(حضارة القراصنة الشماليين) (^١)
كان النظام الاجتماعي يقوم بين أهل الشمال، كما يقوم بين سائر الشعوب القديمة، على التأديب العائلي، والتعاون الاقتصادي، والإيمان الديني. وقد جاء فقرة من بيولف أن "لا شيء يقضي على وشائج القربى عند صاحب البصيرة" (٥٤). وكان غير المرغوب فيهم من الأطفال يعرضون للموت، ولكن الطفل إذا ما قبله أبواه تلقى على يديهم مزيجًا من التأديب والحب. ولم يكن عندهم أسماء أسر، بل كان كل ولد يكتفي بأن يضيف إلى اسم أبيه: أولاف هرالدسون، ماجنس أولافسون، هاكون ماجنسن. وكان أهل اسكنديناوة
_________________
(١) لفظ فيكنج مشتق من لفظ فيك في لغة أهل الشمال الأقدمين ومعناه شرم أو فيورد. ويظهر لفظ فيك بهذا المعنى نفسه في نارفيك Narvik، وشلزوبج Schleswig، وريكجافيك Reykjaxik، وبرويك Barwick، وويكلو Wicklow وغيرها. ومعنى لفظ فيكنجر Vikingr أحد الذي أغاروا على البلاد الملاصقة للفيوردات، ومعنى "الحضارة الفيكنجية" في هذا الفصل ثقافة الشعوب الإسكنديناوية في "عصر الفيكنج" بين عامي ٧٠٠ و١١٠٠ من التاريخ الميلادي.
[ ١٤ / ٣١٣ ]
قبل دخول المسيحية إلى البلاد بزمن طويل، إذا أرادوا أن يسموا طفلًا صبوا عليه ماء رمزًا لدخوله في حظيرة الأسرة.
وكان التعليم عندهم ذا صبغة عملية: فكانت البنات يتعلمن الفنون في المنزل، وكان منها عصر الجعة؛ أما الأولاد فكانوا يتعلمون السباحة، والمشي على مزالق الجليد، وأشغال الخشب والمعادن، والمصارعة، والتجذيف، والانزلاق، ولعبة الكرة والصولجان hockey (والاسم مشتق من الكلمة الدنمرقية hock ومعناها الخطاف)، والقنص، والرمي بالأقواس والسهام، والضرب بالسيوف، والطعن بالحراب، وكان القفز من ضروب الرياضة المحببة، وكان في وسع بعض النرويجيين أن يقفزوا بكامل سلاحهم ودروعهم إلى أعلى من طول قامتهم، وأن يسبحوا في الماء عدة أميال؛ ومنهم من كان يسبق أسرع جواد (٥٥). وكان كثيرون من الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة، وبعضهم يتعلمون الطب أو القوانين. وكان الذكور والنساء على السواء مولعين بالغناء، ومن هؤلاء وأولئك من كانوا يعزفون على الآلات الموسيقية وهي عادة القيثارة. ونقرأ في إلدر أدا Elder Adda أن الملك جنار Gunnar كان يستطيع العزف على القيثارة بأصابع قدميه، ويستطيع بها أن يسحر الأفاعي.
وظل أغنياؤهم متعددي الزوجات حتى القرن الثالث عشر، وكان الآباء هم الذين يرتبون شئون الزواج، وكثيرًا ما كان ذلك عن طريق الثراء، غير أن أحرار النساء كن يستطعن إلغاء هذا الترتيب (٥٦). فإذا تزوجت الفتاة بغير إرادة والديها عد زواجها خروجًا عن القانون، وأباح القانون لأهلها أن يقتلوها. وكان في وسع الرجل أن يطلق زوجته متى شاء، فإذا لم يستطع أن يبرر الطلاق بأسباب قوية كان في مقدور أهلها أيضًا أن يقتلوه. وكان من حق الزوج والزوجة أن يطلق أحدهما الآخر إذا ما لبس الرجل ثياب النساء أو لبست المرأة ثياب الرجل-كأن تلبس المرأة سراويل قصيرة، أو يلبس الرجل قميصًا مفتوحًا عند صدره. وكان
[ ١٤ / ٣١٤ ]
من حق الرجل أن يقتل دون أن يلقى عقابًا-أي دون أن يثير خصامًا دمويًا-أي رجل يضبطه في علاقة غير شريفة بزوجته (٥٧). وكان النساء يكدحن ولكنهن بقي لديهن من الأناقة ما يكفي لأن يقتل الرجال بعضهم بعضًا من أجلهن، وكان الرجال ذوو السلطان في الحياة العامة أذلاء كما هي العادة في بيوتهن. ويمكن القول بوجه عام إن مكانة المرأة في اسكنديناوة الوثنية كانت أعلى منها في اسكنديناوة المسيحية (٥٨). فلم تكن فيها أم الخطيئة بل كانت أم الرجال الأقوياء البواسل، وكان لها حق الثلث-وحق النصف بعد عشرين عامًا من زواجها-في كل ما يكسبه زوجها من مال؛ وكان يستشيرها في أعمالها المالية، وكانت تختلط في بيتها مع الرجال بكامل حريتها.
