ولم يتمكن ابنه لويس الثامن (١٢٢٣ - ١٢٢٦) في حكمه القصير من أن يفعل الشيء الكثير. وأهم ما يذكره به التاريخ أنه تزوج بلانش القشتالية Blanche of Castille، وأنه أنجب منها الرجل الوحيد في العصور الوسطى الذي أفلح كما أفلح أشوكا في الهند القديمة في أن يكون في واقع الأمر قديسًا وملكًا جميعًا. وكان لويس التاسع في الثانية عشرة من عمره، وكانت والدته في الثانية والثلاثين حين توفي لويس الثامن. وحافظت بلانش على ما يجري في عروقها من دم ملكي؛ فقد كانت ابنة ألفنسو التاسع Alfonso IX ملك قشتالة، وحفيدة هنري الثاني وإليانور الأكتانية، وكانت ذات جمال، وفتنة، ونشاط، وأخلاق قويمة، ومهارة فائقة. وكانت في الوقت عينه ذات أثر كبير في عصرها لما اتصفت به من الفضائل بوصفها زوجة وأرملة، وإخلاص لبنيها الأحد عشر. ولم تكن فرنسا تكرمها لأنها بلانش الملكة الصالحة Blanche la bonne reine فحسب، بل كانت تكرمها أيضًا لأنها بلانش الأم الصالحة Blanche la bonne mere. وقد أعتقت في حياتها كثيرين من أرقاء الأرض الذين يعملون في الضياع الملكية، وتصدقت بالأموال الكثيرة، وأدت من مالها البائنات لكثير من البنات التي يحول فقرهن دون تشجيع الشبان على حبهن. وأعانت بالمال بناء كنيسة شارتر Chartres الكبيرة. وبفضل نفوذها أظهر زجاج الكنيسة الملون العذراء مريم في صورة الملكة لا في صورة العذراء (٦٣). وكانت مفرطة في حب ابنها لويس، ولم تكن كريمة في معاملتها زوجته. وقد عكفت
[ ١٥ / ٢٢٨ ]
على تربيته على الفضائل المسيحية، وكانت تقول له إنها تفضل أن تراه ميتًا عن أن تراه يرتكب أحد الذنوب البشرية (٦٤). على أن أعمالها هذه لم تكن هي التي جعلت لويس رجلًا متدينًا مخلصًا لدينه؛ وذلك أنها هي نفسها قلما كانت تضحي بالسياسة في سبيل العاطفة؛ فقد انضمت إلى الحرب الألبجنسية الدينية، لكي تبسط سلطان التاج على فرنسا الجنوبية. وظلت تحكم المملكة تسع سنين (١٢٢٦ - ١٢٣٥) كبر في أثنائها لويس، وقلما استمتعت فرنسا بحكم خير من حكمها. وثار البارونات في بداية حكمها نائبة عن ولدها، ظنًا منهم أن في مقدورهم أن يستعيدوا من امرأة ما انتزعه فليب الثاني منهم من سلطات؛ ولكنها تغلبت عليهم بحكمتها وسياستها وطول أناتها؛ وقاومت إنجلترا مقاومة شديدة؛ ثم وقعت معها هدنة بشروط عادلة. ولما بلغ لويس التاسع سن الرشد، وتولى شئون الحكم، ورث مملكة قوية، مستمتعة بالسلم والرخاء.
وكان لويس شابًا وسيمًا، أطول من معظم الفرسان بمقدار طول رأسه، حسن الملامح دقيقها، أبيض لون البشرة، ذا شعر أشقر غزير، وكان ذا ذوق راق، مغرمًا بالأثاث الفخم المترف، والثياب الملونة؛ ولم يكن مكبًا على مطالعة الكتب، بل كان يميل إلى اقتناص الحيوان وصيد الطير، وضروب التسلية والألعاب الرياضية؛ ولم يكن قد أصبح بعد قديسًا، وشاهد ذلك أن راهبًا شكا بلانش من مغازلة ولدها للفتيات، فبحثت له عن زوجة، وعاش معها عيشة الهدوؤ والاستقرار، وأصبح مضرب المثل في وفاء الأزواج ونشاط الآباء. وكان له أحد عشر ولدًا كان له هو نصيب موفور في تربيتهم؛ فتخلى على الترف شيئًا فشيئًا، واعتاد بالتدريج عيشة البساطة المتزايدة، وصرف همه في شئون الحكم، والصدقات، والتقوى. وكان يرى أن الملكية أداة للوحدة القومية واتصالها، وحماية الفقراء والضعفاء من الأقلية العليا المحظوظة.
