لقد كانت غارات الشماليين المرحلة الأخيرة في غارات البرابرة التي تدفقت لآن عن مصير الألمان نفسها.
لقد أدى خروج تلك القبائل العظيمة- القوط، والوندال، والبرغنديين، والفرنجة، واللمبارد- إلى نقص سكان ألمانيا إلى حين، فتحرك الوند Wend الصقاربة غربًا من ولايات البحر البلطي ليملئوا ذلك الفراغ، وأصبح نهر الإلب قبل أن يحل القرن السادس الحد الجنسي، كما هو الآن الحد السياسي، بين العالم الصقلبي والعالم الغربي. فقد كان في غرب الإلب والسال Saale من بقي من القبائل الألمانية: السكسون في شمال ألمانيا الوسطى، والفرنجة الشرقيون في حوض الرين الأدنى، والثورنجيون بين هؤلاء وأولئك، والبافاريون Bavarians (الذين كانوا يسمون المركونيين من قبل) في حوض الدانوب الأوسط، والسوابيون Swabians (الذين كانوا يسمون السويفيين) على ضفاف نهر الرين والدانوب الأعليين وفيما بينهما، وعلى طول جبال جورا Jura الشرقية والألب الشمالية. ولم تكن في أوربا بلاد تسمى ألمانيا، بل كل ما كان فيها من قبائل ألمانية، وقد وهبها شارلمان وقتًا ما وحدة منشؤها، الفتح، ومستلزمات النظام المشترك، ولكن انهيار الإمبراطورية الكارولنجية فكك هذه الروابط، وظل الوعي القبلي والنزعة المحلية
[ ١٤ / ٣٢٥ ]
يمنعان كل عامل يؤدي إلى المركزية حتى أيام بسمارك، ويضعفان قوة ذلك الشعب الذي يعاني الأمرين من جرّاء انحصاره بين أعدائه من جهة وبين جبال الألب والبحر من جهة أخرى. وأقامت معاهدة فردون (٨٤٣) في واقع الأمر لويس أولدفج Ludwgi حفيد شارلمان أول ملك على ألمانيا، وأضافت معاهدة مرسن Mersen (٨٧٠) إلى أملاكه بلادًا جديدة، وحددت ألمانيا بأنها الأرض المحصورة بين نهري الرين والإلب، تضاف إليها أجزاء من اللورين Lorrafne، وأسقفيات مينز، وورمز، واسبير Speyer. وكان لويس حاكمًا وسياسيًا من الطراز الأول، غير أنه له ثلاثة أولاد، قسمت مملكته بينهم جميعًا بعد وفاته، وضربت الفوضى أطنابها في أنحاء البلاد عشر سنين أغار فيها الشماليون على مدائن الرين، واختير بعدها آرنلف Arnulf، وابن غير شرعي لكارلومان Carloman ابن لويس، ملكًا على "فرنسيا الشرقية Wast Francia" (٨٨٧) ورد الغزاة على أعقابهم. ولكن لويس "الطفل" (٨٩٩ - ٩١١) الذي خلفه على العرش كان أصغر وأضعف من أن يصد المجر الذين اجتاحوا بافاريا (٩٠٠) وكارنثيا (٩٠١)، وسكسونيا (٩٠٦)، وثورنجيا (٩٠٨)، وأليمانيا Alemannia (٩٠٩)؛ وعجزت الحكومة المركزية عن حماية هذه الولايات، فكان على كل واحدة منها أن تدافع عن نفسها. وجهز أدواق الولايات ما يحتاجونه من الجيوش بأن أقطعوا أتباعهم الأرض نظير قيامهم بالخدمة العسكرية، ونال الأدواق بفضل الجيوش المؤلفة على هذا النحو استقلالهم الفعلي عن التاج، وأنشئوا ألمانيا الإقطاعية. ولما مات لويس رفع الأعيان وكبار رجال الدين كنراد الأول دوق فرنكونيا (٩١١ - ٩١٨) على عرش البلاد، وكانوا قد نجحوا في أن يكون لهم هم حق اختيار الملك. وأنهك كنراد قواه في النزاع مع
[ ١٤ / ٣٢٦ ]
هنري دوق سكسونيا، ولكنه بلغ من الحصافة أن أوصي باختيار هنري ليخلفه على العرش. وصد هنري الأول، المسمى "بالصائد" لشغفه بصيد الطير، قبائل الوند الصقلية إلى نهر الأودر Oder وحصن ألمانيا لتقوى على صد المجر، وهزمهم في عام ٩٣٣ ومهد بجهوده السبيل إلى أعمال ابنه المجيدة.