وكان العمل مما يشرف صاحبه، وكان لجميع الطبقات منه نصيب. وكان صيد السمك من الصناعات الكبرى، وصيد الحيوان من ضرورات الحياة لا من أسباب متعتها. ألا فليتصور القارئ ما استلزمه من كدح وقوة إرادة تقطيع غابات السويد وتذليل تربة منحدرات تلال النرويج المتجمدة وفلحها؛ وليست حقول القمح في منسوتا Minnesota إلا وليدة التربة الأمريكية ذللها صبر النرويجيين. وكانت الضياع الكبيرة قليلة العدد، حتى لقد فاقت اسكنديناوة غيرها من البلاد في كثرة عدد ملاكها، من الزراع الأحرار. وكان هناك من التأمين غير المكتوب يقلل من وقع الكوارث على أولئك الزراع: فإذا حرق بيت زارع عاونه جيرانه على بنائه من جديد، وإذا ما نفقت مواشيه بسبب المرض من "فعل الله" منحوه ما يعادل نصف ما خسره. وكان كل شمالي تقريبًا ذا حرفة، وكان بارعًا بنوع خاص في التجارة، غير أن الرجل الشمالي كان متأخرًا في استخدام الحديد الذي لم يدخل بلادهم إلا في القرن الثامن فلما دخلها صنعوا منه أنواعًا مختلفة من العدد، والأسلحة، والزخارف، صنعوها قوية جميلة من البرونز، والفضة، والذهب (٥٩)؛ وكثيرًا ما كانت الدروع والسيوف المزخرفة
[ ١٤ / ٣١٥ ]
الجميلة النقش، والأقراط، والدبابيس، والسروج جميلة يتباهون بها. وكان بناءو السفن الشماليون يبنون الزوارق والسفن الحربية؛ ولم تكن هذه أكبر من سفن الأقدمين، ولكن يبدو أنها كانت أصلب منها، فكانت مستوية القاع ليزيدها ثباتًا، محددة في جؤجؤها لتدمر سفن العدو؛ وكان غاطسها يتراوح بين أربع أقدام وست، وطولها بين ستين قدمًا ومائة وثمانين، يدفعها الشراع حينًا والمجاديف في معظم الأحيان-ويبلغ عددها في الجانب الواحد من جانبها عشرة مجاديف أو ستة عشر، أو ستين مجدافًا. وهذه السفن الساذجة هي التي حملت الرواد والتجار، والقراصنة، والمحاربين من أهل الشمال في أنهار الروسيا منحدرة فيها إلى بحر الخرز والبحر الأسود، وعبرت بهم المحيط الأطلنطي إلى أيسلندة ولبرادور.
