وأخذت أهداف فردريك البعدية الواسعة المدى تزداد وضوحًا كلما تقادم حكمه في فوجيا: كان يبغي أن يبسط سلطانه على إيطاليا بأجمعها؛ وأن يوحد إيطاليا وألمانيا تحت سلطان الإمبراطورية الرومانية بعد أن يعيدها إلى الوجود، ولعله كان يبغي أيضًا أن يجعل روما كما كانت قبل عاصمة العالم الغربي السياسية والدينية معًا. ولما أن دعا الأعيان الإيطاليين والمدن الإيطالية إلى مجمع في كرمونا Cremona عام ١٢٢٦ كشف عن أغراضه بأن أرسل الدعوة أيضًا إلى دوقية اسبليتو، وكانت وقتئذ ولاية بابوية، وبأن سير جنوده في أراضي البابوات. وأمر البابا أعيان اسبليتو ألا يحضروا الاجتماع. وارتابت مدن لمباردية في الدعوة فرأت فيها وسيلة يبغي بها فردريك أن يخضعها للإمبراطور خضوعًا حقيقيًا لا خضوعًا اسميًا فحسب، فأبت أن ترسل مندوبين عنها إلى الاجتماع؛ ولم تكتف بهذا بل ردت على هذه الدعوة بأن ألفت العصبة اللمباردية الثانية التي تعهدت فيها مدائن ميلان، وتورين، وبرجامو، وبرشيا، ومانتوا، ويولونيا، وفيسنزا،
[ ١٥ / ٢٩٠ ]
وقيرونا، وبدوا، وتافيزو أن تعقد فيما بينها حلفًا دفاعيًا هجوميًا يدوم خمسًا وعشرين سنة؛ وبهذا لم يجتمع المجمع قط.
وخرج هنري على أبيه فردريك في عام ١٢٣٤، وتحالف مع العصبة اللمباردية، فركب فردريك من جنوبي إيطاليا إلى رمز Worms وليس معه جنود، بل كان معه بدلًا منهم مال كثير؛ وخمدت الفتنة حين ترامت إلى القائمين بها أخبار قدومه أو حين مست أيديهم ذهبه؛ وزج هنري في السجن، وظل يكتوي بناره سبع سنين؛ وبينما كان ينتقل إلى مكان آخر يحبس فيه، عدا بجواده فوق جرف عال وهوى إلى أسفله جثة هامدة. وواصل فردريك سيره إلى مينز، ورأس فيها مجمعًا، أقنع فيه كثيرين من النبلاء الحاضرين أن ينضموا إليه في حملة يعيد بها سلطة الإمبراطورية على لمباردية. واستطاع بفضل هذه المعونة أن يهزم جيش العصبة اللمباردية (١٢٣٧)؛ واستسلمت له جميع مدنها ما عدا ميلان وبريشيا، وعرض جريجوري التاسع وساطته بين الطرفين، غير أنه لم يكن من المستطاع التوفيق بين آمال فردريك في الوحدة وحب الإيطاليين الحرية.
