين لهذا الغرض، ولكن الملوك كانوا في حاجة إلى تأييد هذه الطبقة والى أموالها، ولهذا لم تنفذ هذه القوانين إلا في أوقات قليلة متفرقة.
وأفادت الطبقة الجديدة المالكة للعقار في المدن فائدة كبيرة من زيادة عامرها، ويسر لها التعطل الناشئ من هذه الزيادة المسيطرة على طبقة العمال اليدويين. ذلك أن صعاليك المدن من الخدم، وتلاميذ الصناعة، وعمال المياومة لم يكن لهم إلا حظ قليل من التربية، ولم يكن لهم شيء من القوة السياسية، وكانوا يعيشون في درجة من الفاقة أشد في بعض الأحيان مما كان يعانيه أرقاء الأرض. فقد كان أجر عامل المياومة في إنجلترا في القرن الثالث عشر نحو بنسين في اليوم- وتعادل القيمة الشرائية لهذا الأجر حوالي دولارين من نقد الولايات المتحدة الأمريكية في عام ١٩٤٨؛ وكان التجار يتقاضى أربعة بنسات وثمن بنس في اليوم (٤. ١٢ دولارات) والبناء ٣ دولارات، والمهندس المعماري اثني عشر بنسًا
[ ١٥ / ١٤١ ]
يضاف إليها بدل انتقال وهبات في بعض الأحيان (١١٩). لكن الأثمان كانت منخفضة بهذه النسبة عينها: فقد كان الرطل من لحم البقر يباع في إنجلترا بفارذبج ٣١ slash ١٠٠ من الدولار)؛ وكانت الدجاجة تباع ببنس واحد (٨٤ slash ١٠٠ من الدولار)، وكان ثمن الكوارتر (^١) من القمح خمسة شلنات وتسعة شلنات ونصف بنس (٥٧. ٩٠ دولارًا) (١٢٠). وكان العامل يبدأ عمله في مطلع الفجر وينتهي منه في غسق الليل- إلا في مساء السبت أو أيام الأعياد فكان ينتهي قبل ذلك. وكان في السنة ما يقرب من ثلاثين يومًا من أيام الأعياد، لكن الأيام التي كان يستريح فيها العامل من الكدح في إنجلترا لم تكن تزيد على ستة. وكانت ساعات العمل تزيد قليلًا على مثيلاتها في إنجلترا في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر، ولم تكن الأجور الحقيقية (^٢) أسوأ منها في تلك الفترة، بل إن بعضهم ليقول إنها كانت أعلى منها (١٢١).
وتطور النزاع بين الطبقات في أواخر القرن الثالث عشر فأصبح حربًا مسلحة بينها؛ فكان كل جيل يشهد ثورة يقوم بها الفلاحون وبخاصة في فرنسا؛ ففي عام ١٢٥١ ثار الفلاحون في فرنسا وفلاندرز على من كانوا يستبدون بهم من الملاك سواء كانوا من رجال الدين أو الدنيا. وأطلق هؤلاء على أنفسهم اسم الرعاة Pastoureux وشنوا حربًا ثورية شبيهة بالحروب الصليبية بقيادة واعظ غير مرخص معروف بلقب "سيد بلاد المجر". وزحفوا من فلاندرز واخترقوا أمين إلى باريس، وانضم إليهم في طريقهم المتذمرون من الفلاحين وصعاليك المدن حتى بلغ عددهم مائة ألف رجل أو يزيدون؛ وكانوا يحملون أعلامًا دينية، وينادون بولائهم للويس التاسع، وكان وقتئذ سجينًا عند المسلمين في مصر؛ ولكنهم كانوا مسلحين بالهروات، والخناجر، والفؤوس، والحراب، والسيوف
_________________
(١) الكوارتر مكيال يعادل ٧٠٩١٨ لتر. المترجم
(٢) يقصد بالأجور الحقيقية قيمتها الشرائية. المترجم
[ ١٥ / ١٤٢ ]
فكانوا بذلك جميعًا خطرًا يخشى بأسه. وكانوا ينددون بفساد الحكم، واستبداد الأغنياء بالفقراء، ونفاق القساوسة وشرههم؛ وكان العامة يهتفون لهم حين يسمعون منهم هذه الأقوال. وانتحلوا لأنفسهم حق الوعظ الديني، وأخذوا يغفرون للناس ذنوبهم، ويعتقدون عقود الزواج، وبلغ من أمرهم أن ذبحوا بعض من عارضوهم من القساوسة. ولما واصلوا في زحفهم إلى أورليان ذبحوا فيها عشرات من رجال الدين وطلبة الجامعة، ولكن رجال الشرطة تغلبوا عليهم في تلك المدينة وفي بوردو، فقبض على زعمائهم وأعدموا، ثم صيد البائسون الباقون أحياء كما تصاد الكلاب في هذا الزحف العديم النفع، وشتتوا تشتيتًا أدى بهم إلى ضروب من البؤس مختلفة. وفر بعضهم إلى إنجلترا، وقاموا فيها بفتنة صغرى أثارها الفلاحون قلمت أظفارها هي أيضًا.