وكان الفيكنج يقسمون أنفسهم طبقات: الجارل Jarl والإيرل، وطبقة البندي Bondi أو الملاك الفلاحين، وطبقة العبيد، وكانوا يلقنون أبناءهم في صراحة (كما يفعل الحراس في جمهورية أفلاطون) أن انتماء كل إنسان غلى طبقته أمر قررته الآلهة لا يجرؤ على تبديله إلا غير المؤمنين (٦٠). وكان الملوك يختارون ممن يجري في عروقهم الدم الملكي وولاة الأقاليم من طبقة الجارل. وهذا القبول الصريح للملكية والأرستقراطية، وهما من المستلزمات الطبيعية للحرب والزراعة، كان يسير معه جنبًا إلى جنب نظام ديمقراطي عجيب يجعل من ملاك الأراضي مشرعين وقضاة في جمعيات محلية يعقدها أصحاب البيوت، وجمعيات قروية تعقد في الولايات، وجمعية قومية عامة أو برلمان. لقد كانت هذه الحكومة حكومة قوانين لا حكومة رجال فحسب، العنف فيها من الأمور الشاذة النادرة، والأحكام القضائية هي القاعدة العامة. نعم إن قصص تلك البلاد مليئة بحوادث الانتقام وما ينشأ عنه من خصام وإراقة للدماء، ولكن الافتداء حتى في عصر الفيكنج، عصر الدم والحديد، لقد أخذ يحل محل الانتقام الفردي، ولم يكن منهم من قانونه الوحيد هو النصر أو الهزيمة إلا قراصنة البحار. وكان
[ ١٤ / ٣١٦ ]
العقاب الصارم يستخدم لحمل أولئك الرجال، الذين غلظت طباعهم لطول كفاحهم مع الظروف، على الخضوع للسلم والنظام. فكان الزاني يعاقب بالإعدام شنقًا أو تطأه الخيل حتى يموت، وكان جزاء الحريق العمد هو إحراق مرتكبه وهو مصلوب، ومن يقتل أحد أبويه يعلق من قدميه إلى جانب ذئب حي معلق بنفس الطريقة، والثائر على الحكومة يشد إلى جوادين يسيران في اتجاهين متضادين حتى يمزق جسمه، أو يربط خلف ثور بري يجره حتى يقضي نحبه (٦١). ولعل في هذا العقاب الوحشي دليلًا على أن القانون لم يحل بعد محل الانتقام الشخصي، وكل ما في الأمر أنه جعله من حق المجمع نفسه. وحتى القرصنة نفسها قد تخلت عن مكانها للقانون، فاستقر اللصوص وأصبحوا تجارًا واستبدلوا الدهاء بالقوة؛ وجدير بالذكر أن كثيرًا من مواد قانون أوربا البحري مأخوذة من قانون أهل الشمال منقولة عن حلف المدن الهانسية Hanseatic League (٦٢) . وقد كتبت قوانين النرويج في عهد مجنس الصالح (١٠٣٥ - ١٠٤٧) على رق سمي بسبب لونه "الإوزة الشهباء". ولا يزال هذا الرق باقيًا إلى الآن، ويحتوي على أوامر مستنيرة للإشراف على الموازين والمقاييس، ومراقبة، رجال الشرطة للأسواق والثغور، ومعونة الدولة للمرضى والمعوزين (٦٣).
وقد عاون الدين القانون والأسرة على عل أولئك الحيوانات مواطنين صالحين. ولم تكن الآلهة التيوتونية مجرد أساطير لأهل الشمال، بل كانت أربابًا حقيقية تهاب وتحب، وتتصل اتصالًا وثيقًا بالآدميين بآلاف المعجزات وحوادث الغرام. ذلك أن النفوس البدائية في دهشتها ورعبها قد خولت جميع قوى الطبيعة ومجسماتها الكبرى إلى أرباب شخصية، يتطلب أقواهم أن يسترضي على الدوام استرضاء لا يقل أحيانًا عن التضحية بالآدميين أنفسهم. وكان مجمع الآلهة مزدحمًا بهم: كان فيه اثنا عشر إلهًا ذكرًا، واثنتا عشرة إلهة أنثى؛ وكثير من مختلف المردة (الجوتون Jotun) وأرباب الأقدار (نورن Norn)،
[ ١٤ / ٣١٧ ]
ورسل الآلهة والساقون (الفلكيري Valkyries)، وبينهم عدد من العرّافات، وصغار العفاريت، والساحرات. فأما الآلهة فلم يكونوا أكثر من آدميين مبكرين، يولدون مثلهم، ويجوعون، وينامون، ويمرضون، وينفعلون، ويحزنون ويموتون؛ ولا يفوقون الآدميين إلا في أحجامهم، وطول أعمارهم، وعظيم قواهم. ومن هؤلاء أودين Odin (وودن Woden الألماني) أبو الآلهة كلهم، الذي كان يسكن بجوار بحر آزوف (آزاق) Azof في أيم قيصر، وهناك أنشأ أسجارد Asgard أو حديقة الأرباب لأسرته ومستشاريه واشتدت إليه الرغبة في تملك الأرضين ففتح بلاد أوربا الشمالية. على أنه لم يسلم من التحدي ولم يكن قادرًا على كل شيء، فقد عنفه لوكي Loki أشد التعنيف (٦٤)، وتجاهله ثور Thor ولم يعبأ به. فأخذ يزرع الأرض في طلب الحكمة، واشترى بأحد عينيه جرعة من ينبوع الحكمة. بم اخترع الحروف الهجائية، وعلم خلقة الكتابة، والشعر، والفنون، ووضع القوانين. وقبل أن تنتهي حياته على ظهر الأرض عقد جمعية من السويديين والقوط، وجرح نفسه في تسعة أماكن من جسمه، فمات ورجع أسجارد ليعيش فيها إلهًا.
