لم يشهد التاريخ من قبل ولا من بعد، ربما باستثناء عهد بركليس، حكومة شجعت الفن، أو غذته، أو هيمنت عليه، كما فعلت حكومة لويس الرابع عشر.
كان ذوق ريشليو الرفيع ومشترياته المختارة بحكمة قد أعانت الفن الفرنسي على أن يفيق من الحروب الدينية. وفي عهد وصاية آن النمساوية كان جماعوا التحف الأهليون-من الأشراف ورجال المال-قد بدأوا يتنافسون في جمع أثار الفن. فاقتنى ببير كروزا المصرفي مائة صورة بريشة تيشان. ومائة أخرى بريشة فيرنوزي، ومائتين بريشة روبنز، وأكثر من مائة فانديك. أما فوكيه فقد جمع قصر فو كما رأينا صورًا وتماثيل، وتحفًا فنية أقل شأنًا، وكان في جمعه من التمييز أكثر مما كان فيه من الحكمة والحذر. وورث لويس مقتنياته بعد أن أجهز عليه، وما لبث العديد من المجموعات الخاصة الأخرى أن جمع في اللوفر أو فرساي. وكان مازاران قد آثر وضع شطر من ثروته في الفن دون النقود تجنبًا لهبوط قيمة العملة. وقد أسهم ذوقه الإيطالي الرفيع في تكوين انحياز الملك إلى الفن الكلاسيكي. وأغلب الظن أنه هو الذي علم لويس الرابع عشر أن مما يعزز مجد الحاكم أن يجمع الفن ويعرضه ويحتضنه. وقد هيأت هذه المجموعات المثل الحافزة والقواعد الموطدة لتعليم الفن وتطويره في فرنسا.
[ ٣١ / ١٣٦ ]
وكانت الخطوة التالية هي تنظيم الفنانين. وهنا أيضًا كان مازاران سباقًا. ففي ١٦٤٨ أسس أكاديمية التصوير والنحت، وفي ١٦٥٥ أصدر الملك مرسومًا بهذه الأكاديمية فأصبحت الأولى في سلسلة من الأكاديميات التي قصد بها تدريب الفنانين وتوجيههم إلى خدمة الدولة وتجميلها. والتقط كولبير الخيط حيث تركه مازاران، وبلغ بهذه المركزية للفن الفرنسي القمة. وكان يتطلع إلى "جعل الفنون تزدهر في فرنسا أكثر من ازدهارها في أي بلد آخر (١) " رغم أنه لم يدع لنفسه ملكة الحكم في أمور الفن. وبدأ بأن اشترى للملك مصنع جوبلان للنسيج المرسوم (١٦٦٢) وفي ١٦٦٤ حصل على منصف المشرف على العمائر، فأتاح له هذا المنصب هيمنة على المعمار والفنون الملحقة به. وفي ذلك العام أعاد تنظيم أكاديمية التصوير والنحت، وسماها الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة. وكان هنري الرابع قد أسكن اللوفر طائفة من مهرة الصناع بيزينوا القصور الملكية. فجعل كولبير من هؤلاء الرجال نواة للمصنع الملكي لأثاث التاج (١٦٦٧). وفي ١٦٧١ أنشأ الأكاديمية الملكية للعمارة، حيث أغرى الفنانون بالبناء والزخرفة بـ"الذوق الرفيع" الذي يحبذه الملك. وفي هذه الجماعات كلها وضع مهرة الصناع تحت إشراف الفنانين، وهؤلاء تحت إرشاد سياسة وطراز موحدين.
ورغبة في دعم الاتجاه الكلاسيكي الذي تلقاه الفن الفرنسي إبان عهد فرنسوا الأول، وتنقيته من التأثيرات الفلمنكية، أنشأ كولبير وشارل لبرون أكاديمية فرنسا الملكية في روما (١٦٦٦). وكان الطلاب الحائزون على جائزة روما في أكاديمية باريس يبعثون إلى إيطاليا ويعالون خمس سنين على حساب الحكومة الفرنسية. وفرض عليهم أن يستيقظوا في الخامسة صباحًا ويمضوا إلى الفراش في العاشرة مساءًا. وقد دربوا على نسخ النماذج الكلاسيكية ونماذج النهضة ومحاكاتها، وكان ينتظر من كل من هم أن ينتج "رائعة" (بالمعنى المصطلح عليه في نظام الطوائف) مرة كل ثلاثة أشهر، فإذا عادوا إلى فرنسا كان للدولة الحق المقدم في خدماتهم.
