بعد أن أطاح البيوريتانيون (المتطهرون) برأس الملك شارك الأول، في ٣٠ يناير ١٦٤٩، واجهوا مشاكل إقامة حكومة جديدة واستعادة أمن الناس على حياتهم وممتلكاتهم، في إنجلترا التي أشاعت فيها الفوضى والاضطرابات الحرب الأهلية التي دامت سبع منين. ونادى " البرلمان المبتور " Rump. P- وهم الأعضاء الستة والخمسون النشطون الذين بقوا من البرلمان الطويل بعد " حركة تطهير برايد " (١٦٤٨) - بأن لمجلس العموم السيادة والمقام الأول، وان فيه الكفاية، وألغى مجلس اللوردات (٦ فبراير ١٦٤٩)، كما ألغى الملكية، وعين بمثابة جهاز تنفيذ له " مجلسا للدولة " يتألف من ثلاثة لواءات وثلاثة نبلاء وثلاثة قضاة وثلاثين من أعضاء مجلس العموم، كلهم مستقلون- أي بيوريتانيون جمهوريون. وفي ١٩ مايو أقام مجلس العموم، بصفة رسمية، الجمهورية الإنجليزية: " ولسوف يتولى الحكم في إنجلترا منذ الآن، بوصفها جمهورية أو دولة حرة، السلطة العليا للأمة، وهم ممثلو الشعب في البرلمان، ومن يعينونهم إلى جانبهم من وزراء، لخير الشعب (١) ". ولم تكن الجمهورية ديموقراطية. لقد طالب البرلمان بإقامة أساس ديموقراطي، ولكن طرد الأعضاء الملكين أثناء الحرب، والمشيخيين (البرسبتريان) في حركة التطهير، كان كما قال كرومول، " قد شتت البرلمان وغربله واختزله إلى مجرد حفنة من الرجال (٢).
[ ٣٢ / ٥ ]
أن الملاك وحدهم هم الذين كانوا ينتخبون البرلمان في الأصل، أما الآن فان مقاطعات برمتها باتت وليس لها ممثلون في " البرلمان المبتور " ولم تستند سلطة هذا البرلمان المبتور إلى الشعب بل إلى الجيش. فان الجيش وحده هو الذي استطاع أن يحميه من الثوار الملكيين في إنجلترا، والثوار الكاثوليك في إيرلندة، والثوار المشيخين في إسكتلندة، والثوار المتطرفين في الجيش نفسه.
ولمواجهة نفقات الحكومة ومتأخرات رواتب الجند اشتط هذا البرلمان في فرض الضرائب قدر ما فعل الملك الراحل. واقترح مصادرة أملاك كل من حمل السلاح دفاعا عن شارل، ولكنه في معظم الحالات ارتضى تسوية الأمر بحل وسط، هو تقاضى غرامة تعادل جزءا يتراوح بين العشر والنصف من القيمة الأساسية للضيعة. من اجل هذا عمد كثير من صغار النبلاء الذين عانوا الفقر والعوز في إنجلترا إلى الهجرة إلى أمريكا حيث كونوا أسرات أرستقراطية، مثل آل: وشنطن، وآل راندولف، وآل ماديسون وآل لي (^١). واعدم بعض زعماء الملكين، وأودع بعضهم السجن. ومع ذلك بقيت حركة الملكيين تقض مضاجع الحكومة، لان روح التعاطف مع الملكية سيطرت على الشعب، فان إعدام الملك حوله من جابي ضرائب إلي شهيد. وبعد عشرة أيام من موت شارل ظهر كتاب عنوانه " صورة ملكية " لمؤلفه القسيس المشيخي جون جودن، ولكنه يوهم بأنه أفكار ومشاعر شارل كما دونها هو بيده قبل موته بزمن وجيز. وربما صيغ بعض هذا الكتاب من مذكرات تركها الملك (٣). ومهما يكن من أمره، فان الصورة التي عرضها الكتاب هي صورة حاكم طيب القلب كان في واقع الأمر يدافع عن إنجلترا ضد طغيان أقلية حاكمة (أوليجاركية) غليظة القلب
_________________
(١) جددت الحرب الأهلية الأمريكية الحرب الأهلية الإنجليزية حيث حرضت أبناء الأرستقراطيين الإنجليز في الجنوب على أبناء البيوريتانيين الإنحليز في الشمال.