وقرر جريجوري في هذه الساعة الفاصلة أن ينضم إلى جانب العصبة، وأن يجعل مصير سلطة البابوات الزمنية موقوفة على نتيجة هذه الحرب، مع أنه كان وقتئذ رجلًا مريضًا في سن التسعين. ولم يكن جريجوري مولعًا بحب المدن اللمباردية، فقد كان مثل فردريك يرى أن حريتها هي الطريق المؤدي إلى النزاع والفوضى، ويعرف أنها تأوي الملحدين الذين يعارضون جهرة في ثروة الكنيسة وسلطته الزمنية. وفي هذا الوقت بالذات كان الملحدون من أهل ميلان المحاصرة يدنسون مذابح الكنائس ويقلبون الصلبان التي تحمل صورة المسيح (٤٥). ولكن جريجوري كان يعتقد أنه إذا تغلب فردريك على هذه المدن، ابتلعت إيطاليا الموحدة الولايات البابوية، وتألفت منها كلها إمبراطورية موحدة يسيطر عليها عدو للمسيحية وللكنيسة. ولهذا أقنع جريجوري مدينتي البندقية وجنوى
[ ١٥ / ٢٩١ ]
بالانضمام إليه هو والعصبة في حرب يشنها على فردريك؛ ثم اصدر منشورًا عامًا شديد اللهجة، اتهم فيه فردريك بالكفر، والتجديف، والاستبداد، وبالرغبة في القضاء على سلطة الكنيسة، ثم حرمه في عام ١٢٣٩، وأمر كل مطران من مطارنة الروم الكاثوليك أن يعلن أنه خارج على القانون، وأعفي رعاياه من يمين الولاء التي اقسموها له. ورد فردريك على هذا برسالة دورية بعث بها إلى ملوك أوروبا ينفي فيها تهمة الكفر، ويتهم البابا بأنه يريد أن يخضع جميع الملوك لسلطان البابوية، وأخذ النزاع الأخير بين الإمبراطورية والبابوية يجري في مجراه.
وأظهر ملوك أوروبا عطفهم على فردريك، ولكنهم لم يهتموا بما طلبه إليهم من معونة. كذلك انحاز أعيان ألمانيا وإيطاليا إلى جانبه، لأنهم كانوا يرجون أن يعيدوا مدنهما إلى طاعتهم الإقطاعية؛ أما في المدن نفسها فقد انحازت الطبقتان الوسطى والدنيا بوجه عام إلى جانب البابا، وعادت إلى الوجود عبارتا ويبلنج وولف Waibling and Welf بعد أن تحولتا إلى لفظي جبلين وجلف Ghibelline and Gulf ليدل أول اللفظين على أنصار الإمبراطورية، والثاني على المؤيدين للبابوية. ولم تخل روما نفسها من هذا الانقسام، فقد كان فيها كثيرون من المؤيدين لفردريك؛ ولما أن اقترب من روما بجيش صغير أخذت المدن واحدة بعد واحدة تفتح له أبوابها لأنها رأت فيه قيصرًا ثانيًا. وتوقع فردريك أن يلقي القبض عليه، فاخترق العاصمة على رأس موكب حزين من رجال الدين. وتأثرت قلوب الرومان بشجاعة البابا الشيخ وضعفه، وعمد الكثيرون منهم إلى أسلحتهم للدفاع عنه. ولم يشأ فردريك أن يحسم الموقف في ذلك الوقت فمر بروما جون أن يعرج عليها وقضى الشتاء في فجيا.
وكان قبل ذلك قد أقنع الأمراء الألمان بأن يتوجوا ابنه كنراد ملك الرومان (١٢٣٧)، ووضع زوج ابنته على رأس حكومة فيسنزا، وبدوا،
[ ١٥ / ٢٩٢ ]
وتريفيزو، كما وضع على رأس حكومة المدن الأخرى التي استسلمت له إنزيو أحب أبنائه إليه وهو "صورة منا في وجهه وقوامه"، فقد كان وسيمًا، فخورًا، مرحًا، شجاعًا في الحرب، بارعًا في قول الشعر. واستولى الإمبراطور على رافنا وفائنزا في عام ١٢٤٠، وخرب في عام ١٢٤١ بنفنتو مركز القوات البابوية. واعترض أسطوله قافلة بحرية من جنوى تنقل إلى روما طائفة من الكرادلة، والمطارنة، ورؤساء الأديرة، والقساوسة الفرنسيين والأسبان والإيطاليين، وحجزهم فردريك في إبوليا ليتخذهم رهائن يساوم بهم؛ وما لبث أن أطلق الفرنسيين منهم، ولكنه أطال احتجاز الباقين، ومات عدد منهم في السجن، فارتاعت أوروبا التي طالما رأت أن رجال الدين محصنون يجب ألا يعتدي عليهم، وكثر وقتئذ عدد الذين يعتقدون أن فردريك هو المسيح الدجال الذي تنبأ بظهوره يواقيم الفلوري Joochim of Flora الصوفي منذ بضع سنين. وعرض فردريك أن يطلق رجال الدين إذا رضي جريجوري أن يعقد معه الصلح ولكن البابا لم يتزحزح عن موقفه إلى يوم مماته (١٢٤١).