وكان يحرم حقوق النبلاء، ويشجعهم على الوفاء بالتزاماتهم لأرقاء الأرض،
[ ١٥ / ٢٢٩ ]
والأتباع، والسادة؛ ولكنه لا يطيق الاعتداء على سلطة الملك الحديثة العهد؛ ويمنع بعزيمته الماضية أن يقع ظلم من سيد على تابع. وكثيرًا ما أنزل أشد العقاب بالبارونات الذين قتلوا أتباعهم من غير محاكمة. ولما أن شنق إنجران ده كوسي Enguerrand de Coucy ثلاثة طلاب فلمنكيين لقتلهم بضعة أرانب برية في ضيعته، أمر لويس بسجنه في برج اللوفر، وهدده بالشنق، ولم يطلقه إلا بعد أن اشترط عليه أن يبني ثلاث كنائس صغيرة تتلى فيها الصلوات كل يوم لأرواح ضحاياه، وأن يهب الغابة التي صاد فيها الطلبة الشبان الأرانب لدير القديس نقولاس، وأن يفقد في مزرعته حق الصيد والحقوق القضائية، وأن يخدم ثلاث سنين في فلسطين، ويؤدي إلى الملك غرامة قدرها ١٢. ٥٠٠ جنيه (٦٥). وحرم لويس الثأر الإقطاعي والحروب الإقطاعية بين الأمراء، ونهي عن المبارزة بوصفها وسيلة من الوسائل القضائية … ولما حلت المحاكمة عن طريق الأدلة والبراهين محل القتال، تخلت محاكم البارونات عن مكانها شيئًا فشيئًا للمحاكم الملكية التي نظمها في كل مقاطعة مأمور الملك، وتقرر حق استئناف أحكام القضاة البارونات إلى محكمة الملك المركزية؛ وشهد القرن الثالث عشر في فرنسا، كما شهد في إنجلترا استبدال قانون الدولة العام بالقانون الإقطاعي. وقصارى القول أن فرنسا لم تنعم منذ أيام الرومان بما نعمت به في عهد لويس التاسع من أمن ورخاء؛ وحسبنا دليلًا على هذا أن ثروة فرنسا في أيامه بلغت من الوفرة درجة ارتفعت بها العمارة القوطية إلى أقصى حدود الكثرة والكمال.
وكان يعتقد أن في مقدور الحكومة أن تكون عادلة كريمة في علاقاتها الخارجية دون أن تفقد بذلك هيبتها وقوتها. وكان يتجنب الحرب أطول أكد مستطاع؛ فإذا لاح خطر الاعتداء عليه نظم جيوشه أحسن تنظيم، ووضع خططه الحربية، وقادها- في أوربا- بجد ومهارة نال بهما سلمًا كريمة لم تترك في نفوس أعدائه رغبة في الانتقام. وما كادت فرنسا تتأكد من سلامتها، حتى
[ ١٥ / ٢٣٠ ]
عمد الملك إلى سياسة المصالحة التي قبل بمقتضاها التوفيق بين الحقوق المتعارضة ورفض التهدئة الناشئة من إجابة المطالب غير العادلة. وقد رد إلى إنجلترا وأسبانيا أقاليم اغتصبها منهما أسلافه، وأسف لذلك مستشاروه، ولكنه ضمن بعمله هذا استتباب السلام، ونجت فرنسا من الهجوم حتى في أثناء غياب لويس في الحروب الصليبية. ويقول عنه وليم الشارتريسي William of Chartres إن "الناس كانوا يخشونه لأنهم موقنون بعدله" (٦٦). ولم تشتبك فرنسا من ١٢٤٣ إلى ١٢٧٠ في حرب مع عدو لها مسيحي؛ ولما أن أخذ جيرانها يحارب بعضهم بعضًا بذل لويس ما يستطيع من جهد للتوفيق بينهم، وسخر من قول مجلسه إن من الواجب إثارة هذا النزاع لكي تضعف بذلك قوة من قد يصبحون أعداءه في مستقبل الأيام (٦٦). وكان الملوك الأجانب يحكمونه فيما يشجر بينهم من نزاع، وكان الناس يعجبون كيف يستطيع هذا الرجل الصالح أن يكون ملكًا صالحًا.