وكان ثور في أيسلندة أعظم من أودين، فقد كان فيه إله الرعد، والحرب، والعمل، والقانون، وكلت السحب السوداء حاجبيه السوداوين، وكان الرعد صوته، والبرق مطرقته يلقي بها من السماء. وكان للشعراء الشماليين معه كثير من المزاح، كما يمزح اليونان مع هيفستوس Hephaestus وهرقل، ولعلهم قد أخذوا منذ ذلك الوقت البعيد يتشككون في آلهتهم تشكك هومر في آلهته، وكانوا يتمثلونه في جميع أنواع المآزق والأعمال الشاقة المضنية، ومع هذا فقد بلغ من حب الأيسلنديين له أن واحدًا من كل خمسة منهم تقريبًا كان يغتصب اسمه-ثورلف Throlf، ثورولد Thorwald، ثورشتين Thorstien …
وكان بلدور Baldur بن أودين عظيمًا في القصص وأقل مقامًا من أودين وثور
[ ١٤ / ٣١٨ ]
فيما يلقاه من العبادة. كان "ذا بهاء في صورته وملامحه … وكان أرق الآلهة، وأكثرهم حكمة، وأفصحهم لسانًا (٦٥)؛ وكادت هذه الصفات تغري المبشرين الأولين بأن يقولوا إنه هو المسيح عينه، ويقال إنه رأى حلمًا مزعجًا ينبئه باقتراب منيته، ولما قص هذا الحلم على الآلهة طلبت الإلهة فرجا Frigga إلى جميع أنواع الجماد، والحيوان، والنبات، أن تقسم أغلظ الإيمان ألا يمسه أحدها بسوء، فكان جسده الفخم المجيد بعد هذا القسم يطرد جميع الأجسام المؤذية، وكان الآلهة يسلون أنفسهم بأن يقذفوه بالحجارة والسهام، والفؤوس والسيوف، فكانت هذه الأسلحة كلها ترتد عنه، ولا تترك في جسده أثرًا. غير أن فرجا قد فاتها أن تأخذ عهدًا على "شجيرة صغيرة تدعى المقاس" (^١) ألا تمسه بسوء لأنها ظنتها أضعف من أن تؤذي إنسانًا ما. فما كان من لكي الوقح المحب للوقيعة بين الآلهة إلا أن قطع منها عسلوجًا، وأقنع إلهًا كفيفًا أن يلقيه على بلدور، ونفذ العسلوج في جسده فقضى عليه، ثم ماتت زوجته نب Nep من فرط حزنها عليه، وحرقت جثتها مع بلدور وجواده المطهم على كومة واحدة (٦٦).