وكان إنوسنت الرابع أكثر مسالمة من سلفه، فقد وافق بتحريض القديس لويس على شروط الصلح (١٢٤٤)، ولكن مدن لمبارديا امتنعت عن التصديق على الاتفاق، وذكرت إنوسنت بأن جريجوري قد تعهد بألا تعقد البابوية صلحًا منفردًا مع فردريك. وغادر إنوسنت روما سرًا، وهرب إلى ليون Lyons، وواصل فردريك الحرب، وبدا أن ليس ثمة قوة تستطيع منعه من فتح الولايات البابوية وضمها إلى دولته وإقامة سلطانه في روما. ودعا إنوسنت رجال الدين إلى مجلس عقد في ليون، وكرر هذا المجلس حرمان الإمبراطور وخلعه لأنه رجل فاسد الأخلاق، عاق، وتابع عديم الولاء لسيده البابا الذي يقر بسيادته عليه (١٢٤٥). واختار النبلاء الألمان، بتحريض البابا، هنري رابس Henry Rapse إمبراطورًا بدل فردريك، فلما مات نادوا بوليم الهولندي William of Holland
[ ١٥ / ٢٩٣ ]
خلفًا له. وأصدر البابا قرارًا بحرمان كل من يساعد فردريك، وحرمت الخدمات الدينية في كل الأقاليم الموالية له؛ وأعلنت عليه هو وإنزيو حربًا صليبية، ومنح الذين حملوا الصليب للقتال في فلسطين إذا اشتركوا في قتال الإمبراطور الكافر جميع المزايا التي تمنح الصليبيين.
وأطلق فردريك العنان لحقده وشهوة انتقامه، وأقدم على أعمال قطعت عليه خط الرجعة. فأصدر "منشورًا للإصلاح" يعلن فيه أن رجال الدين "عبيد للدنيا منهمكون في ملذاتهم، لم تبق ثروتهم المتزايدة على شيء من تقواهم" (٤٦). ثم صادر ما للكنيسة من أملاك في الصقليتين ليستخدم ثمنها في حربه، ولما أن تزعمت بلدة في أبوليا مؤامرة للقبض عليه، أمر برؤساء المتآمرين فاقتلعت عيونهم وبترت أعضاءهم ثم قتلوا. ولما أن استنجد به ابنه كنراد، اتخذ سبيله إلى ألمانيا، ولكنه علم وهو في تورين أن بارما قد انتقصت على حاميته التي بها، وأن الخطر محدق بإنزيو، وأن الثروة قد اندلع لهيبها في إيطاليا الشمالية كلها وصقلية نفسها، فأخذ يقلم أظفار فتنة بعد فتنة في مدينة تلو مدينة، ويأخذ الرهائن من كل واحدة منها، ويقتل أولئك الرهائن حين تثور عليه مدنهم. وإذا وجد في الأسرى رسلًا للبابا أمر بقطع أيديهم وأرجلهم (٤٧).