ولم يكن لويس "ذلك الوحش الكامل الذي لم يعرفه العالم قط"- أي الرجل المبرأ من جميع العيوب. فقد كان يغضب أحيانًا، ولعل سوء صحته هو سبب غضبه. وكانت سذاجته تصل في بعض الأحيان إلى حد الجهالة أة السذاجة اللتين يستحق عليهما أشد اللوم، ودليلنا على ذلك ما ارتكبه من خطأ شنيع إذ تورط في الحروب الصليبية والمعارك الخاسرة في مصر وتونس، حيث ضاعت أرواح كثيرة فضلًا عن روحه هو؛ ومع أنه راعى واجب الشرف والأمانة في معاملته أعداءه المسلمين، فإنه لم تطاوعه نفسه على أن يطبق في معاملته إياهم روح التفاهم الكريم الذي نجح به أيما نجاح مع أعدائه المسيحيين. وقد دفعه إيمانه الديني القوي الشبيه بإيمان الأطفال إلى درجة من عدم التسامح الديني ساعدت على إنشاء محكمة التفتيش في فرنسا، وهدأت ما تنطوي عليه نفسه من رحمة نحو ضحايا الحرب الصليبية الألبجنسية. وقد امتلأت خزائنه بالبضائع
[ ١٥ / ٢٣١ ]
والأموال التي صادرها من المارقين الذين حكم بإدانتهم (٦٨)، وقد خانته روحه المرحة وفكاهته في معاملته اليهود الفرنسيين.
فإذا أسقطنا من صحيفته هذه العيوب رأينا أنه قد اقترب قربًا يشرفه من المثل المسيحي الأعلى، انظر إلى ما يقوله عند جرانفيل Joinville " لم أسمعه قط في يوم من أيام حياتي يقول قالة السوء عن أي إنسان" (٦٩). ولما أن قبل آسروه المسلمون خطأ منهم عشرة آلاف جنيه فرنسي (أي نحو ٢. ٨٠٠. ٠٠٠ ريال أمريكي) أقل من الفدية المتفق عليها، أرسل لويس بعد أن أطلق سراحه جميع القدر الناقص من مال الفداء، وأغضب بذلك مستشاريه (٧٠). وقبل أن يغادر البلاد للقتال في حربه الصليبية الأولى، أمر موظفيه في جميع أنحاء مملكته "أن يتلقوا كتابة، وأن يحققوا، كل ما عساه أن يقدم فينا أو في أسلافنا من الشكاوي. وكذلك جميع ما يقام على مأمورينا أو محافظينا أو حراس غاباتنا، أو رؤساء جنودنا أو مرءوسيهم من دعاوى خاصة بمظالم ارتكبوها أو اغتصاب للأموال" (٧١). ويقول جوانفيل "وكثيرًا ما كان يخرج بعد الصلاة، ويجلس مستندًا إلى شجرة في غابة فنسن Vincenne ويأمرنا بالجلوس حوله. ويقبل عليه كل من له مظلمة ويتحدث إليه دون أن يحول بينه حائل أو يقدمه حاجب". ثم يفصل في بعض القضايا بنفسه، ويحيل بعضها إلى مستشاريه الجالسين حوله، ولكنه كان يعطى كل شاك حق استئناف الحكم للملك نفسه (٧٢). وقد أنشأ المستشفيات والملاجئ، والأديرة، والمضايف للغرباء، وبيتًا للمكفوفين، وآخر للعاهرات التائبات "بنات الله"؛ وأمر عماله في كل مقاطعة أن يبحثوا عن العجزة والفقراء، وينفقوا عليهم من الأموال العامة. وكان أينما سار يجعل من مبادئه المقررة أن يطعم مائة وعشرين فقيرًا في كل يوم. وكان يأمر بأن يجلس معه على مائدته ثلاثة منهم، يتولى هو تقديم الطعام لهم ويغسل بنفسه أقدامهم (٧٣). وكان يفعل ما يفعله هنري الثالث ملك إنجلترا فيقف على المائدة في خدمة المجذومين، ويطعمهم بيديه. ولما حل القحط
[ ١٥ / ٢٣٢ ]
بنورمندية، أنفق الأموال الطائلة في توفير الطعام للمحتاجين من أهلها. وكان يقدم الصدقات كل يوم للمرضى، والفقراء، والأرامل، والنساء اللاتي في حالات النفاس، والعاهرات، والعاجزين من العمال "حتى ليتعذر علينا أن نحصى صدقاته" (٧٤). ولم يكن ليفسد هذه الصدقات بإذاعتها بين الناس. وكان الفقراء الذين يغسل أقدامهم يختارون من بين المكفوفين، وكان يعمل عمله هذا خفية، ويقال لهؤلاء إن الملك هو الذي يخدمهم. ولم يكن أحد من الناس يعرف زهده وتعذيبه نفسه حتى شوهدت آثارهما على جسمه بعد وفاته (٧٥).
