ظلت الأراضي المنخفضة الجنوبية، أو الأسبانية، حتى ١٧١٣ خاضعة للحكم الأسباني وكانت شعوبها المختلفة سلاليًا يدين معظمها بالكاثوليكية وقد آثرت أن تخضع لأسبانيا النائية التي حل بها الضعف، عن أن تخضع للبروتستانت الذين في شمالها، أو لجارتها فرنسا التي هددت بابتلاعها في أي لحظة. وقد أعطى صلح البرانس (١٦٥٩) معظم أرتوا لفرنسا، وأعطاها صلح إكس لاشابل (١٦٦٨) دويه وتورنيه، وصلح نيميجن (١٦٧٨) فالنسين وموبوج وكمبري وسانت أومير وابير. ولم تكن الجمهورية
_________________
(١) أرجأنا تاريخ الأراضي المنخفضة السياسي والحربي بعد ١٦٨٨ إلى فص تالٍ (الفصل ٢٤).
[ ٣١ / ٢٥١ ]
الهولندية أقل قسوة من الملكية الفرنسية. وبمقتضى معاهدة وستفاليا (١٦٤٨) لم تكتف أسبانيا، في حرصها على إطلاق يد جيوشها لتفرغ للحرب المتصلة مع فرنسا- لم تكتف بأن تنزل للأقاليم المتحدة عن المناطق التي استولت عليها في فلاندر، وليمبورج، وبرابانت، ولكنها وافقت كذلك على قفل نهر الشلت في وجه التجارة الأجنبية. فأصاب هذا الإذلال الخانق أنتورب وكل اقتصاد الأراضي المنخفضة الأسبانية بالشلل. "إن السياسة لا قلب لها" كما يقولون.
وفي داخل هذه الأسوار المعادية اعتزت هذه البلاد التي نعرفها اليوم باسم بلجيكا بثقافتها المتوارثة، ورحبت باليسوعيين، وتبعت قيادة لوفان الفكرية. ولما قصف الفرنسيون بروكسل بمدافعهم (١٦٩٥) تحول قسم كبير من المدينة أطلالًا، ودمر كل المعمار البديع الذي ازدان به الميدان الكبير، اللهم إلا قاعة للحرفيين والأوتيل دفيل البديع، وقد أعيد بناء "الميزون دورا" (الذي كان يقرأ فيه الخطاب الملكي على مجلس الطبقات) بطراز قوطي كثير الزخرف (١٦٩٦)، وهو والأوتيل دفيل من أجمل العمائر في أوربا اليوم. وقد أفاض النحاتون من فنهم على تجميل واجهات الكنائس والمباني المدنية، والمنابر، ومقاصير الاعتراف، والمقابر التي بداخل الكنائس. وواصلت بروكسل صنع النسيج المرسوم البديع (١).
واضمحل التصوير الفلمنكي اضمحلالًا حادًا بعد روبنز وفانديك، وكأن حياة هذين الفنانين قد استنفدت العبقرية التصويرية لقرن كامل. واجتذب نهوض الفن في فرنسا وازدياد ثرائها الكثير من الرسامين الفلمنك أمثال فيليب دشامبين. ولكن فنانًا أعظم منه، وهو دافيد تنييه الابن، مكث في بلده. وكان أبوه قد تولى تعليمه، فأصبح "معلمًا" في طائفة القديس لوقا الحرفية حيث بلغ الثالثة والعشرين، وبعد أربع سنوات (١٦٢٧) ضمن نجاحه بالزواج من آن بنت جان روجن "المخملي"،
[ ٣١ / ٢٥٢ ]
والقاصر الموضوعة تحت وصاية روبنز ذاته. وفي ١٦٥١ دعاه الأرشيدوق ليوبولد وليم من أنتوب إلى بروكسل ليكون مصور البلاط وأمين المتحف الملكي، وترينا إحدى لوحات تنييه الأرشيدوق والمصور بين صور هذا المتحف (٢). وقد صور في براعة مترددة موضوعات قديمة كالابن الضال (٣) وتجربة القديس أنطونيوس (٤). ولكنه كمعاصريه الهولنديين آثر أن يلتقط داخل إطارات صغيرة حياة الفلاحين، لا هابطًا بهم إلى درك الأنعام كما فعل بيتر بروجن، بل مشاركًا إياهم في رباضتهم وأعيادهم. وأظهرت لوحته "داخل كاباريه" إلمامه بتفاصيل موضوعه (٥)، لكنه كان يستطيع أيضًا أن يرسم المناظر الطبيعية الريفية التي تغير هيئتها سماء لا تكف عن التغير. وقد أحب الضوء كما أحب رمبرانت الظل، والتقطه على فرشاته برقة حساسة لم تفها رقة.