وكان أتو الأول الأكبر (٩٣٦ - ٩٧٣) شارلمان ألمانيا. ولم يكن سنه حين جلس على العرش قد تجاوزت الرابعة والعشرين، ولكنه كان في هذه السن الصغيرة مليكًا بحق في مظهره ومخبره، وأحس بما للمراسم والرموز من عظيم الشأن فأقنع أدواق لورين، وفرنكونيا، وسوابيا، وبافاريا، بأن يؤلفوا حاشيته في حفل تتويجه الفخم في آخن على يد هيلدبرت Hildebert كبير الأساقفة، ولكن الأدواق ثاروا فيما بعد على سلطته المطردة النماء، وأغروا هنري أخاه الأصغر بأن يشترك معهم في مؤامرة تعمل لخلعه. وكشف أتو هذه المؤامرة، وقضى عليها، وعفا عن هنري، ثم ائتمر هنري بهد مرة أخرى، وعفا عنه للمرة الثانية؛ وأقطع المليك الداهية دوقيات جديدة لأصدقائه وأقاربه، وأخضع الأدواق لسلطانه شيئًا فشيئًا. ولم يرث من جاء بعده من الملوك ما كان له من دهاء وعزيمة ماضية فاحترقت ألمانيا في العصور الوسطى بنار النزاع بين الإقطاع، والملكية. وانحاز الأساقفة الألمان إلى جانب الملك في هذا النزاع، فأصبحوا بذلك مساعديه ومستشاريه في الشئون الإدارية، بل كان منهم في بعض الأحيان قواد جنده. وكان الملك يعين الأساقفة والرؤساء الأساقفة كما كان يعين غيرهم من موظفي الحكومة، فأصبحت الكنيسة الألمانية بهذه الوسيلة نظامًا قوميًا بحتًا لا ترتبط بالبابوية إلا بأوهن الروابط. واتخذ أتو الدين المسيحي قوة لتوحيد البلاد فصهر به القبائل الألمانية وخلق منها دولة قوية.
[ ١٤ / ٣٢٧ ]
وهاجم أتو الوند استجابة لرغبة أساقفته، وحاول أن يرغمهم بالسيف على اعتناق المسيحية. وأرغم ملك الدنمرقة ودوق بولندة وبوهيميا على أن يعترفوا به سيدهم الإقطاعي. وكان يطمع في أن يتولى عرش الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ولهذا رحب بالدعوة التي وجهتها إليه أدليد الحسناء أرملة لوثير ملك إيطاليا لينقذها مما لحق بها من الإهانة على يدي برنجار الثاني المليك الجديد. وخلط أتو بمهارته بين السياسة والغرام، فغزا إيطاليا وتزوج بأدليد، وسمح لبرنجار أن يحتفظ بمملكته على أن تكون إقطاعًا له من التاج الأماني (٩٥١). وأبى الأشراف الإيطاليون أن يعترفوا بألماني إمبراطورًا لأن هذا يستلزم أن يكون هذا الإمبراطور سيدًا لإيطاليا، وبدأ وقتئذ بين الطرفين نزاع دام ثلاثة قرون. وخرج على كنراد وهو غائب عن ألمانيا ابنه لودلف وزوج ابنته كنراد فعاد أتو إلى ألمانيا لكيلا ينشأ عن محاولته أن يكون إمبراطورًا ألا يظل ملكًا. ولما أن غزا المجر ألمانيا مرة أخرى (٩٥٤) رحب بهم لودلف وكنراد وأمدهم بمن يرشدهم في غزوهم. وقطع أتو دابر الفتنة، وعفا عن لودلف، وأعاد تنظيم جيشه، وأوقع بالمجر عند لخفلد Lechfeld القريبة من أجزبرج Augsburg هزيمة منكرة (٩٥٥)، أفاءت على ألمانيا فترة طويلة من الأمن والسلام. وصرف أتو بعدئذ جهوده إلى شئون البلاد الداخلية- فأعاد النظام إلى نصابه، وقضى على الجرائم، وأعاد ألمانيا المتحدة إلى الوجود، وجعلها أعظم دولة رخاء في تلك الأيام.