[ ٣٢ / ٦ ]
لا ترحم. وطبع الكتاب ستا وثلاثين مرة وترجم إلى خمس لغات في سنة واحدة، ولم تفلح الضجة التي أثارها كتاب ملتون " تحطيم الصور المقدسة " (١٦٤٩) في محو اثر كتاب جون جودن هذا، واسهم الكتاب في إثارة الرأي العام ضد الحكومة الجديدة. وشجع وكلاء الملكيين الذين شرعوا لفورهم في كل مقاطعة في إنجلترا يهيجون الشعور العام لإعادة أسرة ستيوارت. وقابل مجلس الدولة هذه الحركة ببث العيون والأرصاد على أوسع نطاق، والإسراع في القبض على الزعماء الذين يحتمل انهم كانوا يقومون بتنظيم ثورة.
وفي الناحية الأخرى كانت هناك أقلية من الأهالي وقس كبير من الجيش، يطالبون بديموقراطية شاملة بكل ما في الكلمة من معنى. كما طالب بعضهم بديموقراطية اشتراكية. وأمطرت السماء نشرات متطرفة. واصدر الكولونيل جون للبيرن وحده مائة منها. ولم يكن ملتون في تلك الحقبة شاعرا بل مؤلف نشرات وكتيبات. وهاجم للبيرن كرومول على انه طاغية مرتد منافق. وشكا أحد الكتاب من" انك قلما تحدثت إلى كرومول في أي موضوع ألا وضع يده على صدره ورفع عينيه وقال اللهم فاشهد. انه سوف يبكي ويصرخ ويبدي الندم، حتى وهو يسدد إليك ضربة تصيب من مقتلا (٤). " وفي إحدى النشرات تساءل كاتب أخر: " كان يحكمنا من قبل الملك واللوردات والنواب، أما الآن فيتولى الحكم فينا قائد الجيش والمحكمة العسكرية والنواب، فقل لنا بربك، ما هو الفرق؟ " (٥) وأحست الحكومة الجديدة بأنها مضطرة إلى تشديد الرقابة على الصحف والمنابر. وفي أبريل ١٦٤٩ قبض على للبيرن وثلاثة آخرين لإصدارهم نشرتين تصفان إنجلترا وهي " مكبلة في أغلال جديدة ". وهاج الجيش مطالبا بالإفراج عنهم. وتوعد نساؤهم كرومول بالويل والثبور إذا مس المعتقلون بأذى. وأرسل للبيرن من سجنه إلى طابع نشراته، متحديا، أنها ما بالخيانة العظمى " موجها ضد كرومول وابرتون ". وفي أكتوبر قدم الكتاب الأربعة إلى المحاكمة في قضية أثارت اهتمام الرأي
[ ٣٢ / ٧ ]
العام وشدت الآلاف من الناس إلى المحكمة. وتحدى للبيرن القضاة، وطالب بعرض القضية على هيئة المحلفين. فلما صدر الحكم ببراءة الكتاب الأربعة جميعهم انطلقت من الجمع الحاشد صيحة مدوية جماعية، يعتقد انه لم يسمع مثلها قط في دار البلدية، استمرت نحو نصف ساعة بلا انقطاع، حتى على الشحوب وجوه القضاة من شدة الفزع (٦) وظل للبيرن لمدة عامين بطل الجيش. ونفى في ١٦٥٢ ثم عاد في ١٦٥٣ فقبض عليه ثانية، ثم برئ (أغسطس ١٦٥٣)، ولكنه ظل مع ذلك سجينا. وفي ١٦٥٥ افرج عنه وقضى نحبه ١٦٥٧، وهو في الثالثة والأربعين من العمر.