وبينما كان الحصار مضروبًا على بارما سئم فردريك طول البطالة فخرج هو وإنزيو وخمسين من الفرسان لصيد طيور الماء في المستنقعات المجاورة للمدينة. وبينما هم في صيدهم خرج رجال بارما ونساؤها على المحاصرين وهجموا عليهم هجوم اليائيسين، فتغلبوا على قوات الإمبراطور المختلة النظام المعدومة القيادة، واستولوا على أموال الإمبراطور وحريمه ووحوشه، فما كان منه إلا أن فرض ضرائب فادحة، وجهز جيشًا جديدًا، وواصل القتال. وجاءته الأنباء بأن بيرو دلي فجني وزيره الأول وموضع ثقته قد غدر به وأخذ يدبر المؤامرات ضده؛ فأمر بالقبض عليه وفقء عينيه، فما كان من بيرو بعد أن فعل به هذا إلا أن أخذ يضرب
[ ١٥ / ٢٩٤ ]
برأسه جدران سجنه حتى مات (١٢٤٩). وجاءته الأنباء في تلك السنة نفسها أن سكان بولونيا قد أسروا إنزيو في المعركة التي قامت عند لافسالتا La Fossaalta، وحدث في الوقت عينه أن حاول طبيب فردريك أن يقتله بالسم؛ وحطمت هذه الضربات المتوالية السريعة روح الإمبراطور، فارتد إلى أبوليا ولم يشترك بعدئذ في الحرب القائمة. وانتصر قواده في عدة معارك عام ١٢٥٠، ولاح أن الحظ قد عاد يواتيه. فقد طلب القديس لويس وهو في أسر المسلمين في مصر إلى إنوسنت الرابع أن يضع حدًا للقتال حتى يستطيع فردريك أن يخف لنجدة الصليبيين. ولكن صحة الإمبراطور أخذت في الوهن ولم تفدها هذه الآمال المنعشة، فقد حطم الزحار - وهو البلية التي طالما أذلت ملوك العصور الوسطى -، جسم الإمبراطور المتغطرس. وطلب أن تغفر له ذنوبه، فأجيب إلى طلبه، ولبس الإمبراطور الملحد مسوح الرهبان السسترسيين، ومات في فلورنتينو في الثالث عشر من ديسمبر سنة ١٢٥٠. وتهامس الناس بأن روحه قد حملتها الشياطين واخترقت بها فوهة بركان إتنا إلى الجحيم.
ولم يظهر بعد موته ما له من نفوذ، فسرعان ما انهارت إمبراطوريته، وتفشت فيها الفوضى أشد مما كانت عليه حين جلس على عرشها. واختفت الوحدة التي قضي حياته يحارب من أجلها حتى من ألمانيا نفسها، وسارت المدن الإيطالية في ركب الحرية وقوتها الناشطة المبدعة، وسلكت طريق الفوضى، فأدى بها إلى استبداد الأدواق والزعماء اللصوص الذين ورثوا، وهم لايكادون يدركون، فساد فردريك الخلقي، وحريته الفكرية، ومناصرته الآداب والفنون. والحق أن ما كان يتصف به طغاة عصر النهضة من ذكاء قوى مجرد من الضمير كان صدى لخلق فردريك وعقله خاليًا من ظرفه وفتنته. وإنا لنستبين في تفكير فردريك وفي حاشيته حلول الكتب اليونانية والرومانية القديمة محل الكتاب المقدس، والعقل محل الإيمان، والطبيعة محل الله، والضرورة محل العناية الإلهية،
[ ١٥ / ٢٩٥ ]
ثم استولت هذه النزعة بعد فترة من الاستمساك بالدين على عقول فلاسفة النهضة وكتابها الإنسانيين. وملاك القول أن فردريك كان "رجل النهضة" قبل أن يحل عهد النهضة بمائة عام. نعم إن مكيفلي كان يتحدث في كتاب الأمير وفي عقله سيزاري بورجيا Coesar Borgis ولكن فردريك هو الذي مهد السبيل لفلسفة كتاب الأمير. وكذلك كان نتشة ينظر بعين فكره إلى بسمارك ونابليون، ولكنه لم يكن ينكر أثر فردريك - "أول من يوافق هواي من الأوروبيين" (٤٨). وقد ارتاعت الأجيال التي جاءت بعده بأخلاقه، وافتتنت بعقله، وقدرت بعض التقدير عظمة مطامعه الإمبراطورية، فوصفته المرة بعد المرة بالصفات التي ابتدعها ماثيو باريس حين قال عنه إنه الرجل "العجيب الذي بدل العالم وأثار عجبه Super mundi et immutator mirabilis".
[ ١٥ / ٢٩٦ ]
الفصل السادس