وسنحت له الفرصة مرة أخرى لإنشاء الإمبراطورية حين استعانا البابا يوحنا الثاني عشر على برنجار (٩٥٩). فغزا أتو إيطاليا على رأس قوة كبيرة، ودخل روما من غير قتال، وتوجه يوحنا الثاني عشر إمبراطورًا رومانيًا على الغرب في عام ٩٦٢. ثم ندم البابا على فعلته، وأخذ يشكو من أن أتو لم يوف بما وعده به من
[ ١٤ / ٣٢٨ ]
إعادة إكسرخسية (^١) برافنا إلى البابوية. واتخذ أتو الخطوة المتطرفة الجريئة فزحف على روما، وعقد مجلسًا دينيًا من الأساقفة، وأقنعه بوجوب خلع يوحنا وتنصيب رجل من غير رجال الدين بابا مكانه باسم ليو الثامن (٩٦٣). واقتصرت أملاك البابلي وقتئذ على دوقية روما وإقليم سابينا، واندمجت بقية إيطاليا الوسطى والشمالية في إمبراطورية رومانية مقدسة أضحت إقطاعية من إقطاعيات التاج الألماني. وكان ملوك ألمانيا يتخذون من هذه الحوادث حجة يبنون عليها ادعاءهم أن إيطاليا جزء من ميراثهم، أما البابوات فكانوا يتذرعون بها للقول بأن أحدًا لا يستطيع أن يكون إمبراطورًا رومانيًا في الغرب إلا إذا توجه البابا.
ولما أحس أتو بقرب منيته أراد أن يتقي ما عسى أن يعقب موته من الفوضى فحمل البابا يوحنا الثالث عشر على أن يتوج ابنه أتو الثاني إمبراطورًا معه (٩٦٧)، وزوج ابنه هذا بثيوفانو ابنة رومانوس Romanus الثاني إمبراطور بيزنطية (٩٧٢)، وتحقق بذلك إلى وقت قصير ما كان يحلم به شارلمان من توحيد الإمبراطوريتين بطريق الزواج، ثم توفي أتو ولما يتجاوز الستين من عمره، ولكنه قام في هذه السنين القلائل بما لم يقم به ذوو الأعمار الطوال (٩٧٣)، وحزنت عليه ألمانيا كلها وعدته أعظم ملوكها. وصرف أتو الثاني (٩٧٣ - ٩٨٣) جهوده في ضم إيطاليا الجنوبية إلى دولته ومات في هذه المحاولة منهوك القوى قبل الأوان. وكان أتو الثالث (٩٨٣ - ١٠٠٢) وقتئذ طفلًا في الثالثة من عمره، فحكمت البلاد أمه وجدته أدليد نائبتين عنه مدة ثمان سنين، وأدخلت ثيافانو في أثناء نفوذها الذي دام ثمانية عشر عامًا بعض مظاهر الرقة البيزنطية إلى البلاط الألماني، وبث روح النهضة التي بدأها أتو في الآداب والفنون.
_________________
(١) الإكسرخسية Exarchate مقاطعة يحكمها إكسرخس E xarch، والإكسرخس اسم كان يطلق قديمًا على نائب الإمبراطور في إيطاليا، ومنصبه شبيه بمنصب الأسقف، ومعناه لغة القائد. (المترجم)
[ ١٤ / ٣٢٩ ]
ولما بلغ أتو السادسة عشرة من عمره (٩٩٦) شرع يحكم البلاد بنفسه. وأثر فيه جربرت وغيره من رجال الين، فعرض أن يتخذ روما عاصمة لملكه، ويجمع البلاد المسيحية كلها تحت سيادة الإمبراطورية الرومانية بعد أن يعيدها إلى الوجود ويشترك في حكمها الإمبراطور والبابا. وفسر أعيان روما ولمباردية وسوقتها هذا العمل بأنه مؤامرة ترمي إلى إقامة حكم بيزنطي ألماني في إيطاليا، ولهذا وقفوا في وجه أتو، وأقاموا في البلاد "جمهورية رومانية" وقلم أتو أظفار الفتنة، وأعدم كرسنتيوس Crescentius زعيمها، ثم عين جربرت بابا في عام ٩٩٩؛ ولكن حياة أتو التي لم تزد على اثنتين وعشرين سنة، وبابوية جربرت التي دامت أربع سنين، كانتا أقصر من أن تمكناه من تنفيذ سياسته بحذافيرها؛ يضاف إلى هذا أن أتو، وهو نصف قديس ولكنه رجل إلى حد ما، قد وقع فيحب استفانيا Stephania أرملة كرسنتيوس، ورضيت أن تكون عشيقته وسجينته، ولما أحس المليك الشاب أن الموت يسري في عروقه أخذ يبكي ويندم، حتى قضى نحبه في فيتربو Viterbo ولما يتجاوز الثانية والعشرين من عمره (٨٣).
