٥٦٦ - ١٠٦٦
واستطاعت جهود الرجال والنساء الذين يفلحون الأرض وينشئون الأطفال أن تفتح ألمانيا وتهيئتها للحضارة. لقد كانت الغابات فيها ضخمة كثيفة إلى أقصى حد، تأوي إليها الوحوش الكاسرة، وتعوق الاتصال والوحدة، وقام أبطال مجهولون بتقطيع أشجار الغابات، ولعلهم أسرفوا في هذا التقطيع، ودام الكفاح في سكسونيا بين الأهلين وبين الأشجار التي تنمو بطبيعتها كلما قطعت، والمناقع التي تنشر الأوبئة- دام هذا الكفاح ألف عام ولم يكتب النصر فيه للإنسان إلا في القرن الثالث عشر. وتوالت الأجيال جيلًا بعد جيل والزراع والمجدون البواسل يطاردون الوحوش، وينقصون من أطراف البرابري القاحلة، ويذللون الأرض بالفأس والمحراث، ويغرسون أشجار الفاكهة، ويربون قطعان الماشية، ويعنون بالكرام، ويخففون من آلام وحدتهم بالحب والصلاة، والأزهار والموسيقى والجعة. وكان المعدنون يستخرجون من الأرض والملح، والحديد،
[ ١٤ / ٣٣٢ ]
والنحاس، والرصاص، والحرف اليدوية القائمة في الضياع، والأديرة، والمنازل، تقرن الحذق الروماني إلى الألماني؛ والتجارة تنمو ويطرد نشاطها في الأنهار وتنساب إلى البحرين الأسود والبلطي. وكسب السكان المعركة العظيمة آخر الأمر؛ نعم إن الهمجية ظلت كامنة في شرائع البلاد وفي دماء الأهلين. ولكن الثغرة التي كانت قائمة بين فوضى القرن الخامس القبيلة ونهضة القرن العاشر التي بعثها أتو اجتيزت آخر الأمر، وصارت ألمانيا فيما بين ٩٥٥ و١٠٧٥ أكثر بلاد أوربا رخاء، لا يضارعها في هذه الناحية إلا شمالي إيطاليا التي أخذت القانون والنظام عن الملوك الألمان. وواصلت المدن الرومانية القديمة أمثال تريير، ومينز، وكولوني تقدمها، ونشأت مدن جديدة حول مراكز الأساقفة في اسبير، ومجدبرج، وورمز، وبدأنا حوالي عام ١٠٥٠ نسمع عن مدينة نورمبرج.
وكانت الكنيسة مربية ألمانيا والقائمة على إدارة شئونها في ذلك العصر؛ فقد افتتحت مدارس- أو بالأحرى كليات في أديرة فُلدا، وتجرنسي Tegernse، وريخنو Reichenau، وجندرسهايم Gandersheim وهلدسهايم Hildesheim، ولورسخ Lorsch. ولما عين ربانوس موروس Rabanus Maurus (٧٧٦. - ٨٥٦) رئيسًا لدير فلدا العظيم في بروسيا بعد أن أتم دراسته تحت رعاية ألكوين في تور، ورفع مكانة مدرسة هذا الدير وأذاع شهرتها في جميع أنحاء أوربا حتى أضحت أما رؤومًا للعلماء ولاثنين وعشرين معهدًا تنتسب إليها. وقد وسع مناهجها حتى شمل كثيرًا من العلوم الطبيعية، وندد بالخرافات التي كانت تعزو الحوادث الطبيعية للقوى السحرية الخفية (٨٥). ونمت دار الكتب في فلدا حتى أضحت من كبريات المكتبات العامة في أوربا؛ وهي التي أخرجت لنا سوتونيوس Suetonius وناستوس، وأمنيانوس مارسلنوس Ammajanus Marcetlinus. وثمة رواية غير موثوق بصحتها تعزو وإلى ربانوس أنشودة "جئت يا خالق الأرواح Veni Creator Spiritns" التي تنشد وقت
[ ١٤ / ٣٣٣ ]
تدشين البابوات والأساقفة والملوك (٨٦)، وافتتح سانت برونو St. Bruno، الذي كان دوق لورين وكبير أساقفة كولوني ثم أصبح مستشارًا إمبراطوريًا لأتو الأكبر، مدرسة في القصر الملكي ليدرب فيها طبقة من الموظفين الإداريين، واستقدم العلماء وجاء بالكتب من بيزنطية وإيطاليا وكان هو نفسه يعلم فيها اللغة اليونانية والفلسفة.
ولم تكن اللغة الألمانية قد نشأت لها آداب في ذلك الوقت؛ وكان القائمون بالكتابة كلهم تقريبًا من رجال الدين، وكانت لغة الكتابة هي الألمانية. وكان أعظم شعراء العصر الألمان وهو ولفريد استرابو Walafrid Strabo (٨٠٩ - ٨٤٩) وهو راهب سوابي في ريخنو. وكان وقتًا ما مريبًا لشارل الأصلع في قصر لويس التقي في آخن. وقد وجد له في يوديث الحسناء الطموحة زوجة لويس نصيرة مستنيرة. ولما عاد إلى ريخنو ليتولى رياسة ديرها صرف جهوده كلها في الدين، والشعر، وفلاحة البساتين، وقد وصف لنا في قصيدة له ممتعة في العناية بالحدائق De cultura hortorum كل عشب وزهرة من الأعشاب والأزهار التي كان يربيها ويشغف بها.