وأصيب أثناء حروبه في عام ١٢٤٢ بالملاريا في مناقع سانتوج Saintonge؛ وأسفر هذا المرض عن إصابته بفقر دم خبيث، وأوشك على الموت في عام ١٢٤٤. ولعل هذه المصائب قد زادت روحه الدينية تدريجًا، فإنه ما كاد يشفي من مرضه حتى أقسم أن يشن الحرب الصليبية، وأضعف صحته بانهماكه في زهده وتعذيب نفسه. ولما عاد من حربه الصليبية الأولى ولما يتجاوز الثامنة والثلاثين من عمره كان قد انحنى جسمه وأصابه الصلع، ولم يبق من نضرة شبابه وجماله إلا ما يخلعه عليه إيمانه الساذج من خلق جميل وإرادة طيبة. وكلن يرتدي قميصًا من الشعر، تحت مئزر الرهبان الرمادي، ويأمر بأن يضرب بسلاسل صغيرة من الحديد، ويحب طائفتي الرهبان الجديدتين- الفرنسسكان والدمنيكان، ويهبهم المال بلا حساب، ولم يمتنع عن أن يكون هو راهبًا فرنسسكانيا إلا بعد جهد جهيد. وكان يحضر الصلوات مرتين كل يوم، ويتلو الأدعية المقررة أدعية الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة ودعاء المساء، ويتلو صلاة العذراء (^١) خمسين مرة قبل أن يأوي إلى فراشه، ويصحو في منتصف الليل لينضم إلى قساوسته في صلاة السحر في كنيسة قصره (٧٦). وكان يمتنع من مباشرة زوجه في صيام الميلاد
_________________
(١) Ave Maria ومطلعها "السلام لك يا مريم". المترجم
[ ١٥ / ٢٣٣ ]
والصوم الكبير. وبلغ من تمسكه بشعائر الدين أن كان معظم رعاياه يبتسمون من تقواه ويلقبونه "الأخ لويس". وقالت له امرأة جريئة: "إن من الخير أن يكون في مكانك ملك غيرك، فلست أنت إلا ملك الفرنسسكان والدمنيكان … إن من العار أن تكون أنت ملك فرنسا، ومن أعجب العجائب ألا يخلعوك". فأجابها لويس بقوله: "لقد قلت حقًا … فلست خليقًا بأن أكون ملكًا .. ولو أراد منقذنا لوضع في مكاني رجلًا غيري يعرف خيرًا مني كيف يحكم المملكة" (٧٧).
وكان شديد التحمس لخرافات أهل زمانه ويشاركهم فيها. من ذلك أن دير القديس دنيس كان يدعي أن لديه مسمارًا من الصليب الحق، وحدث أن وضع المسمار في غير موضعه بعد احتفال عرض فيه على الشعب؛ فثارت لهذا الحادث ضجة كبيرة، ثم وجد المسمار وارتاح الملك كثيرًا لوجوده، حتى قال: "لقد كان خيرًا لي من هذا أن تبتلع الأرض أحسن مدينة في ملكي" (٧٨). وفي عام ١٢٣٦ احتاج بولدون الثاني إمبراطور القسطنطينية إلى المال لينقذ دولته المتداعية، فباع للويس تاج الأشواك الذي لبسه المسيح في آلامه بأحد عشر ألف جنيه فرنسي (٢. ٢٠٠. ٠٠٠ ريال أمريكي). واشترى لويس من الدلال نفسه بعد خمس سنين من ذلك الوقت قطعة من الصليب الحقيقي، ولربما كان المقصود بهذا الشراء وذاك أن يكون المال هبة من لويس لدولة مسيحية تفرج به أزمتها. وأمر لويس بطرس المنتربلي Peter of Montreuil ليبنى سينت شابل Sainte Chapelle ليُودع فيها هذان الأثران.