وبذل هنري الثاني (١٠٠٢ - ١٠٢٤) آخر ملوك ألمانيا السكسون جهد ليعيد إلى الملك قوته في إيطاليا وألمانيا، حيث قوى الحكم الغلامين الصغيرين سلطان الأدواق وجرأ عليهما الدول المجاورة لهما. وبدأ بنكراد الثاني (١٠٢٤ - ١٠٣٩) حكم الأسرة الفرنكنونية أو السالية من الأباطرة وقد أعاد السلام إلى إيطاليا وضم إلى ألمانيا مملكة برغندية أو آرليس Aales. ودفعته حاجة إلى المال إلى أن يبيع مناصب الأساقفة بأثمان عالية أنبه عليها ضميره، فأقسم ألا يعود إلى بيع المناصب الدينية بالمال و"كاد يفلح في أن يبر بقسمه" (٨٤). وبلغت الإمبراطورية في عهد ابنه هنري الثالث (١٠٣٩ - ١٠٥٦) ذروة مجدها وقد عرض في "يوم الغفران" من عام ١٠٤٣ في كنستانس Constance أن يعفو عن كل من أساء إليه، وحض رعاياه أن يطهروا صدورهم من كل حقد ورغبة في الانتقام. وقد أفلح
[ ١٤ / ٣٣٠ ]
بفضل مواعظه وقدوته الحسنة -وبفضل سلطانه في أغلب الظن- في أن يقضي على كثير من منازعات الأدواق، وتعاون مع "الهدنة الإلهية" في نشر ظل عهد ذهبي قصير الأجل على أوربا الوسطى. وقد ناصر العلوم، وأنشأ المدارس، وأتم كنائس اسبير، ومينز، وورمز. ولكنه لم يكن قديسًا عمل للسلام الدائم، فقد ظل يحارب المجر حتى اعترفت له بالسيادة الإقطاعية عليها، وخلع ثلاثة من المتنافسين على البابوية، وعين اثنين من البابوات واحدًا بعد الآخر، ولم يكن في أوربا كلها من يماثلها في سلطانه، ولكنه اندفع بسلطانه في آخر الأمر إلى الحد الأقصى فأثار بذلك مقاومة الأساقفة والأدواق جميعًا. غير أنه مات قبل أن تهب العاصفة، وخلف لهنري الرابع بابوية معادية، ومملكة مضطربة.
وكان هنري في الرابعة من عمره حين توج ملكًا في آخن وفي السادسة حين توفي أبوه وحكمت أمه واثنان من الأساقفة بالنيابة عنه حتى عام ١٠٦٥ حين أعلن أن الغلام وهو في الخامسة عشرة قد بلغ سن الرشد، فوجد نفسه وقد آلت إليه سلطة إمبراطورية كفيلة بلا ريب أن تذهب بعقل أس شاب، وأصبح بطبيعة الحال يؤمن بالسلطة المطلقة، ويسعى لأن يحكم البلاد على هذا الأساس. وسرعان ما وجد نفسه في خصام أو حرب مع هذا أو ذاك من النبلاء الذين كادوا لعجزه أن يقطعوا أوصال دولته. ذلك أن السكسون قد أغضبتهم الضرائب المفروضة عليهم، وأبوا أن يردوا أراضي التاج التي يدعيها لنفسه، وظل يحاربهم حربًا منقطعة دامت خمسة عشر عامًا (١٠٧٢ - ١٠٨٨)؛ ولما أن هزمهم في عام ١٠٧٥ أرغم قوتهم الكبرى ومن فيها من أشم النبلاء أنوفًا وكبار الأساقفة الحربيين أن يمشوا حفاة مجردين من السلاح بين صفين من جنده، ويقدموا مراسم الاستسلام عند قدميه وفي تلك السنة نفسها أصدر البابا جريجوري السابع مرسومًا يعارض به حق غير رجال الدين في تعيين الأساقفة أو رؤساء الأديرة، واستمسك هنري بالسوابق المتبعة منذ مائة عام، ولم يشك مطلقًا في أن تعيين هؤلاء وأولئك من
[ ١٤ / ٣٣١ ]
حقه، وظل عشر سنين يحارب جريجوري حربًا دبلوماسية وعسكرية، لم تنته إلا بموته، وكانت من أشد الحروب هو لا في تاريخ العصور الوسطى. وانتهز نبلاء ألمانيا المتمردون المشاكسون هذا النزاع ليزيدوا سلطتهم الإقطاعية، وعاد السكسون الذين استذلهم الملوك إلى ثورتهم. وانضم أبناء هنري إلى معارضيه وظل النزاع قائمًا حتى نادى مجلس مينز بهنري الخامس ملكًا في عام ١٠٩٨، وأسر الابن أباه وأرغمه على النزول عن العرش (١١٠٥) ثم فر الأب وخذ يحشد جيشًا جديدًا، ولكنه مات في ليبيج في السنة السابعة والخمسين من عمره (١١٠٦)، ولم يجد البابا باسكال Paschal الثاني من حقه أن يمنح رجلًا محرومًا مات دون أن يتوب دفنة مسيحية، ولكن أهل ليبيج تحدوا البابا والملك وشيعوا جنازة هنري الرابع في موكب ملكي فخم وواروه التراب في كنيستهم الكبرى.