وكان أعظم من ينافسه في الأدب الألماني في تلك القرون راهبة تدعى هرسويذا Hroswitha، وهي واحدة من كثيرات من النساء اللائي امتزن في ذلك العصر بثقافتهن. ورقتهن. وقد ولدت حوالي عام ٩٣٥، ثم دخلت دير البندكتيين في جندرسهايم Gandersheim. وما من شك في أن مستوى التعليم في ذلك الدير كان أرقى مما نتوقع، ذلك أن هرسويذا قد درست شعراء روما الوثنية، وعرفت كيف تكتب باللغة اللاتينية بأسلوب سلس واضح، وكتبت بالشعر اللاتيني السداسي الأوتاد تراجم لبعض القديسين كما أنشأت ملحمة أصغر من هذه التراجم عن أتو الأكبر، ولكن كتبها التي خلدت ذكرها هي ستة مسرحيات نثرية من نوع المسلاة حذت فيها حذو ترنس Terence
[ ١٤ / ٣٣٤ ]
وتقول هي إن الغرض الذي كانت ترمي إليه من كتابتها هو "أن تجعل الهبة الصغيرة التي حباها بها الله، تخرج بدافع الإخلاص صوتًا ضئيلًا تحمد به الله" (٨٧). وتقول إنه يحزنها ما في المسالي اللاتينية من بذاءة وثنية، وإنها تحب أن تعرض على القرّاء بدلًا منها مسالي مسيحية؛ ولكن مسرحياتها نفسها تدور حول حب دنس لا يكاد يخفي ما ينطوي عليه من شهوة جثمانية. وخير مسرحياتها القصيرة وهي مسرحية أبراهام، وفيها يغادر ناسك مسيحي صومعته ليعني بابنة أخ له يتيمة. ثم تفر الفتاة مع شخص أغواها لا يلبث أن يهجرها، فتصبح من العاهرات. ويقتفي أبراهام أثرها، ويدخل عليها حجرتها متخفيًا، وتقبله، فتعرفه، وترتد عنه في خجل، ويدور بينهما حوار شعري رقيق يقنعها به أن تقلع عن حياة الرذيلة وتعود معه إلى بيتهما. ولسنا نعرف هل مثلت هذه المسرحيات القصيرة أو لم تمثل، ذلك أن المسرحيات الحديثة لم تكن صدى لمسرحيات ترنس وأمثالها، بل نشأت من حفلات الكنيسة "وطقوسها الخفية" بعد أن امتزجت بها "مساخر" الممثلين الجائلين الصامتة.
ولم تكن الكنيسة موطنًا للشعر، والتمثيل، وكتابة التاريخ فحسب، بل إنها فوق ذلك أمدت الفن بالموضوعات والمال. فقد تأثر الرهبان الألمان بالمثل البيزنطية والكارولنجية، وشجعتهم مناصرة الأميرات الألمانيات فأخرجوا في ذلك العصر عشرات العشرات من المخطوطات المزخرفة ذات الجمال الممتاز ويكاد برنولد Bernewald الذي كان أسقف هلدسهايم من ٩٩٣ إلى ١٠٢٢ أن يكون في حد ذاته خلاصة لثقافة ذلك العصر: فقد كان مصورًا، وخطّاطًا، وصانعًا للمعادن والفسيفساء، وحاكمًا إداريًا، وقديسًا. وقد جعل المدينة التي يعيش فيها مركزًا للفنون بمن جمع فيها من الفنانين على اختلاف أنواعهم ومواهبهم. وبفضل معونتهم، ويد الصناع أخرج صلبانًا محلاة بالجواهر، وماثلات من الذهب والفضة منقوشة عليها صورة لحيوان والنبات، وكأسًا من كؤوس القربان
[ ١٤ / ٣٣٥ ]
مطعمة بجواهر قديمة تمثل واحدة منها ربات الجمال الثلاث عاريات كعادتهن (٨٨). وكانت الأبواب الذائعة الصيت التي صنعها فنانوه لكنيسته أولى الأبواب المعدنية في العصور الوسطى التي صبت صبًا بدل أن تصنع من ألواح مستوية ملصقة على الخشب. أما فن العمارة المحلية فلم يكن قد بدت فيه شواهد على تلك الأشكال الجميلة التي ازدانت بها المدن الألمانية في عصر النهضة؛ غير أن مباني الكنائس قد أخذت في ذلك الوقت تنتقل بالتدريج من الخشب إلى الحجارة، واستوردت من لمبارديا الآراء الرومانسية الخاصة بالأجنحة، وأمكنة المرتلين، والصحن، والأبراج، وبدأت وقتئذ كنائس هيلدسهايم، ولورسخ، وومز، ومينز، وتريير، واسبير، وكولوني. وكان النقاد الأجانب يشكون مما يتصف به هذا الفن الريني- الرومانسي من سقوف خشبية مستوية، وإفراط في الزخارف الخارجية، ولكن هذه الكنائس تعبر أصدق تعبير عما في الخلق الألماني من قوة وصلابة وعن روح ذلك العصر الذي يكافح أشد الكفاح ليرقى إلى مدارج الحضارة.
[ ١٤ / ٣٣٦ ]
الباب الحادي والعشرون