وثارت نقابات الحرف في المدن الصناعية الفرنسية فتكرر إضرابها عن العمل وقيامها بثورات مسلحة على احتكار طبقة التجار السياسي والاقتصادي، وتحكمها فيهم. ففي بوفيه هاجم ١٥٠٠ من الغوغاء عمدة المدينة وبعض رجال المصارف وأساءوا معاملتهم (١٢٣٣). وتمرد عمال النسيج في رون على تجر الأقمشة وقتلوا عمدة المدينة حين تدخل في النزاع (١٢٨١)؛ وفي باريس حل الملك فيليب الجميل اتحادات العمال بحجة أنها تدبر الثورة (١٢٩٥، ١٣٠٧)؛ غير أن نقابات الحرف الطائفية استطاعت مع ذلك أن تكسب حق الاشتراك في الجمعيات البلدية وفي الوظائف العامة في مدينة مرسيليا (١٢١٣)، وأفنيون وآرل Arles (١٢٢٥)، وأمين، ومنبلييه، ونيمز Nimes … وكان أحد رجال الدين ينحاز أحيانًا إلى جانب الثائرين، ويمدهم بالعبارات التي تلوكها ألسنتهم. ومع ذلك ما قاله أحد أساقفة القرن الثالث عشر: "كل الغنى مصدره السرقة، وكل غنى لص أو وارث لص" (١٢٣). وقامت فتن من هذا النوع اضطربت بها مدن فلاندرز، فثار النحاسون في دينان Dinant عام ١٢٥٥، والنساجون في تورناي عام ١٢٨١،
[ ١٥ / ١٤٣ ]
وفي غنت عام ١٢٧٤، وفي هينولت Hinault عام ١٢٩٢، على الرغم أن الإعدام أو النفي كان هو العقوبة التي تحكم بها على زعماء حركة الاضطراب. وقام عمال إيبر Ypres، ودويه، وغنت، وليل، وبروج، بفتنة جامعة عام ١٣٠٢، وهزموا جيشًا فرنسيًا عند كورتريه، وحصلوا على حق قبول ممثليهم في مجالس الحكومات البلدية ووظائفها، وألغوا القوانين الاستبدادية التي كانت ألجركية التجار تضايق بها أرباب الحرف. ولما أن نال النساجون شيئًا من السلطة إلى حين، حاولوا أن يحددوا أجور القصارين- بل أن ينقصوها- فانحاز هؤلاء إلى جانب التجار الأغنياء (١٢٤).
وسيطرت نقابات التجار الطائفية على لندن في عام ١١٩١، وسرعان ما عرضوا بعد ذلك على الملك يوحنا أن يمدوه بقدر من المال في كل عام؛ إذا ما ألغى نقابات النساجين، ووافق الملك على هذا العرض (١٢٠٠) (١٢٥). وفي عام ١١٩٤ قام رجل يدعى وليم فتزوبرت Fitzobert أو ذو اللحية الطويلة، وأخذ يخطب في الفقراء من أهل لندن مناديًا بضرورة الثورة، وأصغى آلاف من الناس إلى ندائه هذا، وحاول اثنان من أثرياء المدن أن يقتلوه، ففر منهم إلى إحدى الكنائس، ولكنه أخرج منها بعد أن سلط عليه الدخان، وانتحر بأن بقر بطنه بطريقة لا تكاد تفترق في شيء عن الطريقة اليابانية. وعده أتباعه من القديسين الشهداء وعبدوه، وقدسوا التراب الذي جرى عليه دمه، واحتفظوا به (١٢٦). وإن حب الناس لربن هود الذي يسرق أموال الأشراف ورجال الدين ولكنه يشفق على الفقراء، وانتشار قصته، ليوحيان إلينا بما كان عليه شعور الطبقات بعضها نحو بعض في بريطانيا خلال القرن الثاني عشر.