[ ٣١ / ١٣٧ ]
وكانت ثمرة هذه الرعاية والتأمين للفن إنتاجًا رائعًا ضخمًا للقصور، والكنائس، والتماثيل، والصور، وقطع النسيج المرسوم، والخزف، والمداليات، والمحفورات، والنقود، وكلها مطبوع بكبرياء "الملك الشمس" وذوقه، وبقسمات وجهه أحيانًا كثيرة. ولم يكن هذا إخضاع الفن الفرنسي لروما كما شكا البعض، بل إخضاع فن روما للويس الرابع عشر. وقد استهدف الأسلوب أن يكون كلاسيكيًا، لأن ذلك الأسلوب يتفق وعظمة الدول وجلال الملوك. وتدفقت الأموال الفرنسية إلى إيطاليا بأمر كولبير لشراء آثار الفن الكلاسيكي أو فن النهضة، وبذل كل شيء لنقل مجد الأباطرة الرومان إلى ملك فرنسا وعاصمتها، وكانت النتيجة مذهلة للعالم.
وأصبح لويس الرابع عشر أعظم رعاة الفن الذين عرفهم التاريخ. فقد "بذل للفنون من التشجيع قدرًا أعظم من جميع نظرائه من الملوك مجتمعين" (في رأي فولتير) (٢). وكان بالطبع أسخى جماعي الفنون، فزاد عدد الصور في قاعاته من مائتين إلى ألفين وخمسمائة، وكان كثير منها من إنتاج فنانين فرنسيين كلفهم الملك برسمها. واشترى الكثير جدًا من المنحوتات الكلاسيكية وتماثيل عصر النهضة، حتى لقد خشيت إيطاليا أن تنزح آثارها الفنية، وحظر البابا المزيد من تصدير هذه الآثار. واستخدم لويس رجالًا موهوبين مثل جيراردون أو كوازيفوكس لنقل نسخ من التماثيل التي لم يستطع شراءها، وقل أن نافست نسخ أصولها كما نافستها هذه النسخ. وملئت قصور باريس وفرساي ومارلي وحدائقها وبساتينها بالتماثيل، وكان أوثق سبيل إلأى قلب الملك إهداؤه أثرًا ذا جمال غير منازع أو شهرة راسخة. مثال ذلك أن مدينة آرل أهدته تمثالها الشهير "فينوس" في ١٦٨٣. ولم يكن لويس بالرجل الشحيح. وقد قدر فولتير أنه كان يشتري في كل عام من آثار الفنانين الفرنسيين ما قيمته ٨٠٠. ٠٠٠ جنيه ويهديها للمدن والمؤسسات والأصدقاء (٣) بهدف مساعدة الفنانين وبث ملكة الجمال والإحساس الفني في الوقت نفسه. وكان ذوق الملك سليمًا أسدى إلى الفن
[ ٣١ / ١٣٨ ]
الفرنسي أيادي بيضاء، ولكنه كان كلاسيكيًا إلى حد ضيق. فحين أروه بعض الصور التي رسمها تنييه الابن قال آمرًا "ابعدوا عني هذه الأشياء البشعة" (٤) وقد ارتقى الفنانون بفضل رعايته كثيرًا، سواء في أرباحهم أو مكانتهم الاجتماعية. وقد ضرب المثل بتكريمه إياهم شخصيًا، وحين شكا البعض من ألقاب الشرف التي خلعها على المصور لبرون والمعماري جول-آردوان-مانسار أجاب في شيء من الحدة "في وسعي أن أصنع عشرين دوقًا أو نبيلًا في ربع ساعة، ولكن صنع فنان كمانسار يقتضي قرونًا" (٥). وبلغ راتب مانسار ٨٠. ٠٠٠ جنيه في العام، أما لبرون فكان يتقلب في نعيم قصوره بباريس وفرساي ومونمورنسي. وتقاضى لاجلبير وريجو ستمائة جنيه أجرًا عن كل لوحة. "ولم يترك فنان كفء في عوز" (٦).