وكان الفلكبري-الذين يختارون القتلى-هم الذين يحق لهم أن يحددوا أجل كل نفس. وكان الذين يموتون ميتة دنيئة يلفون في ممالك هل Hel، إلهة الموتى، أما الذين يموتون في ميدان القتال فيأخذهم الفلكيري إلى فلهلا Valhalla- " بهو الصفوة"، حيث يصبحون أبناء أدوين فيعودون مرة أخرى ذوي قوة وجمال، يقضون نهارهم في حروب البسالة وليلهم في شرب الجعة. ثم أتى حين من الدهر (كما تقول الأساطير الشمالية المتأخرة) أعلنت فيه الجوتون-شياطين الاضطراب والدمار الرهيبة-الحرب على الآلهة، وقاتلها قتالًا ملكت فيه هذه وتلك عن آخرها. وفي هذا العصر، عصر غسق الآلهة، تهدم الكون كله: ولم يقتصر هذا الدمار على الشمس، والكواكب، والنجوم،
_________________
(١) وتسمى أيضًا الدبق والدابوق Mistletoe (المترجم)
[ ١٤ / ٣١٩ ]
بل شمل في النهاية الفلهلا نفسها وجميع من فيها من المحاربين والأرباب، ولم يبق إلا الأمل وحده-الأمل في أن مر الوقت البطيء سوف تنشأ منه أرض جديدة، وسماء جديدة، وعدالة خير من العدالة السابقة، وآلهة أعظم من أودين وثور. ولعل هذه القصة العظيمة ترمز إلى انتصار المسيحية، وإلى الضربات الشديدة التي كالها المليكان أولاف Olafs من أجل المسيح، أو لعل شعراء الفيكنج قد أخذوا يشكون في آلهتهم ويوارونهم التراب.
تلك أساطير عجيبة لا تفوقها في جمالها وفتنتها إلا أساطير اليونان. وكانت أقدم صورة وصلت إلينا منها هي صورتها ي تلك القصائد العجيبة التي سميت خطأ باسم Edda (^١) . وخلاصة قصتها أن راهبًا كشف في عام ١٦٤٣ في مكتبة كبنهاجن الملكية مخطوطًا يحتوي عددًا من القصائد الأيسلندية القديمة، ووقع هذا الراهب في خطأ مزدوج فسماها إدا سيمند الحكيم The Edda of Saemund the Wise (حوالي عام ١٠٥٦ - ١٠٣٣) وهو عالم أيسلندي من رجال الدين. والباحثون الآن يجمعون على أن هذه القصائد قد كتبها في النرويج وأيسلندة، وجرينلندة كتاب غير معروفين في أوقات غير معروفة بين القرنين الثامن والثاني عشر، وأن سيمند ربما يكون قد جمعها ولكنه لم يؤلفها، وأن الإدا لم يكن اسمها. ولكن الزمن يقر الأخطاء كما يقر السرقات، ويوفق بين هذه الخطاء بأن يسمى القصائد الإدا الشعرية أو الإدا الكبرى. وهي في معظمها أغان قصصية عن الأبطال أو الآلهة الاسكنديناويين أو الألمان، وفيها نلتقي لأول مرة بسيجورد الفلسنجي Sigurd the Volsung وغيره من الأبطال
_________________
(١) وقد وردت هذه الكلمة أول ما وردت في جذاذة ترجع إلى القرن العاشر وتعد في هذه الجذاذة جدة الأم. وكان من عجائب الأيام أن أصبح معناها علم العروض النرويجي وان استعملها بهذا المعنى استري استرلسون حين كتب بهذا العنوان (١٢٢٢) رسالة عن الأساطير النرويجية ومن فن الشعر، وهذه الرسالة هي المعروفة لدينا باسم الإدا النثرية أو الصغرى.