ولم يكن لويس رغم صلاحه هذا أداة طيعة في أيدي رجال الدين، فقد كان يدرك ما في طبيعتهم البشرية من عيوب، ويعاقبهم عليها بالقدوة الطيبة والتقريع العلني (٧٩). وقد قيد سلطات المحاكم الكنسية، وبسط سلطة القانون على جميع المواطنين، سواء كانوا من رجال الدنيا أو من رجال الدين، وأصدر في عام
[ ١٥ / ٢٣٤ ]
١٢٦٨ أول الأوامر العالية التي قيد بها حق البابا في تعيين أصحاب المناصب الدينية وجباية الضرائب في فرنسا: "تقرر أنه لا يجوز لأحد أن يفرض أو يجبى بأية طريقة كانت فروضًا أو ضرائب مالية فرضتها محكمة روما … إلا إذا كانت القضية معقولة، متفقة مع أصول الدين، وعاجلة جدًا … ونالت موافقتنا الصريحة من تلقاء أنفسنا، وموافقة كنيسة مملكتنا" (^١).
وقد بقي لويس الملك على الدوام رغم زهده وميوله الدينية؛ ولقد حافظ على جلال الملك حتى ساعة أن ظهر واقفًا على قدميه، ومرتديًا ثياب الحاج، وبيده عصا الحاج ليبدأ حربه الصليبية الأولى (١٢٤٨). وهو صاحب "الجسم الرفيع" النحيل، والوجه الشبيه بوجوه الملائكة الأطهار، والمحيا المليء بشرًا وسماحة" (٨١) كما يصفه فراسلمبين Fra Salimbene. وقد بكت الملكة بلانش وهو يفارقها بعد أن أنابها عنه في البلاد وإن كانت في سن الستين وقالت: "يا أحب الأبناء وأجملهم، يا أجمل الأبناء وأرقهم قلبًا، إني لن أراك بعد اليوم" (٨٢). وأسر لويس في مصر، وظل في الأسر حتى افتدي بمبلغ من المال جمعته بلانش بعد عناء كبير، ولكنه لما عاد إلى فرنسا مهزومًا ذليلًا وجد أن أمه قد توفيت. ثم أقدم في عام ١٢٧٠ رغم ضعفه ومرضه على حرب صليبية أخرى ونزل هذه المرة في تونس. ولم تكن هذه مغامرة جنونية سخيفة كما بدت للناس بسبب خيبتها. ذلك أن لويس قد سمح لأخيه شارل دوق أنجو أن يقود جيشًا فرنسيًا إلى إيطاليا، وكان يبغي من وراء هذا أن يضعف سيطرة الألمان عليها، ويرجو أن يتخذ صقلية قاعدة تغزو بها فرنسا بلاد تونس، وبعد أن وصل المحارب العظيم المحطم الجسم الصغير السن إلى أرض تونس، مات بزحار البطن.
_________________
(١) ملمان Milman في ص ١١٩ من المجلد السادس من كتاب "تاريخ المسيحية اللاتينية History of Latin Christianiy". والرأي السائد أن هذا القرار صحيح من الوجهة التاريخية (٨٠)، ولكن ربما كان المدافعون عن فليب الرابع قد اخترعوه من عندكم ليكون سلاحًا يشهرونه في وجه بنيفاس الثامن. أنظر دائرة المعارف الكاثوليكية في اسم لويس التاسع.
[ ١٥ / ٢٣٥ ]
وسلكته الكنيسة بعد سبع وعشرين سنة من موته في عداد القديسين. وظل الناس بعد وفاته أجيالًا وقرونًا يرون أن حكمه هو العصر الذهبي في تاريخ فرنسا، ويعجبون كيف لا تتيح الأقدار التي لا يفقهون تصريفها لأمور البشر ملكًا آخر لفرنسا يماثله. ذلك أنه كان ملكًا مسيحيًا بحق.