وذهب بعض "أنصار المساواة" (حزب نشأ في البرلمان الطويل ١٦٤٧ يدعو إلى إزالة الفوارق بين الناس) إلى ابعد مما ذهب إليه للبيرن والديمقراطية، فدعوا إلى توزيع السلع توزيعا اقرب إلى المساواة. انهم تساءلوا: لم يكون هناك أغنياء وفقراء؟ لماذا يتضور بعض الناس جوعا على حين يحتكر الأغنياء الأرض؟. وفي أبريل ١٦٤٩ ظهر " نبي " يدعى وليم افرارد Everard، وقاد أربعة من الرجال إلى تل سان جورج في سرى، ووضعوا أيديهم على بعض الأرض غير المشغولة، وفلحوها، ونثروا فيها البذور، ودعوا الناس إليها. فانضم إليهم ثلاثون آخرون من جماعة "الحفارين" (وهو اسم أطلق عليهم). وانهم- كما جاء في تقرير إلى مجلس الدولة، ليهددون الجيران بأنهم سيحملون الجماعة كلها على القدوم وشيكا إلى التلال للعمل فيها (٧). "ولما سبق افرارد للمثول أمام نقيب الجيش سير توماس هيرفاكس، أوضح له أن اتباعه قد اعتزموا احترام الأملاك الخاصة، "وأنهم لن يقربوا ألا الأراضي العامة غير المفلوحة ليعملوا فيها حتى تؤتى ثمارها، "وأنهم يأملون" في أن يحين فجأة الوقت الذي يأتي فيه كل الناس طائعين مختارين وينزلون عن أراضيهم وضياعهم ويذعنون لجماعة الأخيار هذه (٨) ". فما كان من هير فاكس ألا أن أخلى سبيل الرجال على انهم أفراد متعصبون لا يخشى منهم أي أذى. وتابع أحدهم- وهو
[ ٣٢ / ٨ ]
جيرارد ونستانلى- الحركة ببيان أصدره في ٢٦ أبريل ١٦٤٩، تحت عنوان "لواء نصير المساواة الصادق يتقدم إلى الأمام": "في البدء جعل العقل (الخالق العظيم) الأرض ملكًا عامًا مشتركًا للحيوان والإنسان "، ولكن الإنسان فيما بعد عميت بصيرته فأصبح عبدا اكثر خضوعا لبنى جنسه من خضوع حيوانات الحقل لشخصه هو، وجرى التصرف في الأرض بالبيع والشراء، وأحاطها الحكام بالحواجز والأسياج، وبقيت في حوزة فئة قليلة من الناس. وكل ملاك الأرض لصوص ولن تنقطع الجريمة والكراهية والبغضاء ما لم تسترد الملكية العامة المشتركة (٩). وفي " قانون الحرية " (١٦٥٢) توسل ونستانلى إلى الجمهورية أن تقيم مجتمعا لا يوجد فيه بيع ولا شراء، ولا محامون، ولا أغنياء ولا فقراء، يجبر فيه الجميع على العمل حتى سن الأربعين، وبعد ذلك يعفون من الكدح. ويباح حق الانتخاب لكل البالغين من الذكور، ويكون الزواج أجراء مدنيا، والطلاق حرًا مباحًا (١٠). وتخلى " الحفارون " عن مشروعهم، ولكن دعايتهم نفذت إلى عقول الفقراء الإنجليز، وربما عبرت القنال إلى فرنسا، وعبرت المحيط إلى أمريكا.
أن كرومول نفسه، وهو من ملاك الأرض، وهو الشديد الخبرة بطبيعة الانسان، لم يثق في هذه المثل العليا في الملكية العامة، بل لم يثق حتى في حق الاقتراع للبالغين. وفي فترة الفوضى التي لا معدي عنها، عقب قلب أية حكومة، تدعو الحاجة إلى شيء من سلطة مركزة في بعض الأيدي، وقد تمثلت في كرومول، وأن كثير ممن أوغر صدورهم منه إعدام الملك، رحبوا لبعض الوقت بدكتاتورية بدت البديل الوحيد للانحلال الاقتصادي والسياسي بل أن الجيش نفسه، حين ترامت إليه أنباء الثورة المضادة التي تدبر في إيرلندة واسكتلندة، غمره الفرح إذ أيقن أن يد كرومول الحديدية على أتم استعداد لقيادته ضد العصاة والثوار الذين
[ ٣٢ / ٩ ]
لم يسعوا وراء " يوتوبيا " أو دنيا مثالية ديمقراطية، بل وراء عودة ملكية تثأر وتنتقم.