[ ١٤ / ٣٢٠ ]
الذكور والإناث والأوغاد الذين قدر لهم أن يتخذوا صورة أوضح من صورتهم هنا في الفولسنجساجا Volungasaga والنيبلنجنليد Nibelungenlied وأعظم قصائد الإدا قوة هي قصيد الفلسيا Voluspa التي تصف فيها البنية فولفا في صورة فخمة قاتمة خلق العالم، وآخرته المنتظرة ثم بعثه في آخر الأمر. وتختلف عن هذه القصيدة في الأسلوب "أغنية الواحد الأعلى" التي يصوغ فيها أودين، بعد أن يمر بمختلف الظروف ويلتقي بجميع أنواع الناس، ما تمليه عليه حكمته من الأمثال ليست كلها من الأمثال الخليقة بالآلهة:
لقد طرقت أماكن كثيرة مبكرًا فوق أو ما يجب أو بعد فوات الأوان، قبل أن تعد الجعة أو بعد أن استنفدها الشاربون (٦٧) … خير أنواع السكر هو الذي يستعيد كل إنسان بعده قواه العقلية (٦٨). يجب ألا يثق الإنسان بأقوال فتاة ولا بأقوال امرأة، لا الخطيئة قد غرست في صدورهن (٦٩)؛ … هذا ما حدث لي حين حاولت إغواء تلك الغادة الفطنة؛ … ولم أكسب من هذه الغادة شيئًا (٧٠) … النهار يمدح في المساء، والسيف بعد أن يجرب، والمرأة بعد أن تحرق جثتها (٧١) … كثيرًا ما يعاقب الإنسان على الألفاظ التي يتحدث بها إلى غيره (٧٢) … واللسان هو سم الرأس (٧٣). تجنب النزاع مع من هو شر منك ولو اقتصر نزاعك معه على ثلاثة ألفاظ، وكثيرًا ما يستسلم خير الرجلين إذا ما ضر به شرهما (٧٤) … يجب أن يكون الإنسان حكيمًا في اعتدال وألا يسرف في الحكمة … لا تدع إنسانًا يعرف مصيره قبل حلوله، لأن عقله يأمن بذلك من المشاغل … إن ذا العقل قلّما يبتهج قلبه (^١) خير البيوت بيتك ولو كان صغيرًا (٧٧) … وخير المناظر منظر مصطلى الإنسان ومنظر الشمس (٧٨).
وأكبر الظن أن قصائد الإدا الكبرى قد ظلت يتناقلها الناس شفويًا حتى
_________________
(١) شبيه بهذا المعنى قول الشاعر العربي: ذو العقل يشق في النعيم بعقله، وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم (المترجم)
[ ١٤ / ٣٢١ ]
القرن الثاني عشر، ثم دونت في ذلك القرن. وكانت الحروف الهجائية في عصر الفيكنج هي حروف أوربا الشمالية كما كانت هي حروف ألمانيا وإنجلترا الأنجليسكسونية. وكانت هذه الرموز؛ ومعناها الحرفي "الأسرار الخفية") الأربع والعشرون تكون أبجدية أساسها بوجه عام هو الحروف اليونانية واللاتينية المطبعية المائلة. وكان في وسع الأدب في ذلك العصر أن يستغني عن الحروف، ذلك أن الشعراء والمغنين كانوا يؤلفون قصائدهم، ويحفظونها عن ظهر قلب، ويتلونها، ويتناقلها عنهم الناس شفويًا، وكانوا في هذه القصائد يتغنون بالآلهة التيوتونية و"عصر الأبطال" (من القرن الرابع إلى القرن السادس) الذي بسطت فيه الشعوب الألمانية سلطانها على أوربا. وقد احتفظ استرلسون وغيره من الكتاب بقطع صغيرة من هذه الأغاني، وبكثير من أسماء الشعراء. وأشهر هؤلاء كلهم هو سجفات ثوردارسون Sigvat Thordarsson الذي كان شاعرًا ومستشارًا صريحًا في بلاط سانت أولاف. وكان شاعر آخر يدعى إجيل اسكلاجرمسون Egil Skallagrimsson (٩٠٠ - ٩٨٣)، أشهر رجال زمانه في أيسلندة-كان محاربًا شجاعًا، وشريفًا فردي النزعة، وشاعرًا جياش العاطفة، وقد فقد في كبر سنه أصغر أولاده إذ مات غريقًا، وكاد يقضي عليه الحزن لولا أن أقنعته ابنته بأن يستعيض عن ذلك بكتابة قصيدة. فعمل بإشارتها وكتب قصيدتها المعروفة باسم "ثكل الابن" Sonartorrek التي يندد فيها بالآلهة ويتحداهم ويتهمهم بموت ولده. وهو يأسف لأنه لا يستطيع أن يعثر على أودين ليقاتله كما قاتل غيره من الأعداء. ثم يهدأ مزاجه حين يفكر أن الآلهة لم تسلط عليه الأحزان وكفى بل وهبته فوق ذلك ملكة الشعر، ثم يرضي بحظه فيعتزم أن يعيش ويعود إلى منزلته العالية في مجالس بلاده (٧٩).