وكان أشد المنازعات إثارة للأحقاد ما قام منها في إيطاليا. فقد حدث في أول الأمر أن انضم العمال إلى نقابات التجار الطائفية وقاموا معًا بسلسلة من الاضطرابات الدموية العنيفة الموجهة ضد الأشراف؛ وتم النصر للمتحالفين في هذا
[ ١٥ / ١٤٤ ]
الكفاح قبل أن يختتم القرن الثالث عشر؛ واشترك عمال الصناعات في حكم فلورنس إلى حين، غير أن كبار التجار ورجال المشروعات سرعان ما أصبحت لهم السيطرة في مجلس المدينة، ففرضوا على الموظفين نظمًا استبدادية متعسفة، أدت في القرن الرابع عشر إلى دخول النزاع في مرحلته الثانية- مرحلة الحروب المتقطعة المتباعدة بين رجال الصناعة الأغنياء وعمال المصانع. وكانت هذه المشاهد- مشاهد النزاع الداخلي- هي التي قام فيها القديس فرانسس ينادي بإنجيل الفقر، ويذكر الأغنياء الأشرار بأن المسيح لم يكن له قط ملكًا خاصًا (١٢٧).
واضمحلت الحكومات المحلية كما اضمحلت النقابات الطائفية في القرن الرابع عشر بسبب نطاق اتساع اقتصاد البلديات وتحوله إلى اقتصاد قومي وأسواق وقفت قواعدهما واحتكارهما حجر عثرة في سبيل تقدم الاختراع، والصناعة، والتجارة. وكان من أسباب اضمحلالها فوق ذلك ما كان فيها من منازعات داخلية أشاعت فيها الفوضى، واستغلال قاس شديد الوطأة للريف المحيط بها، ووطنيتها الضيقة المقصورة على حدود المدينة، وسياستها، وعملتها المضطربة غير المستقرة، وحروبها التافهة الحقيرة بعضها على بعض في فلاندرز وإيطاليا، وعجزها عن أن تنتظم في اتحاد يشمل عدة مدائن ذات حكم ذاتي، كان يمكن أن يبقى بعد أن قوى سلطان الملوك. وليس أدل على ضعف هذه الحكومات المحلية من أن عددًا منها في فرنسا التمس من الملك في عام ١٣٠٠ أن يتولى هو حكمها.
ومع هذا كله فإن الثورة الاقتصادية التي قامت في القرن الثالث عشر هي التي خلقت أوربا الحديثة، فهي التي قضت آخر الأمر على الإقطاع الذي أدى مهمة الحماية الزراعية والتنظيم الزراعي، وأصبح حجر عثرة في سبيل اتساع نطاق المشروعات الاقتصادية. وهي التي حولت ثروة الإقطاع الجامدة إلى موارد سائلة متداولة يستخدمها الاقتصاد العالمي. وهي التي أمدت الأعمال الصناعية والتجارية بالآلات اللازمة لتقدمها، وما نشأ عن هذا التقدم من زيادة كبيرة في سلطان
[ ١٥ / ١٤٥ ]
الرجل الأوربي، ووسائل راحته، وفي معلوماته. وبفضلها عم أوربا رخاء استطاعت به أن تبني في قرنين من الزمان مائة كنيسة كبرى تتطلب كل واحدة منها وفرة عجيبة من المهارات والأموال. وكان ما تنتجه للأسواق المطردة الاتساع هو الذي هيأ السبيل للنظم الاقتصادية القومية التي قامت عليها الدول الحديثة، ولعل حرب الطبقات نفسها التي أطلقتها الثورة الاقتصادية من عقالها كانت هي الأخرى حافزًا إضافيًا لعقول الناس ونشاطهم. ولما هدأت عاصفة الانتقال كان صرح أوربا الاقتصادي والسياسي قد تبدل، وكان تيار الصناعة والتجارة الجارف قد اكتسح العقبات المتأصلة من طريق التطور البشري، ودفع الناس إلى الأمام من مجد الكنائس الكبرى المشتت إلى مراحل النهضة الشامل.
[ ١٥ / ١٤٦ ]
الباب الخامس والعشرون