وقلدت الأقاليم العاصمة في تكريم الفن وإثابته، واقتدى النبلاء بمليكهم. فطورت المد ن مدارس فنية خاصة بها-في روان، وبوفيه، وبلوا، وأورليان، وتور، وليون، وإكس-أن-بروفانس، وتو لوز، وبوردو وواصل النبلاء دورهم رعاة للفن وإن تقلص لأن الدولة استوعبت المواهب المتاحة، وأسهم الذوق المدرب الذي نشئت عليه أرقى أرستقراطية في أوربا في توطيد الطراز الرفيع الذي اتسمت به منتجات الفن في عهد لويس الرابع عشر. واكتسب الرجال والنساء الذين ولدوا في نعيم الامتيازات والثراء وشبوا على العادات المهذبة وسط محيط جميل وأشياء بديعة-نقول إنهم اكتسبوا معايير وأذواقًا ممن يكبرونهم سنًا كما اكتسبوها من بيئتهم، وكان على الفنانين أن يلبوا مطالب تلك المعايير ويشبعوا تلك الأذواق. ولما كان الاعتدال، وضبط النفس، والتعبير الأنيق، والحركة الرشيقة، والشكل المصقول، لما كانت هذه كلها مثل الأرستقراطية الفرنسية في هذا العهد، فقد تطلبت هذه الصفات في الفن، وحبذ النظام الاجتماعي الطراز الكلاسيكي. وأفاد الفن من هذه المؤثرات والهيمنات، ولكنه دفع ثمنها. ذلك أنه فقد اتصاله بأفراد الشعب، ولم يستطع أن يعبر عنهم كما
[ ٣١ / ١٣٩ ]
استطاع الفن الهولندي والفلمنكي أن يعبر عن الأراضي المنخفضة، وأصبح الفن صوت طبقة، وصوت الدولة والملك، لا صوت الأمة. فأنت لا تجد في فن هذه الحقبة الكثير من دفء الوجدان أو عمقه، ولا تجد ألوان روبنز الفنية وأجساده المكتنزة، ولا تجد الظلال العميقة التي تلف حاخامات رمبرانت وقديسيه ومالييه، ولا ترى فلاحين ولا عمالًا، ولا متسولين، بل السعادة الجميلة ترتع فيها صفوة البشر.
وأبهج كولبير ومولاه أن يجدا في شارل لبرون رجلًا يستطيع أن يكون في وقت واحد خادمًا غيورًا للحكومة وقاضيًا متسلطًا في هذا الطراز الكلاسيكي، ففي ١٦٦٦ عين لبرون بتوصية كولبير كبيرًا لمصوري الملك ومديرًا لأكاديمية الفنون الجميلة، وبعد عام عهد إليه بمصنع جوبلان، ووكل بالإشراف على تعليم الفنانين وتشغيلهم لينمي في أعماله تناسقًا في الأسلوب مميزًا للعهد وممثلًا له. وبمعاونة مساعدين على شاكلته في التفكير أنشأ لبرون في الأكاديمية نظام "المحاضرات" (١٦٦٧) التي غرست بفضلها أصول الأسلوب الكلاسيكي بتعاليم وأمثلة وسلطان. واختير رفائيل من بين الفنانين الإيطاليين، وبوسان من بين الفنانين الفرنسيين، نموذجين مفضلين على غيرهما، وكانت كل لوحة يحكم عليها بمعايير مستقاة من فنها. وقد صاغ لبرون وسباستيان بوردون هذه القواعد، فرفعا الخط فوق اللون، والانضباط فوق الأصالة، والنظام فوق الحرية، ولم تعد مهمة الفنان أن ينقل الطبيعة بل أن يجملها، ولا أن يعكس فوضاها وعيوبها وبشاعتها كما يعكس جمالها العارض، بل أن ينتقي من بين سماتها تلك التي تتيح للنفس الإنسانية الإفصاح عن أعمق مشاعرها وأرفع مثلها. وكان على المعماريين والمصورين والنحاتين والخزافين وصناع المشغولات الخشبية والمعدنية والزجاجية والنقاشين، أن ينطقوا في صوت متناسق واحد بتطلعات فرنسا وبعظمة الملك.
[ ٣١ / ١٤٠ ]