وما من شك في أن آداب ذلك العصر تغالى في وصف ما كان يسود مجتمع الفيكنج من عنف، شأنها في ذلك شأن الصحافة والتاريخ اللذين يخدعان القارئ
[ ١٤ / ٣٢٢ ]
بالتحدث عما هو شاذ غير عادي ويهملان سير الحياة البشرية السوى. لكننا لا ننكر أن الظروف القاسية التي كانت تعيش فيها اسكنديناوة في الزمن القديم اضطرت الأهلين إلى أن يخوضوا معركة حامية في سبيل العيش لا يبقى فيها إلا أصلبهم عودًا، ومن أجل هذا نشأ عندهم من عادات النزاع القديم والأخذ بالثأر والقرصنة غي المقيدة في البحار المفتوحة، نشأ من هذه العادات قانون أخلاقي على غرار قانون نيتشة يدين بالشجاعة التي لا ترعى مبدأ ولا ضميرًا. قال فيكنج لصاحبه: "قل لي أي دين تؤمن به؟ " فأجابه بقوله "إني أومن بقوتي". وأراد جولد هارلد Golq Harald أن يكون له على عرش النرويج، ورأى أن يناله بالقوة، لكن صديقه هاكون نصحه بقوله: فكر في أمرك واعرف هل تستطيع أن تبذل من قوة الرجولة ما يحقق مطعمك، لأن نيل هذه الغاية يتطلب من صاحبها أن يكون جريئًا، ثابتًا، لا يحجم عن فعل الخير أو الشر إذا كان فيه ما يوصله إلى مطلبه" (٨١). ومن هؤلاء الناس من كانوا يجدون في القتال لذة تكاد تنسيهم آلام جراحهم، ومنهم من كان يعتريهم وجد ونشوة في القتال تعرف عندهم باسم برسركس جانجر berserksgangr أي "طريقة برسلك". وكان البرسركيون-أو أصحاب قمصان الدببة-مقاتلين يندفعون إلى قلب المعركة دون أن يكون على أجسامهم قمصان من الزرد، ثم يحاربون ويصرخون كالحيوانات المفترسة، ويعضون بأسنانهم على دروعهم وهم غضاب ثائرون، فإذا انقضت المعركة فقدوا وعيهم وخارت قواهم (٨٢). وكانت الفلهالا محرمة على غير الشجعان، ومن يمت في القتال من أجل جماعته تغفر له جميع خطاياه.
وهكذا تعود "رجال الفيوردات" شظف العيش والألعاب العنيفة، ثم ساروا في سفائنهم ذات المجاذيف يفتحون لهم ممالك في الروسيا، وبمبرانيا Pomerania، وفريزيا، ونورمندية وإنجلترا، وأيرلندة، وأيسلندة،
[ ١٤ / ٣٢٣ ]
وجرينلندة، وإيطاليا، وصقلية. ولم تكن هذه المغامرات غارات تقوم بها جموع من الجند كجهاد المسلمين أو طوفان المجر، بل كانت بمثابة اندفاع حفنات متهورة من الرجال يرون كل ضعف جرمًا؛ وكل قوة عملًا صالحًا، يشتهون الأرض، والنساء، والثراء، والسلطان، ويشعرون أن من حقوقهم المقدسة أن يكون لهم نصيب من ثمار الأرض. ولقد بدءوا حياتهم قراصنة واختتموها ساسة وحكامًا. فمنهم رولو Rollo الذي وهب نورمنديا نظامًا مبدعًا خلاّقًا، ومنهم وليم الفاتح الذي وهب إنجلترا هذا النظام نفسه، وروجر الثاني منشئه في صقلية. ولقد مزجوا دمهم الشمالي الجديد بدماء الشعوب التي أضعفتها الحياة الريفية الرتيبة فبعثوا فيها قوة ونشاطًا، إلا أن قلّما يفنى من لا يستحق الفناء، وإن احتراق نفايات الزروع ليخصب تربة الأرض ويجعلها أصلح مما كانت للزرع الجديد.
[ ١٤ / ٣٢٤ ]
الفصل السادس